ناصر الحلواني: ما أردت إثارته لدى القراء أن يحثهم النص على التفكير والبحث عن المعنى

القاص والمترجم المصري يقول إن التاريخ يعينه على فهم الواقع

ناصر الحلواني
ناصر الحلواني
TT

ناصر الحلواني: ما أردت إثارته لدى القراء أن يحثهم النص على التفكير والبحث عن المعنى

ناصر الحلواني
ناصر الحلواني

يؤثر القاص والمترجم المصري ناصر الحلواني منطقة الظل، ويرى أنها «الأنسب لطبيعتي الشخصية التي تميل إلى العزلة والتأمل الفلسفي». هذه الأجواء لم تنفصل عن مناخات أعماله القصصية والروائية التي تعتمد على التكثيف واستخدام الرموز، ومنها مجموعته الأولى «مدائن البدء» عام 1989، وروايته «مطارح حط الطير». والحلواني هو مترجم أيضاً، وقد ترجم أعمالاً لمجموعة من الكتاب منهم: توني موريسون، كالفينو، عبد الرازق جورنه، وأوسكار وايلد.
هنا حوار معه حول أعماله، ورؤيته الأدبية وهموم الكتابة.
> في مجموعتك القصصية «مدائن البدء» تكثيف شديد، ومشهدية تقترب كثيراً من التجريد، ما المؤثرات التي دفعتك للجوء لهذا الشكل في الكتابة، وما هو مبرره فنياً؟
- هذا صحيح، ولإدراكي باختلافها عن الكتابة السائدة في ذاك الحين (1989) أضفت، على غير عادة كتاب القصة القصيرة، مقدمة للمجموعة، كدليل إلى وجهتها وكيفية التعامل معها لتحقيق قراءة أفضل. كان المؤثر الجوهري هو نظرتي الفلسفية إلى العالم. كنت مشبعاً بنظرة مثالية، أفلاطونية تحديداً، جعلتني أتجاوز المادية إلى الجوهر المعنوي، اللبّ، وكنت أقصد تجسيد الفكرة، أكثر من مجرد التعبير عنها. كنت أرى ذلك في الموسيقى، والفن التشكيلي، وبعض الشعر، وبعض فنيات السينما، والعنصر الأهم كان هو اللغة، وأنت تعلم كم هي ثرية ودقيقة لغتنا العربية.
> لكن لماذا الغموض واللجوء لهذا الشكل المشفَّر الذي يبدو مستغلقاً أمام القارئ؟
- اسمح لي أن أختلف معك حول المفهوم؛ فالغموض إخفاء ومداراة وتعمية، أما ما قصدت أنا إليه فهو الترميز القابل لفك شفرته، والمجاز المتضمن لمفاتيحه، وإن كنت أتفق معك في صعوبة فك الشفرة، ويرجع ذلك ربما إلى محدودية الثقافة بشكل عام لدى القراء، ولعل هذا مرجعه إلى موضوع القراءة والتعلم في ثقافتنا، وما أردت إثارته لدى القراء، أن يُثري النص معارفهم، ويحثهم على البحث عن المعنى، لتنشيط ملكة النظر والنقد والفهم لواقعهم.
> ثمة حس صوفي يكاد يسيطر على أجواء أعمالك القصصية، ويظهر ممتزجاً مع ما هو حسي وجسدي. وما الذي ترمي إليه من خلال هذا المزج؟
- يرجع ذلك إلى طبيعتي الشخصية، وما أثر فيها من جوانب فلسفية وفكرية، فقد كنت، وما زلت، ميالاً للعزلة والتأمل، والعالم يسلبك هذه المتعة. التصوف، بمفاهيمه، وأحواله ومقاماته المجردة، وليس بشطحاته الفكرية، هو ما جذبني، أو لنقل انجذب إليَّ، حيث كانت نفسي بيئة خصبة له. أما تجليه أدبياً، فلأنه كان التعبير عن السمو والرفعة والنقاء، وهذا ما رغبت في نقله إلى قارئي، إضافة إلى الجانب المعرفي، وأقصد به الجانب الأخلاقي؛ فالجسد مادة أرضية معتمة تتسم بالشهوانية، ولكنه يؤوي روحاً من مادة سماوية نورانية تتسم بالأخلاقية، وبينهما يدور الصراع الأزلي الأبدي، ودعوتي أن على الإنسان أن يدرك أن مادة جسده تنطوي على روح نقية، فلا يهملها، وعلى علاقاته بالعالم أن تمضي بحسب هذا الجانب الروحي.
> في روايتك «مطارح حط الطير» تلجأ لتفكيك مركزية الحدث. وتعدد مستويات السرد والاجتراء على التناص، وهناك هيمنة للمتخيل السردي على الواقعي... ألم تخش أن يؤدي ذلك إلى تشكيل صعوبات في التلقي؟
