«الاستفزازات» الرقمية تعيد تشكيل حياتنا ومفاهيمنا

الحدود الفاصلة بين الاهتمامات الأكاديمية والعامة تتضاءل يوماً بعد آخر

«الاستفزازات» الرقمية تعيد تشكيل حياتنا ومفاهيمنا
TT

«الاستفزازات» الرقمية تعيد تشكيل حياتنا ومفاهيمنا

«الاستفزازات» الرقمية تعيد تشكيل حياتنا ومفاهيمنا

تختص كل ثورة تقنية بسيادة نوعٍ من المَعْلَم التقني الذي يعيدُ تشكيل الحياة البشرية تبعاً لمحدداته. حصل هذا الأمر مع عصر البخار، ثم عصر محرك الاحتراق الداخلي. كان الفحمُ والنفط معلمي الثورات التقنية الجديدة، ثم تطور الأمر بكيفية صارت معها المحددات التقنية تنزعُ أكثر فأكثر نحو تمثلات رمزية أكثر من كونها مادية، والمثال الأكثر وضوحاً في هذا الشأن هو «المعلومات». صارت المعلومات هي المادة التقنية التي تحدد معالم الثورة التقنية الثالثة الموصوفة بالثورة المعلوماتية، وصارت الرقمنة Digitization هي الخصيصة الطاغية على كل الفروع المعرفية حتى بات ممكناً القولُ بأن الرقمنة هي الخيط الذي يشد سلسلة العلوم المعاصرة التي باتت متعشقة مع بعضها إلى حدود يصعب تصورها من قبل غير المشتغلين في تلك الفروع المعرفية.
ثمة تأثيرٌ ذو خصيصة مزدوجة بين كل مؤثر تقني مستجد في كل انعطافة تقنية وبين العقل البشري: يعمل المؤثر التقني على إعادة تشكيل نمط التفاعلات البشرية بين البشر أنفسهم وكذلك مع بيئتهم، ومع تعاظم التأثير التراكمي لهذا المؤثر يبدأ العقل البشري في الاستغناء عن أنماط تفاعلية قديمة وإحلال أنماط جديدة محلها، ثم تبدأ هذه الأنماط الجديدة في ممارسة تأثيرها على العقل البشري بما يعززُ من دينامية فعل الاستغناء والإحلال في إطار تغذية استرجاعية ينتج عنها إعادة هيكلة منظورات الفرد والبنى الاجتماعية معاً. لا مناص إذن مع حلول كل ثورة تقنية أن يعاد تشكيل الأنساق الاجتماعية؛ وعليه ستُعاد – بالضرورة – منظورات علم الاجتماع التي كانت سائدة من قبلُ.
كتاب «علم الاجتماع الرقمي: منظورات نقدية» الصادر في يوليو (تموز) 2021 عن سلسلة كتاب عالم المعرفة الكويتية، يمثلُ مساهمة ترجمية عربية متقدمة لإثراء هذا المبحث ذي الأهمية الاستراتيجية. مُحررا الكتاب هما: جان فان دايك، أستاذ علم الاتصال في إحدى الجامعات الهولندية، وأندرو ويبستر، أستاذ علم الاجتماع والتكنولوجيا في جامعة يورك بالمملكة المتحدة. مترجم الكتاب هو الدكتور هاني خميس عبده، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب في جامعة الإسكندرية.
يضمُ الكتاب مقدمة إجمالية مهمة تشرحُ هيكلية الكتاب، يعقبها خمسة عشر فصلاً تنتهي ببيبلوغرافيا كثيفة وشاملة لكل جوانب الموضوعات المبحوثة في الكتاب.
تكشفُ لنا مقدمة الكتاب أن الانتشار المتزايد للتقنيات الرقمية في الحياة اليومية أدى إلى تأجيج الجدل الأكاديمي حول العلاقات والبنى الاجتماعية في ما سُمي بـ« عصر المعلومات»، وقد نشأ عن هذه الجدالات مجال بحثي في إطار العلوم «البينية interdisciplinary» المشتبكة والعابرة للتخصصات المنفردة. عُنِي هذا المجال المستجد بالتعقيدات والتناقضات المتعلقة بالتحولات التي يُعْتَقَدُ أن تقنيات الاتصال والمعلومات تُحدِثُها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. يؤكد المؤلفان على مظاهر الجدة في هذا الحقل المعرفي عندما يصرحان في المقدمة بأن «علم الاجتماع وخيالنا السوسيولوجي يواجهان مشاهد رقمية جديدة بدءا من الذوات الإلكترونية (أي بمعنى الهوية الرقمية الموصوفة بالحساب الإلكتروني) إلى مجتمعات الإنترنت، ومن حرب الإعلام إلى اللامساواة الشبكية، ومن الثقافة إلى البنية الاجتماعية».
