ستيفانو بيولي: كرة القدم تعني المتعة والشغف قبل البحث عن الانتصارات

المدير الفني لميلان يتحدث عن كيفية مساعدة اللاعبين الشباب على تقديم أفضل ما لديهم داخل الملعب

بيولي في مباراة يوفنتوس الأخيرة الأحد الماضي (أ.ف.ب)
بيولي في مباراة يوفنتوس الأخيرة الأحد الماضي (أ.ف.ب)
TT

ستيفانو بيولي: كرة القدم تعني المتعة والشغف قبل البحث عن الانتصارات

بيولي في مباراة يوفنتوس الأخيرة الأحد الماضي (أ.ف.ب)
بيولي في مباراة يوفنتوس الأخيرة الأحد الماضي (أ.ف.ب)

قاد المدير الفني الإيطالي ستيفانو بيولي نادي ميلان للعودة إلى المسار الصحيح مرة أخرى، وقاد النادي الذي اعتاد أن يُعرف نفسه بالبطولات القارية إلى التأهل لدوري أبطال أوروبا للمرة الأولى منذ ثماني سنوات، لكن حتى ذلك لم ينقذه من انتقادات والدته. وإذا أنهى ميلان هذا الموسم من دون الحصول على بطولة، فستنتظر والدته لتذكره، مرة أخرى، بأنه لم يفُز بأي ألقاب كبيرة خلال عقدين من العمل في مجال التدريب على مستوى الأندية.
يقول بيولي مبتسماً: «نعم، بالتأكيد سوف تفعل ذلك. ومن الصواب أنها تفعل ذلك. في كل عائلة هناك شخص صلب وشخص لين. كان والدي هو الشخص اللين، أما أمي فهي صارمة وصعبة للغاية. هذا هو ما ينبغي أن يكون، وهذه هي الطريقة التي تحصل بها على أقصى استفادة ممكنة من أي شخص». في الواقع، تبدو مناقشة أساليب تربية الأبناء كأنها خطوة ضرورية نحو فهم الطريقة التي صعد بها بيولي في عالم كرة القدم. لقد وصفه كثير من اللاعبين بأنه مثل الأب بالنسبة لهم - بدءاً من لاعب خط وسط ميلان ساندرو تونالي إلى مهاجم فيورنتينا دوسان فلاهوفيتش - لدرجة أن الأمر يجعلك تعتقد أنه يجب أن يؤلف كتباً عن كيفية تربية الأطفال الصغار.
يقول بيولي: «أحاول أن أنظر إلى ما وراء الأشياء الظاهرية للوصول إلى أعماق الشخص. وحتى لو كان هؤلاء لاعبين صغاراً نرى أنهم محظوظون، فهم لا يزالون فتياناً صغاراً لديهم حياتهم الخاصة، ومحفزاتهم العاطفية، وعلاقاتهم الشخصية، فضلاً عن الصعوبات التي تواجههم بالحياة». ويرى بيولي أنه يشبه والدته وأنه «قاسٍ، لدرجة أنني لم أعد أرى القدرة على الاستمرار في التحسن باستمرار». ويقول: «أنا لا أتسامح مع المستوى المتوسط. ولا أتسامح مع فشلنا في بذل مزيد من الجهد من أجل التحسن». ويضيف: «إذا رأيت لاعبين يطالبون أنفسهم ببذل مزيد من الجهد، ويعملون باستمرار على تحسين سلوكهم وعملهم الخاص، فإنني أقدم لهم الدعم بشكل إيجابي. وعندما لا أرى هذا المستوى من العمل الجاد، فيتعين علي أن أطالبهم بالمزيد».
لقد كان بيولي هو الرجل المناسب في اللحظة المناسبة لميلان، وكان له حضور قوي في الوقت الذي التزم فيه النادي بتجديد دماء الفريق. وكان النادي قد مر بسلسلة من التحولات الصعبة قبل تعيين بيولي على رأس القيادة الفنية في أكتوبر (تشرين الأول) 2019؛ حيث باع سيلفيو برلسكوني النادي إلى لي يونغ هونغ الغامض، الذي ترك ملكية النادي بعد عامين إلى صندوق التحوط «إليوت مانجمنت» بعد فشله في سداد قرض.
