مها بيرقدار ويوسف الخال: بيت زوجي بمنزلين متباعدين وجدران كثيرة

هل كان «بطريرك الحداثة» بطريركياً في سلوكه مع النساء؟

مها بيرقدار
مها بيرقدار
TT

مها بيرقدار ويوسف الخال: بيت زوجي بمنزلين متباعدين وجدران كثيرة

مها بيرقدار
مها بيرقدار

حين وفدت مها بيرقدار إلى بيروت، ربيع العام 1970، لم تكن لتفكر وهي تقطع الطريق الفاصل بين العاصمتين السورية واللبنانية، سوى بالعثور على دار للنشر تتبنى إصدار قصائدها المبكرة في كتاب مستقل. ذلك أن الصورة التي ارتسمت لبيروت في مخيلة الصبية الطافحة بالنضارة، لم تكن تنحصر في كونها مدينة الصخب اللاهي والانفتاح على العالم، بل هي قبل كل شيء عاصمة الثقافة والتنوير، والمنصة المثلى للطباعة والنشر وتشجيع المواهب، التي سبق أن وفّرت لعشرات المبدعين السوريين السبل المثلى لبلورة تجاربهم وتوسيع رقعة انتشارهم وتطورهم الإبداعي. لذلك، فهي حين طرقت باب يوسف الخال، فليس لأنه «بطريرك الحداثة»، أو الأب المؤسس لمجلة «شعر» فحسب، بل بوصفه مسؤولاً عن «دار النهار» للنشر، والقادر بالتالي على الأخذ بيدها لقطع المسافة الطويلة والشائكة التي تفصلها عن تحقيق الأحلام.
لم يكن في وارد الصبية اليافعة يومها أن القدر سيضع حياتها أمام منعطف حاسم وغير متوقع، وأن الشاعر الشهير، الذي تجلس قبالته بتهيب وحذر شديدين، سيصبح زوجها فيما بعد. صحيح أنها تتقاسم مع يوسف الخال شغفه بالشعر والرسم، وهي التي تربت في كنف أب عسكري لم تمنعه رتبته العالية من الإدمان على القراءة ومزاولة الرسم، وأم منفتحة ومولعة كزوجها بفنون التشكيل، وصحيح أن موهبتها في الرسم دفعتها للالتحاق بمعهد الفنون التشكيلية في دمشق، وأن افتتانها بالشعر جعلها تقدم بصوتها وأدائها المميزين برامج إذاعية لاقت كثيراً من الاستحسان، ولكن ما يفصلها عن عراب الحداثة الثانية ليست العقود الثلاثة من الزمن فحسب، بل ثمة فوارق أخرى على مستويات الخبرة والنضج والطباع والاندفاع العاصف والمتهور نحو الحياة. فقد كان الخال يستند إلى إرث طويل من التجارب والمغامرات العاطفية، إضافة إلى دوره التنويري في العقدين اللذين سبقا لقاءها به. وهو منذ أن غادر طفلاً بلدته السورية «عمار الحصن»، بدا أشبه بعاصفة لا تهدأ من المغامرات؛ حيث انخرط شاباً في صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي، قبل أن «يتلبنن» بتأثير من شارل مالك. كما أنه شغل غير منصب ثقافي ودبلوماسي، أثناء إقامته في الولايات المتحدة مع زوجته الأولى هيلين، الأميركية من أصل لبناني. وحين عاد أدراجه إلى بيروت بادر إلى تأسيس مجلة «شعر»، جامعاً من حوله ثلة من شعراء التمرد الحداثي، قبل أن يقفلها في وقت لاحق، معلناً اصطدامه بجدارين؛ جدار اللغة الفصحى التي تم استنفادها في رأيه، بما يوجب اعتماد المحكية بديلاً عنها، وجدار المؤسسة الزوجية الذي قاده إلى الانفصال عن هيلين، الرسامة المعروفة التي أسس معها «غاليري وان»، وأنجبت منه طفلين اثنين، توفيا بشكل مأساوي بُعيد رحيل الأب.
