جدل أوروبي حول صلاحية «الجواز الأخضر»

ترقب لرفع براءات لقاحات «كوفيد ـ 19» خلال أسابيع

مظاهرة ضد جواز التلقيح في باريس 22 يناير الماضي (رويترز)
مظاهرة ضد جواز التلقيح في باريس 22 يناير الماضي (رويترز)
TT

جدل أوروبي حول صلاحية «الجواز الأخضر»

مظاهرة ضد جواز التلقيح في باريس 22 يناير الماضي (رويترز)
مظاهرة ضد جواز التلقيح في باريس 22 يناير الماضي (رويترز)

تتعدّد تسميات شهادة التلقيح التي تصدرها السلطات الصحية في الدول الأوروبية، من «الجواز الأخضر» إلى «جواز كوفيد» أو «جواز المناعة»، بهدف تيسير حركة التنقل بين الدول الأعضاء في الاتحاد وداخلها، لكن الصعوبات التي تواجه المسافرين والسكان تزداد يوماً بعد يوم، وتكثر الشكوك حول فاعلية هذا التدبير على الصعيدين الصحي والعملي، في هذه المرحلة من الجائحة.
وكانت هذه الشهادة تحوّلت منذ أواسط العام الماضي إلى سلاح أساسي في المعركة ضد جائحة «كوفيد - 19»، وإلى أداة لا غنى عنها لعبور الحدود الداخلية للاتحاد الأوروبي، لكن التطورات الأخيرة في المشهد الوبائي دفعت باتجاه تعديل شروط استخدامها، وبات كثيرون في الأوساط العلمية يتساءلون حول الفائدة منها على صعيد احتواء الوباء ومن انتشار الفيروس.
ومن المقرر أن تدوم صلاحية هذه الشهادة تسعة أشهر، بدءاً من تاريخ تناول الجرعة الثانية من اللقاح، مع اشتراط تناول الجرعة المنشّطة لتمديد صلاحيتها، لكن الاتحاد الأوروبي لم يقرّر بعد تحديد مدة هذه الصلاحية في انتظار معرفة تطور الوضع الوبائي أو ظهور طفرات جديدة. ومن التساؤلات التي بدأت تطرحها الأوساط الصحية منذ فترة بإلحاح: ما الذي سيحصل إذا ظهر متحوّر جديد مقاوم ضد اللقاحات المتداولة؟ أو إذا طوّرت شركات الأدوية لقاحات أو علاجات أكثر فاعلية؟ وما مصير المصابين الذين اضطروا لتأجيل تناول الجرعة المنشّطة؟
يقول الخبراء إن شهادة التلقيح تساعد في توسيع دائرة التغطية اللقاحية، لكنها لا تمنع استمرار سريان الفيروس كما تدلّ الموجة الراهنة الناجمة عن المتحور الجديد، إذ إن «أوميكرون» قادر على إصابة الملقّحين والمعافين، الذين بدورهم ينقلون الوباء إلى آخرين.
وكان المجلس الأوروبي اعتمد هذا الأسبوع مجموعة من التدابير الجديدة بشأن شهادة التلقيح تدخل حيّز التنفيذ بدءاً من يوم الثلاثاء المقبل، لكنها توصيات تهدف إلى توحيد شروط السفر داخل الاتحاد وتحفيز الإقبال على تناول الجرعات الثلاث من اللقاحات، ويعود القرار النهائي حولها إلى الحكومات الوطنية. وكان المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض السارية والوقاية منها أوصى بإعطاء الجرعة المنشّطة في فترة لا تتجاوز ستة أشهر من نهاية الدورة اللقاحية الأولى، ما دفع بالمفوضية إلى تحديد صلاحية الشهادة بستة أشهر بعد تناول الجرعة الثانية وإعطاء فترة سماح من ثلاثة أشهر لتمكين حملات التلقيح الوطنية من تعديل جداولها الزمنية والمواطنين للحصول على الجرعة المنشطة.
وكان الهدف من هذه التدابير الاتجاه نحو إدارة فردية، وليست جغرافية، لمراقبة حركة المسافرين، أي التركيز على الوضع الصحي للمسافر بغض النظر عن الوضع الوبائي في المنطقة الوافد منها. لكن على الصعيد العملي، تبقى الحكومات الوطنية هي التي تحدد شروط مراقبة عبور حدودها ومعاييرها. أما منظمة الصحة العالمية التي لم تكن أبداً متحمسة لإصدار شهادات التلقيح، وذهبت مراراً حد اعتبارها مجحفة بحق الذين لا يحملونها، فهي تعترف اليوم، بعد ظهور متحور «أوميكرون» وانتشاره بهذه السرعة غير المسبوقة، أن «جواز كوفيد، برغم أنه لا يضمن عدم نقل العدوى من حامله إلى الآخرين، يوفّر قدراً أكبر من الحماية المناعية، وبالتالي يخفّف من خطر الإصابة والانتشار»، كما يقول طوني تريّا المستشار الوبائي في المنظمة.
