أنطونيو كوستا يقدّم جرعة أمل إلى اشتراكيي أوروبا

رئيس الوزراء البرتغالي يحتفظ بالسلطة رغم صعود اليمين المتطرف

أنطونيو كوستا يقدّم جرعة أمل إلى اشتراكيي أوروبا
TT

أنطونيو كوستا يقدّم جرعة أمل إلى اشتراكيي أوروبا

أنطونيو كوستا يقدّم جرعة أمل إلى اشتراكيي أوروبا

كانت القمة الأوروبية في أحرج مراحل المفاوضات حول تحديد قيمة المساعدات المالية التي ستخصص للدول الأعضاء المتضررة من جائحة «كوفيد - 19» وشروط الحصول عليها، ويومها كانت تلك المفاوضات تهدد بانفراط عقد الاتحاد المنقسم بين دول الشمال ودول الجنوب. في حينه، أطلق رئيس الوزراء البرتغالي أنطونيو كوستا، الذي كانت بلاده تتولّى الرئاسة الدورية للاتحاد، عبارته الشهيرة التي وصف فيها الموقف الهولندي بأنه «مثير للقرف»... وتوجّه إلى رئيس وزراء هولندا يسأله «هل تريد لبلادك أن تخرج من الاتحاد؟».
تلك كانت نقطة التحول في مسار القمة التي انتهت بالموافقة على أكبر حزمة مساعدات في تاريخ الاتحاد الأوروبي. ولقد استفادت منها بشكل أساسي «دول الجنوب»، مثل إيطاليا وإسبانيا والبرتغال واليونان، التي كانت الجائحة بدأت تجهد اقتصاداتها المنهكة، وتهدد بانفجارات اجتماعية وتداعيات سياسية بعيدة المدى. وبعد تلك القمة بأشهر ثلاثة قلّد الملك فيليبي، عاهل إسبانيا، رئيس الوزراء البرتغالي الاشتراكي أرفع وسام وطني إسباني تقديراً لجهوده في الدفاع عن القيم الأساسية للاتحاد الأوروبي خلال الرئاسة الدورية للاتحاد.
يوم الأحد الفائت، للمرة الثالثة منذ بداية جائحة «كوفيد - 19»، ذهب البرتغاليون إلى صناديق الاقتراع بعد سقوط الحكومة التي يرأسها أنطونيو كوستا، إثر خروج حلفائه اليساريين من الائتلاف الحاكم اعتراضاً على مشروع الموازنة الذي كان أمام البرلمان.
وبينما كانت جميع استطلاعات الرأي ترجّح تكرار التوزيع البرلماني نفسه للقوى السياسية، أسفرت النتائج عن حصول الحزب الاشتراكي بقيادة كوستا على الغالبية المطلقة. وكانت هذه المرة الثانية التي يكسب الاشتراكيون الغالبية المطلقة منذ عودة الديمقراطية إلى البرتغال عام 1985 إثر سقوط ديكتاتورية أنطونيو سالازار أمام «ثورة القرنفل» التي قادها ضبّاط يساريون معظمهم خدم مع وحدات الجيش الذي كان منتشراً في المستعمرات البرتغالية السابقة في القارة الأفريقية.
هذا الفوز الساحق في البرتغال للاشتراكيين بقيادة كوستا، كان مبعث ارتياح واسع وجرعة منشطة للأوساط الاشتراكية الأوروبية التي تجهد منذ فترة لاستعادة موقعها في المشهد السياسي الأوروبي، حيث تتقدم راهناً الأحزاب الشعبوية والقوى اليمينية المتطرفة.