وكانت هناك فوضى في عملية الإنفاق على التعاقدات الجديدة، حيث أنفق النادي ما يقرب من 100 مليون يورو في صيف عام 2018 على لاعبين لم يقدموا المستويات المتوقعة منهم. وخلال السنوات الثلاث الماضية فقط، كان بإمكاننا أن نلاحظ التزام النادي بسياسة أكثر تماسكاً فيما يتعلق بالتعاقد مع لاعبين شباب وتطويرهم، جنباً إلى جنب مع بعض اللاعبين أصحاب الخبرات الكبيرة، مثل المهاجم السويدي العملاق زلاتان إبراهيموفيتش، الذي يلعب دوراً كبيراً في قيادة الفريق داخل وخارج الملعب.
لقد ورث بيولي فريقاً يضم عدداً من اللاعبين أصحاب القدرات والإمكانات الجيدة، بما في ذلك ثنائي خط الوسط فرانك كيسي وإسماعيل بن ناصر، وتيو هيرنانديز في مركز الظهير الأيسر، وجيانلويجي دوناروما في حراسة المرمى. لكن لم يكن أي من هؤلاء اللاعبين يبدو واعداً إلى هذا الحد، تحت قيادة سلفه، ماركو غيامباولو. وربما كان أول انتصار لبيولي يتمثل في تذكيره للاعبيه الشباب بضررة الاستمتاع باللعب والابتعاد عن الضغوط.
يضحك بيولي عندما سُئل عن الابتسامة التي رُسمت على شفاه المهاجم البرتغالي رافائيل لياو، البالغ من العمر 22 عاماً، وهو يركض نحو مدافعي الفرق المنافسة. يقول المدير الفني الإيطالي: «في البداية، كان ذلك الأمر يقلقني بعض الشيء، لكنني أدركت في وقت لاحق أن هذا كان شيئاً يحدث تلقائياً أثناء اللعب، فهذه ببساطة مجرد تعبيرات على وجهه. إنه شيء جميل، ومن الرائع أن تكون على طبيعتك دائماً». ويضيف: «المتعة أمر أساسي، فهذا هو الشيء الذي نبحث عنه. نحاول أن نكون جادين قدر الإمكان وملتزمين ومحترفين، لكن كرة القدم تعني المتعة والشغف. عندما تتولى تدريب لاعبين صغار جداً، فأنت بحاجة إلى أن تساعدهم في اللعب بحماس ونشاط داخل الملعب».
وكان من المفترض أن يكون بيولي مديراً فنياً مؤقتاً، على أن يتولى المدير الفني الألماني رالف رانغنيك قيادة الفريق بدلاً منه في صيف 2020، لكن مجلس إدارة النادي غير رأيه وقرر استمرار بيولي في قيادة الفريق بشكل دائم بعد المستويات الرائعة التي قدمها. وعلاوة على ذلك، دعم ميلان بيولي بمزيد من التعاقدات الجديدة. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، وصل المدافع الإنجليزي، فيكايو توموري، من تشيلسي - على سبيل الإعارة في البداية لمدة ستة أشهر.
يقول بيولي: «لقد شاهدت مقاطع فيديو له وشاهدت قدراته وإمكاناته الرائعة. لكن الحقيقة أن فيكايو كان بمثابة مفاجأة إيجابية من كل النواحي. فعلى مستوى كرة القدم، فهو مدافع قوي يمتلك كل المقومات التي يحتاجها الفريق؛ الشراسة والسرعة والقدرة على قراءة المباريات، كما أنه شاب جاد للغاية وهادئ للغاية».
ويضيف: «كنا نتحدث من قبل عن كيفية تحفيز اللاعبين. لقد كان ذلك الأمر سهلاً للغاية مع فيكايو لأن لديه رغبة دائمة في التحسن والتطور، ويتمتع دائماً بالحماس والإيجابية والتركيز الشديد. العلاقة بيني وبينه بسيطة للغاية، ولم يستغرق الأمر بضع كلمات لفهم بعضنا بعضاً، من أجل العمل لمصلحة الفريق». ومن الواضح أن الإعجاب متبادل بين الطرفين، فقد تحدث توموري عن مدى تقديره لبيولي واهتمامه بأدق التفاصيل فيما يتعلق بمهام مركزه داخل الملعب. ويشدد المدير الفني الإيطالي على أنه يرى أن دوره يتمثل في تدريب اللاعبين بشكل فردي، مع إعطاء مساعديه بعض المهام فيما يتعلق بالنواحي التكتيكية والخططية الأوسع.