يبقى بعد كل ذلك أن دولاً أوروبية عديدة ما زالت تفرض شروطاً على المسافرين، مثل الاختبارات السلبية الإلزامية والحجر الصحي، بغض النظر عن الوضع اللقاحي للمسافر. يضاف إلى ذلك أن الاتحاد الأوروبي لم يحدد بعد فترة صلاحية الجواز بعد تناول الجرعة المنشطة، «إذ لا توجد إلى الآن دراسات حول فاعلية الجرعة الثالثة لمنع سريان (كوفيد - 19)، رغم أن البيانات الأخيرة تحمل على الاعتقاد بأن الحماية التي تولّدها الجرعة المنشّطة قد تكون أطول من تلك الناجمة عن الدورة الأولى الكاملة من اللقاح»، كما يرد في موقع الاتحاد.
من جانبه، يقول دانييل لوبيز المدير السابق لقسم الطوارئ في منظمة الصحة العالمية إن «جواز كوفيد» ليس أداة للمكافحة الوبائية بقدر ما هو وسيلة اقتصادية لمراقبة تنقل السكان بهدف الحد من القيود مثل إجراءات الحجر الصحي، وإلى تبسيط إجراءات حركة السفر التي أصيبت بالشلل في المراحل الأولى من الجائحة، لكن هذا لا يعني أنه يوفّر حماية صحية، رغم أنه أسهم في التحفيز على تناول اللقاحات بين المشككين في فاعليتها وسلامتها أو الرافضين لتناولها. وكانت دراسة أجريت مؤخراً في إيطاليا وألمانيا وفرنسا أظهرت أنه منذ صيف العام الماضي حتى نهايته، أسهم فرض شهادة التلقيح على السفر في زيادة معدّل التلقيح في فرنسا بنسبة 13 في المائة من مجموع السكان، و6.2 بالمائة في ألمانيا، و9.7 بالمائة في إيطاليا.
ويتوقع لوبيز أن تؤدي تطورات الجائحة إلى زيادة الصعوبات في التنسيق بين تدابير المراقبة ومقتضيات المشهد الوبائي، ويشير على سبيل المثال إلى الأشخاص الذين لم يكملوا الدورة اللقاحية لأسباب صحية، أو الذين لا يستطيعون تناول اللقاح خشية الإصابة بطفرة حساسية خطرة أو الذين تعرّضوا لردة فعل شديدة بعد الجرعة الأولى، وبالتالي لا يستطيعون الحصول على شهادة التلقيح. ومن الفئات الأخرى التي ليس معروفاً بعد طريقة التعامل معها، أولئك الأشخاص الذين أصيبوا مؤخراً بالفيروس وليس بوسعهم تناول الجرعة المنشطة قبل خمسة أشهر من التعافي. وهناك عشرات الملايين من هؤلاء الأشخاص في أوروبا، تجاوزوا الأشهر التسعة من تاريخ تناول الجرعة الثانية وانتهت صلاحية جوازهم، لكنهم لا يستطيعون تناول الجرعة المنشطة لتجديده. في موازاة ذلك، صرّحت أمس نغوزي أوكونجو مديرة منظمة التجارة العالمية بأنها تعقد الأمل في التوصل إلى حل بشأن براءات اختراع اللقاحات ضد «كوفيد - 19» في غضون شهر من الآن، وقالت إن ثمّة ما يدعو إلى التفاؤل في إبرام اتفاق أولي يشكّل نقطة انطلاق مرضية بالنسبة للدول التي تؤيد تحرير البراءات وتلك التي تعترض على هذه الخطوة.
وقالت أوكونجو إن «موضوع اللقاحات معقّد جداً ونسعى إلى التقدم في معالجته»، بعد لقائها في باريس مع وزير التجارة الخارجية الفرنسي فرنسيس فرانك ريستير، حيث أشارت إلى أن هناك أكثر من مائة دولة تؤيد تحرير البراءات لتيسير إنتاجها وتوزيعها، وتعد ذلك شرطاً أساسياً لتحقيق المناعة الكافية في وجه الجائحة. ومن روما، دعا البابا فرنسيس أمس (الجمعة)، إلى مكافحة الأنباء المزيّفة حول اللقاحات، واقترح تشكيل تحالف دولي للبحوث العلمية من أجل تطوير علاجات ولقاحات ضد الأمراض الناشئة، ومساعدة البلدان النامية والفقيرة في تعزيز قدراتها ومنظوماتها الصحية.


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.