يهوى التحديات الصعبة
أنطونيو كوستا، للذين يعرفونه جيداً، رجل يهوى المعادلات والتحديات الصعبة والمعقدة، ويتمتع بقدرة خارقة على الصبر والمناورة في أحلك الظروف وأدقها. كذلك يقولون، إن هذه الصفات التي يتحلى بها رئيس الوزراء البرتغالي هي التي دفعته في العام 2015 إلى أول تجربة من نوعها في تاريخ البرتغال عندما اقترح تشكيل تحالف القوى اليسارية، تمكن من وضع الحزب الاشتراكي في موقع قيادة حكومة ائتلافية يدعمها الحزب الشيوعي، وكتلك حزب اليسار وحزب «الخضر».
يومذاك لم يراهن أحد على نجاح تلك التجربة، التي اعتبرها متابعون كثيرون ضرباً من المستحيل، ليس فقط لأنها حاولت أن تجمع بين أحزاب متضادة في مجالات عديدة، بل لأنها كانت أول مرة يتولّى فيها رئاسة الحكومة الحزب الذي لم يحصل على أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات العامة. غير أن ما وصفته المعارضة اليمينية في حينه بعبارة «العمل الصبياني»، تحوّل إلى تجربة مثالية أثارت إعجاب الشركاء الأوروبيين واستحقت ثناءهم؛ إذ صمدت ست سنوات قبل أن ينفرط عقد الائتلاف بسبب من اعتراض الحلفاء اليساريين على مشروع الموازنة، الذي أسقط الحكومة وأدى إلى إجراء الانتخابات الأخيرة... التي أسفرت عن فوز ساحق للاشتراكيين بما يزيد على 42 في المائة من الأصوات.

مفاوض ماهر ومنفتح
يشتهر أنطونيو كوستا، في الواقع، بمهارة عالية في التفاوض كانت سلاحه الأمضى طوال الفترة التي تولّى خلالها رئاسة الحكومة. في مستهل تلك الفترة أعلن، أن في طليعة أهدافه الرئيسية: توفير الاستقرار حتى نهاية الولاية التشريعية، ورفض التوصل إلى اتفاقات مع الأحزاب والقوى اليمينية، والفوز في الانتخابات العامة التالية. وكانت السنوات الست المنصرمة، التي قاد كوستا خلالها الحكومة الائتلافية، أول مرة يتوحد فيها اليسار البرتغالي وبالتالي يتولّى الحكم... الذي ظلت تتناوب عليه القوى اليمينية والوسطية منذ 47 سنة.
من جهة ثانية، وعلى الرغم من أن نتائج الانتخابات الأخيرة تضمن لكوستا حريّة التحرك من دون اللجوء إلى تحالفات أو تفاهمات مع القوى البرلمانية الأخرى، حملت تصريحاته الأولى دعوة صريحة إلى الحوار. إذ قال «إن الغالبية المطلقة ليست سلطة مطلقة ولا تفرّداً بالحكم، بل هي مسؤولية تقتضي الحكم من أجل جميع المواطنين. هذه الغالبية ستكون للحوار مع جميع القوى السياسية»، إلا أنه استثنى من الحوار المقترح حزب «شيغا» اليميني المتطرف.
الجدير بالذكر هنا، أنه بعد سنتين من ظهور جائحة «كوفيد - 19»، وسقوط حكومته إثر رفض مشروع الموازنة الذي قدمته في البرلمان، وأيضاً بعد حملة انتخابية معقّدة ذهبت بعض الاستطلاعات حد التوقع بفوز الأحزاب اليمينية، يخرج أنطونيو كوستا من هذه المعركة الطويلة بصورة «الاشتراكي الذي لا يُقهر» والزعيم القادر على انتزاع الغالبية المطلقة في أخطر مراحل التشرذم الحزبي الذي تعيشه البرتغال... ومن ثم، يتولّى رئاسة الحكومة لأطول فترة منذ انتصار «ثورة القرنفل».

