خلود عولقي والطهي... قصة حب تدوّنها على مواقع التواصل الاجتماعي

مدوّنة وطاهية سعودية تعشق الملوخية والبساطة

TT

خلود عولقي والطهي... قصة حب تدوّنها على مواقع التواصل الاجتماعي

خلود عولقي، مدونة وطاهية ومؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، في سن الـ31 لديها 418 ألف متابع على «إنستغرام» وجمهور عريض تشاركه حبها الطهي وابتكار الوصفات وتبسيطها. رغم بداياتها كطاهية وصاحبة مطعم يتخصص في السوشي، فإنها تحولت في حساباتها على «سناب شات» أو «إنستغرام» لتتناول أكلات من جميع أنحاء العالم، من يزر صفحتها يجد وصفات سعودية وعربية وغربية، هنا تضع «ما تحب أن تأكله»، كما تقول لنا.
التقينا في نهار لندني بارد في مقهى أنيق، حيث تناولنا الشاي وفطائر سكونز الإنجليزية، ودار بيننا حديث طويل تناول بدايات الطاهية خلود في فن السوشي حتى تحولت لتصبح واحدة من أشهر المؤثرات في مجال الطهي في السعودية.
نبدأ في تناول الشاي والحديث، تطلب من النادلة الملح وتنثره على السكونز أمامها، تجيب على نظرتي المتسائلة ببساطة لطيفة «الملح يكسر الطعم ويمنح النكهة تميزاً».
البدايات دائماً لها جاذبية، وبدايات خلود عولقي مع الطهي تعيدها لمحاولات ساذجة لدخول المطبخ في طفولتها، تتذكر كيف كانت جدتها تعطيها قطعة عجين لتشكلها كما تشاء، وأنها بدأت في خبز الحلويات البسيطة وهي في الصف الخامس الابتدائي، تلقت التشجيع من العائلة والأصحاب، وهكذا تطورت الهواية الصغيرة عبر السنين لتصل لمحطة مهمة في حياتها حين أصبحت شيف خلود المتخصصة في صناعة السوشي. بدأت في طهي السوشي في مرحلة الجامعة، تصنعه في منزلها ويساعدها زوجها في كل التفاصيل، لتفتتح مطعماً باسم «أوي سوشي» في الرياض ما زال قائماً حتى الآن.

- الطهي على مواقع التواصل
دخولها مواقع التواصل الاجتماعي كان بداية لمشوار ناجح، تقول، إن البداية كانت تصور وصفات سوشي وتنشرها على «سناب شات»، ومع تزايد الإقبال وطلبات المتابعين أن تكون الوصفات متاحة بشكل أكبر، حيث إن «سناب شات» يلغي البوست بعد يوم، كان قرارها بالتوجه لـ«إنستغرام» لوضع الوصفات. هناك زادت أعداد المتابعين وبدأت في تلقي طلبات من المعلنين، كانت تلك اللحظة التي قررت فيها أن تخصص حساباً آخر بعيداً عن السوشي لتقدم من خلاله وصفات أشمل وأعمّ. ولكنها لم تترك مطعمها من دون إشراف، تقول «حتى أركز على عملي وتواجدي على السوشال ميديا كان من اللازم أن أبتعد فقمت بتدريب العاملين في المطعم وأعددت القائمة والوصفات التي يتبعها الشيف هناك (الشيف عبد المحسن)».
تقول، إن حسابها في «إنستغرام» شامل ويقدم مختلف الوصفات «أقدم من خلاله الوصفات التي أحبها ولا ألتزم بـ(كويزين) أو مطبخ معين، أقدم النكهات التي تعجبني والأكلات التي أحب طهيها في منزلي». تشير إلى أنها ليست من هواة «الترند» والأكلات التي تصبح مشهورة بين المدونين وحسابات الطهي الأخرى «عندما تظهر وصفات (ترند) أو على الموضة، ولا أقتنع بها لا أقدمها»، ولكن إذا اضطرت إلى ذلك تقدمها بطريقة مختلفة، ومثال لذلك وصفة المعكرونة مع جبنة الفيتا التي تقول، إنها قدمتها على حسابها بسبب تعاقدها مع إحدى الشركات المنتجة لجبنة الفيتا» طلبوها تحديداً، وقدمتها على طريقتي مع إضافة الزيتون والبقدونس».

