كيف تساهم تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات في خفض الانبعاثات؟

كيف تساهم تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات في خفض الانبعاثات؟
TT

كيف تساهم تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات في خفض الانبعاثات؟

كيف تساهم تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات في خفض الانبعاثات؟

في أقل من ربع قرن، تسارع التحوُّل الرقمي بفضل شبكة الإنترنت، وظهور الشركات التقنية التي استثمرت في صناعة البرمجيات والتجهيزات. وفي السنتين الماضيتين، ساهمت جائحة «كورونا» في دفع هذا التحول إلى آفاق غير مسبوقة جعلت العالم الافتراضي جزءاً من الحياة اليومية لكل إنسان.
وبينما تتباين التقديرات حول استهلاكه للطاقة ومقدار الانبعاثات الناتجة عنها، يمكن القول بثقة متزايدة، إن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات هو من بين القطاعات القليلة التي تتحرك على المسار الصحيح لخفض بصمتها الكربونية، ومواجهة تحديات تغيُّر المناخ العالمي.
- البصمة الكربونية للتقنيات الرقمية
أدَّت التحسينات المستمرة في كفاءة الطاقة ضمن مراكز وشبكات البيانات، إلى قيام وكالة الطاقة الدولية بتصنيف قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، كواحد من القطاعات القليلة التي تتحرك على المسار الصحيح لإزالة الكربون. فمن بين 46 تقنية رئيسية للطاقة وقطاعات الاستخدام النهائي التي تُعتبر بالغة الأهمية لوقف ظاهرة الاحتباس الحراري، وجد تقرير «تتبع تقدم الطاقة النظيفة»، الصادر عن الوكالة في منتصف سنة 2020، أن مراكز البيانات وشبكات نقلها، هي واحدة من بين 6 تقنيات فقط تتوافق مع سيناريوهات التنمية المستدامة، بناءً على اتجاهات الكفاءة الحالية. ولكن هذا يتوقف على حسن اختيار مواقعها ومصادر الطاقة التي تتزود بها، من دون أن تتعارض مع الاحتياجات الأساسية للمجتمعات المحلية. ذلك أن مراكز معالجة البيانات الرقمية وتخزينها ونقلها تستهلك كميات ضخمة من الكهرباء.
وكانت تقارير سابقة لمنظمات مختلفة، قد أثارت مخاوف حول البصمة الكربونية لقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، إلا أن مراجعات أجرتها وكالة الطاقة الدولية أظهرت وجود مبالغات في هذه التقارير. ومن بين هذه التقارير ما صدر عن منظمة «شيفت بروجكت» الفرنسية سنة 2019 الذي خلُص إلى أن مشاهدة الفيديو عبر الإنترنت كانت مسؤولة عن انبعاث أكثر من 300 مليون طن من ثاني أوكسيد الكربون في 2018، أي ما يعادل إجمالي الانبعاثات من فرنسا. وفي 2020، دحض تقرير «موجز الكربون» الصادر عن وكالة الطاقة الدولية الافتراضات التي بنت عليها منظمة «شيفت بروجكت» تقديراتها التي جعلتها تبالغ في كمية الانبعاثات بمقدار 50 ضعفاً.
كما خلُصت دراسة نُشرت في دورية «نيتشر كلايمت تشينج» في 2018، إلى أن الانبعاثات التراكمية عن تعدين بيانات العملة الرقمية «بيتكوين» كافية وحدها لاستنفاد ميزانية الكربون المتبقية للحدِّ من الاحترار العالمي في نطاق درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل النهضة الصناعية. ثم نشرت وكالة الطاقة الدولية مراجعة لهذه الدراسة وجدت أن تعدين «البيتكوين» مسؤول عن نحو 10 إلى 20 مليون طن من ثاني أوكسيد الكربون سنوياً، أو 0.03 إلى 0.06 في المائة من الانبعاثات العالمية.
توفِّر الأمثلة السابقة لمحة عن الطلب على الطاقة لبعض الخدمات الرقمية، ولكن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لا يقتصر على هذه الخدمات، فهو يشمل على سبيل المثال مراكز البيانات التي تخزن البيانات وتعالجها، وشبكات النقل التي تنقل البيانات عبر الشبكات الثابتة أو المتنقلة، وأجهزة الاتصال كالحواسيب والهواتف الذكية التي تتبادل المعلومات عبر الشبكة. وهذه جميعاً نشاطات تتميز بتركيز كبير في استهلاك الطاقة، وما زالت بحاجة إلى دراسات دقيقة لمعرفة الحاصل النهائي منها، وما هو الحجم الفعلي للتوفير في الاستهلاك الذي نجم عنها، ومقارنة هذا بحجم استهلاكها للطاقة. وهنا لا بد من التمييز بين النشاطات الرقمية المنتِجة، وتلك المخصصة للتسلية والترفيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ورغم النمو السريع في خدمات البيانات والأجهزة المتصلة، كان الطلب على الطاقة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مستقراً نسبياً خلال السنوات القليلة الماضية؛ حيث ساعدت التحسينات السريعة في كفاءة الحوسبة ومراكز البيانات وشبكات النقل في خفض الاستهلاك.
