ماكرون يبحث عن مخارج للأزمة الأوكرانية

تواصل مع بايدن وبوتين وزيلنسكي... ولا يستبعد زيارة موسكو

ماكرون يبحث عن مخارج للأزمة الأوكرانية
TT

ماكرون يبحث عن مخارج للأزمة الأوكرانية

ماكرون يبحث عن مخارج للأزمة الأوكرانية

يبدو الرئيس الفرنسي جاهزاً لطرق الأبواب كافة، والقيام بكل الاتصالات الضرورية من أجل نزع فتيل التصعيد على الحدود الروسية - الأوكرانية متسلحاً بأمرين؛ الأول، الدور الذي تلعبه فرنسا منذ العام 2014 «مع ألمانيا» في إطار اللجنة الرباعية المسماة «صيغة نورماندي» لتسوية النزاع بين كييف والانفصاليين شرق البلاد، والثاني رئاسته للاتحاد الأوروبي لـ6 أشهر، ما يمكنه أن يتحدث، إلى حد ما، باسم الأوروبيين، رغم وجود بعض الانقسامات داخل صفوفهم. وواضح أيضاً أن إيمانويل ماكرون يريد أن يستعيد الدور الذي لعبه سلفه في الرئاسة نيكولا ساركوزي في الحرب التي اندلعت بين روسيا وجورجيا في العام 2008. ومنذ أن تفاقمت الأزمة، لم يوفر ماكرون أي جهد دبلوماسي. وخلال أقل من 24 ساعة، كان على تواصل مع رؤساء الولايات المتحدة الأميركية وأوكرانيا وبولندا وروسيا ورئيس المجلس الأوروبي، إضافة إلى التهيؤ لقمة ثلاثية فرنسية - ألمانية - بولندية، تعمل برلين على تحضيرها. وتعمل باريس وبرلين يداً بيد في الملف الأوكراني. وسبق لـماكرون، الأسبوع الماضي، أن لمح إلى إمكانية القيام بزيارة مشتركة مع المستشار الألماني أولاف شولتز إلى موسكو. وقال مساء الأربعاء، من مدينة توركوان (شمال فرنسا)، على هامش اجتماع لوزراء الداخلية الأوروبيين: «أنا لا أستبعد شيئاً، لا إطلاق مبادرة، ولا القيام بزيارة، لأنني أعتبر أن دور فرنسا، وخصوصاً إبان رئاستها (للاتحاد الأوروبي) أن تسعى إلى التوصل إلى حل مشترك». في إشارة منه إلى زيارة محتملة إلى موسكو وربما أخرى إلى كييف. وربط الرئيس الفرنسي ذلك بما ستسفر عنه اتصالاته أمس وأهمها مع بوتين الذي سبق أن اتصل به هاتفياً مرتين في الأيام القليلة الماضية. وحدد ماكرون الهدف الذي يسعى إليه من بادرة كهذه التي ستكون، في حال حصولها، الأولى لرئيس دولة غربية، بقوله: «الأولوية بالنسبة لي بخصوص القضية الأوكرانية والحوار مع روسيا تكمن في احتواء التصعيد وإيجاد السبل السياسية للخروج من الأزمة، وهذا يستدعي القدرة على المضي قدماً على أساس اتفاقات مينسك» المبرمة عامي 2014 و2015 من أجل وضع حد للاشتباكات بين الانفصاليين والحكومة المركزية في كييف. ويربط ماكرون بين تحركاته الراهنة وبين اعتباره أنه «لن يكون هناك نظام أمن واستقرار في أوروبا إذا لم يكن الأوروبيون قادرين على الدفاع عن أنفسهم وبناء حل مشترك مع جميع جيرانهم وبينهم الروس».