- بالنسبة لبنية الرواية، ومسألة تفكيك الحدث، فقد رغبت في أن تتناول الرواية تاريخ الأندلس منذ عبور طارق بن زياد وموسى بن نصير إلى ساحل شبه جزيرة إيبيريا (الأندلس) وحتى تسليم أبي عبد الله مفاتيح غرناطة إلى فرديناند وإيزابيللا، وهي فترة بالغة الطول (711م إلى 1492م)، نحو ثمانمائة عام، بالإضافة إلى أنني لم أقصد إلى كتابة رواية تاريخية بالشكل المعروف، بل قصدت إلى التعبير عن الدلالات والمعاني، واستلهام الأحداث التاريخية، كنوع من فهم التاريخ، للإفادة منه في فهم واقعنا في زمن القراءة؛ ولهذا كان الشكل الأنسب لذلك، ولطبيعة أسلوبي المكثف والموجز، هو تقسيم التاريخ إلى لحظات حاسمة تعبر عنه، ولعلك تلاحظ، وهو أمر لم يلحظه أو يشير إليه أحد، أن فصول الرواية ثمانية، وتاريخ الأندلس بالقرون ثمانية. أما هيمنة المتخيل، فهو الأنسب لعمل أدبي لا يقصد إلى التاريخ، بل إلى خلق نص إبداعي وجمالي يثير في القارئ شغف النظر إلى الأحداث من وجهة مختلفة، أعمق وأكثر إحاطة. وعن صعوبة التلقي، فهذا ما حدث بالفعل، ولكن مرجعه ما سبق أن ذكرته عن الحالة الثقافية والمستوى المعرفي لدى القارئ عموماً، فالرواية حشد من الدلالات والإشارات والرموز، لذلك تحتاج إلى معرفة، ولو بسيطة، بتاريخ الأندلس وأهم أحداثه وشخصياته.
> حدثني عن موقفك من القارئ باعتباره ضلعاً مهماً من أضلاع أي عمل إبداعي؟
- تقوم العملية الإبداعية، بمعناها الأوسع، على ثلاثة أضلاع «الكاتب والناقد والقارئ». ويحدث الخلل في المجال الإبداعي بضعف واحد أو أكثر من هذه الأضلاع. بالنسبة لمسألة تصور الكاتب لقارئه فأضعها، كإشكالية، على هذا النحو، يبدع الكاتب الذي يوافق ذاته وخبراته وشخصيته، ويقرأه من يتوافق معه أو يجذبه ذلك، أو يجعل إبداعه على النحو الذي يوافق قارئ بعينه، وربما يكون ذلك مناسباً في كتابة القصص البوليسية، أو قصص الإثارة المسلسلة وما يشبهها، أما حدوثه من مبدع أدبي فهو أشبه بصنع أفلام رخيصة لأجل تحقيق مكاسب مادية، والأمر بالنسبة لي ليس فقط ما يريده الكاتب من قارئه، بل أيضاً ما يريد الكاتب لقارئه.
> هل هذا ما يبرر الحضور الشخصي للمؤلف في تضاعيف روايتك «مطارح حط الطير» والأحداث لديك؟
- مقدمتي لرواية «مطارح حط الطير» مهرتها بتوقيع «نون»، وهو الشخصية الرئيسية، ولكنها جاءت في أسلوب يغاير أسلوب خطاب الراوي في الرواية، أردت بذلك القول أنني المؤلف هو نفسه نون بطل الرواية، ورأيتني أشبه بالمايسترو، لا يعزف، ولكن يقود العازفين، فهو موجود، وكان الشكل الفني للرواية يستلزم وجوده، ولو على نحو خفي، ليوجه دفة السرد إلى غايته، فلا يتوهم القارئ أنه أمام رواية تاريخية بالشكل المعتاد، فيفوِّت بذلك الفائدة الجوهرية الكامنة في تخليق نظرة إلى ذلك الحدث المهم والخاص في تاريخه، والاستفادة منه، وكذلك نظرة إلى التاريخ عموماً، تقدر على تحصيل خلاصة جوهرية لمساره.
> ترجمت كثيراً من قصص وأعمال توني موريسون، وإيتالو كالفينو وعبد الرازق جورنه وأوسكار وايلد، وغيرهم... ما الذي أضافه المترجم ناصر الحلواني إلى وجهه الآخر «الكاتب»؟
