سباق على «المسيّرات» في منطقة الشرق الأوسط

صورة وزعها الجيش الايراني لمسيّرة تابعة له في 11 سبتمبر الماضي ( أ ف ب)
صورة وزعها الجيش الايراني لمسيّرة تابعة له في 11 سبتمبر الماضي ( أ ف ب)
TT

سباق على «المسيّرات» في منطقة الشرق الأوسط

صورة وزعها الجيش الايراني لمسيّرة تابعة له في 11 سبتمبر الماضي ( أ ف ب)
صورة وزعها الجيش الايراني لمسيّرة تابعة له في 11 سبتمبر الماضي ( أ ف ب)

اتّسمت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على مدى العقدين المنصرمين، بعمق الانقسامات والاضطراب السياسي والقصور في الحكم. وانعكس التنافس الجيوسياسي وازدياد الطموحات لدى بعض الدول، التي استشعرت فائض القوة (إيران، إسرائيل، تركيا)، بإطلاق سياسات خارجية جريئة وأحاديّة الجانب تجاوزت في كثير من الحالات القيود التي فرضتها، منذ فترة طويلة، شراكات مع قوى أجنبية، وتعارضت مع أجندات إقليمية.
ضمن هذا المشهد، أدى استخدام الطائرات من دون طيار دوراً مهماً في النزاعات القائمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما يتجاوز تأثيرها المباشر في مجريات الميدان، بل أضحت جزءاً مهماً من الديناميات السياسية والأمنية وأحد أوجه المنافسة بين دول المنطقة.
بلغت الطائرات من دون طيار مستويات غير مسبوقة من التطور، وتوسّع استخدامها من أداة عسكرية متخصّصة متاحة فقط لإسرائيل والولايات المتّحدة عام 2001 - عندما تمّ استخدام طائرة من دون طيار من طراز (Predator) للمرة الأولى في مهمة اغتيال فاشلة استهدفت زعيم حركة «طالبان» الملا محمد عمر في أفغانستان - إلى أسلحة رخيصة نسبياً وعالية التقنية في ترسانة عدد متزايد من الدول.
ومن المتوقّع أن تجذب سوق الطائرات من دون طيار العالمي ما يقارب 100 مليار دولار من الاستثمارات خلال العقد الحالي، بزيادة 30 في المائة من حيث الإنفاق على البحث والتطوير والمشتريات، مما يؤكّد أهميتها الاستراتيجية المتزايدة ضمن منظومات الدفاع في العديد من الدول.
ويلاحظ هذا الاتجاه بشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط، حيث شكّلت الطائرات العسكرية من دون طيار (درونز) نحو 82 في المائة من إجمالي السوق الإقليمي في عام 2019.
أثبتت قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، واكتساب الأهداف، أنها عامل حاسم في منطقة تتميّز دولها بحدود يسهل اختراقها ومساحات شاسعة غير خاضعة للرقابة، مما أتاح للعديد من الحكومات جمع معلومات استخبارية قيّمة ومواجهة تهديدات المتمردين المحليين والجماعات الإرهابية العابرة للحدود.
الجزائر ومصر، على سبيل المثال، أطلقت مراراً طائرات من دون طيار في حملات مكافحة إرهاب «داعش»، وأنّ كلاًّ من طائرة (Djazair 54s) (El) وهي نسخة أصلية من النموذج Yabhon United - 40) التابعة لشركة (Adcom Systems)، وطائرة (Wing Loong II) المصنّعة في الصين قد تمّ استخدامهما ضمن تشكيلات عسكرية لتوفير الدعم الجوي لوحدات المشاة في جنوب شرقي الأراضي الجزائرية وشبه جزيرة سيناء بواسطة مجموعة من الذخائر الموجّهة وغير الموجّهة.
استحوذت الطائرات القتالية من دون طيار (UCAVs) على اهتمام العديد من الحكومات في الشرق الأوسط وتصدّرت عناوين الصحف بسبب دورها المتقدّم في نزاعات المنطقة بما في ذلك ليبيا وسوريا والعراق. حالياً، هناك ثلاث عشرة دولة في المنطقة تقوم بتشغيل طائرات قتالية من دون طيار أو هي في طور الحصول على هذه القدرة، حيث تُصدّر أربع منها طائراتها إلى دول إقليمية أو أجنبية.

- تركيا
كان لافتاً صعود تركيا السريع والحيوي إلى نادي الدول التي تمتلك طائرات مسلّحة من دون طيار، ليس بسبب ريادتها في استخدام هذه الطائرات في العمليات القتالية التقليدية، بل للدور الرئيسي الذي قد تتصدّره أنقرة في السوق العالمية في المستقبل القريب.
بين شركاء تركيا التجاريين في المنطقة، قطر وتونس وحكومة «الوفاق الوطني» الليبية في طرابلس. تسلّمت الدوحة مؤخراً الدفعة الأولى من ست طائرات قتالية من طراز (Bayraktar TB2) وثلاث محطات تحكّم أرضيّة، تمّ التعاقد على شرائها في عام 2018، في حين وقّعت تونس في أوائل مارس (آذار) 2020 عقداً بقيمة 240 مليون دولار مع شركة (Turkish Aerospace Industry - TAI) لشراء ست طائرات قتالية من دون طيار من طراز(Anka - S) مع ثلاث محطات تحكّم وخدمات تدريبية. آخر شريك لأنقرة هي أذربيجان التي أبرمت عقداً لشراء طائرات قتالية من دون طيار لنشرها في مواجهة القوات الأرمينية في منطقة ناغورنو كاراباخ المتنازع عليها، بعد أن أقرّ برلمانها مؤخراً تعاوناً عسكرياً ثنائياً مع تركيا.
ومنذ مايو (أيار) 2019. تمّ نشر عدد غير معروف من الطائرات من دون طيار (TB2)، مع المعدات والمدربين في ليبيا لدعم حكومة الوفاق الوطني في التصدي لهجمات الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر في طبرق، مما تسبب باندلاع مواجهة شرسة مع طائرات (Wing Loong IIs). علاوة على ذلك، يمكن أن يتلقى مخزون الطائرات من دون طيار التركية قريباً نظامين أكثر تقدّماً تمّ تطويرهما محلياً بواسطة (Baykar Makina) و(Turkish Aerospace Industry) هما: (Akinci) و(Aksungur)، وبفضل هذين النموذجين ستمتلك تركيا قدرات هجومية «جو - جو» و«جو - أرض» مما سيمكّنها من تحقيق توازن في القدرات مع إسرائيل.

