بيدرسن: لا خلافات استراتيجية بين أميركا وروسيا في سوريا... ودعم دولي لـ«خطوة ـ خطوة»

المبعوث الأممي قال في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن مرحلة العمليات العسكرية انتهت

المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن خلال لقائه رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي في بيروت 13 الشهر الماضي (إ.ب.أ)
المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن خلال لقائه رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي في بيروت 13 الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

بيدرسن: لا خلافات استراتيجية بين أميركا وروسيا في سوريا... ودعم دولي لـ«خطوة ـ خطوة»

المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن خلال لقائه رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي في بيروت 13 الشهر الماضي (إ.ب.أ)
المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن خلال لقائه رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي في بيروت 13 الشهر الماضي (إ.ب.أ)

قال المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن «لا خلافات استراتيجية» بين أميركا وروسيا في سوريا، وإنه حصل على «دعم صلب» من مجلس الأمن الدولي للمضي قدماً في مقاربته الجديدة «خطوة مقابل خطوة» بين الأطراف المعنية، لـ«تحديد خطوات تدريجية، ومتبادلة، وواقعية، ومحددة بدقة، وقابلة للتحقق منها، تُطبق بالتوازي» بين الأطراف المعنية بالأزمة السورية وصولاً إلى تطبيق القرار الدولي 2254.
وأضاف بيدرسن، أن ممثلي روسيا وأميركا أبلغوه أنهم «مستعدون للانخراط» في هذه المقاربة، لافتاً إلى وجود «جمود استراتيجي استمر لنحو سنتين، حيث لم تتغير الخطوط» في سوريا. وزاد «الأطراف الأساسية، أبلغوني أن مرحلة العمليات العسكرية انتهت، وأن لا طرف سيحتكر الخاتمة. وهناك شعور بضرورة اختبار شيء جديد». ووافق على القول، إن أميركا تخلت عن سياسة «تغيير النظام» وتسعى إلى «تغيير سلوك النظام».
وسئل عن إعلان وزير الخارجية السوري فيصل المقداد رفضه الاقتراح الجديد، فأجاب بيدرسن، بأنه سيكون «سعيداً كي أشرح بتفاصيل أكثر لدمشق، الخلفية الحقيقية لـخطوة مقابل خطوة، على أمل أن ننخرط أيضا بطريقة مناسبة، أيضاً مع هيئة التفاوض» المعارضة.
وقال المبعوث الأممي، إن «مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد) الجناح السياسي لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي تسيطر على ثلث سوريا ومعظم ثرواتها بدعم من التحالف الدولي بقيادة أميركا، ليست جزءاً من مسار جنيف؛ لأن هذه العملية تقوم بموجب القرار 2254 الذي «شمل مجموعات معارضة محددة، لكنها (مسد - قسد) لم تعدّ جزءاً من ذلك. ولا يزال هذا هو الواقع».
وأشار بيدرسن إلى أنه يجري مناقشات مع دمشق و«هيئة التفاوض» لترتيب عقد جولة جديدة لاجتماعات اللجنة الدستورية الشهر المقبل تعقبها جلسات في كل شهر، وأن أي تقدم في المسار الدستوري، سينعكس إيجاباً على خطة «خطوة مقابل خطوة» وردم عدم الثقة بين الأطراف المعنية.
وهنا نص الحديث الذي أجرته «الشرق الأوسط» عبر الهاتف إلى نيويورك مساء أول من أمس:
> قمت بجولة إقليمية ثم بروكسل ونيويورك لتقديم مقترحك «خطوة مقابل خطوة»، هل حصلت على دعم لمجلس الأمن لمقاربتك الجديدة؟
- أعتقد، هناك دعم قوي لمقاربتي «خطوة مقابل خطوة». كما تعرف، أجريت مشاورات في جنيف بدءاً من الروس ثم ممثلي دول أخرى في مجلس الأمن. من العدل، القول إنه من وجهة النظر في مجلس الأمن، هناك دعم لمبادرتي، أيضاً من اللاعبين الرئيسيين الآخرين، العرب والأوروبيون. يوم الاثنين، التقيت وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل، وهناك إجماع على دعم مقاربتي. التوقيت مناسب للمضي قدماً في هذه المقاربة، وما زال في مرحلة العصف الفكري حول الفكرة وسأعقد جولات إضافية من المشاورات.
> كيف تشرح المسار السياسي، للسوريين الذين يعانون منذ 11 سنة؟
- شرحت لمجلس الأمن بوضوح، الحالة الصعبة في سوريا: ضربات جوية، تبادل قصف، غياب الأمان، الألغام، الهجمات الإسرائيلية على اللاذقية. هناك موضوع سجن الحسكة وهجوم عناصر تابعين لـ«داعش». هناك أيضاً، الأزمة الاقتصادية وتعمقها حيث بات 14 مليون مدني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية و12 مليون نازح نصفهم خارج البلاد.
يضاف إلى كل ذلك، هناك جمود استراتيجي استمر لنحو سنتين، لم تتغير الخطوط. والمحاورون الأساسيون أبلغوني أن مرحلة العمليات العسكرية انتهت، وأن لا طرف سيحتكر الخاتمة. وهناك شعور بضرورة تجربة شيء جديد.
وأمضيت وقتاً طويلاً لشرح هذا الموضوع مع دمشق والمعارضة والمنطقة والمحاورين الدوليين الرئيسين، وأشعر أن الوقت حان لاختبار مقاربة «خطوة مقابل خطوة».
> ما هو؟ هل ممكن شرح عناصره؟
- البدء بتحديد خطوات تدريجية، ومتبادلة، وواقعية، ومحددة بدقة، وقابلة للتحقق، تُطبق بالتوازي. ثم، مهم جداً، إنه عندما نقوم بذلك، أن نكون قادرين على الوصول إلى بيئة محايدة وهادئة للمضي قدماً في العملية الدستورية ثم انتخابات وفق القرار الدولي 2254.
> ما هي المجالات التي يمكن البدء بها؟
- لا أزال في مرحلة العصف الفكري، لكنها قد تشمل المعتقلين والمختطفين والمفقودين، المساعدات الإنسانية والتعافي المبكر والبناء على التقدم المحرز من خلال اعتماد قرار مجلس الأمن 2585، شروط العودة الآمنة والكريمة والطوعية للاجئين، تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي انهارت بعد أكثر من عقد من الحرب والنزاع، والفساد، وسوء الإدارة، والأزمة المالية في لبنان، وجائحة «كوفيد - 19»، ترسيخ الهدوء في عموم سوريا وتحقيق الاستقرار، وهو بالتأكيد أمر أساسي، وفي الوقت ذاته التعاون في مكافحة الإرهاب، ثم يلي ذلك ما أطلق عليه القضايا الدبلوماسية. وموضوع سجن الحسكة، تذكير بضرورة التعاطي مع عملية ضد الإرهاب.
هناك سلة من الأمور، وفي حال تحركنا فيها، سينعكس ذلك على حياة السوريين. والأمل، أن نقيم بعض الثقة للعمل على تنفيذ القرار 2254.
> التقيت الروس والأميركيين في جنيف. ماذا قالوا؟ هل يدعمون فعلاً «خطوة مقابل خطوة»؟
- الأمر المهم، أنهم مستعدون للانخراط واختبار ومناقشة لتحديد ما إذا كان ممكناً تقديم بعض الأفكار للتحرك بشكل جماعي وموازٍ في بعض الخطوات.
> مثل ماذا؟
- في هذه المرحلة، سيكون من الخطأ التحدث علناً لأننا لا نزال في مرحلة العصف الفكري وسأقوم بجولات إضافية من المشاورات، وسأتابع المناقشات مع دمشق و«هيئة التفاوض» المعارضة.