بطاقة هوية
ولد أنطونيو كوستا يوم 17 يوليو (تموز) من عام 1961 لعائلة مسيّسة ومثقفة. فوالدته الصحافية المعروفة ماريّا أنطونيا بايّا، ووالده الكاتب أورلاندو كوستا - المولود في موزامبيق والمتحدر من أصول هندية - . وكان الوالد من أشد المعارضين لديكتاتورية سالازار. ولقد اعتقلته الشرطة السياسية مرات عدة بسبب نشاطه في الحزب الشيوعي، الذي كان أحد قادته في المستعمرات البرتغالية. مع الإشارة إلى أن والدته كانت ناشطة يسارية أيضاً... ولكن في صفوف الحزب الاشتراكي.
ومن ثم، كان من الطبيعي في هذه الأجواء التي نشأ عليها كوستا، أن يقرّر الانتساب إلى الحزب الاشتراكي وهو ما زال في الرابعة عشرة من عمره... وأن يردّد في مناسبات عديدة جملته الشهيرة «ولدت يساريّاً».
المقرّبون من الزعيم الاشتراكي، يقولون، إن كوستا كان دائماً أكثر اعتدالاً من والده، الذي كان ينخرط معه في نقاشات سياسية طويلة «إلا أنها لم تكن نقاشات بين أب وابنه، بل بين شيوعي واشتراكي»، كما يقول عمّه خورخي سانتوس الناشط هو أيضاً في الحزب الشيوعي.
وبمرور الأيام تدرّج كوستا في مواقع قيادية عديدة داخل الحزب الاشتراكي، كان آخرها - قبل توليه رئاسة الحكومة - منصب رئيس بلدية العاصمة لشبونة من العام 2007 إلى العام 2015، والحقيقة أن ولايته في الحكم المحلي كانت محط ثناء حتى من خصومه اليمينيين. وقبل تلك المحطة، كان كوستا نائباً في البرلمان الأوروبي، ثم عيّن وزيراً للداخلية في العام 2005 ضمن حكومة جوزيه سوكراتيش (سقراط) الأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، ووزيراً للعدل والشؤون البرلمانية في حكومة أنطونيو غوتيرّيش، الأمين العام الحالي للأمم المتحدة.

البدايات... والذكريات
يذكر كوستا في إحدى مقابلاته الصحافية، أن أول نشاط سياسي قام به في الثالثة عشرة من عمره غداة «ثورة 25 أبريل (نيسان)» عندما أقيلت مديرة المعهد الذي كان يدرس فيه. وحينذاك، بادر مع رفاقه إلى تنظيم حركة احتجاجية ضد القرار، واضطرت قوة عسكرية إلى التدخل بعدما احتلّ الطلاب سطح المعهد وراحوا يرمون الجنود بالحجارة.
وبعد إنهائه دراسته الثانوية، التحق أنطونيو كوستا بكلية الحقوق في جامعة لشبونة، حيث انخرط في الحركة الطلابية التي أصبح من قادتها البارزين مطلع ثمانينات القرن الماضي. وبعدما أنهى دراسته الجامعية، مارس المحاماة إلى جانب العمل السياسي لسنوات قبل أن يتفرّغ كلياً للسياسة اعتباراً من العام 1993.
وفي مضمار السياسة، يؤكد معاونوه وأصدقاؤه، أنه مثابر وحازم وماهر في إدارة المفاوضات، لكنه أحياناً «مندفع حد التهور»، ويجد صعوبة في التكيّف مع نتائج الحوار التي لا تكون حسب رغبته أو ضمن توقعاته.
مع هذا، اعتاد كوستا منذ شبابه على التعايش مع الآراء المتباينة في محيطه العائلي...بدءاً من النقاشات الحادة مع والده الشيوعي إلى الخلاف مع والدته الصحافية التي كانت ضد سياسة حكومة سوكراتيش - التي كان هو يشغل وزارة الداخلية فيها - وإلى زوجته التي خرجت غير مرة لتتظاهر ضد حكومة غوتيرّيش التي كان أيضاً وزيراً فيها. ولقد استمرّ هذا التباين في الآراء داخل العائلة إلى اليوم، خصوصاً مع شقيقه ريكاردو كوستا، الصحافي ومدير قسم الرأي في صحيفة «إكسبريسو» الواسعة التأثير في البرتغال، والذي غالباً من يوجّه انتقادات لاذعة إلى الحكومة وأدائها.
أما على الصعيد الشخصي، فإن كوستا متزوج وله ولدان، وشغفه الذي يعادل السياسة أو أكثر هو عشقه رياضة كرة القدم، وتحديداً نادي «بنفيكا» الشهير، وهو يواظب على حضور المباريات التي يخوضها «الفريق الأحمر» في البرتغال... وأحياناً في الخارج.
زوجة كوستا، تقول عنه بلهجة تحبب «أنطونيو ما زال إلى اليوم بالنسبة لأفراد عائلته يعرف بـ(بابوش) - وهي كلمة تعني الطفل بلهجة (كونكاني) في جزيرة غوا الهندية –». وكان والده أطلقها عليه بعدما رافقه في زيارة إلى الهند عندما كان ما زال يافعاً.
ووصف كوستا زيارته تلك، وخصوصاً إلى مدينة مومباي (بومباي)، بأنها «مدمّرة» لما شاهده من فقر وبؤس ومعاناة.
ولما عاد إلى غوا بعد سنوات، وكان قد أصبح رئيساً للوزراء، تذكّر والده الذي توفي عام 2006، وقال «تعلّمت عبارتين فقط بلهجة هذه المنطقة: بابوش، التي كان والدي يناديني بها، وبأبولو التي كان ينادي بها شقيقي». ورغم ما يُعرف عنه من برودة وصلابة في التعامل، ذرف الدمع وقال: «لا إنسانية رئيس الوزراء لها أيضا حدود».