«لكننا لا نطبع إلا للمشاهير، وإذا فعلنا فمقابل مبلغ مالي لدعم إمكانات الدار المتواضعة»، قال الخال لمها، التي كانت تنتظر قراره بشأن ديوانها بفارغ الصبر. ثم أردف قائلاً، وقد لفته جمالها الشامي الياسميني: «ثم لماذا على صبية مثلك، لها مثل هذه الفتنة، أن تكتب الشعر؟». ومع أن في سؤال الخال ما يوجب أن يصيبها بالإحباط، فإن بيرقدار أقرت في حوار لي معها: «رغم أن تجاهله لي ككاتبة أصابني بالصدمة والإحباط، فإن تغزله الصريح بجمالي أيقظ مشاعري كأنثى، فلم يتملكني الغضب، بل طلبت إليه أن يقرأ كتاباتي بإمعان. ولم يفته بالطبع أن يطلب رقم هاتفي في دمشق، لكي يضعني في صورة القرار الذي سيتخذه بشأن النشر أو عدمه».
لم يمر على ذلك اللقاء أكثر من أسبوع واحد، حتى كان صاحب «البئر المهجورة» يتصل ببيرقدار طالباً إليها بلهجة شبه آمرة أن تأتي إلى بيروت بغية التحدث وجهاً لوجه، والوقوف عن كثب على أفكارها ووضعها العائلي والاجتماعي. ورغم صعوبة ظروفها، كمقدمة برامج إذاعية، وجدت مها طريقة للمغادرة، حتى إذا التقت بالخال نقل إليها اعتذار المؤسسة لأسباب مالية عن نشر باكورتها الشعرية. لكنه أبدى رغبته في العثور على عمل دائم لها في بيروت، مقترحاً أن يتبادلا الرسائل ليتعرف أحدهما على الآخر بصورة أفضل. وإذ تقر مها، التي وافقت على الاقتراح، بأنها بدأت تقع بالتدريج في شرك الحضور المغوي للشاعر الوسيم، فإنها لم تتوقع أبداً أن يكتب لها على ظهر ورقة رثة: «تعالي حين ينتصف تموز، فقد أعددت لك مكاناً على شاطئ البحر أو فوق إحدى القمم، وإلا فغيبي إلى الأبد!».
«كانت الرسالة بالنسبة لي صدمة أخرى تضاف إلى الصدمات السابقة»، قالت مها. وحين أبلغت الخال بصعوبة الإقامة بمفردها في بيروت، أجابها بنبرة احتجاج ساخرة: «وهل الإقامة في بيروت أكثر خطورة من الإقامة في ميونيخ!»، ملمحاً إلى إقامتها في ألمانيا لسنتين متتاليتين، وبضيافة أخيها أسامة، بهدف دراسة الترجمة. إلا أنها ما لبثت أن انتقلت إلى بيروت، رغم معارضة الأهل ومخاوفهم، حين وفر لها الخال فرصتين اثنتين للعمل، أولاهما في جريدة «النهار»، والأخرى في الغاليري الذي يملكه.
أما حين طلب يوسف الخال من مها بيرقدار، بعد شهور قليلة، أن تكون زوجة له، فقد أُسقط في يدها تماماً، لا لأنها ترفض الفكرة من الأصل، وهي التي عاينت بشكل مباشر ما يمتلكه يوسف من مكانة مرموقة في الأوساط الثقافية اللبنانية، بل بسبب تباينات عدة لا تتعلق بفارق العمر وحده، ولكنها تتعداه إلى اختلاف الطباع ونمط الحياة، فضلاً عن انتمائهما إلى ديانتين مختلفتين، الأمر الذي سيتسبب في معارضة الأهل الشديدة لمثل هذا المشروع. ومع ذلك فقد قررت بيرقدار أن تقبل التحدي، وأن تذهب في المجازفة حتى نهاياتها، منتقلة مع الخال إلى قبرص، لينجزا بلا مشاركة من أحد ولا مراسم زفاف، عقد زواجهما المدني.
