مها بيرقدار ويوسف الخال: بيت زوجي بمنزلين متباعدين وجدران كثيرة

هل كان «بطريرك الحداثة» بطريركياً في سلوكه مع النساء؟

مها بيرقدار
مها بيرقدار
TT

مها بيرقدار ويوسف الخال: بيت زوجي بمنزلين متباعدين وجدران كثيرة

مها بيرقدار
مها بيرقدار

حين وفدت مها بيرقدار إلى بيروت، ربيع العام 1970، لم تكن لتفكر وهي تقطع الطريق الفاصل بين العاصمتين السورية واللبنانية، سوى بالعثور على دار للنشر تتبنى إصدار قصائدها المبكرة في كتاب مستقل. ذلك أن الصورة التي ارتسمت لبيروت في مخيلة الصبية الطافحة بالنضارة، لم تكن تنحصر في كونها مدينة الصخب اللاهي والانفتاح على العالم، بل هي قبل كل شيء عاصمة الثقافة والتنوير، والمنصة المثلى للطباعة والنشر وتشجيع المواهب، التي سبق أن وفّرت لعشرات المبدعين السوريين السبل المثلى لبلورة تجاربهم وتوسيع رقعة انتشارهم وتطورهم الإبداعي. لذلك، فهي حين طرقت باب يوسف الخال، فليس لأنه «بطريرك الحداثة»، أو الأب المؤسس لمجلة «شعر» فحسب، بل بوصفه مسؤولاً عن «دار النهار» للنشر، والقادر بالتالي على الأخذ بيدها لقطع المسافة الطويلة والشائكة التي تفصلها عن تحقيق الأحلام.
لم يكن في وارد الصبية اليافعة يومها أن القدر سيضع حياتها أمام منعطف حاسم وغير متوقع، وأن الشاعر الشهير، الذي تجلس قبالته بتهيب وحذر شديدين، سيصبح زوجها فيما بعد. صحيح أنها تتقاسم مع يوسف الخال شغفه بالشعر والرسم، وهي التي تربت في كنف أب عسكري لم تمنعه رتبته العالية من الإدمان على القراءة ومزاولة الرسم، وأم منفتحة ومولعة كزوجها بفنون التشكيل، وصحيح أن موهبتها في الرسم دفعتها للالتحاق بمعهد الفنون التشكيلية في دمشق، وأن افتتانها بالشعر جعلها تقدم بصوتها وأدائها المميزين برامج إذاعية لاقت كثيراً من الاستحسان، ولكن ما يفصلها عن عراب الحداثة الثانية ليست العقود الثلاثة من الزمن فحسب، بل ثمة فوارق أخرى على مستويات الخبرة والنضج والطباع والاندفاع العاصف والمتهور نحو الحياة. فقد كان الخال يستند إلى إرث طويل من التجارب والمغامرات العاطفية، إضافة إلى دوره التنويري في العقدين اللذين سبقا لقاءها به. وهو منذ أن غادر طفلاً بلدته السورية «عمار الحصن»، بدا أشبه بعاصفة لا تهدأ من المغامرات؛ حيث انخرط شاباً في صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي، قبل أن «يتلبنن» بتأثير من شارل مالك. كما أنه شغل غير منصب ثقافي ودبلوماسي، أثناء إقامته في الولايات المتحدة مع زوجته الأولى هيلين، الأميركية من أصل لبناني. وحين عاد أدراجه إلى بيروت بادر إلى تأسيس مجلة «شعر»، جامعاً من حوله ثلة من شعراء التمرد الحداثي، قبل أن يقفلها في وقت لاحق، معلناً اصطدامه بجدارين؛ جدار اللغة الفصحى التي تم استنفادها في رأيه، بما يوجب اعتماد المحكية بديلاً عنها، وجدار المؤسسة الزوجية الذي قاده إلى الانفصال عن هيلين، الرسامة المعروفة التي أسس معها «غاليري وان»، وأنجبت منه طفلين اثنين، توفيا بشكل مأساوي بُعيد رحيل الأب.