> هل روسيا وأميركا مستعدتان للانخراط؟
- نعم، حقاً.
> في بروكسل التقيت الوزراء الأوروبيين، لكن علناً، هم قالوا إنهم مستعدون للانخراط تحت سقف الشروط الثلاثة (لا للمساهمة بالإعمار، لا لرفع العقوبات، لا للتطبيع قبل تحقيق تقدم سياسي). كيف يمكن لهم الانخراط بمقاربتك ضمن هذه الشروط؟
- حددت لك الفكرة وراء مقاربة «خطوة مقابل خطوة». في هذه المرحلة، هناك عدم ثقة عميق بين الأطراف الفاعلة، بين الأطراف السورية. لكن فقط عبر التحرك ببطء لتحديد الخطوات التي يمكن القيام بها ومعالجة المسائل التي ذكرتها لي. كل القضايا يجب أن يتم التعاطي معها في مرحلة ما. من الضروري التأكيد، استمرار الوضع ليس خياراً، ولا يمكن الاستمرار بهذا الوضع.
> لا يمكن تجاهل الأزمة الكبرى حالياً الخاصة بأوكرانيا. هناك توتر بين الروس من جهة والأميركيين والأوروبيين من جهة أخرى. هل يمكن التحرك بمقاربتك في سوريا في هذه الأجواء المتوترة حول أوكرانيا؟
- سأواصل مهمتي التسهيلية. كلامك صحيح، في حال لم تحل الأزمة في أوروبا دبلوماسياً، ستترك أثراً بمعنى أو آخر ليس فقط بالملف السوري، بل ملفات أخرى. أعتقد، أنها ستعقّد الأمور التي أعمل عليها. لكن دعني أضيف، أنه في الوقت نفسه يجب أن نذكّر أنفسنا، أن ما يخص سوريا، ليس هناك اختلافات استراتيجية بين أميركا وروسيا. هناك مصالح مشتركة بمحاربة الإرهاب، تحقيق الاستقرار. ولتحقيق الاستقرار، نحتاج إلى عملية سلام. آمل أن نصل إلى حل دبلوماسي للأزمة في أوروبا، بحيث يكون هناك أثر إيجابي في سوريا.
> وزير الخارجية السوري فيصل المقداد، قال علناً إن الحكومة السورية ضد مقاربة «خطوة مقابل خطوة». هل هذا ما سمعت في الجلسات المغلقة أم سمعت شيئاً مختلفاً؟
- أجريت جولات عدة من المناقشات مع الحكومة السورية، وسأواصل المناقشات معها حول هذا الأمر. أعرف أن لديهم أسئلة عديدة، لكن أعرف أيضاً أن «هيئة التفاوض» المعارضة لديها أسئلة حول المقاربة الجديدة. سأكون سعيداً كي أشرح بتفاصيل أكثر لدمشق، الخلفية الحقيقة لـ«خطوة مقابل خطوة»، على أمل أن ننخرط أيضاً بطريقة مناسبة، أيضاً مع «هيئة التفاوض».
> بعض المحللين والمراقبين قالوا إن «خطوة مقابل خطوة»، ليست جزءاً من مهمتك لتطبيق 2254، وإنك تطرح أموراً خارج صلاحياتك. ما قولك؟
- هذا سوء فهم جدي. الأمور المطروحة هي جزء من القرار 2254. القضايا التي ذكرتها هي جزء أساسي من القرار. أيضاً، بناء الثقة للمضي قدماً أمر ضروري. لذلك؛ إنني سعيد جداً أننا حصلنا على دعم صلب من مجلس الأمن الذي أقر 2254. لا أحد يرى أي تناقض بين هذه المقاربة والقرار 2254، بل بالعكس، هي ستساعدني للمضي قدماً في مهمتنا لتنفيذ 2254.
> ماذا تقول للسوريين النازحين واللاجئين والفقراء الذي يعانون؟ كثيرون فقدوا أي أمل أو إيمان بأي عملية سياسية، كيف تقول لهم إن هذه المبادرة الجديدة مختلفة عما حصل في جنيف خلال 11 سنة؟
- دعني أقول، كما قلت لمجلس الأمن، إن معاناة الشعب عميقة إلى حد صعب فهمه أو تقديره. هناك سوريون يعيشون في ظروف صعبة جداً وسط الثلوج في خيم وظروف صعبة. هذا يفطر القلوب. أفهم أنه بعد أكثر من عشر سنوات، هناك الكثير من الشكوك إزاء العملية السلمية وقدرتها على تقديم شيء ملموس للشعب السوري. ما أستطيع قوله، أن قناعتي وتصميمي، أن نتحرك بثبات وجدية للأمام لتحسين وضع الشعب السوري.