- إيران
دخلت إيران ودول عربية ميدان السباق أيضاً وشرعت بتطوير قدراتها، بنشر المنصّات الصينية، ولا سيما سلسلة (Wing Loong) التي تنتجها مجموعة (Chengdu Aircraft Industry) منذ عام 2015 على الأقل، بالإضافة إلى طائرات Cai - Hong - CH 4B) التي تنتجها شركة (China Aerospace Science & Technology Corp) المملوكة للدولة. هذه النماذج استخدمت بالفعل في عمليات خاصة. بالتوازي مع ذلك، تعمل بعض الدول على تعزيز صناعاتها المحلية، وقد استثمرت في نماذج محلية.
وأحرزت إيران تقدّماً فيما يتعلّق بتقنية الطائرات من دون طيار. إذ يوصّف تقرير صادر عن وكالة استخبارات الدفاع الأميركية عام 2019 الطائرات من دون طيار بأنها «القدرة الجوية الإيرانية الأسرع تقدّماً». فقد طورت طهران العديد من المنصات لأغراض القتال والهجوم المباشر مثل (Ababil - 3T) و(Mohajer)، وأحدثها طراز (4B)، و(Fotros) و(Shaed - 129) من فئة (Medium Altitude Long Endurance - MALE). ويمثّل طراز (Shaed - 129) الذي تمّ تصنيعه من قِبل شركة صناعة الطائرات الإيرانية (HESA) وكُشف النقاب عنه للمرة الأولى في عام 2012. خطوة لافتة من حيث مدة الطيران والمدى؛ وذلك بعد الأداء المحدود للنماذج السابقة لتعذّر شراء التقنيات المتطورة كأجهزة الاستشعار والمحركات والمكوّنات الأخرى بسبب العقوبات الدولية وأنظمة مراقبة الصادرات. فقد خضع نموذج (Shaed - 129) للعديد من التحسينات التي مكّنته، وفقاً للمسؤولين الإيرانيين، من التحليق لمدة 24 ساعة وحمل ما يصل إلى ثمانية صواريخ «جو - أرض» ليصبح معه نظام الطائرات من دون طيار في إيران أحد الأنظمة التي تّم اختبارها قتالياً.
مثّلت الطائرات من دون طيار في الاستراتيجية العسكرية لطهران حلاً فعالاً، من حيث تكلفة تعزيز قدرات جمع المعلومات والاستطلاع والهجوم وتعويض أوجه القصور التقليدية الهيكلية، لا سيما فيما يتعلّق بمنصات الرمايات البعيدة المدى وزيادة اعتماد إيران على الوسائل غير التقليدية كبديل للوسائل التقليدية غير المتوفرة. ولا يقلّ أهمية عن كل ذلك الدور الدعائي الذي تلعبه هذه الطائرات بفضل هالة «التكنولوجيا» وشعبويتها مما يساعد النظام الإيراني في تعزيز سمعته وخطابه القومي.
- إسرائيل
لإسرائيل مكانتها المتقدّمة بين الدول المهيمنة في مجال الطائرات من دون طيار، وربما تأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتّحدة. لقد بقيت إسرائيل حتى عام 2014 المصدّر الرئيسي للطائرات دون طيار في العالم، حيث استحوذت على 61 في المائة من الصادرات العالمية. يمكن لأكبر طائرة من دون طيار إسرائيلية (MALE)، من فئة (Heron - TP)، أداء مهام استراتيجية على ارتفاع يصل إلى أكثر من 13 ألف متر، ومدة طيران لأكثر من 30 ساعة، بفضل مجموعة متنوعة من أجهزة الاستشعار والذخائر بحمولة قصوى تصل إلى 2700 كلغ. تتمتع هذه الطائرة بالقدرة على العمل عبر الأقمار الصناعية مع الاعتماد على نظام إقلاع وهبوط تلقائي يمكّنها من العمل بشكل مستقل في الظروف الجوية القاسية والتكيّف مع المهام الطارئة.
تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل لا تبيع طائراتها المتطورة إلى أي من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويعود ذلك إلى القلق الدائم بالتهديد الذي يشكّله جيرانها العرب رغم التطبيع الدبلوماسي الأخير مع بعض الدول العربية. وبعبارة أخرى، فإنّ إسرائيل غائبة عن السوق الإقليمية للطائرات المسيّرة وتستهدف صادراتها دولاً أوروبية، في مقدّمتها ألمانيا وبريطانيا ودول أميركا اللاتينية وآسيا حيث تتصدر الهند القائمة من حيث الإنفاق.
ووفقاً لبيانات من قاعدة بيانات (SIPRI) لنقل الأسلحة، اشترت 21 دولة ومنظّمتان دوليتان ما بين عامي 2010 و2019 مجموعات مختلفة من الطائرات الإسرائيلية من دون طيار. وفي عام 2016. وقّعت الهند عقداً بقيمة 400 مليون دولار لشراء 10 طائرات قتالية من طراز (Heron - TP) من المفترض أن يتمّ تصنيعها بشكل مشترك في الهند بواسطة شركة (Hindustan Aeronautics Limited – HAL) التي تموّلها الدولة الهندية.
- «نزيف أمني» إقليمي
لم تعد الطائرات من دون طيار من الأصول الحصرية للحكومات الوطنية، فقد أضحت ضمن قوائم الدفاع لعدد متزايد من الجهات الفاعلة المسلّحة من غير الدول (Non StateActors) في الشرق الأوسط. وقد حصلت بعض هذه الميليشيات كـ«حزب الله» اللبناني و«أنصار الله» الحوثي على أنظمة (ISR) توازي المستوى المتوفر لدى بعض دول المنطقة. ووفقاً لتقارير غير مؤكّدة، يمتلك «حزب الله» أسطولاً من أكثر من 200 طائرة من دون طيار، بما فيها إيرانية الصنع (Ababil - 2T) والأكثر قوة (Mohajer - 4) التي تمّ استخدامها في عدد من المواقع في سوريا لدعم تدخّل «حزب الله» العسكري، فيما استخدم الحوثيون الطائرات من طراز (Qasef - 2K) وهو نسخة معدّلة من(Ababil - 2T) ونماذج من طراز (UAV - X) للاعتداء على الأهداف والمنشآت المدنية والاقتصادية.
في المقابل، فقد طوّرت الجماعات غير الحكومية والإرهابية في المنطقة، وخاصة تنظيم «داعش»، قدرات الطائرات من دون طيار الرخيصة المتوفرة في الأسواق التجارية والتي يسهل شراؤها لأغراض المراقبة والاستطلاع أو لأغراض هجومية من خلال تزويدها بمجموعة متنوّعة من المتفجرات الثابتة أو الذخائر القابلة للإطلاق.
تعبّر هذه التطورات عن حقيقة لا يمكن إغفالها، بأنّ الطائرات من دون طيار - حتى البدائية منها - يوفر للجهات الفاعلة غير الحكومية قدرات محمولة جواً غير مسبوقة، والتي إن تمّ استخدامها بمهارة فقد يعزز ذلك أداءها بشكل كبير. هذا لا يقتصر على جمع المعلومات الاستخبارية في الوقت المناسب فقط ولتوقّع تحركات العدو والتخطيط لأعمال عسكرية فعالة، ولكن أيضاً لشن هجمات قاتلة بوسطة طائرات انتحارية على أهداف عالية القيمة (HighValue Target) مثل القواعد العسكرية والمجمّعات الاقتصادية والأهداف المحصّنة التي يصعب ضربها بطرق أخرى.
لقد قلّصت الطائرات من دون طيار الفجوة بين القوات المسلّحة التقليدية وغير التقليدية من حيث القدرات الجوية، وهو أمر لم يكن توقّعه ممكناً قبل بضع سنوات فقط. فإلى جانب الضربات والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، استخدمت الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل «داعش» و«حزب الله» الطائرات من دون طيار في الحروب النفسية، مما يشير إلى تكامل لهذه الطائرات مع الاستراتيجيات العسكرية الموضوعة وقد يشكّل مصدر إلهام للجهات الفاعلة الأخرى أيضاً ويؤثر بشكل كبير على المشهد الأمني الإقليمي. بالتوازي مع ذلك، لقد أصبح التمايز بين الجهات الحكومية وغير الحكومية صعباً، الأمر الذي سيؤدي ليس فقط إلى صعوبة تتبّع أصول وحركة هذه الطائرات، بل إلى صعوبة التنبؤ بكيفية استخدامها وتأثيراتها المحتملة.
- نتائج محتملة
هناك ثلاث نتائج مترتبة على استخدام الطائرات من دون طيار لا بدّ من التوقف عندها:
أولاً، التأثير المتعاظم لديناميكيات الحرب بالوكالة في جميع أنحاء المنطقة بفعل المعادلة المفيدة بين الفعالية الكبيرة والتكلفة المتدنيّة، إذ توفر ظروف الحرب بالوكالة بيئة مثالية لعمليات الطائرات من دون طيار، نظراً لحاجة اللاعبين الخارجيين والقوى الكبرى في الحفاظ على صورتهم وتجنب انكشافهم السياسي قدر الإمكان. في هذا السياق، تمكّنت تركيا كقوة إقليمية متدخلة - من خلال استخدامها المكثف للطائرات من دون طيار لدعم مجموعات تعمل بالوكالة في كلّ من ليبيا وسوريا - من تجنّب تعرّضها سياسياً وخفض التكاليف المادية والبشرية المترتبة عليها. علاوة على ذلك، فإن سهولة تفكيك هذه الطائرات وتهريبها إلى مجموعات الداخل تشكّل إحدى الإيجابيات الإضافية.