«ومتى بدأ شهر عسلكما الزوجي بالانقضاء»، سألتُ مها، التي تلازم سريرها منذ أشهر لأسباب صحية. «منذ الليلة الأولى»، أجابت. ثم تابعت بنبرة تأثر واضحة: «لم يكن يوسف حنوناً ورقيقاً كما ينبغي لرجل أن يفعل مع صبية رقيقة، تركت كل شيء وراءها وانتقلت إلى بلد غريب لتكون شريكته من دون سائر الخلق. لقد جسد في سلوكه معي كل صور القسوة والاستحواذ والتسلط الذكوري على المرأة. فبعد ساعات من عودتنا إلى بيروت تركني وحيدة على امتداد الليل، ليوافي صديقين له أثيرين إلى ما أطلق عليه (لقاء 104) الدوري». بعد ذلك تتحدث مها عن العلاقة غير المتكافئة بين الزوجة الشابة التي كانتها، وبين الرجل الكهل الذي كانت ترى فيه صورة الأب، وتخجل من مواجهته أو معاندته. كما تحدثت إسهاب عن إدمان زوجها على التدخين وتناول الكحول والسهر المتأخر، فضلاً عن عدم اكتراثه بوحدتها المتنامية، الأمر الذي حدا بها إلى اختيار النوم في غرفة منفصلة، في وقت لاحق. وعما إذا كان الخال قد لجأ في بعض المواقف المحتدمة إلى مبادرتها بالعنف الكلامي والجسدي، قالت بتأثر بالغ: «إن سلوكه معها اتسم بالقسوة على وجه الإجمال، ولم يخلُ من التعنيف الكلامي، لكنه لم يصل إلى العنف الجسدي إلا مرات قليلة، وبخاصة حين تثبتّ مرة من خيانته لي، حتى إذا ما فاتحته بهذا الشأن بادر إلى دفعي بقوة، معتبراً أن ما أقوله هو من بنات وساوسي المرضية». وكيف تعاطى يوسف مع موهبتك الإبداعية المنقسمة بين الرسم والشعر؟ سألتها. «لم يكترث لكل ما أفعله»، أجابت: «مع أن لوحاتي كانت تباع بما يكفي لأساعده في إتمام منزلنا في غزير. ولم أصدر أثناء حياته سوى مجموعتي الأولى «عشبة الملح»، ودون حماس منه، أما المجموعات الثلاث الأخرى «رحيل العناصر»، و«الصمت»، و«دواة الروح»، فكان على إصدارها أن ينتظر، بكل أسف، إلى ما بعد رحيله عن هذا العالم.
لم يتح لمها بيرقدار أن تواكب المغامرة الفريدة والرائدة التي خاضها يوسف الخال عبر مجلة «شعر»، إذ كان عقد المجلة قد انفرط قبل سنوات من زواجها بصاحب «قصائد في الأربعين». وبسؤالها عمن كان يتردد على منزلهما العائلي عشية الحرب الأهلية، اختارت أن تخص بالذكر ليلى بعلبكي وفؤاد رفقة، ذا الحضور الدافئ، وأدونيس، الذي تكن له، شاعراً وإنساناً، قدراً عالياً من الإعجاب. وحين انتقل الزوجان مع بداية الحرب إلى بلدة غزير، عمدا إلى تأسيس «صالون الجمعة» الثقافي، بمشاركة كثير من أهل الفكر والفن، من أمثال منير معاصري وريمون جبارة وموريس عواد وميشال معيكي وآخرين. إلا أن الخال لم يستجب لرغبات الذين طالبوه بإلحاح أن يعاود إصدار مجلته، ولو بحلّة ونفَس جديدين، مرة بدعوى أن زمنها قد انتهى، ومرة أخرى بأنه لم يعد الشاب الطافح بالحيوية الذي كانه عند صدورها الأول في الخمسينات.