> ماذا عن ملف المفقودين والسجناء والمخطوفين؟
- هذا أحد أولوياتي من اليوم الأول لتسلم مهمتي. للأسف، لم نر اختراقات عميقة في هذا الملف أيضاً. كانت لدينا مناقشات مع أطراف عملية آستانة في نور سلطان، وهناك بعض الأفكار على الطاولة ونأمل التحرك في هذا الملف الذي يخص الكثير من العائلات السورية. طالبت بإطلاق سراح الأطفال والنساء والقصر والكهول، وسأواصل جهودي للتحرك إزاء عائلات المفقودين.
> ماذا عن اللجنة الدستورية؟ هل توفرت ظروف عقد جولة جديدة؟
- نحن في حوار مع دمشق وطرحنا بعض الأفكار، وسأتواصل مع الرئيس المشتركة في «هيئة التفاوض». آمل، أنه في الأسبوعين المقبلين سيكون لدينا تفاهم مشترك بحيث نعقد جولة صوغ الدستور في فبراير (شباط)، ثم بناءً عليه أن تحصل اجتماعات أخرى في الأشهر المقبلة، مارس (آذار)، أبريل (نيسان)، مايو (أيار)، يونيو (حزيران) لتحقيق تقديم حقيقي.
> هل ستكون مختلفة عن الجولات السابقة؟
- هذا أملي، أن نرى تبادلاً جدياً لوجهات النظر، بحيث يكونون مستعدين لمراجعة النصوص التي يقدمونها ويتجاوبون مع ما يسمعون من الطرف الأخرى. الوفود لا تقدم نصوصاً دستورية فحسب، بل إنها على استعداد أيضاً لتعديلها في ضوء المناقشات، لمحاولة إيجاد أرضية مشتركة، أو على الأقل تضييق مساحة الاختلافات. فنحن في حاجة إلى عملية صياغة مثمرة وفقاً لولاية اللجنة. وذكرت أمام مجلس الأمن، أن اللجنة يجب أن تعمل، كما تحدد المعايير المرجعية والعناصر الأساسية للائحة الداخلية، «على وجه السرعة وباستمرار لتحقيق النتائج والتقدم المستمر».
> «مجلس سوريا الديمقراطية» الجناح السياسي لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، يسيطرون على ثلث مساحة سوريا ومعظم ثرواتها ومدعومون من التحالف الدولي ضد «داعش» بقيادة أميركا، لكنهم ليسوا جزءاً من عملية جنيف؟ ماذا تقول لهم؟
- هذه عملية نوقشت وقررت في قرار مجلس الأمن 2254، الذي هدّد مهمتي بتضمين مجموعات معارضة محددة، لكن «مجلس سوريا الديمقراطية»، «قوات سوريا الديمقراطية»، لم تعدّ جزءاً من ذلك. ولا يزال هذا هو الواقع.
> بعض المحللين يقولون، كيف يمكن إحداث اختراق في «خطوة مقابل خطوة» الذي يتضمن قضايا كبرى ومعقدة، بعد عدم النجاح في تحقيق تقدم في اللجنة الدستورية، السهلة؟
- لا أعتقد أن «خطوة مقابل خطوة» أكثر تعقيداً. صحيح، ستكون هناك تحديات، والتحدي الرئيسي، هو فقدان الثقة. أعتقد، أننا سنكون قادرين للمضي قدماً بتقديم بعض الأفكار التي تخص فقدان الثقة. بناءً على هذا يمكن المضي ببطء إلى الأمام. بعد ذلك، أملي أنه مع تحقيق بعض التقدم في عمل اللجنة الدستورية. هذا سيكون له تأثير إيجابي في «خطوة مقابل خطوة». دعنا نكون صريحين، الأمر يتطلب الكثير من الجهود السوريين والأطراف الدولية للمضي قدماً. ما أستطيع قوله، إنه بعد المشاورات التي أجريتها، هذا ممكن وقابل للتحقيق.
> هناك من يقول، إن بعض الأسباب التي سمحت بالقيام بالمبادرة الجديدة، هو أن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن قالت بوضوح إنها لا تريد «تغيير النظام» السوري، بل «تغيير سلوك النظام»، وهذا ما تريد روسيا. هل هذا صحيح؟
- هذا ما أسمعه أيضاً. إنني أسمع الشيء نفسه حقاً.