وتشير التقديرات المنشورة حالياً، إلى أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تستحوذ على نحو 4 إلى 7 في المائة من الطلب العالمي على الكهرباء. وبشكل وسطي، تعادل الانبعاثات الصافية لهذا القطاع 2 في المائة من مجمل الانبعاثات الناتجة عن النشاط البشري، وهي تقارب بذلك انبعاثات قطاع الطيران العالمي.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل عدد من الممارسات غير المستدامة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ومن ذلك -مثلاً- أن مجمل صانعي الأجهزة الرقمية يدفعون باتجاه مفهوم «الاستبدال بدلاً من التصليح». كما تفرض تحديثات التطبيقات ترقية الأجهزة الرقمية، مما يفاقم مشكلة النفايات الإلكترونية ويزيد الطلب على الموارد، ويؤدي بالتالي إلى زيادة التلوث عبر دورة حياة المنتج من تعدين المواد الأولية إلى التخلص النهائي.
ومن ناحية أخرى، فإن الرهان على كفاءة الحوسبة وحدها لخفض استهلاك الطاقة لا يمكن الركون إليه مستقبلاً. فبينما كانت كفاءة الحوسبة التي تمثِّل عدد العمليات الحسابية لكل كيلوواط في الساعة من الكهرباء، تتضاعف كل 1.6 سنة تقريباً، تباطأت مضاعفة كفاءة الحوسبة في السنوات الأخيرة لتصل دورتها إلى 2.6 سنة تقريباً. غير أن الدراسات والابتكارات المتتالية تُظهر قدرة قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على الاستمرار في تحسين الكفاءة عبر البرمجيات والخوارزميات والأجهزة الخاصة بالتطبيقات.
- القطاع الرقمي يطوِّر أدواته للحفاظ على البيئة
بصرف النظر عن الفوائد من زيادة الكفاءة في استخدام الطاقة، يلعب مصدر الطاقة دوراً مهماً في تقليل الانبعاثات. ومن الملاحظ أن أكثر من نصف الشركات التقنية، بما فيها «غوغل» و«آبل» و«مايكروسوفت» و«ميتا»، تستخدم بالفعل مصادر الطاقة المتجددة لمعظم احتياجاتها من الطاقة. ومن المتوقع أن تكون 3 من كل 4 شركات تقنية تعتمد على الطاقة المتجددة في 2030. ويُظهر الخلاف الحالي بين شركة «ميتا» («فيسبوك» و«واتساب») والسكان المحليين في إحدى المناطق الهولندية؛ حيث تعتزم الشركة بناء مركز ضخم للبيانات الرقمية، حجم المنافسة على الكهرباء بين هذا النوع من النشاط واحتياجات السكان المحليين.
وتعمل شركات عديدة على تجريد منتجاتها، باستخدام العناصر الرقمية بدلاً من العناصر المادية، وخلق عوالم افتراضية تقلل إلى حدٍّ بعيد من استهلاك الموارد الطبيعية. ويتوقع تقرير «مسار إزالة الطابع المادي من أجل الربحية والاستدامة» الذي أصدره مركز «إريكسون إندستري لاب» في السنة الماضية، أن يشهد المستقبل مزيداً من المؤسسات غير الفيزيائية التي تستفيد من التكنولوجيا السحابية والمتنقلة، بحيث تكون الناظم للعمل في تلبية احتياجات العملاء المتطورة بحلول 2030.
ويتوقع تقرير «إريكسون إندستري لاب» الذي اعتمد على استمزاج آراء أكثر من 5000 صانع قرار وموظف في 11 سوقاً عالمية، أن تتم 60 في المائة من الأعمال المكتبية عن بعد خارج مباني الشركات بحلول 2030. وتبرهن جائحة «كوفيد-19» على قدرة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في تمكين الموظفين والطلاب من العمل والدراسة عن بعد، وما يرافق ذلك من خفض للتنقلات وانبعاثات ثاني أوكسيد الكربون.
وفيما يتعلق بموضوع الحلول الموفرة للطاقة، يتوقع التقرير أن تكون الخدمات السحابية وشبكات الاتصال من الجيل الخامس وما يليها عاملاً مساعداً، إذا استخدمت بالطريقة الصحيحة، في خفض استهلاك الطاقة والأثر البيئي بشكل عام. ويتوقع 80 في المائة من صانعي القرار في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات توفيراً كبيراً في الطاقة بسبب استخدام الحلول السحابية المتعددة بحلول 2030، ليس فقط لمؤسساتهم ولكن للمجتمع كله.
ويمكن أن تدفع الرقمنة إلى مكاسب جديدة في كفاءة الطاقة عبر قطاعات مختلفة كالمباني والنقل. فعلى سبيل المثال، تشكل المباني السكنية والتجارية ثلث الطلب العالمي على الطاقة و55 في المائة من استهلاك الكهرباء، ويمكن لرقمنة أنظمة الطاقة في المباني والأجهزة الاستهلاكية أن تحسن بشكل كبير من كفاءة الطاقة، عبر ضمان حصر استهلاك الطاقة فقط عندما وحيثما تكون هناك حاجة لها.
وفي مجال النقل، تتيح بيانات حركة المرور الآنية والإدارة المرورية المحسنة للسائقين الاستجابة للازدحام وظروف الطريق على الفور، مما يخفض من استهلاك الوقود. كما يُعدُّ نقل البضائع مجالاً آخر يسمح لتطبيقات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بتحقيق وفورات كبيرة في الطاقة وخفض الانبعاثات، من خلال انتقاء المسارات الأفضل، وتحسين سلاسل التوريد، ومشاركة البيانات بين الشركات.
مثل جميع القطاعات، تواجه تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تحديات كبيرة في جهودها للتخلص من الانبعاثات. ولكنها في الوقت ذاته أداة مهمة في تعزيز كفاءة استخدام الطاقة، وإتاحة العمل عن بعد، وتسهيل الانتقال إلى عالم صديق للبيئة وأكثر استدامة.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».