- دورات الطهي وتطوير التكنيك
تحرص خلود على تطوير مهاراتها في عالم الطهي، هي الآن في لندن، حيث أنهت دورة في مدرسة «كوردون بلو» للطهي. تقول، إن قرارها بالدراسة جاء بعد توقفها عن العمل في المطعم «بعد أن تركت العمل اليومي في المطبخ قررت أن أتعلم تقنيات مختلفة في الطبخ، أنا اشتهرت بالسوشي، لكني أحب الطبخ بأنواعه ولهذا قررت تعلم أشياء جديدة من مطابخ أخرى». تشير إلى أنها انتظمت في دورات قصيرة في مدارس للطهي في بريطانيا بدأتها في عام 2017 «أخذت دورة قصيرة في مدرسة (كوردون بلو) في لندن في تقنيات المطبخ الفرنسي، ساعدتني الدورة وتعلمت وصفات وتقنيات جديدة وأوصلت ذلك للمتابعين على (إنستغرام)».
في عام 2019 تلقت دورة ثانية في معهد في منطقة ديفون بجنوب بريطانيا، ثم أخرى في أكاديمية للطهي في منطقة دورسيت. تقول «ميزة المعاهد أنهم يراعون أصحاب الأعمال الصغيرة، هناك مستويات للدبلوم، المستوى الواحد يستمر شهراً أو شهرين».

- «كورونا» والحجر المنزلي
جائحة «كورونا» غيرت خطط خلود، مع إغلاق المطعم في 2020، فترة الإغلاق دفعت بالكثيرين للطهي والخبز، وفي هذه الفترة زاد عدد متابعين خلود «الأكاونت كان بيزيد بمعدل ألف أو ألفين متابع في اليوم، بدأت بـ80 ألفاً، وصلت الآن إلى ما يقارب 400 ألف... رب ضارة نافعة، وقت الحجر اتجه الناس للطبخ، وكثيرون كانوا يتابعون حسابي كل يوم».
في تلك الفترة غيرت خلود أيضاً طريقة تصوير الوصفات، «في بداياتي كان التصوير يركز على الطعام ولكن أثناء الحجر طلبت من زوجي أن يصور مقاطع فيديو لي، كان يصورني بعد عودته من العمل كل يوم، وكنت أقضي وقتي خلال اليوم في تجهيز الوصفة والمكونات حتى يعود».
تشرح، أن الوقوف أمام الكاميرا لتقديم الوصفات كان صعباً في البداية، صنعت لنفسها صورة معينة تصفها بـ«الرسمية» ولكنها قررت أن تكون على طبيعتها أمام الكاميرا بعد رحلة لليابان. «سافرت لليابان في رحلة عمل للترويج لثقافة الأكل الياباني وكانت فرصة جداً جميلة، ولكن أيضاً مرهقة؛ إذ كان المطلوب مني أن أصور فيديو بشكل مستمر ولم يكن عندي وقت لأرتب كلامي. قلت لنفسي كوني على طبيعتك، رغم قناعتي المسبقة بأن يكون لي شخصية رسمية للسوشال ميديا، ولكن بعد تلك الرحلة وجدت أن بالعكس مريح لي أن أكون بطبيعتي وليس في القالب الذي صنعته لنفسي».
في «إنستغرام» غيرت خلود من أسلوبها في التقديم وأيضاً من بعض الوصفات، أذكر لها ما قالته في لقاء مع إحدى المجلات بأنها لا تحب «الخبز»، ولكن المتابع لها الآن يشاهد وصفات الكيك والمعجنات المختلفة، ماذا حدث؟ تجيب «لم أكن احب «البيكينغ» والحلويات كثيراً، كنت أعمل أشياء بسيطة مثلاً «مافين» و«براونيز»؛ لأني لم أفهم عملية الخبز، هناك علم متكامل خلف عملية الخبز، وأنا في وصفاتي أحاول أن أشرح سبب اتخاذ خطوة معينة».