ثانياً، الافتقار إلى الشفافية وكذلك إلى الرقابة المؤسّساتية والقانونية في استخدام هذه الطائرات بشكل كبير، لا سيما من قِبل الجهات غير الحكومية التي تعمل خارج إطار الشرعية الدولية ولا تمتثل لقوانين الحرب وللقانون الدولي الإنساني. فهذا الوضع يزيد من خطر وقوع إصابات بين المدنيين وحدوث خسائر جانبية، مما يضاعف المخاطر على عملية السلام والاستقرار. وفي هذا الإطار، تقدّم الصراعات التي تعيشها سوريا واليمن والعراق أمثلة واضحة على سقوط الضوابط والمعايير واستباحة الميليشيات لميادين القتال.
وفي ليبيا أيضاً حيث تسببت طلعات الطائرات من دون طيار للطرفين المتحاربين بوقوع ضحايا مدنيين، وقد تعذّر حينها تحديد المسؤولية بين طائرات(Wing Loong Ils) التي تدعم حفتر، أو طائرات (Bayraktar TB2) التي تدعم حكومة الوفاق الوطني، وهل تمّ تشغيلها مباشرة من الدول الداعمة، أو من قبل الفصيلين الليبيين غير المنتظمين. وبالتوازي مع ضعف الدولة في احتكار استخدام القوة واستمرار الجهات الفاعلة المسلّحة شبه الحكومية أو غير الحكومية في لعب الدور الأمني الأبرز، تقدّم الطائرات من دون طيار حافزاً قوياً لاستخدام الوسائل العسكرية وخلق عقبات جديدة أمام المساءلة والشفافية تتجاوز الميّزات العسكرية المهمة للطائرات دون طيار وانخفاض التكاليف المالية للعمليات.
ثالثاً، يبقى استخدام الطائرات من دون طيار في السيناريوهات الداخلية هو العامل الأكثر إثارة للقلق. وأوضح مثال على ذلك الهجوم الذي تعرض له رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021. حيث ألقت طائرتان من دون طيار على الأقل ذخائر متفجرة على منزله وأدت إلى إصابته وتدمير جزء من المنزل. وكانت الطائرات المهاجمة عبارة عن طائرات رباعية المحركات مطابقة تماماً للمواصفات الفنية لتلك التي استخدمت سابقاً من قبل الميليشيات المدعومة من إيران في الهجمات الإرهابية على مواقع القيادة العراقية والسفارة الأميركية في بغداد.
كذلك توحي الحملة التي قادتها تركيا منذ عام 2015 لمكافحة الإرهاب ضد حزب العمال الكردستاني، بأنّ هذه الطائرات قد تصبح الأداة المفضلة لدى الدول في التعامل مع حركات التمرّد، وجماعات المعارضة، وحتى الأقليات التي تسعى للمشاركة السياسية، مما ينأى بالحكومات بعيداً عن الحوار الوطني والمفاوضات لمعالجة الاختلالات السياسية في المجتمع.
فوفقاً للأرقام الرسمية التي قدّمتها وزارة الدفاع التركية بشأن مقاطعة هكاري جنوب شرقي تركيا، قتلت الطائرات من دون طيار أكثر من 70 من مقاتلي حزب العمال الكردستاني خلال الشهرين الأولين من الحملة، بينما لا يزال عدد الضحايا المدنيين غير معروف.
وفي حالة الحرب الليبية، تُظهر البيانات المتاحة للجمهور عن الضحايا المدنيين من الضربات الجويّة منذ أبريل (نيسان) 2019 أنه من بين ما يقرب من 200 حادثة مؤكدة أو مزعومة تنطوي على خسائر مدنية، فإنّ 22 منها (11 في المائة) نُفّذت على الأرجح بواسطة طائرات مسيّرة مسلّحة.
ومن منظور أوسع، يبدو أنّ الطائرات من دون طيار قد تحوّلت إلى حوافز للأعمال المسلّحة من خلال سلسلة من المزايا ومنها نسبة الفعالية، مقارنة بالتكلفة المادية المغرية وتجنب التعرّض السياسي. هذا بالإضافة إلى أن العمق الاستراتيجي لعمليات الطائرات دون طيار وسهولة الوصول إلى الأهداف الثمينة تسهمان بتوسيع الحروب. ففي منطقة تتّسم بعدم الاستقرار المزمن وتعاني من صراعات هي الأكثر تدميراً في العالم، أصبحت الطائرات من دون طيار هي الأسلحة المختارة للعديد من الدول الإقليمية التي وظفتها تحت تسميّات «التحرير ومكافحة الإرهاب» لإظهار قوّتها وبسط نفوذها في عصر اللامبالاة الأميركية تجاه الشرق الأوسط. وفي هذا الإطار تقول الباحثة آمي زيجارت: «تقلل الطائرات من دون طيار بشكل جذري تكاليف الحرب من حيث الدم والمال والسمعة السياسية وتجعل من المجدي سياسياً للدول الاستمرار في إطلاق النار إلى الأبد».
وفي الخلاصة، فإنّ استمرار انتشار الطائرات المسلّحة من دون طيار يزيد من إغراء الشروع في عمليات «الحرب عن بُعد» التي غالباً ما تُصوَر على أنها «جراحية» وخاليّة من الأضرار الجانبية، لكن سريّتها وتقليل مخاطرها على المهاجم يسهمان في تآكل التدقيق المؤسّسي، والمساءلة القانونية كضوابط لاستخدام القوة المميتة على المسرح الدولي. وبهذا المعنى تتحوّل هذه الطائرات إلى أداة مانعة للأسئلة الرئيسية حول حماية الحق في الحياة في النزاعات، والحرب غير المتكافئة، وعمليات مكافحة الإرهاب، وكلّ ما يسمّى بأوضاع السلام وتوّلد تحديّات أساسية للمعايير القانونية الدولية حول حظر القتل التعسفي والاستخدام المسموح به للقوة.
> أدى استخدام الطائرات من دون طيار دوراً هاماً في النزاعات القائمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما يتجاوز تأثيرها المباشر في مجريات الميدان، وأضحت جزءاً هاماً من الديناميات السياسية والأمنية وأحد أوجه المنافسة بين دول المنطقة.
> استخدمت الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل «داعش» و«حزب الله» الطائرات من دون طيار في الحروب النفسية، مما يشير إلى تكامل لهذه الطائرات مع الاستراتيجيات العسكرية الموضوعة وقد يشكّل مصدر إلهام للجهات الفاعلة الأخرى أيضاً ويؤثر بشكل كبير على المشهد الأمني الإقليمي.
> تمكّنت تركيا كقوة إقليمية متدخلة - من خلال استخدامها المكثف للطائرات من دون طيار لدعم مجموعات تعمل بالوكالة في كلّ من ليبيا وسوريا - من تجنّب تعرّضها سياسياً وخفض التكاليف المادية والبشرية المترتبة عليها.
> بالتوازي مع ضعف الدولة في احتكار استخدام القوة واستمرار الجهات الفاعلة المسلّحة شبه الحكومية أو غير الحكومية في لعب الدور الأمني الأبرز، تقدّم الطائرات من دون طيار حافزاً قوياً لاستخدام الوسائل العسكرية وخلق عقبات جديدة أمام المساءلة والشفافية.
> يبقى استخدام الطائرات دون طيار في السيناريوهات الداخلية هو العامل الأكثر إثارة للقلق. الطائرات المشاركة في الهجوم الذي تعرّض له رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي مطابقة تماماً لتلك التي استخدمت سابقاً من قِبل الميليشيات المدعومة من إيران في الهجمات الإرهابية على مواقع القيادة العراقية والسفارة الأميركية في بغداد.
> توحي الحملة التي قادتها تركيا منذ عام 2015 ضد حزب العمال الكردستاني بأنّ هذه الطائرات قد تصبح الأداة المفضلة لدى الدول في التعامل مع حركات التمرّد، وجماعات المعارضة، وحتى الأقليات التي تسعى للمشاركة السياسية.
> في منطقة تتّسم بعدم الاستقرار المزمن وتعاني من صراعات هي الأكثر تدميراً في العالم، أصبحت الطائرات من دون طيار هي الأسلحة المختارة للعديد من الدول الإقليمية التي وظفتها تحت تسميّات «التحرير ومكافحة الإرهاب» لإظهار قوّتها وبسط نفوذها في عصر اللامبالاة الأميركية تجاه الشرق الأوسط.
- مدير المنتدى الإقليمي للاستشارات والدراسات