«لكننا لا نطبع إلا للمشاهير، وإذا فعلنا فمقابل مبلغ مالي لدعم إمكانات الدار المتواضعة»، قال الخال لمها، التي كانت تنتظر قراره بشأن ديوانها بفارغ الصبر. ثم أردف قائلاً، وقد لفته جمالها الشامي الياسميني: «ثم لماذا على صبية مثلك، لها مثل هذه الفتنة، أن تكتب الشعر؟». ومع أن في سؤال الخال ما يوجب أن يصيبها بالإحباط، فإن بيرقدار أقرت في حوار لي معها: «رغم أن تجاهله لي ككاتبة أصابني بالصدمة والإحباط، فإن تغزله الصريح بجمالي أيقظ مشاعري كأنثى، فلم يتملكني الغضب، بل طلبت إليه أن يقرأ كتاباتي بإمعان. ولم يفته بالطبع أن يطلب رقم هاتفي في دمشق، لكي يضعني في صورة القرار الذي سيتخذه بشأن النشر أو عدمه».
لم يمر على ذلك اللقاء أكثر من أسبوع واحد، حتى كان صاحب «البئر المهجورة» يتصل ببيرقدار طالباً إليها بلهجة شبه آمرة أن تأتي إلى بيروت بغية التحدث وجهاً لوجه، والوقوف عن كثب على أفكارها ووضعها العائلي والاجتماعي. ورغم صعوبة ظروفها، كمقدمة برامج إذاعية، وجدت مها طريقة للمغادرة، حتى إذا التقت بالخال نقل إليها اعتذار المؤسسة لأسباب مالية عن نشر باكورتها الشعرية. لكنه أبدى رغبته في العثور على عمل دائم لها في بيروت، مقترحاً أن يتبادلا الرسائل ليتعرف أحدهما على الآخر بصورة أفضل. وإذ تقر مها، التي وافقت على الاقتراح، بأنها بدأت تقع بالتدريج في شرك الحضور المغوي للشاعر الوسيم، فإنها لم تتوقع أبداً أن يكتب لها على ظهر ورقة رثة: «تعالي حين ينتصف تموز، فقد أعددت لك مكاناً على شاطئ البحر أو فوق إحدى القمم، وإلا فغيبي إلى الأبد!».
«كانت الرسالة بالنسبة لي صدمة أخرى تضاف إلى الصدمات السابقة»، قالت مها. وحين أبلغت الخال بصعوبة الإقامة بمفردها في بيروت، أجابها بنبرة احتجاج ساخرة: «وهل الإقامة في بيروت أكثر خطورة من الإقامة في ميونيخ!»، ملمحاً إلى إقامتها في ألمانيا لسنتين متتاليتين، وبضيافة أخيها أسامة، بهدف دراسة الترجمة. إلا أنها ما لبثت أن انتقلت إلى بيروت، رغم معارضة الأهل ومخاوفهم، حين وفر لها الخال فرصتين اثنتين للعمل، أولاهما في جريدة «النهار»، والأخرى في الغاليري الذي يملكه.
أما حين طلب يوسف الخال من مها بيرقدار، بعد شهور قليلة، أن تكون زوجة له، فقد أُسقط في يدها تماماً، لا لأنها ترفض الفكرة من الأصل، وهي التي عاينت بشكل مباشر ما يمتلكه يوسف من مكانة مرموقة في الأوساط الثقافية اللبنانية، بل بسبب تباينات عدة لا تتعلق بفارق العمر وحده، ولكنها تتعداه إلى اختلاف الطباع ونمط الحياة، فضلاً عن انتمائهما إلى ديانتين مختلفتين، الأمر الذي سيتسبب في معارضة الأهل الشديدة لمثل هذا المشروع. ومع ذلك فقد قررت بيرقدار أن تقبل التحدي، وأن تذهب في المجازفة حتى نهاياتها، منتقلة مع الخال إلى قبرص، لينجزا بلا مشاركة من أحد ولا مراسم زفاف، عقد زواجهما المدني.