- الطهي في المنزل وعلى «إنستغرام»
الطهي بطريقة الأمهات والجدات تعشقه، ولكنها لا تستطيع تقديمه لمتابعيها بالطرق القديمة نفسها، تشير على سبيل المثال إلى أن طريقة المقادير مختلفة وتضرب المثل بأحد «البوستات» على حسابها عندما قدم والدها وصفته الخاصة لأكلة «الرز بالحمص» الشهيرة في السعودية. تقول «عندما قدمت الوصفة مع بابا، كان يخلط المكونات حسب (النظر)» (يقدرها بعينه من دون معايير)، قلت للمتابعين «لا أستطيع أن أعطيكم المقادير الآن، وعدت بعدها للفيديو لأقدّر الكميات التي استخدمها والدي وأضع لها معايير واضحة».
وتابعت «جيل الأمهات والجدات كانت له طرق في معرفة المقدار الصحيح والوقت الذي تستلزمه صينية في الفرن، كان لهن (تكنيك) قد يسميه البعض (النَفَس)، ست البيت تعرف متى تخرج الصينية من الفرن، متى تقلب قطعة الاستيك علشان تاخد اللون... كل الحواس تدخل في موضوع الطبخ، النظر الشم والتقدير».

مجتمع طاهيات وسائل التواصل

المتابع حساب خلود بإمكانه أن يلاحظ التعاون بينها وبين المدونات المتخصصات في الطهي، قدمت في إحدى المرات حساب لسيدة إيطالية (خالة ماريا)، والتي تقدم الوصفات الإيطالية التقليدية، وفي مرة أخرى قدمت حساباً لسيدة متخصصة في الخبز (فاطمة البياتي) أقول لها «من الأشياء الجميلة في حسابك هو تقديم طاهيات من مجالات مختلفة، هل هناك (مجتمع) لطاهيات (إنستغرام)؟» تقول «طبعاً تعرفت على كثير من الناس عبر السوشال ميديا في السعودية، الطبخ يجمعنا». تتحدث عن زيارات بينهن وتجارب طبخ مشتركة «عملت مع صديقة طريقة عمل عصير ليمون (ليمونيد) وعملت مع ماما ومع بابا وفي مرحلة ما مليت من الطبخ وحدي، وبدأت أفكر في شخص يشاركني في الطبخ». تضيف «تعرفت على فاطمة البياتي، مدونة الخبز من النادي؛ فهي كانت مدربتي واكتشفت أثناء الحجر أنها تخبز في البيت، في الحجر المنزلي كنا نزور بعض نخبز ونتمرن».

- سلبيات وإيجابيات
على الجانب الشخصي، هل كان لمواقع التواصل الاجتماعية سلبياتها؟ تقول «أول شيء أنا من الناس التي تستمتع بالمشاركة، أحب أن أشارك الناس حبي للأكل، وحتى لو صورت جانب من حياتي اليومية بشكل عادي، أحب ذلك ولكن لا أريد أن يصبح واجباً عليّ؛ حتى لا أفقد المتعة. فعلى قد ما أحب أن أشارك الناس في يومياتي هناك أيام أخرى لا أشعر فيها بالرغبة في التصوير، ولا أريد أن أجبر نفسي على الظهور وأنا (متضايقة) فذلك سيبعث طاقة سلبية... أريد أن يرتبط ظهوري بالطاقة الإيجابية».
وفي نهاية اللقاء، كان من الواجب معرفة الأكل المحبب لدى خلود، ابتسمت وقالت «الملوخية والرز بالحمص».


مقالات ذات صلة

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

مذاقات «ساوردو»...  من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات «سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر

محمد عجم (القاهرة)
مذاقات المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)

مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

مع بدء المسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي في التخطيط لزياراتهم المرتقبة إلى لندن، تشهد ساحة المطاعم في المدينة موجة متجددة من الافتتاحات الكبرى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

لطالما وُضع المطبخ السعودي في الهند تحت مظلة تصنيفات عامة مثل «الشرق أوسطي» أو «العربي»، وتعرّض لفهمٍ قاصر اختزله في صور نمطية ضيقة، كلفائف الشاورما، والحمص

براكريتي غوبتا (نيودلهي)

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».