مقالات ذات صلة

بلغاريا تبحث عن طاقم سفينة أغرقتها مسيّرات في البحر الأسود

أوروبا سفينة الشحن «إيبل» إحدى السفينتين اللتين تعرضتا لهجوم بطائرات مسيّرة في البحر الأسود قبالة سواحل بلغاريا (رويترز)

بلغاريا تبحث عن طاقم سفينة أغرقتها مسيّرات في البحر الأسود

أطلقت السلطات البلغارية عملية بحث واسعة للعثور على أفراد طاقم سفينة تجارية فُقدوا بعدما غرقت اليوم الثلاثاء في البحر الأسود إثر ضربات بمسيّرات.

«الشرق الأوسط» (صوفيا)
أوروبا خلال تركيب شباك مضادة للمسيّرات على الجسر الشمالي في كييف يوم 6 أكتوبر 2026 وسط الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

العاصمة الأوكرانية تبدأ تركيب شباك لحماية أحد جسورها الرئيسية من المسيّرات الروسية

بدأت كييف تركيب شباك مضادة للمسيّرات على الجسر الشمالي فوق نهر دنيبرو، بعد هجمات روسية استهدفت جسور العاصمة وتسببت بازدحام مروري كبير.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا النيران تشتعل في سفينة بالقرب من ميناء أوديسا المطل على البحر الأسود (أرشيفية - رويترز)

غرق سفينة وإصابة أخرى في هجوم بمسيّرات قبالة سواحل بلغاريا

أعلنت الحكومة البلغارية أن سفينتين تجاريتين تعرضتا لهجوم بطائرات مسيرة، اليوم (الثلاثاء)، في المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلغاريا في البحر الأسود.

«الشرق الأوسط» (صوفيا)
أوروبا مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال مشاركتها في الاجتماع العاشر لمجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وجمهورية مولدوفا في بروكسل يوم 5 أكتوبر 
2026 (إ.ب.أ)

كالاس: روسيا تشكل ⁠خطراً على الأرواح في أوروبا بهجماتها الهجينة

قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، اليوم (الاثنين)، إن روسيا تشكل خطراً على أرواح الناس في جميع أنحاء أوروبا من خلال شن هجمات هجينة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا طائرات مقاتلة من طراز «إف-18» تابعة للقوات الجوية الإسبانية تحلق فوق ليتوانيا خلال جولة إعلامية لحلف «الناتو» في قاعدة شياولياي الجوية بليتوانيا (رويترز)

إغلاق مطار ليتواني ونشر مقاتلات بعد الاشتباه بدخول مسيّرة من بيلاروسيا

كشف ​المركز الوطني لإدارة الأزمات في ليتوانيا أن مطار فيلنيوس ‌أغلق ‌لأقل ​من ساعة ‌اليوم (⁠السبت)، ​وجرى إرسال ⁠مقاتلات بعد ​الإبلاغ ‌عن ‌طائرة مسيّرة.

«الشرق الأوسط» (فيلينوس)

خليل الحية... قيادة مفاجئة لـ«حماس» في مرحلة تحولية

رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
TT

خليل الحية... قيادة مفاجئة لـ«حماس» في مرحلة تحولية

رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)

قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان اسم خليل الحية (65 عاماً تقريباً) بارزاً ومهماً في أوساط حركة «حماس»، لكنه -وفق تقديرات من داخل وخارج الحركة- لم يكن بالدرجة التي تضعه كمرشح كبير لقيادتها، وفق مآلات الأمور آنذاك.

غير أن انطلاق «طوفان الأقصى» غيّر في ديناميكيات الأشخاص، والأدوار، كما بدّل في جغرافيا القطاع، وما خارجه؛ وبات الحية راهناً رئيساً للمكتب السياسي لـ«حماس»، وقائداً لها في واحدة من أكثر مراحلها التحولية الحساسة.

بعد منافسة مع القائد السابق للحركة، والاسم البارز بين قياداتها، خالد مشعل، أُعلن فوز الحيّة في يوليو (تموز) الماضي، في حدث مثّل مفاجأة للبعض خارج «حماس»، وتوقعه آخرون داخلها، خاصة من نمو سيطرة ما يسمى بـ«قيادات غزة» -أي أبناء القطاع- على مفاصل أهم الملفات، والمناصب الحساسة والمهمة داخل الحركة.

خليل الحية (الثاني من اليمين) وإلى يمينه قائدا الحركة الراحلان إسماعيل هنية ويحيى السنوار يصلون إلى معبر رفح الحدودي في سبتمبر 2017 (رويترز)

في لحظة إطلاق «طوفان الأقصى» كان الحية نائباً لقائد «حماس» في القطاع، يحيى السنوار، ومسؤولاً عن التواصل مع الفصائل الفلسطينية، والجهات الأممية والوسطاء فيما كان يتعلق بواقع قطاع غزة، وجولات التصعيد التي كان يشهدها مع إسرائيل.

ويسجل تاريخ الحركة أن أول ظهور لامع للحية تزامن مع دخول «حماس» إلى المنافسة في الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2006، وما تبعها من سيطرة عسكرية للحركة على القطاع عام 2007، وبعدها تنقل في مناصب قيادية محلية داخل مدينة غزة، ثم على مستوى القطاع، ثم أصبح قيادياً عاماً، وكان يتلقى دعماً مستمراً من قيادات الجناح العسكري للحركة في غزة، مثل أحمد الجعبري، وعز الدين الحداد.

أين كان لحظة الهجوم... وهل عرف به؟

كان خليل الحية مثل الكثيرين من أعضاء المكتب السياسي بغزة، الذين طلب منهم السنوار قبل هجوم السابع من أكتوبر 2023 مغادرة القطاع والخروج من غزة لمتابعة ملفات معينة، لكن لم يكن أحد يعرف حقيقة ما يخطط له مفجر «طوفان الأقصى». وتؤكد مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» أن الحية كان أكثر اطلاعاً مقارنة بغيره من أعضاء المكتب السياسي على بعض تفاصيل 7 أكتوبر «لكن معلوماته لم تكن كاملة، ولا دقيقة، إذ لم يكن يعرفها سوى السنوار، وقادة في الجناح العسكري كانوا على علاقة بجزئيات محددة تتعلق بالهجوم»، وفق ما حدد أحد المصادر.