- تمثل الترجمة لي نوعاً من القراءة المتأنية والعميقة لنوع الكتابة الذي أفضله، ويوافق شخصيتي الإبداعية؛ ولهذا لا أترجم، في غالب الأحيان، غير الأعمال التي تقترب في مزاجها من أعمالي، وأقصد بذلك الجانب الشعري والكثافة وتألق المجاز، فمعظم من ترجمت لهم هم إلى جانب كتابة القصة والرواية، شعراء. أما فعل الترجمة بالنسبة لي، فكان ذا فائدتين، الأولى: الانشغال بعمل في فترات الركود الإبداعي، والأخرى: نافذة ثقافية ومعرفية بالغة الأهمية، سواء من الوجهة الإبداعية؛ بالتعرف على الجديد من أساليب سردية، وتصوير إبداعي للأحداث وبنية العمل، ومن الوجهة المعرفية؛ بالاطلاع على مناهج فكرية، وأساليب تناول الأفكار العميقة ببساطة متمكنة، وكذلك التعرف على حيوات المبدعين، وتأثيرات واقعهم وشخصياتهم على إبداعهم.
> في مجموعتك القصصية «غوايات الظل» هناك محاولات للبعد عما قيل عن مجموعتك السابقة «مدائن البدء» التي يغلب عليها التجريد واللغة الشعرية المحلقة... لماذا لم تسع في الطريق نفسها وتحفر في الاتجاه نفسه؟
- بعد صدور مجموعتي «مدائن البدء»، لمست الإعجاب الواضح بكتابتي وتميزها لدى القراء من الكتاب والنقاد، ولكنني لمست أيضاً صعوبة في التلقي لدى القارئ العادي، بل لدى بعض الكتاب؛ لما ذكرته من نظرتي المثالية التي دفعتني إلى الاهتمام باللغة والتجريد، وحيث إني كثير المراجعة لنفسي، ولا أنشغل بمسألة الشهرة، وصنع ما يعجب الجمهور، شعرت أني لم أحقق مبتغاي الأصلي والأهم، وهو دوري مع القارئ، بخاصة العادي، فهو من أرغب، بقدر استطاعتي، في تنمية ذائقته الجمالية، ليتخلق لديه معيار يميز به بين الجيد والرديء، وليجد ما يجذبه في العمل فيستمر في القراءة، فشرعت في إعادة النظر في نصوصي الأولى، وبحثت وقرأت الكثير من الكتب النظرية والأعمال الأدبية، كما كانت محاولتي تلك نوعاً من التطور، حاولت فيه أن أمزج بين أسلوبي الشعري، وبين تطوير الجانب السردي، وأن أوازن، بقدر المستطاع، بينهما، ليجد القارئ جسداً واضحاً يأخذ به بسهولة إلى روح النص. ولعل هذا ما حققته بنحو أكبر في مجموعتي القصصية «أرواح تترى» (2019).
> لماذا رجعت في مجموعة «لحظات» إلى كتابة قصص قصيرة جداً، كأنك تكمل دائرة «مدائن البدء»، ما العناصر اللي اتكأت عليها في كتابة هذه المجموعة؟
- القصة القصيرة جداً، بالمناسبة، تعد من الأشكال الأدبية الصعبة، ففي نص قد لا يتجاوز حجمه ما بين عشرين إلى مائة كلمة يتحقق السردي، والبنية، والصورة، والمفارقة، والوجازة، بالإضافة للمعنى المقصود، فكأنما أنت النفَّرِي في مواقفه، أو صوفي تجلت له في لحظة وجْد حقائق وأسرار خفية، أو فيلسوف يضع في عبارة مجمل فلسفته، وأن تجعل ذلك في شكل واضح ومفهوم وبسيط، قادر على أن يحمل إلى ذهن القارئ حكمة، أو فهماً، يؤثر فيه ويجعله يغير من نظرته للعالم. وإذا رجعنا إلى أصل هذا الشكل من الكتابة فسنجده لدى الحكماء القدماء، وإبداعياً هو نوع من التطور الفكري والإبداعي لدى الكاتب. وربما جاء هذا الشكل الفني نتيجة للتطور الحاصل في العالم، ثقافياً وتكنولوجياً واجتماعياً، وصار هو الشكل المناسب لقارئ هذا العصر. وبالنسبة لي فأعمالي القصصية القصيرة جداً في مجموعة «لحظات» تختلف عن نصوص مجموعة «مدائن البدء» كثيراً، فهي مقصودة في هذا الشكل هنا، كما أنها سردية إلى حد كبير.
> هل من أعمال جديدة قادمة؟
- نعم، هناك مجموعة جديدة أوشك على إتمامها، عنوانها «معنى الوردة»، وهو عنوان إحدى قصصها، تتضمن عدداً من القصص القصيرة، بعضها أطول من المعتاد في نصوصي السابقة.



الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».


«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».