«ومتى بدأ شهر عسلكما الزوجي بالانقضاء»، سألتُ مها، التي تلازم سريرها منذ أشهر لأسباب صحية. «منذ الليلة الأولى»، أجابت. ثم تابعت بنبرة تأثر واضحة: «لم يكن يوسف حنوناً ورقيقاً كما ينبغي لرجل أن يفعل مع صبية رقيقة، تركت كل شيء وراءها وانتقلت إلى بلد غريب لتكون شريكته من دون سائر الخلق. لقد جسد في سلوكه معي كل صور القسوة والاستحواذ والتسلط الذكوري على المرأة. فبعد ساعات من عودتنا إلى بيروت تركني وحيدة على امتداد الليل، ليوافي صديقين له أثيرين إلى ما أطلق عليه (لقاء 104) الدوري». بعد ذلك تتحدث مها عن العلاقة غير المتكافئة بين الزوجة الشابة التي كانتها، وبين الرجل الكهل الذي كانت ترى فيه صورة الأب، وتخجل من مواجهته أو معاندته. كما تحدثت إسهاب عن إدمان زوجها على التدخين وتناول الكحول والسهر المتأخر، فضلاً عن عدم اكتراثه بوحدتها المتنامية، الأمر الذي حدا بها إلى اختيار النوم في غرفة منفصلة، في وقت لاحق. وعما إذا كان الخال قد لجأ في بعض المواقف المحتدمة إلى مبادرتها بالعنف الكلامي والجسدي، قالت بتأثر بالغ: «إن سلوكه معها اتسم بالقسوة على وجه الإجمال، ولم يخلُ من التعنيف الكلامي، لكنه لم يصل إلى العنف الجسدي إلا مرات قليلة، وبخاصة حين تثبتّ مرة من خيانته لي، حتى إذا ما فاتحته بهذا الشأن بادر إلى دفعي بقوة، معتبراً أن ما أقوله هو من بنات وساوسي المرضية». وكيف تعاطى يوسف مع موهبتك الإبداعية المنقسمة بين الرسم والشعر؟ سألتها. «لم يكترث لكل ما أفعله»، أجابت: «مع أن لوحاتي كانت تباع بما يكفي لأساعده في إتمام منزلنا في غزير. ولم أصدر أثناء حياته سوى مجموعتي الأولى «عشبة الملح»، ودون حماس منه، أما المجموعات الثلاث الأخرى «رحيل العناصر»، و«الصمت»، و«دواة الروح»، فكان على إصدارها أن ينتظر، بكل أسف، إلى ما بعد رحيله عن هذا العالم.
لم يتح لمها بيرقدار أن تواكب المغامرة الفريدة والرائدة التي خاضها يوسف الخال عبر مجلة «شعر»، إذ كان عقد المجلة قد انفرط قبل سنوات من زواجها بصاحب «قصائد في الأربعين». وبسؤالها عمن كان يتردد على منزلهما العائلي عشية الحرب الأهلية، اختارت أن تخص بالذكر ليلى بعلبكي وفؤاد رفقة، ذا الحضور الدافئ، وأدونيس، الذي تكن له، شاعراً وإنساناً، قدراً عالياً من الإعجاب. وحين انتقل الزوجان مع بداية الحرب إلى بلدة غزير، عمدا إلى تأسيس «صالون الجمعة» الثقافي، بمشاركة كثير من أهل الفكر والفن، من أمثال منير معاصري وريمون جبارة وموريس عواد وميشال معيكي وآخرين. إلا أن الخال لم يستجب لرغبات الذين طالبوه بإلحاح أن يعاود إصدار مجلته، ولو بحلّة ونفَس جديدين، مرة بدعوى أن زمنها قد انتهى، ومرة أخرى بأنه لم يعد الشاب الطافح بالحيوية الذي كانه عند صدورها الأول في الخمسينات.