صنعاء تحت وطأة استدراج القاصرين والشبان للقتال

تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)
تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)
TT

صنعاء تحت وطأة استدراج القاصرين والشبان للقتال

تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)
تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)

تصاعدت حالات اختفاء القاصرين والشبان في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وضواحيها خلال الأسابيع الأخيرة، وسط اتهامات للحوثيين باستدراجهم إلى معسكرات التجنيد وإخضاعهم لتدريبات قتالية، قبل نقلهم إلى جبهات القتال دون علم أسرهم أو موافقتها، في وقت تتزايد فيه مخاوف الأهالي من استغلال هذه الحوادث لابتزازهم، في ظل غياب المساءلة وعدم الكشف عن مصير المفقودين.

وقالت مصادر حقوقية محلية لـ«الشرق الأوسط»، إن حالات الاختفاء الغامضة باتت تؤرق السكان وأولياء الأمور، مع فقدان أطفال وشبان من المدارس والشوارع والأحياء السكنية، دون معرفة مصير بعضهم أو الحصول على معلومات عن أماكن وجودهم. وأضافت أن أسر المفقودين تضطر إلى البحث عن أبنائها بمفردها، وإطلاق مناشدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في ظل ما تصفه بتجاهل الأجهزة الأمنية الخاضعة للحوثيين بلاغاتها.

وكشفت المصادر في صنعاء عن اختفاء نحو 13 طفلاً وشاباً من مناطق متفرقة في صنعاء منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، موضحة أن أعمار أغلب المفقودين تتراوح بين 15 و23 عاماً، وأن بعضهم عُثر عليهم لاحقاً في جبهات ومعسكرات حوثية، بعد استدراجهم وإخضاعهم لدورات قتالية دون علم أسرهم أو موافقتها.

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)

وأشارت المصادر إلى أن صنعاء ومدناً أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين سجلت منذ مطلع العام الحالي مئات البلاغات عن اختفاء أطفال وشبان، في حين لا تزال أسر تبحث عن أبنائها دون التوصل إلى معلومات بشأن مصيرهم. واتهم أجهزة أمن الجماعة بعدم التجاوب مع بلاغات الأهالي ومناشداتهم؛ ما يفاقم معاناة العائلات ويترك المفقودين عرضة للاستغلال والتجنيد.

وسُجلت أحدث الحالات خلال اليومين الماضيين، مع اختفاء المراهق أمجد نعمان السروحي (16 عاماً) من حارة الآنسي بمديرية معين وسط صنعاء، والشاب مختار عبد الله حسن الرفاعي (22 عاماً)، الذي فُقد بالقرب من سوق حزيز بضواحي صنعاء، وفقاً للمصادر الحقوقية.

استدراج إلى المعسكرات

تعكس شهادات أسر المفقودين مخاوف متزايدة من أن تكون حالات الاختفاء مدخلاً لاستدراج الأطفال والشبان إلى معسكرات الحوثيين، في ظل اتهامات لمشرفين تابعين للجماعة وسماسرة باستقطاب صغار السن واستغلال ظروفهم الاجتماعية والمعيشية لدفعهم نحو الالتحاق بالجبهات.

وفي إحدى هذه الحالات، روى أحد أقارب قاصر اختفى قبل شهرين من أحد أحياء صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، أن الأسرة أمضت خمسة أيام في البحث عنه بين الأحياء والمستشفيات، قبل أن تصل إليها معلومات من مشرف حوثي تفيد بوجوده في أحد المعسكرات شمال المدينة.

وقال قريب القاصر إن المشرف أبلغ الأسرة بأن عناصر حوثية استدرجت الصغير وأخضعته لتدريبات قتالية دون علم ذويه. وأوضح أن أيام البحث اتسمت بالخوف والقلق؛ خشية تعرض القاصر للأذى، قبل أن تكتشف الأسرة وجوده داخل معسكر حوثي، بعيداً عنها ودون موافقتها على إخضاعه للتدريبات العسكرية.

تلامذة في صف مدرسي يهتفون بـ«الصرخة الخمينية» (الشرق الأوسط)

من جهته، يقول «مُجيب»، وهو من سكان صنعاء وأب لأربعة أبناء، إن تزايد حالات اختفاء الأطفال والشبان جعل الأسر تعيش في خوف دائم على أبنائها، حتى أثناء ذهابهم إلى المدارس أو خروجهم لقضاء احتياجات بسيطة.