ويعتقد بيولي أن طموحات تيموري لا حدود لها، ويقول: «لقد تطور أداؤه بشكل مذهل خلال هذين العامين، لكن لا يزال بإمكانه أن يتطور أكثر. ونظراً لأنه أسرع كثيراً عن المدافعين العاديين، فإنه أحياناً يخاطر كثيراً في محاولة لتوقع هجمات المنافسين في وقت مبكر جداً. يمكنه الانتظار لفترة أطول قليلاً، وبدلاً من التصرف بناءً على توقع لعبة معينة، يتعين عليه أن ينتظر حدوث هذه اللعبة بالفعل. لكنه لاعب ذكي للغاية، وهو ما سيساعده على التحسن في هذا الأمر أيضاً».
وبعد احتلال ميلان المركز الثاني في جدول ترتيب الدوري الإيطالي الممتاز الموسم الماضي خلف البطل إنتر ميلان، يجد ميلان نفسه في الموقف ذاته تقريباً هذا الموسم، حيث اكتفى بالتعادل من دون أهداف مع ضيفه يوفنتوس الأحد الماضي، ليتراجع للمركز الثالث في ترتيب دوري الدرجة الأولى الإيطالي لكرة القدم، متأخراً بأربع نقاط عن إنتر ميلان المتصدر وخلف نابولي بفارق الأهداف. وكان ميلان خسر أمام سبيزيا في المرحلة السابقة. وحُرم ميلان من تسجيل هدف الفوز في وقت قاتل من المباراة عندما أطلق حكم اللقاء صافرته محتسباً خطأ لأنتي ريبيتش، بدلاً من إعطاء الفرصة والسماح باستمرار اللعب (سجل سبيزيا هدفاً قاتلاً في الوقت المحتسب بدلاً من الضائع).
وحتى في حالة الهزيمة، شجع بيولي لاعبيه وتحمل مسؤولية الخسارة، بدلاً من إلقاء المسؤولية على حكم اللقاء. يقول بيولي: «كان سلوك لاعبي فريقي رائعاً. لقد أظهروا احترام القيم الرياضية وأظهروا الاحترام تجاه الشخص الذي أخطأ. في الرياضة، كلنا نرتكب الأخطاء. هذا لا ينبغي أن يجعلنا نشعر بأننا متفوقون، أو أقل استحقاقاً من أي شخص آخر».
وسيلعب ميلان في الجولة المقبلة أمام إنتر في مباراة الديربي، التي يصفها بيولي بأنها «ليست لحظة حاسمة، بل لحظة مهمة». ويتمثل هدف بيولي في أن يحصد ميلان عدداً من النقاط هذا الموسم أكثر من الـ79 نقطة التي جمعها الموسم الماضي. وكان بيولي يمني النفس بأن يقدم أداء أفضل في دوري أبطال أوروبا، لكن فريقه تذيل مجموعته خلف ليفربول وأتلتيكو مدريد وبورتو، لكنه ما زال ينظر إلى النصف الممتلئ من الكوب - ملقياً الضوء على الأداء القوي ضد أتليتكو مدريد بطل الدوري الإسباني، رغم أن كثيراً من لاعبي ميلان الشباب يلعبون في دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى. يقول بيولي: «يتطور أداء اللاعبين الشباب في فريقي بشكل جيد. لكن سرعان ما سيحين الوقت للتوقف عن وصفهم بأنهم صغار في السن، وسيتم وصفهم بأنهم لاعبو كرة قدم فقط، وبالتالي يتعين عليهم أن يكونوا مستعدين للمنافسة على مستويات معينة».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.