ومع أن الخال لا يقدم لنا من جهته كثيراً من وقائع حياته العائلية وتفاصيلها، سواء في الجانب المتعلق بزواجه الأول من هيلين، أو بزواجه الثاني من مها بيرقدار، فإن ما رشح عنه من مواقف وتصريحات، يُكسب اعترافات مها كثيراً من المصداقية، ويكشف عن موقفه السلبي والمستغرب من النساء، وهو الذي طالما رأى في صورة المسيح قدوته ومثاله. فحين تسأله أمل جراح، في حوار مطول، عن السبب الذي دفعه إلى عدم إيلاء المرأة في شعره أي اهتمام يُذكر، يجيبها بالقول: «فيما خصني، لا أعتقد أن أي امرأة بالذات لعبت دوراً رئيسياً في حياتي، فأنا أحب عِشرة النساء، لكنني لا أحب النساء، لا أحب جنسهن، أتعب وأضجر منهن. بيني وبينهن جدار لا يُخرق، ولا أذكر أنني استسلمت في حياتي لحب امرأة».
«ما قاله يوسف هو ليس حقيقة ما اعتنقه وآمن به فحسب، بل ما مارسه وطبّقه في حياته الفعلية أيضاً»، علقت مها بيرقدار على آرائه تلك، حين سألتها مستوضحاً، مضيفة بأنه أبدى تعلقاً خاصاً بابنه الأصغر يوسف، إلى حد منحه اسمه وقلبه واهتمامه، بعد أن رأى فيه شبيهه وامتداده الذكوري. ولكنه لم يكن يعطي الاهتمام نفسه لابنته «ورد»، بل كان شديد الخشية من أن تتسبب له حين بلوغها المراهقة بكثير من المتاعب و«أوجاع الرأس».
في بداية ثمانينات القرن المنصرم، بدأ الورم السرطاني الذي أصاب جسد يوسف الخال بمثابة طعنة قاصمة للشاعر، الذي لم يكن تقادم السنين لينال من ولعه الأبيقوري بالحياة. وبسؤال مها عن طريقة تعاطيها معه في تلك المرحلة، أجابت بأن أخلاقياتها الشخصية وواجبها كزوجة وأم لطفلين، أمليا عليها الوقوف إلى جانبه والتخفيف من آلامه، سواء في بيروت أو أثناء إقامته بهدف العلاج في باريس. «ألم يشكرك يوسف على رعايتك له أثناء مرضه؟» سألت مها. وبعد أن صمتت قليلاً أجابت بأنه لم يفعل أبداً، بل قال لها مرة بالمحكية اللبنانية: «يا مرا، صار لازم تنتحري». وحين سألته عن السبب، قال: «لأنك طيبة القلب أكثر من اللازم».
ومع ذلك، فإن تجربة يوسف الخال مع الزواج لم تختلف كثيراً عن تجارب من سبقه من فناني العالم وكتّابه ومفكريه، ممن شكّل مزاجهم الشخصي وسلوكهم المتعالي ونرجسيتهم الفاقعة، الوجه الآخر لملكاتهم الإبداعية.
إن فيه شيئاً من التسلط الاستحواذي لبيكاسو، الذي كان يكبر زوجته الرسامة بـ40 عاماً، ومن الجاذبية القاسية لتيد هيوز، الذي دفع بزوجته الشاعرة سيلفيا بلاث دفعاً إلى الانتحار، ومن كرم تولستوي المليء بالفارقات، وهو الذي خص أصدقاءه وفلاحيه بقدْر من السخاء والرعاية الأبوية، لم يخصّ به زوجته وأولاده. أما مها بيرقدار فقد بدت من بعض وجوه تجربتها القاسية مزيجاً من شخصيات فرنسوا جيلو وسيلفيا بلاث وصوفيا تولستايا، مع تعديلات متفاوتة في التفاصيل والوقائع والمآلات.



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.