وأضاف: «أصبحنا نعيش في خوف دائم على أبنائنا، ولم نعد نشعر بالاطمئنان حتى عندما يخرج أحدهم لقضاء حاجة بسيطة. نخشى أن يستدرجه أحد العناصر والمشرفين الحوثيين أو يستغل حاجته وظروفه المعيشية، ثم نجد أنفسنا أمام أمر واقع لا نستطيع تغييره».

وأكد أن الأسر تريد ضمان سلامة أبنائها وتمكينهم من مواصلة تعليمهم وحياتهم بصورة طبيعية، بعيداً عن الاستقطاب والزج بهم في جبهات القتال.


نقص في الغذاء والدواء والوقود... تعز تكابد مشقة الحصار الحوثي

المدنيون في تعز المحاصرة عرضة لقذائف الحوثيين وقناصتهم (رويترز)
المدنيون في تعز المحاصرة عرضة لقذائف الحوثيين وقناصتهم (رويترز)
TT

نقص في الغذاء والدواء والوقود... تعز تكابد مشقة الحصار الحوثي

المدنيون في تعز المحاصرة عرضة لقذائف الحوثيين وقناصتهم (رويترز)
المدنيون في تعز المحاصرة عرضة لقذائف الحوثيين وقناصتهم (رويترز)

في ظل الحصار وعدوان الحوثيين، لم يعد الحصول على كيس من الدقيق أو أسطوانة غاز للطهي في مدينة تعز اليمنية مهمة يومية عادية، بل تحول إلى رحلة شاقة في ظل نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة على نقل السلع الأساسية.

وبينما تبحث الأسر عن احتياجاتها الضرورية، يواجه المرضى مخاطر متزايدة مع نقص الأدوية والوقود والأكسجين الطبي، في أزمة إنسانية تهدد حياة مئات الآلاف من المدنيين.

وحذرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من تدهور حاد في الأوضاع الإنسانية بمدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، منذ أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، عقب تشديد قوات جماعة الحوثيين الحصار وإغلاق الطرق الرئيسية المتبقية، ما أدى إلى تفاقم نقص الغذاء والمياه والوقود والأدوية وغاز الطهي، فضلاً عن عرقلة وصول المنظمات الإنسانية.

وتخضع المدينة للحصار الحوثي منذ عام 2015، مع إغلاق طرق رئيسية تربطها ببقية المناطق اليمنية، من بينها الطريق الرابط بينها وبين عدن، الذي يمثل ممراً مهماً لنقل الغذاء والوقود والإمدادات الطبية.

الحوثيون أغلقوا الطرق المؤدية إلى مدينة تعز ما أعاق وصول السلع والإمدادات الأساسية (إعلام محلي)

وتعكس شهادات السكان التي نقلتها المنظمة حجم التدهور الذي طرأ على الحياة اليومية. فقد أفاد أحد السكان بأن الخضراوات أصبحت شحيحة للغاية مع بداية تصاعد القتال، وأن أسعارها تضاعفت، فيما قال آخر إنه أمضى ثلاثة أيام يبحث عن القمح والدقيق دون أن يتمكن من العثور عليهما.

ولا تقتصر الأزمة على نقص السلع في الأسواق، بل تمتد إلى صعوبة إدخالها من خارج المدينة، في ظل ارتفاع تكاليف النقل ونقص الوقود. ونقلت المنظمة عن أحد قادة منظمات المجتمع المدني المحلية قوله إن المشكلة لا تتعلق بتوافر الغذاء وحده، وإنما بالوقود اللازم لنقله أيضاً، مشيراً إلى تضاعف تكاليف سائقي الشاحنات.

وفي مؤشر على اتساع الضغوط المعيشية، أفاد سكان بارتفاع سعر غاز الطهي بنحو 400 في المائة، بالتزامن مع تراجع توافر الأسطوانات في الأسواق، ما يضيف عبئاً جديداً على الأسر التي تواجه صعوبة في تأمين احتياجاتها الأساسية.