إنجاز تاريخي يواجه يميناً متطرفاً
في أي حال، يشكّل هذا الفوز الأخير للاشتراكيين بقيادة أنطونيو كوستا إنجازاً تاريخياً في بلد لا يشهد عادة مثل هذه الانتصارات الساحقة، باستثناء العام 2005 عندما نال الحزب الاشتراكي أيضاً الغالبية المطلقة في البرلمان على عهد جوزيه سوكراتيش الذي يمثل حالياً أمام المحاكم بتهم الفساد واختلاس الأموال العامة. ويُذكر أنه بعدما مدّ هذا الأخير يد التعاون والحوار إلى جميع القوى البرلمانية، باستثناء اليمين المتطرف، غمز من قناة الأحزاب اليسارية المتطرفة والقوى الوسطية - التي استقطب الحزب الاشتراكي نسبة كبيرة من أصوات مؤيديها أعطته الأغلبية المطلقة -، وقال «إلى الاشتراكيين انضمّ عدد كبير من المواطنين ينتمون إلى مشارب سياسية مختلفة، بعد إدراكهم أن الحزب الاشتراكي اليوم هو الوحيد القادر على منح البلاد الاستقرار الذي تحتاج إليه في هذه الظروف الاقتصادية العصيبة».
في المقابل، ورغم توقع كثير من المراقبين أن تكون هذه الولاية الثالثة لكوستا في رئاسة الحكومة البرتغالية أسهل من الولايتين السابقتين - عندما كان يحتاج إلى التحالف مع القوى الأخرى لتأمين التغطية البرلمانية لحكومته – فإن مراقبين آخرين يرجحون أن يواجه كوستا معارضة شرسة من القوى اليمينية المتطرفة.
وهنا تشير إلى أن هذه القوى حققت صعودا عاموديا خلال السنوات الثلاث المنصرمة على حساب الأحزاب المحافظة المعتدلة... حتى أنها أضحت الآن القوة البرلمانية الثالثة في البرلمان الذي كانت قد دخلته للمرة الأولى عام 2019 بمقعد واحد فقط.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.