ومع أن الخال لا يقدم لنا من جهته كثيراً من وقائع حياته العائلية وتفاصيلها، سواء في الجانب المتعلق بزواجه الأول من هيلين، أو بزواجه الثاني من مها بيرقدار، فإن ما رشح عنه من مواقف وتصريحات، يُكسب اعترافات مها كثيراً من المصداقية، ويكشف عن موقفه السلبي والمستغرب من النساء، وهو الذي طالما رأى في صورة المسيح قدوته ومثاله. فحين تسأله أمل جراح، في حوار مطول، عن السبب الذي دفعه إلى عدم إيلاء المرأة في شعره أي اهتمام يُذكر، يجيبها بالقول: «فيما خصني، لا أعتقد أن أي امرأة بالذات لعبت دوراً رئيسياً في حياتي، فأنا أحب عِشرة النساء، لكنني لا أحب النساء، لا أحب جنسهن، أتعب وأضجر منهن. بيني وبينهن جدار لا يُخرق، ولا أذكر أنني استسلمت في حياتي لحب امرأة».
«ما قاله يوسف هو ليس حقيقة ما اعتنقه وآمن به فحسب، بل ما مارسه وطبّقه في حياته الفعلية أيضاً»، علقت مها بيرقدار على آرائه تلك، حين سألتها مستوضحاً، مضيفة بأنه أبدى تعلقاً خاصاً بابنه الأصغر يوسف، إلى حد منحه اسمه وقلبه واهتمامه، بعد أن رأى فيه شبيهه وامتداده الذكوري. ولكنه لم يكن يعطي الاهتمام نفسه لابنته «ورد»، بل كان شديد الخشية من أن تتسبب له حين بلوغها المراهقة بكثير من المتاعب و«أوجاع الرأس».
في بداية ثمانينات القرن المنصرم، بدأ الورم السرطاني الذي أصاب جسد يوسف الخال بمثابة طعنة قاصمة للشاعر، الذي لم يكن تقادم السنين لينال من ولعه الأبيقوري بالحياة. وبسؤال مها عن طريقة تعاطيها معه في تلك المرحلة، أجابت بأن أخلاقياتها الشخصية وواجبها كزوجة وأم لطفلين، أمليا عليها الوقوف إلى جانبه والتخفيف من آلامه، سواء في بيروت أو أثناء إقامته بهدف العلاج في باريس. «ألم يشكرك يوسف على رعايتك له أثناء مرضه؟» سألت مها. وبعد أن صمتت قليلاً أجابت بأنه لم يفعل أبداً، بل قال لها مرة بالمحكية اللبنانية: «يا مرا، صار لازم تنتحري». وحين سألته عن السبب، قال: «لأنك طيبة القلب أكثر من اللازم».
ومع ذلك، فإن تجربة يوسف الخال مع الزواج لم تختلف كثيراً عن تجارب من سبقه من فناني العالم وكتّابه ومفكريه، ممن شكّل مزاجهم الشخصي وسلوكهم المتعالي ونرجسيتهم الفاقعة، الوجه الآخر لملكاتهم الإبداعية.
إن فيه شيئاً من التسلط الاستحواذي لبيكاسو، الذي كان يكبر زوجته الرسامة بـ40 عاماً، ومن الجاذبية القاسية لتيد هيوز، الذي دفع بزوجته الشاعرة سيلفيا بلاث دفعاً إلى الانتحار، ومن كرم تولستوي المليء بالفارقات، وهو الذي خص أصدقاءه وفلاحيه بقدْر من السخاء والرعاية الأبوية، لم يخصّ به زوجته وأولاده. أما مها بيرقدار فقد بدت من بعض وجوه تجربتها القاسية مزيجاً من شخصيات فرنسوا جيلو وسيلفيا بلاث وصوفيا تولستايا، مع تعديلات متفاوتة في التفاصيل والوقائع والمآلات.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».