الوقود والأكسجين

وامتدت تداعيات نقص الوقود إلى إمدادات المياه، مع تزايد المخاوف من توقف المضخات التي تعتمد على الديزل. وأدى نقصه إلى تهديد قدرة محطات الضخ على مواصلة العمل، فيما تضاعفت تكلفة المياه المنقولة بالشاحنات ثلاث مرات منذ التصعيد الأخير، وانخفض إنتاج المياه إلى النصف، وسط تحذيرات من نفاد البدائل المتاحة.

وتشير «هيومن رايتس ووتش» إلى أن القيود المفروضة على وصول المياه ليست جديدة، إذ سبق أن وثقت ما وصفته بانتهاكات لحق السكان في الحصول عليها خلال سنوات الحصار. كما أفادت منظمة تتابع أوضاع المدينة بأن مشغلي صهاريج المياه أبلغوا عن تعرضهم للتوقيف عند نقاط تفتيش حوثية أثناء محاولتهم إدخال المياه إلى تعز.

يمنية حامل تتلقى العلاج في مشفى بتعز بعد أن اخترقت رصاصة حوثية بطنها (رويترز)

وفي المستشفيات والعيادات، تتخذ الأزمة وجهاً أكثر خطورة، إذ يجد مرضى السرطان والكلى وارتفاع ضغط الدم وغيرهم من المصابين بأمراض مزمنة صعوبة في الوصول إلى العلاج، خصوصاً الذين يعيشون خارج مركز المدينة.

وأفاد أطباء وعاملون في القطاع الصحي بأن إغلاق الطرق ونقص الوقود وارتفاع تكاليف النقل أعاقت وصول المرضى إلى المرافق الطبية، حتى في بعض المناطق التي لم تُغلق طرقها بصورة مباشرة. وقال أحد الأطباء إن المرضى يواجهون صعوبات في الوصول إلى المستشفيات بسبب تعذر الحصول على الوقود أو ارتفاع أسعاره، ما يجعل رحلة العلاج أكثر كلفة وتعقيداً.

وفي الوقت نفسه، تتناقص مخزونات الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية. وأوضحت طبيبة في تعز أنها استقبلت عدداً من المصابين بجروح ناجمة عن النزاع، بينهم نساء وأطفال، في وقت تعاني فيه المرافق الصحية نقصاً في مواد التخدير اللازمة لإجراء العمليات الجراحية.

قذائف الحوثيين تتساقط على أحياء سكنية في مدينة تعز (إعلام محلي)

ويهدد نقص الأكسجين الطبي بدوره خدمات حيوية تشمل العمليات الطارئة والعناية المركزة وغسيل الكلى ورعاية حديثي الولادة، حسب إفادات نقلتها المنظمة عن عاملين في القطاع الصحي.

كما أدى انقطاع الوقود إلى تعطيل بعض المنشآت الطبية التي تعتمد على مولدات الديزل لتشغيل أجهزتها. وقال أحد الأطباء إن المنشأة التي يعمل فيها اضطرت إلى التوقف عن تقديم خدماتها لمدة ثلاثة أيام بعد نفاد الديزل، مضيفاً أن المرضى كانوا يصلون ثم يغادرون خائبين لعدم توافر الرعاية اللازمة.

التجويع سلاحاً للحرب

ترى المنظمة الدولية أن عزل المدينة عن بقية اليمن يمثل عاملاً رئيسياً في تفاقم الأزمة، نظراً إلى تأثيره المتزامن على الغذاء والمياه والوقود والأدوية، فضلاً عن صعوبة وصول المساعدات الإنسانية، وسط مخاوف قانونية من أن يؤدي حرمان المدنيين من الاحتياجات الضرورية إلى استخدام التجويع وسيلة في النزاع المسلح.

وذكّرت «هيومن رايتس ووتش» بأن القانون الدولي الإنساني يحظر استخدام تجويع المدنيين أسلوباً من أساليب الحرب، بما يشمل حرمانهم عمداً من الغذاء والمياه والأدوية والضروريات اللازمة للبقاء، أو عرقلة وصول الإمدادات الإغاثية.

التصعيد الحوثي تسبب في نزوح نحو 150 ألف يمني في محافظة تعز وحدها (إعلام محلي)

وتؤكد القواعد الإنسانية ضرورة تسهيل وصول المساعدات إلى المدنيين وعدم تأخيرها تعسفاً، إلى جانب ضمان حرية حركة العاملين في المجال الإنساني، مع مراعاة القيود المؤقتة التي تقتضيها الضرورات العسكرية.