يؤكد الحية في مقابلة نشرها «المركز الفلسطيني للإعلام» التابع لحركة «حماس» في أبريل (نيسان) 2024: أن «هجمات السابع من أكتوبر التي أشعلت حرب غزة كان المقصود منها أن تكون عمليةً محدودةً قامت بها (حماس) لأسر عدد من الجنود لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين»، مضيفاً: «إن فرقة غزة في الجيش الصهيوني انهارت تماماً»، في إشارة إلى الجيش الإسرائيلي.

وقال مصدر قيادي من «حماس» في الخارج لـ«الشرق الأوسط» إن الحية «كان يعلم أن هجوماً واسعاً نسبياً قيد التحضير، لكنه لا يعلم التوقيت، ولا التفاصيل تماماً، وأنه كان ممن صوتوا مع قيادات على أن يتم الهجوم، لكن جميع من شاركوا في التصويت كانوا يعتقدون أنها مجرد عملية محدودة، وبمن فيهم إسماعيل هنية الذي كان رئيساً للمكتب السياسي، وكان يتجهز برفقة الحية ومشعل وغيرهما من القيادات للسفر من تركيا إلى العراق في أول زيارة لهم للبلاد».

خسائر شخصية وغيابات تنظيمية

لقد جرت في نهر «7 أكتوبر» -وفي أسرة خليل الحية- دماء كثيرة على مدار 3 سنوات من حرب إسرائيلية ضارية، كبّدت القطاع عموماً -والحية حتى وهو خارجه- خسائر فادحة؛ إذ ودع في مايو (أيار) الماضي ابنه عزام، وذلك بعد شقيقه همام في سبتمبر (أيلول)، واللذين قتلتهما إسرائيل في هجمات منفصلة، وانضما إلى ابنين آخرين هما حمزة، وأسامة، واللذان قتلتهما إسرائيل كذلك في عامي 2008 و2014 على الترتيب.

ويعتقد مصدر من «حماس» داخل قطاع غزة أن «الاستهدافات الإسرائيلية المتكررة لمنزل الحية في الحروب على القطاع، ومقتل عدد من أبنائه -خاصةً خلال الحرب الأخيرة- رفعا من أسهمه داخل الحركة، ورشحاه ليصبح قائداً لها على حساب شخصيات تاريخية أخرى».

لكن مصدراً آخر من «حماس» قال إن «غياب شخصيات مهمة عن الواجهة من المكتب السياسي بعد اغتيال إسماعيل هنية، وصالح العاروري، ثم مقتل يحيى السنوار في اشتباكات بشكل مفاجئ داخل القطاع، واغتيال شخصيات أخرى مثل روحي مشتهى وأسامة المزيني، وتغيب شخصيات أخرى لظروف صحية، مثل محمود الزهار وغيره، كل ذلك دفع بالحية ليكون الأكثر حضوراً لتولي المسؤوليات، خاصةً مع سيطرة قيادات من غزة على مناصب مهمة داخل المكتب السياسي، ومجلس الشورى».

واستدرك المصدر أن «هذا لا يعني التقليل من شخصية الحية؛ فالرجل أثبت قدرته على القيادة، وتحمل المسؤوليات في الكثير من الملفات والمناصب التي تولاها سابقاً، حتى بات شخصية مقربة جداً من إسماعيل هنية خلال وجوده بالقطاع، وكذلك عندما التحق به في الخارج، كما أنه تعرض لمحاولات اغتيال سابقاً، وأبرزها ما حدث أثناء وجوده في الدوحة (سبتمبر 2025)، حينما كان يدرس مع قيادات أخرى عرضاً أميركياً لوقف إطلاق النار.

ويضاف إلى المسوغات الشخصية، وفق المصدر الثاني، أن «تأييد الحية الدائم لما خطط له السنوار داخلياً وخارجياً منحه تأييداً أوسع داخل الحركة، خاصةً من المقربين، والمحسوبين على السنوار، وقيادة (كتائب القسام)».

ويؤكد المصدر أن قيادة «القسام» بغزة دعمت الحية ليكون رئيساً للحركة، كما أنها دفعت باتجاه انتخابه باعتباره يمثل خياراً مهماً داخل الحركة لما تراه قيادة غزة التي كان يجب أن تُكرم وتواصل قياداتها للحركة بعدما قادت معركة (طوفان الأقصى)، وضحت بقياداتها الكبار» كما قال.

علاقة الحية بإيران

يُعرف عن الحية في أوساط الفصائل الفلسطينية و«حماس» أنه من الشخصيات التي دعمت توجهات السنوار المدفوعة من قيادة «القسام» لإعادة توطيد العلاقات مع ما يُسمى بـ«محور المقاومة»، وخاصةً إيران، الأمر الذي كان فيما يبدو من أهم القضايا التي أسهمت في توسع نفوذه، حيث كان مسؤولاً عن الاتصالات مع النظام السوري السابق، وزار دمشق للقاء بشار الأسد، في أول زيارة لمسؤول من «حماس» للبلاد في أكتوبر 2022، بعدما كانت غادرتها عام 2012، مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية آنذاك ضد النظام السابق.

ويقول مصدر قيادي من غزة إنه كان هناك إجماع داخل قيادة غزة من المستويين السياسي والعسكري للدفع باتجاه قرار إعادة العلاقات مع إيران، وكان الحية إلى جانب السنوار قد وضعا ثقلهما من أجل فتح علاقات جديدة مع النظام بطهران، وبتأييد جارف من قيادة «القسام» التاريخية، بدءاً من محمد الضيف، ومحمد السنوار، ووصولاً لكل قيادات المجلس العسكري.

المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي يستقبل خليل الحية قائد «حماس» الحالي في طهران في فبراير الماضي (أ.ب)

وشرح مصدر في الخارج أن «هناك بعض الأصوات التي كانت مؤيدة لهذه الخطوة بتحفظ في ظل ما واجهته الحركة من معاناة في العلاقة مع إيران ببعض الفترات، ومطالبة الحركة باتخاذ قرارات تأييد لجهات موالية لإيران في ساحات أخرى، وهو أمر كانت ترفضه الحركة، وتؤكد استقلالية مواقفها».

تبدو قيادة الحية لـ«حماس» إذن أشبه بالمشي على الأشواك؛ فهو على المستوى الداخلي في القطاع أمام مسؤولية إنهاء الحرب، والتعامل مع الضغوط الإنسانية الهائلة بعد مقتل أكثر من 70 ألفاً من أبناء القطاع، واحتلال أكثر من 60 في المائة من مساحته. ومقابل الاستحقاق السابق يظهر الثمن؛ فالرجل يتفاوض عبر الوسطاء مع إسرائيل التي تقول إنها لن تتنازل عن نزع سلاح القطاع، وهو ما يمثل أحد أكثر التحولات في تاريخها.

«حماس» والحية إذن أمام معادلة صعبة للحفاظ على الوجود، والتماسك، وبينما هي مهددة وجودياً بفقدان السلاح كأهم أوراقها، يبدو كذلك أفق المشاركة السياسية ملبداً بالعقبات، فهي بحاجة إلى الالتزام باتفاقيات السلطة الوطنية مع إسرائيل، الأمر الذي يمثل محظوراً للحركة... بقدر ما كان يمثل وصول الحية إلى قيادة «حماس» متغيراً لافتاً، ومفاجئاً، تظهر فترة ولايته كتحدٍ إضافي سيحدد مصيره الشخصي، ومسار حركته على ما يبدو.