يتمايز علم الاجتماع الرقمي عن نظيره الكلاسيكي (علم الاجتماع ما قبل الرقمي) في تفاصيل عديدة؛ غير أن الميزتين الأكثر أهمية من سواهما هي أن علم الاجتماع الرقمي لا يمكن أن يُدرس بمعزل عن علم اجتماع التقنية وتقنيات المجال الاجتماعي، كما أن علم الاجتماع الرقمي يُدرَسُ في بيئة مجتمع التواصل الشبكي Networked Society، وليس من الممكن أو المتاح تشريحُ فردانية الكائن البشري بمعزل عن هذه الخصيصة التواصلية الشبكية.
يتشكلُ هيكل الكتاب من خمسة أجزاء يركز كل جزء منها على اهتمامات سوسيولوجية أساسية هي: العلاقات، والفضاءات، والبنى، واستخدام الوسائط، والممارسات. صُمم الكتاب بطريقة جذابة بحيث يضم كل جزء ثلاثة فصول، الفصل الأول والثاني مترابطان ويمكن قراءتهما على أنهما سردية ممتدة لكن من منظورات مختلفة، ثم جُعِل الفصل الثالث ليكون بمثابة تفكير نقدي واسع النطاق في مجموعة الأفكار المثارة في الفصلين السابقين، وحرص المؤلفون كل الحرص على الكشف عن «الاستفزازات» الرقمية، وما يمكن أن تتسبب فيه من إعادة تشكيل حياتنا ومفاهيمنا.
يتناول الجزء الأول موضوعة «الحميمية Intimacy» وما يرتبط بها من العلاقات الشخصية في المجتمعات الحديثة، ويمكن القول إن هذا الجزء هو استكشاف لمجال العلاقات والحياة الشخصية في خضم دراسة الطبيعة الجندرية وكيفية تفاعلها مع المؤثرات الرقمية. تطرح فصول هذا الجزء تساؤلات مثيرة حول السبل التي يجري فيها إقحام التقنية في العلاقات الشخصية، وفي التوازن بين الفضاءات العامة والخاصة، وفي الحدود المتلاشية بين فضاء المنزل وفضاء العمل، كما تدفعنا هذه الفصول إلى التفكر فيما تعنيه الحرية الشخصية والرقابة بوصفهما جزءاً من الحياة الرقمية اليومية التي يبرز فيها التأثير الجندري. يعالج الجزء الثاني موضوعة مفاهيم الفضاء والمجتمع والاتصالية connectivity باعتبارها أماكن رقمية تمثل بيئات افتراضية يتفاعل فيها الناس حول موضوعات محددة. يمكن لعلم الاجتماع فهم المكان على نحو أفضل عبر إثارة التساؤلات السوسيولوجية عن المراقبة، والثقة، والخطر، والحراك الاجتماعي Social Mobility، وهنا تنشأ نقاشات جديدة حول طبيعة النشاط الإنساني والفضاءات الافتراضية - المادية التي تمثلها الحواسيب المربوطة في نطاق مجتمع شبكي كثيف الاتصال. من المثير في هذا الشأن الحديث عن نشوء ما يمكن توصيفه بـ«اللاوعي التقني Technological Unconscious» الذي قد يصبح موضوعا شديد الأهمية في نطاق مباحث علم الاجتماع الرقمي.
يتناول الجزء الثالث موضوع البنى الاجتماعية في المجتمعات المتصلة شبكياً، ويركز على إعادة واستمرارية إنتاج اللامساواة وعلاقات القوة الناجمة عن التراتبيات الهرمية. تمثل الفجوة الرقمية Digital Divide حجر الزاوية في هذه اللامساواة. نحن نتصورُ أن التقنيات الرقمية تمثلُ نوعاً من الديمقراطية الرقمية التي من شأنها فتحُ منافذ لفرص ما كان ممكناً تصورها في العصر ما قبل الرقمي؛ لكن المؤلفين يكشفون لنا أن هذه التقنيات تتمتع بقدرة غير مسبوقة، وحتى من دون تدخل سياسي، في مفاقمة حالة اللامساواة على شتى الأصعدة: تعليمية واجتماعية ومادية. يقدم المؤلفون في هذا الجزء مثالاً تطبيقياً مهماً عن الكيفية التي يمكن بها استخدام التحليل الشبكي في تفسير حالة اللامساواة المادية التي توجد في مجتمع المعلومات، ويوظف المؤلفون أسواق المال بوصفها مرآة يمكن من خلالها دراسة المفاهيم الاجتماعية للزمن والفضاء والثقافة والقدرة على الفعل. إن دراسة العلاقة المعقدة بين عالم المال والمعلومات تمثل مجالاً ثرياً لاستكشاف الارتباطات بين تقنيات المعلومات والاتصالات والاقتصاد والبنى الاجتماعية، وستظل عاملاً من عوامل تعاظم اللامساواة في العصر الرقمي.
أما الجزء الرابع من الكتاب فيتناول موضوع الوسائط، ويكشف عن الكيفية التي أعادت بها التقنية الرقمية صناعة مشاهدنا الإعلامية بما نجم عنه تغيير دور الفاعلين الاجتماعيين الذين هم في الغالب مواطنون عاديون لا تزيد كفاءتهم التقنية عن كفاءة أي مستخدم عادي للحاسوب ووسائل التواصل الاجتماعي. صرنا مجتمعات محكومة بالوسائط الرقمية كما يؤكد المؤلفون في هذا الجزء. ثمة سؤال جوهري في هذا الجزء مفاده: ماذا يعني أن ننظر للمجتمع بوصفه شبكة؟ ينتهي هذا الجزء من الكتاب إلى إجابة فحواها: المجتمع بوصفه شبكة يعني كيفية الربط بين الفاعلين الاجتماعيين من خلال وسائط وأساليب جديدة، ودراسة ما قد يترتب على هذه الفاعلية من تغييرات في البنى المجتمعية.
يتناول الجزء الخامس موضوع الممارسات، وقد اختار ميداناً لهذه الممارسات اثنتين من الممارسات الأكثر شيوعاً في مجتمعات ما قبل ثورة التقنية المعلوماتية والاتصالية، ونعني بهما التعليم والصحة. ربما يكون قطاع التعليم أكثر القطاعات تأثراً بالتغيرات الجديدة في الممارسات الرقمية، وقد ساهمت الجائحة الكورونية الراهنة في تعميق وتثوير أنماط التعليم عبر التأكيد المتزايد على الفرد وتجارب التعلم التشاركية والمحكومة بالوسائط الرقمية، وهي في مجملها جزء من الأشكال الجديدة لإنتاج المعرفة واستهلاكها. لا يمكن نكران بعض الأشكال الفوضوية وغير المنتجة التي اقترنت بتجربة التعليم الإلكتروني المكثف عبر الوسائط الرقمية؛ لكن الخبرات المتزايدة كفيلة بالارتقاء بتلك التجربة وتحسين مخرجاتها وجعلها أكثر رصانة وكفاءة.
قد يرى البعض في كتاب «علم الاجتماع الرقمي: منظورات نقدية» لمسة من نخبوية أكاديمية بعيدة عن اهتمامات الفرد العادي المهتم بإدامة متطلبات حياته اليومية؛ لكن هذه محض رؤية قاصرة. نحن نعيشُ اليوم في عالم يشهد تغيرات ثورية تفرضُ إيقاعها المتسارع علينا شئنا أم لم نشأ، وباتت الحدود الفاصلة بين الاهتمامات الأكاديمية النخبوية وتلك العامة تتضاءل يوماً بعد آخر، وليس من سبيل سوى التحصل على معرفة جادة ورصينة بالجبهات المتقدمة لهذه الاهتمامات الجديدة ومن ثم توظيفها في الارتقاء بحياتنا. هذا هو ما يفعله نظراؤنا البشر في هذا العالم.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.