ودعت المنظمة الحوثيين إلى فتح الطرق الحيوية فوراً أمام نقل السلع الأساسية والمساعدات الإنسانية، كما طالبت جميع الأطراف المتحاربة بتسهيل وصول الإغاثة وضمان تنقل المدنيين بأمان.

وشددت على ضرورة السماح بدخول الغذاء والوقود والمياه والأدوية والمساعدات الإنسانية إلى تعز دون تأخير، محذرة من أن استمرار القيود قد يفاقم معاناة المدنيين ويعرّض مزيداً من الأرواح للخطر.


ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

في ظل إصرار مصري وأوروبي على رفض الاعتراف بـ«مذكرة التفاهم» التركية - الليبية لتحديد مناطق الصلاحية البحرية الموقعة أواخر عام 2019، والتي صادق عليها مجلس النواب الليبي أخيراً، ومع تجدد عرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر «يحقق المصالح المشتركة للبلدين»، يبدو أن «دبلوماسية الحوار» ستكون خيار القاهرة الأقرب لمعالجة التباينات بشأن الحدود مع أنقرة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وصوّت مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي بالموافقة على اتفاقية «ترسيم الحدود البحرية» مع تركيا، وهو ما رفضته القاهرة في حينه، مؤكدة أن «الاتفاقية باطلة بطلاناً مطلقاً».

وأشار الأمين العام لاتحاد الموانئ البحرية العربية اللواء عصام الدين بدوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ترسيم الحدود البحرية عادة ما يتم عبر التفاوض القانوني والدبلوماسي»، مرجحاً «عقد اجتماعات خلال الفترة المقبلة تضم لجاناً قانونية تمثل كافة الأطراف بهدف الوصول إلى صيغة تحقق مصالح الجميع وتتوافق مع القانون الدولي».

لقاء سابق بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

من جانبه، أكد اللواء محمد إبراهيم خليل، مدير الكلية البحرية الأسبق، رفض مصر «مذكرة التفاهم» بين تركيا وليبيا، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق التركي - الليبي ينتهك الحقوق الاقتصادية لمصر في المياه الإقليمية، ويشكل حاجزاً يقطع البحر المتوسط، ويمنع أي حقوق مستقبلية لمصر في المياه الاقتصادية وما يتعلق بحقوق استكشاف الغاز والموارد الطبيعية».

وقال إن «مواجهة مثل هذا الاتفاق تتم عبر الجهود الدبلوماسية والرجوع لاتفاقيات التقسيم البحري»، مشيراً إلى أن «الحل سيكون عبر عقد جولات من التفاوض القانوني من أجل الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويحفظ حقوق مصر السيادية».

وأكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو الشوبكي، أن «قضايا ترسيم الحدود البحرية تخضع لمشاورات مع الدول الجارة والصديقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر أمام خيارين، من بينهما التفاوض مع تركيا في ضوء العلاقات الطيبة بين البلدين، وعرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود»، مشيراً إلى أن «الطرح التركي قد يفضي إلى اتفاق جديد يرضي البلدين، ويراعي شواغل اليونان وقبرص».

أما الخيار الثاني، بحسب الشوبكي، فيتعلق بـ«تعديل مذكرة التفاهم الحالية اعتماداً على علاقات القاهرة القوية مع حكومة شرق ليبيا، والتي سبق أن أكّدت تفهمها لمخاوف مصر».

وأثارت «مذكرة التفاهم» التركية - الليبية اعتراضات عدة، لا سيما من جانب اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي. وتعليقاً على الانتقادات قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الاثنين الماضي، إن بلاده «لا تسعى لتحقيق مكاسب سياسية على حساب أي طرف في شرق المتوسط»، وإنها تدعو إلى الحوار مع جميع دول المنطقة، وستحافظ على علاقاتها مع جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا.

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أكد خلال لقائه نظيره التركي هاكان فيدان، الجمعة الماضي في إسطنبول، على هامش اجتماعات «الآلية الرباعية»، على «رفض مصر القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019»، مشدداً على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول»، بحسب إفادة «الخارجية» المصرية آنذاك.

ومن جانبه، أكد الوزير التركي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب الإفادة.