ليس سراً أن ماكرون يريد الاستفادة من العلاقة التي نسجها مع الرئيس بوتين منذ وصوله إلى قصر الإليزيه ربيع العام 2017 حيث دعاه مرتين لزيارة فرنسا؛ الأولى في العام المذكور، إلى قصر فرساي الشهير، الواقع غرب باريس، والثانية صيف العام 2019 إلى المنتجع الرئاسي الصيفي في حصن بريغونسون، المطل على المتوسط قبيل قمة مجموعة السبع التي كانت ترأسها فرنسا ذلك العام. كذلك سعى ماكرون مع المستشارة الألمانية السابقة إلى إقناع الأوروبيين، الربيع الماضي، بعقد قمة أوروبية - روسية، إلا أنهما لقيا معارضة قوية من دول أوروبا الشرقية، ما أجهض مبادرتهما. وبحسب مصادر رسمية في باريس، فإن ماكرون يسعى إلى تثبيت أمرين؛ الأول، التأكيد على تضامن فرنسا مع أوكرانيا وعلى وحدة الموقف الأوروبي والأطلسي وردة الفعل الجماعية على روسيا في حال غزت أوكرانيا. والثاني، التشديد على أهمية الحوار واعتبار أن الحل يجب أن يكون سياسياً وعبر العمل الدبلوماسي. والمدخل المثالي لذلك يكمن، وفق الرؤية الفرنسية، في تفعيل «صيغة نورماندي» التي عقدت اجتماعاً في باريس قبل أسبوع على مستوى المستشارين الدبلوماسيين لقادة الدول الأربع حيث تم الاتفاق على تعزيز وقف إطلاق النار على خط المواجهة في منطقة الدونباس بين الانفصاليين والقوات الحكومية والعمل على فتح عدد من الطرقات ونزع العوائق وتبادل الأسرى... وتم الاتفاق، على اجتماع ثانٍ في ألمانيا في الأيام القليلة المقبلة. وهدف برلين وباريس النجاح في عقد قمة رباعية في إطار الصيغة نفسها، لكن تحقيقه يفترض سلفاً أن يكون التوتر قد تراجع. والمعضلة الكبرى تكمن في التشابك بين الملف الأوكراني «الداخلي» من جهة، وبين ملف العلاقات الروسية - الأميركية - الأطلسية من جهة ثانية، وأحد محاورها وضعية كييف ورغبة موسكو في إبقائها بعيدة عن الحلف الأطلسي.
ولا يخفي الرئيس الفرنسي «قلقه الشديد» من الوضع الميداني، ما يبرر ويستدعي استكشاف السبل كافة التي يمكن أن تفضي إلى نزع فتيل التصعيد. ونقل عن أوساط الإليزيه قولها إن ماكرون «مقتنع بالحاجة إلى حوار مباشر» مع بوتين، لأن هذا النوع من التواصل «يتيح إحراز تقدم» فيما التواصل المباشر بين الرئيسين الروسي والأوكراني غير متوافر. وفي حال قرر ماكرون عقب الاتصالات التي أجراها أمس الذهاب إلى موسكو، فإن هذه الزيارة لا يمكن أن تتم اليوم بسبب وجود بوتين في بكين لحضور افتتاح الألعاب الأولمبية. ويبدو ماكرون مُصراً على لعب دور «الوسيط» رغم تمسكه بالتضامن الأوروبي والأطلسي في كيفية التعامل مع موسكو. إلا أن المؤكد أن ماكرون يريد الذهاب إلى موسكو مسلحاً بتفاهمات مع بايدن، وشولتز، وشارل ميشال، وزيلينسكي، والقادة الآخرين، حتى لا تتهم باريس بـ«التفرد» في مبادراتها إزاء روسيا، الأمر الذي يفسر اتصاله بالرئيس بايدن ليل الأربعاء. وقال الإليزيه، أمس، إن ماكرون وبايدن «اتفقا على استمرار التنسيق والتشاور على أعلى مستوى بين الشركاء الأوروبيين وداخل الحلفاء (الأطلسيين)، فيما ركز البيت الأبيض على أنهما راجعا «التنسيق الجاري دبلوماسياً والتحضيرات القائمة لفرض إجراءات اقتصادية سريعة وقاسية على روسيا في حال غزت أوكرانيا».
تقول أوساط الإليزيه، وفق ما نقلت عنها صحيفة «لو موند» المستقلة، أمس، إن الفرق بين باريس والآخرين أن الجانب الفرنسي يتبنى مبدأ «الحوار» فيما الآخرون يتبنون مبدأ «الردع». وتضيف هذه الأوساط أن الرئيس ماكرون يرى أن بوتين «ليس كتاباً مفتوحاً، ولكن الالتقاء به يتيح، بلا شك، تحديد مواضع التوتر ونقاط الاشتباك». ولخص الوزير غبريال أتال، الناطق باسم الحكومة، الوضع بقوله: «ما زال بوسعنا أن نتحاشى نزاعاً مسلحاً على أبوابنا».
واتهم الكرملين الولايات المتحدة بتصعيد التوترات بشأن أوكرانيا، بعد إعلان البنتاغون إعادة نشر نحو 2000 جندي أميركي في أوروبا. ونقلت وكالة أنباء إنترفاكس الروسية، عن المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، القول، أمس (الخميس): «ندعو شركاءنا الأميركيين إلى التوقف عن القيام بمزيد من تصعيد التوترات في القارة الأوروبية». ولفت إلى أن جوهر المشكلة هو نشر جنود أميركيين في دول قريبة من روسيا، محذراً من أن موسكو ستتخذ تدابير «لضمان أمنها ومصالحها»، دون أن يدلي بمزيد من التفاصيل.
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية نشر منظومات الدفاع الجوي «إس 400» في بيلاروس، في إطار اختبار قوات ردّ الفعل التابعة لدولة حليفة. وقال بيان للوزارة إن «أنظمة (إس 400) وصلت إلى بيلاروس... وفور وصول الأطقم الروسية لتشغيل الأنظمة، ستتولى مهام الدفاع الجوي القتالية كجزء من نظام الدفاع الجوي الإقليمي الموحد لبيلاروس وروسيا». وسيتم الاختبار على مرحلتين؛ تستمر المرحلة الأولى حتى 9 فبراير (شباط)، وتشهد إعادة انتشار وإنشاء مجموعات من القوات على أراضي بيلاروس، وخلال المرحلة الثانية من الاختبار، والتي تستمر من 10 إلى 20 فبراير، ستجرى مناورات مشتركة بعنوان «قرار الحلفاء 2022»، يتم من خلالها محاكاة قمع وصد العدوان الخارجي، وكذلك مكافحة الإرهاب.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended