«لَا أحد يعرف محبتكم التي تغلغل في قلبي، إلّا الله، فهو وحده يعلم الحب الذّي يدفعني للبحث عنكم، وأننَي أتوق لرؤيتكم، ولكن لما كنتم بعيدين عِني، ولنَ أستطيعَ أنَ أراكم؛ لذلكَ أكتب لكم هذه الخطابات، التي تحمل تحية بعدَ أخرى، حتّى نلتقي ويتعانق الوجهان»... هكذا كان يفتتح المصري القديم الذي عاش في القرن الرابع الميلادي خطاباته الشخصية التي كان يرسلها إلى أقربائه وأصدقائه ومحبيه الذين تفصل المسافات بينه وبينهم. تعد هذه الخطابات وسواها وثائق اجتماعية وثقافية ودينية، وتتواجد ضمن عدد من الأرشيفات القبطية جنوب مصر، جعلها الدكتور أحمد نقشارة، الباحث في المعهد الفرنسي للدراسات الشرقية، موضع دارسة مهمة ألقى من خلالها الضوء على عناصر تلك الرسائل والسمات التي تميزت بها.
وتناولت الدراسة التي أصدرها مركز الدراسات القبطية التابع لمكتبة الإسكندرية في كتاب بعنوان «الخطابات القبطية المبكرة»، أشكال وصيغ الخطابات القبطية المبكرة التي تنتمي إلى الفترة ما بين القرن الرابع والقرن السادس الميلاديين، وبلغ عددها (192) خطاباً. وقسم نقشارة كتابه إلى جزأين، الأول بدأه بتمهيد تركز على تعريفات «الخطاب» قديماً وحديثاً، وأهمية الخطاب القبطي المبكر، والفارق بين الخطاب والعقد المكتوب على هيئة خطاب، وأهم المواد التي كتب المصري القديم عليها خطاباته، كما قدم مسحاً وتحليلاً لمواد وأشكال الخطابات القبطية المبكرة، وألقى الضوء على أهم العناصر المميزة لأشكالها، مع الإشارة لأهم سمات لهجة الأقباط «الديموطيقية» الذين كانوا يعيشون في مدينة أسيوط جنوب مصر والتي كتبت بها معظم تلك الخطابات. وركز الباحث على تحليل ودراسة الخطابات الشخصية التي قام مصريون بإرسالها إلى ذويهم، وقام بفحص عدد كبير منها، الرسائل، كانت موضوع بحثه للحصول على درجة الماجستير، وفيها تبرز صورة صادقة عن حياة المصريين الاجتماعية وعوالمهم الخاصة في تلك الفترة.
وفي الجزء الثاني من الكتاب تناول الباحث صيغ تلك الخطابات من خلال تمهيد يدور حول تعريف مصطلح «صيغة»، ثم قام بعد ذلك بحصر وتحليل كل صيغة، وتوضيح أهم عناصر التشابه والاختلاف بين الصيغة القبطية والصيغ المشابهة في الخطابات الأقدم والمعاصرة، والتي تضمنها الرسائل المصرية القديمة والديموطيقية واليونانية. وفي الجزء الثالث تحدث الباحث عن معنى الخطاب، وصفاته، مشيراً إلى أنه لا بد أن يكون من مرسل إلى مرسل إليه، وأن يكونا في مكانين مختلفين، وتكون الرسالة على سطح قابل للنقل، وأخيراً أن يتم إرسال الخطاب؛ لأنه في حالة عدم الإرسال تفقد الرسالة أهم صفاتها، وهي وصولها إلى الشخص المستهدف بها.
وتكشف الخطابات، التي وضع الباحث صوراً لبعض منها في الكتاب، تفاصيل عن أنواع التجارة التي كانت موجودة وقتها، ومنها ما تم إرسال بعضها إلى أشخاص يرتبطون بصلات وثيقة فيما بينهم، وفيها يطلبون العون من أجل وضع حلول لبعض المشكلات الطارئة، وهناك رسائل بعث بها أصحابها للاستفسار عن موعد الوفاء بديون تأخر المدينون عن الوفاء بها، كما تضمنت بعض الخطابات، التي حصل عليها الباحث من مناطق عدة وأرشيفات مختلفة داخل مصر، الكثير من المعاني الإنسانية، والعبارات العاطفية الرقيقة، فهناك رسالة مثلاً يقول مرسلها لصاحبه، إنه كان يبكي على ورقة البردي، وهو يخط سطورها. وعلى خلاف هذه الرسائل التي لا يخشى مرسلها من ضياعها، كانت هناك خطابات سرية لا تتضمن اسم مرسل ولا مستقبل، ويحذر أصحابها المرسل إليه من كشفها، وهو ما يعني أن هناك من كان لديهم أنشطة سياسية أو دينية يخشون من كشفها، ويعملون دائماً على أن تظل في الخفاء.
وتحدث نقشارة عن صيغ الخطابات، وقال، إنها تنوعت بين «الصيغ الاستهلالية» التي كانت تحتل مقدمة الخطاب، ولا تأخذ في الغالب أكثر من سطرين في البداية، وكان الهدف منها أن يمد المرسل بينه وبين مستلم الرسالة حبلاً من الود والمشاعر الطيبة، بعد أن يعرّفه بنفسه والمكان الذي يعيش فيه وقت تدوين خطابه، بعد ذلك كانت تأتي تحية المرسل ودعوته للمرسل إليه أن يكون في تمام الصحة، أما متن الخطاب فقد تنوعت صيغه بين «الإبلاغ» بالهدف الذي كتبت من أجله، و«الطلب» بأن يقوم مستلم الخطاب بإنجاز شيء ما، ثم يأتي «التوسل والالتماس»، ويخالف في صيغته «الطلب»، حيث يرجو المرسل أن يفعل متسلم خطابه شيئاً ما من أجل خاطره، وأخيراً تأتي «الفرحة» التي يشير خلالها مدون الخطاب للسعادة التي ملأت روحه بتواصله من الطرف الآخر الذي يبعث إليه بخطاباته، وقد تحل مكان هذه الأخيرة صيغة «شكوى» المرسل من تقاعس صاحبه حال عدم إيلاء رسالته الاهتمام الكافي وتجاهل الرد عليه، بعد ذلك يأتي عنصر «استغلال الفرصة أو المناسبة»، حيث يبلغ المرسل صديقه أو قريبة بأنه كتب خطابه مستغلاً فرصة وجود شخص موضع ثقة سوف يحملها إلى الموقع الذي يقيم فيه، من أجل أن يحيطه ببعض الأخبار.
وأشار الباحث إلى أن شكل الخطاب وصيغة كتابته يمكن من خلالهما معرفة المكانة الاجتماعية للمرسل والمستقبل، فضلاً عن المكانة الدينية لكل منهما، خاصة في حال الخطابات التي تمت كتابتها بمعرفة كهنة ومن أجل أن يستقبلها كهنة آخرون في الكنيسة القبطية، أما عن خاتمة الرسالة فقد كانت وداعية، وتتسم في الغالب بالدعاء، وتمني الخير للشخص المستهدف بها، كما كانت في بعض الأحيان، تتضمن بعض التحيات التي يثبتها مرسل الخطاب في نهاية مكتوبة لتحقيق رغبة أشخاص متواجدين إلى جواره في السلام على المتلقي.
وتحدث الباحث عن أنواع الخطابات، مشيراً إلى أنها تنقسم لنوعين، الأول أدبي، وهو موجود في مصر منذ الدولة الحديثة في بردية «أنستازي 1»، والفلاسفة السفسطائيين في اليونان، وهؤلاء لعبوا دوراً مهماً في إبراز هذا النوع من الخطابات التي اتخذت طابعاً فلسفياً، أما الآخر فهو الخطاب غير الأدبي، ويتضمن نوعين الأول شخصي وهو الذي يتبادله الناس فيما بينهم، والرسمي وهو الذي كانت تتبادله الإدارات الحكومية في ذلك الوقت.
وخلال الفصل الخاص بمصادر الخطابات القبطية المبكرة، أشار الباحث إلى أن عددها يصل إلى 192 خطاباً، وجاءت من أرشيفات رهبانية، منها أرشيف «نجع حمادي» جنوب مصر، وتنتمي خطاباته إلى منتصف القرن الرابع، وأرشيف «بايوس» وتعود خطاباته إلى الربع الثاني من القرن نفسه، وأرشيف «نفروس» وتنتمي خطاباته إلى منتصف القرن الرابع، وأرشيف «يوحنا» ويعود لأواخر القرن الرابع.
وذكر نقشارة، أن أهم الأرشيفات التي استعان بها، وتنتمي إليها معظم الخطابات القبطية التي قام بدراستها، كان أرشيف «إسمنت الحجر»، ويخص مدينة قبطية تم اكتشافها في قلب الصحراء الغربية على بعد 850 كيلومتراً من القاهرة، بواحة الداخلة بالوادي الجديد.
11:42 دقيقه
«الخطابات القبطية المبكرة» صحيفة أحوال المصريين القدماء
https://aawsat.com/home/article/3452851/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A8%D8%B7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A8%D9%83%D8%B1%D8%A9%C2%BB-%D8%B5%D8%AD%D9%8A%D9%81%D8%A9-%D8%A3%D8%AD%D9%88%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%A1
«الخطابات القبطية المبكرة» صحيفة أحوال المصريين القدماء
- القاهرة: حمدي عابدين
- القاهرة: حمدي عابدين
«الخطابات القبطية المبكرة» صحيفة أحوال المصريين القدماء
مواضيع
مقالات ذات صلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