كيف دفع 7 أكتوبر عباس إلى تغيير وجه السلطة الفلسطينية؟

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلوح بيده خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلوح بيده خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (رويترز)
TT

كيف دفع 7 أكتوبر عباس إلى تغيير وجه السلطة الفلسطينية؟

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلوح بيده خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلوح بيده خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (رويترز)

مباشرة بعدما تولّى منصب رئيس السلطة الفلسطينية عام 2005، وفي جلسة سريعة في بيت لحم، طلب محمود عباس من كوادر تابعة لحركة «فتح» أن يأتوه بأي دليل يثبت أن أحد المسؤولين بالتحديد تورّط بالفساد بعدما كان الحاضرون كالوا له الكثير من التهم المرتبطة بدعم مشاريع إسرائيلية، وذلك كي يحاسبه فوراً. أراد عبّاس إيصال رسالة تؤكّد على أنه جاء لإصلاح السلطة التي كان اتهمها هو أيضاً بالفساد عندما كان رئيساً للوزراء، وأن لديه طريقته لتنفيذ ذلك.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يحضر مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في مدينة رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (أ.ب.أ)

وهكذا مع طول إقامته في موقعه، كرر عباس التعهد بإصلاح السلطة مراراً وتكراراً، لرؤساء الدول البعيدة والقريبة، ولحركة «فتح» التي يقودها، ولفصائل أخرى، وللمجتمع الدولي ومنظمات المجتمع المحلي، وأقام لذلك هيئة مكافحة الفساد، لكن من دون أي نتائج جلية على الأرض.

لقد كانت عملية موجودة بلا شك، لكنها طويلة وبطيئة وصعبة ومعقدة، مثلها مثل كل شيء في الأراضي الفلسطينية، قبل أن يأتي السابع من أكتوبر 2023 بعد 18 عاماً على حكم عباس، ويغير كل شيء.

شروط الإصلاح الثقيلة

لقد تحدّث عباس عن الإصلاح آلاف المرات، وتعهد بذلك آلاف المرات الأخرى خلال أعوامه الطويلة، لكنه لأول مرة يجد نفسه بعد 7 أكتوبر أمام مطالبات بالإصلاح من نوع آخر، نوع ثقيل، وبطريقة صعبة، مفادها البقاء مقابل الإصلاح.

وقال مسؤول فلسطيني رفيع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد طلبوا الكثير من الإصلاحات. بعد الحرب على قطاع غزة، استغلوا هذا العنوان (الإصلاحات)، وأدرجوا تحته مطالبات لا علاقة لها بالإصلاحات الحقيقية... قطع رواتب وتغيير مناهج، وطالبوا أيضاً بانتخابات رئاسية وتشريعية، وكان كل هذا شرطاً للتعامل مع السلطة ودعمها... وقلنا نعم».

وأضاف: «لدينا ألف اعتراض على خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قطاع غزة، وقلنا نعم. لدينا ألف اعتراض على خطة الإصلاح المرتبطة بها، وقلنا نعم. يتعاملون معنا كأننا الدولة الوحيدة التي تحتاج إصلاحات. وقبلنا. ومضينا لأننا نريد وقف الحرب وسدّ الذرائع وإطلاق مسار سياسي. لم يكن وضعاً اخترناه. لكننا وافقنا ومضينا إلى الأمام. فهل يمضون هم، ويطبقون ما عليهم».

لم يكن عباس بحاجة إلى ضغوط كبيرة، فقد التقط جيداً مآلات السابع من أكتوبر، وفي حقيقة الأمر لم ينتظر طويلاً، حتى أطلق سلسلة إصلاحات ضخمة، راحت تغير وجه السلطة الفلسطينية برمتها.

كان الجميع بعد الحرب مختلفين على كل شيء، ومتفقين على شيء واحد، وهو إصلاح السلطة.

وقال مصدر مطلع إن عباس بدأ مبكراً تغييرات كبيرة في محاولة إظهار السلطة أيضاً كسلطة جديدة وشريك سياسي موثوق في المنطقة التي راحت تتغير بدورها.

إنقاذ اليوم التالي

كانت مسألة اليوم التالي حاضرة بقوة، واشترط الجميع على عباس - بحسب المصدر - أنه من دون إصلاح وتغيير السلطة لن يكون شريكاً ولن يكون طرفاً في أي شيء على الإطلاق. وبالتالي، لا سلطة ولا غزة ولا دولة مستقبلية، وهذا بالضبط ما كان يريده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أراد بعد السابع من أكتوبر التخلص من عباس والسلطة واتفاق أوسلو.

فهم عباس ذلك، ليس عبر محادثاته مع الآخرين فحسب، لكن لأن الحرب التي شنّها نتنياهو ضد السلطة وفي الضفة الغربية، وتصريحه لاحقاً أن اتفاق أوسلو «كان خطأ إسرائيل الكبير»، أكدا كل شيء. ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تتعامل إسرائيل مع السلطة الفلسطينية فعلاً كأنها غير موجودة.

آليات عسكرية إسرائيلية تسير على طريق في قرية رمون الفلسطينية شرق رام الله في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

صعّدت إسرائيل في الضفة الغربية، وهاجم الجيش مدناً ومخيمات وبلدات، واحتل بعضها بشكل دائم، وراح يقتل الفلسطينيين قصفاً بالطائرات ويعتقلهم، كما يدمر البنى التحتية، فيما تم إطلاق يد المستوطنين يقتلون ويهاجمون ويحتلون مناطق شاسعة بالقوة، قبل أن تمنع الأموال عن السلطة، وتعدل قوانين تتعلق بالسيطرة والحكم والصلاحيات في مناطق متعددة في قلب الضفة، في محاولة لإلغاء دور السلطة الفلسطينية وإعادة هندسة السيطرة على الضفة.

ووجدت السلطة نفسها في أسوأ مرحلة، وفي معادلة «تكون أو لا تكون». وحيال كل ذلك، لم يكن أمام عباس خيارات كثيرة، إما أن يحارب إسرائيل، أو يحل السلطة، أو يستجيب للعالم والأصدقاء.

من السلطة إلى الدولة

بما أن خيار الحرب ليس على جدول الأعمال، ولا تفكر السلطة بحلّ نفسها، ذهب عباس إلى تغيير ما أمكن تغييره.

بعد 4 أشهر فقط من بدء الحرب، في فبراير (شباط) 2024، قبِل عباس استقالة حكومة محمد أشتية، ولاحقاً شكّل حكومة جديدة برئاسة محمد مصطفى، تعهدت فوراً بالإصلاح المؤسسي، ومكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإصلاح القضاء والمالية العامة والأمن، وتوحيد المؤسسات بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

كانت هذه خطوة عباس الأولى نحو إصلاح، توسع فعلاً بعد ذلك نحو تغيير السلطة، فأصدر مرسوماً بإعادة تشكيل لجنة الانتخابات المركزية، ثم إعلاناً دستورياً لتنظيم انتقال رئاسة السلطة في حال شغور المنصب، ثم قراراً بقانون أعاد تنظيم نظام المساعدات الاجتماعية، وبينها وقف رواتب أسرى ومقاتلين فلسطينيين، ثم استحدث منصب نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ونائب رئيس دولة فلسطين. بعد ذلك، شكّل لجنة لصياغة دستور مؤقت للمرحلة الانتقالية من «السلطة» إلى «الدولة»، ثم أصدر إعلاناً دستورياً جديداً نصّ على أنه في حال شغور منصب رئيس السلطة، يتولى نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، نائب رئيس دولة فلسطين، مهام الرئاسة مؤقتاً، ثم أطلق انتخابات محلية في الضفة وغزة، ودعا إلى انتخابات مجلس وطني، وحدّد 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 موعداً للانتخابات التشريعية، على أن تجرى الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من 2027.

انتخابات «فتح» والتغيير الكبير

جاءت انتخابات «فتح» جزءاً من حملة التغيير الكبير. وإحدى أهم الخطوات كانت دفع حسين الشيخ العام الماضي نائباً لرئيس دولة فلسطين ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، قبل أن يدفعه هذا العام لمنصب نائب الرئيس في حركة فتح، بعد أن عقدت حركة فتح مؤتمرها الثامن، وجاءت بلجنة مركزية جديدة.

عباس في أثناء المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله في 14 مايو 2026 (إ.ب.أ)

والدفع بالشيخ إلى كل هذه المناصب، في غضون عامين فقط، كرّسه كخليفة محتمل لعباس، وهو رجل مقبول لدى الأميركيين الذين يتواصلون معه بانتظام، وقريب جداً من مسؤولين وقادة عرب وازنين، ولديه خطوط اتصال مع المسؤولين الإسرائيليين أيضاً.

وجاء الشيخ بعد سلسلة تغييرات كبيرة داخل السلطة، شملت تعيين رؤساء جدد لجميع قادة الأجهزة الأمنية تقريباً، وإحالة مئات الضباط برتبة عميد، للتقاعد بمرسوم رئاسي.

إضافة إلى كل هذه التغييرات الهائلة، يجري العمل على تغيير المناهج التعليمية الفلسطينية.

وقال مصدر مطلع: «لقد أراد عباس ترتيب البيت الداخلي، فيما يستجيب لطلبات الإصلاح. ترتيب وضع السلطة الفلسطينية، وضمان انتقال سلمي وسلس. يخدم الجميع. داخلياً أولاً ثم الآخرين».

وإذا ما مضى عباس حتى النهاية، وأجرى انتخابات تشريعية ورئاسية، يكون بذلك أوفى بوعوده فيما يتعلق بتجديد الشرعيات والإصلاح.

ولكن، ليس معروفاً بعد إذا ما كانت الانتخابات ستجرى أم سيتم تأجليها.

وقالت مصادر إن مسألة تأجيل الانتخابات إذا ما تمت فستكون وفق توافق داخل مشاورات مع المجموعة العربية.

وأضافت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»: «لن يكون تأجيلاً مفتوحاً، بل مرتبطاً بموعد آخر محدد».

وعدنا ووفينا... فماذا عنكم؟

بغضّ النظر عن إجراء الانتخابات، تحاول السلطة القول إنها استجابت لكل طلب بإصلاح سياسي ومالي، وفيما يخص تداول السلطة حتى الرواتب والمناهج، فما المطلوب أكثر من ذلك؟

الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كلمة مسجلة عن بُعد وجهها إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك (إ.ب.أ)

حين ألقى عباس خطبة مسجلة في الأمم المتحدة الشهر الماضي بعدما منعه الأميركيون من الوصول إلى بلادهم، قال للعالم: «أقول لكم اليوم بكل ثقة ومسؤولية: لقد أوفينا بما تعهدنا به. أنجزنا برنامج الإصلاح الوطني الذي التزمنا به أمام شعبنا والمجتمع الدولي، وعزّزنا حوكمة المؤسسات والمالية العامة والشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد وسيادة القانون. وأنشأنا نظاماً وطنياً موحداً للحماية والرعاية الاجتماعية يقوم على أساس الحاجة، وأنهينا القوانين والأنظمة السابقة المتعلقة بذلك، وحصلنا على تدقيق دولي مستقل يؤكد صحة ما قمنا به. وواصلنا إصلاح نظام التعليم وتطوير المناهج وفق المعايير الدولية، وبالتعاون مع اليونيسكو، بما يعزز قيم السلام والتسامح واحترام الآخر، ويحافظ على هويتنا الوطنية وحقوق شعبنا. كما مضينا في طريق التجديد الديمقراطي وتمكين المرأة والشباب».

وأضاف: «لقد أجرينا انتخابات المجالس المحلية، وانتخابات الاتحاد العام لطلبة فلسطين، ونحن ذاهبون إلى الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) من هذا العام، وإلى استكمال تجديد مؤسسات المجلس الوطني الفلسطيني، ثم إلى الانتخابات الرئاسية».

كأن عباس بذلك يقول: نفّذت كل ما طلبتموه، فهلا تعطوني شيئاً مما أطلب؟


يحيى السنوار... الصورة «الشعبية» إذ تطاردها مشاهد الدمار

لافتة في طهران تحمل صورة زعيم «حماس» الراحل يحيى السنوار (إ.ب.أ)
لافتة في طهران تحمل صورة زعيم «حماس» الراحل يحيى السنوار (إ.ب.أ)
TT

يحيى السنوار... الصورة «الشعبية» إذ تطاردها مشاهد الدمار

لافتة في طهران تحمل صورة زعيم «حماس» الراحل يحيى السنوار (إ.ب.أ)
لافتة في طهران تحمل صورة زعيم «حماس» الراحل يحيى السنوار (إ.ب.أ)

​في الثلاثين من أبريل (نيسان) 2022، خرج يحيى السنوار (1962- 2024) رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» بقطاع غزة آنذاك، محذراً من حرب «إقليمية دينية» واسعة، إذا استمرت إسرائيل في الاعتداءات على الأقصى والقدس، ومطالباً ممثلي الفصائل وأجنحتها العسكرية الذين يستمعون إلى خطابه حينها بالاستعداد والجهوزية. ومع ذلك لم يتصور أحد أن يكون ذلك الاستعداد لمواجهة ما جرى بعد 18 شهراً، في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وصحيح أنه يصعب الجزم أن فكرة السابع من أكتوبر كما ظهرت للعالم كانت متبلورة آنذاك في مخيلة السنوار، ولكنه تعهد في الخطاب ذاته بـ«تبييض السجون من كافة الأسرى الفلسطينيين، وبكسر الحصار بشكل كلي». ثم كرر المعنى ذاته في ديسمبر (كانون الأول) 2022 بالقول للإسرائيليين: «سنأتيكم بطوفان هادر... سنأتيكم بصواريخ دون عَد... سنأتيكم بطوفان جنود دون حد... سنأتيكم بملايين من أمتنا مداً بَعد مَد».

فلسطينيون يحتفلون فوق دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)

وفي تحقيق للصحافيَّين الإسرائيليَّين شلومي إلدار، وروت يوفال، نشراه في صحيفة «هآرتس» في سبتمبر (أيلول) الماضي، وهو جزء من كتاب لهما صدر مؤخراً بعنوان «مخطوفون– 843 يوماً من الإهدار»، أكدا أن السنوار حاول قبيل الهجوم توجيه تحذير عبر وسيط من حركة «فتح» لإسرائيل. وأوضحا أن اتفاقاً كان جاهزاً للتوقيع بين إسرائيل و«حماس» قبل الهجوم بأسابيع عدة، يتضمن صفقة تبادل أسرى وتهدئة أمنية طويلة، ولكن نتنياهو تراجع عنها، وراح يماطل بشأن المصادقة عليها؛ فأثار موقفه هذا غضب السنوار، فقرر شن الهجوم، ولكنه قبل ذلك وجَّه تحذيراً للحكومة الإسرائيلية بـ«رد سيُحدِث زلزالاً».

ويروي الكاتبان أنه في بداية سبتمبر 2023، قطع السنوار فجأة كل الاتصالات مع الطاقم الذي كان يُجري المفاوضات. وقال مسؤول رفيع في «الشاباك»: «لقد اختفى كلياً عن رادارنا، لقد تبخَّر».

تقطعت سُبل صفقة كبيرة مع إسرائيل إذن، بينما تواصل حصار غزة الذي بدأ عام 2006 وتضييق الخناق عليها، وقرر السنوار اللجوء إلى ما تصوَّر حينها أنه الزلزال، وفجَّر الطوفان.

استفتاء داخلي على الشعبية والمسار

ردَّت إسرائيل بكل قوة على السنوار وهجومه، وشنَّت حملة قصف عشوائية في أنحاء القطاع طولاً وعرضاً، ونفَّذت اغتيالات غير مسبوقة؛ بلغت قمتها حينها بقتل رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» إسماعيل هنية، في يوليو (تموز) 2025، عبر عملية معقدة طالته في طهران. ويقول مصدر من «حماس» إن «قرار الحركة باختيار السنوار خليفة لهنية، كان بمثابة تفويض للرجل، ومحصلة استفتاء من الحركة وقيادتها على شعبيته ودعم مساره». وكانت «القسام» -ذراع «حماس»- لا تزال تواجه إسرائيل، وتكبدها خسائر تتناسب مع المواجهات الميدانية، إذا ما تم استبعاد غلبة الغارات الجوية والقصف الصاروخي.

صورة تُظهر قادة «حماس» إسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد الضيف ومحمد السنوار (لقطة من فيديو نشرته كتائب القسام)

ومع قرب حلول العام الأول على الحرب المتواصلة على غزة، وصل السنوار و«حماس» إلى لحظة قتله فجأة، في مواجهة لم تخطط لها إسرائيل في أكتوبر 2024، ولكن مشهد نهايته لم يكن الأخير.

ولقد سعت إسرائيل إلى محو غزة عبر عملية «إبادة جماعية» وفق ما تتهمها به لجان أممية، وفي حربها على القطاع دمرت كلياً أو جزئياً 82 في المائة من مبانيه، و90 في المائة من بنيته التحتية، وقتلت 74 ألفاً من أهله، بينما تقدر تكلفة إعادة إعماره بنحو 71 مليار دولار.

تركت التكلفة الباهظة للحرب الإسرائيلية إذن بصمتها على صورة السنوار رغم غيابه، و«حماس» رغم توقيعها اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.

على المستوى الشعبي الداخلي في غزة، تغيَّرت بلا شك صورة السنوار كثيراً بالنسبة للغزيين، وحتى في أوساط مؤيدي «حماس» غير التنظيميين، أظهرت مقاطع مصورة وشهادات ونقاشات محلية، خلال الشهور الأخيرة، هجوماً على قرار السنوار وانتقاداً للرجل الذي أصبح محطَّ اتهامات كثيرة.

لكن مصدراً من «حماس» يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الهجوم الذي تعرض له السنوار طوال الحرب من شتائم وانتقادات حادة وغيره، كان ظالماً، ولا يمكن محاكمة رجل سعى لاتخاذ خطوة مهمة كان هدفها أن يشعر الجميع بما كانت تعاني منه غزة، من حصار وقتل يومي على يد إسرائيل».

استطلاعات وتراجعات

لم يصل الفلسطينيون إلى مرحلة التراجع النسبي عن تأييد هجوم 7 أكتوبر فجأة. هكذا تقول نتائج استطلاعين أجراهما «المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية». ويظهر في استطلاع أُعلن في مارس (آذار) 2024 أن التأييد الإجمالي لـ«7 أكتوبر» كان لا يزال مرتفعاً إجمالاً، ولكنه انخفض في الضفة الغربية بمقدار 11 نقطة مئوية، وارتفع في غزة بنحو 14 نقطة.

وعزا التقرير الصادر في مارس ارتفاع نسبة التأييد إلى دافع آخر، يتمثل في أن «ثلاثة أرباع الفلسطينيين يعتقدون أن الهجوم قد وضع القضية الفلسطينية- الإسرائيلية في بؤرة الاهتمام، وقضى على سنوات من الإهمال».

لكن استطلاعاً آخر للجهة نفسها صدر في سبتمبر 2024، لمس تغييراً في نسبة تأييد الهجوم، وبلغ الانخفاض 13 نقطة مئوية في الضفة الغربية وغزة، ولكنه أكبر في قطاع غزة؛ حيث بلغ 18 نقطة مئوية، مقارنة بـ14 نقطة انخفاض في استطلاع مارس.

مسلحو «حماس» لدى تسليمهم المجندة الإسرائيلية أربيل يهود في خان يونس ضمن إطار عملية التبادل (أ.ب)

كما ينقل استطلاع آخر أجراه «المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية»، خلال شهر أغسطس (آب) الماضي، تراجع شعبية حركة «حماس» إلى 24 في المائة، مقارنة بـ35 في المائة كانت قد حصلت عليها في استطلاع للمركز ذاته في أكتوبر2025، في وقت استقر فيه تأييد حركة «فتح» عند 24 في المائة خلال الاستطلاعين.

وتؤكد نتائج استطلاع «المركز الفلسطيني» تراجع تأييد «حماس» في الضفة الغربية من أكتوبر 2025 إلى أغسطس 2026، من 32 في المائة إلى 18 في المائة، بينما انخفضت في قطاع غزة من 41 في المائة، إلى 33 في المائة.

أما «مركز القدس للإعلام والاتصال»، وبالتعاون مع «مؤسسة فريدريش إيبرت»، فقد أشار استطلاع أعلنه في أغسطس الماضي إلى تراجع مماثل في مكانة وشعبية «حماس» بصورة لافتة؛ إذ بلغت نسبة من يثقون بالحركة إلى 6.7 في المائة، بعد أن كانت 12 في المائة في يونيو (حزيران) 2022، كما انخفضت نسبة من يثقون بحركة «فتح» إلى 22.3 في المائة، بعد أن كانت 28.8 في المائة.

هل راجعت «حماس» قرار السنوار؟

بعد 3 سنوات من «7 أكتوبر»، تؤكد ثلاثة مصادر من «حماس» داخل قطاع غزة، ومصدر رابع خارجه، أنه «لم تَجرِ أي مراجعات لما جرى، ولم يوجِّه أي من القيادات انتقادات لما حصل. ورغم أن كثيرين لم يكونوا يعلمون شيئاً، أو بشكل متفاوت، فإنهم لم يغيروا مواقفهم».

لكن مصدراً خامساً في الخارج قال إن «التأييد داخل (حماس) على المستوى الرسمي فقط، ولكن بعض الانتقادات كانت تتم أحياناً في جلسات خاصة بين بعض القيادات من مستويات مختلفة، ولكنها انتقادات في بعض النواحي، مثلما كان يجري بملف المفاوضات وغيره، ولكن ليس في جوهر الهجوم بحد ذاته، مع الاتفاق أو الرفض لشكله الواسع، وعدم حسبان ردة الفعل الإسرائيلية بشكل صحيح».

وعبَّر المصدر الأخير المقيم خارج غزة عن اعتقاده بأنه «رغم الدمار؛ فإن الفلسطينيين ربحوا الكثير من المواقف الدولية المؤيدة، وكَشْف حقيقة إسرائيل وإجرامها، الأمر الذي زاد من حالة التضامن مع فلسطين، وأعاد قضيتها للظهور في كل أنحاء العالم».

ويقول المحلل السياسي الفلسطيني المقيم في غزة، مصطفى إبراهيم، إن «الانتقادات الشعبية للسنوار والغضب إزاء قراره الذي اتخذه من دون دراسة، مستمرة، يضاف إليها ما عاشه السكان في القطاع، وفقدانهم منازلهم وممتلكاتهم». ويشير إلى أن «الفلسطينيين أو غيرهم خارج قطاع غزة، ربما يؤيدون ما فعله السنوار؛ لأنهم فقط لم يعيشوا الظروف نفسها من تدمير وقتل ونزوح وغيره».