«يوليسيس» و«الأرض اليباب»... 100 عام على انقسام العالم الأدبي إلى «ما قبل» و«ما بعد»

جيمس جويس وتي إس إليوت نشرا عمليهما «الصاعقين» في وقت متقارب

جيمس جويس
جيمس جويس
TT

«يوليسيس» و«الأرض اليباب»... 100 عام على انقسام العالم الأدبي إلى «ما قبل» و«ما بعد»

جيمس جويس
جيمس جويس

قبل مائة سنة، في فبراير (شباط) من عام 1922، غامرت مكتبة «شكسبير آند كومباني» في العاصمة الفرنسية، بطبع رواية «يوليسيس» لجيمس جويس، كاملة، للمرة الأولى، بعدما رفضها كل الناشرين في بريطانيا وآيرلندا. وكان الفضل في ذلك لصاحبة المكتبة سيلفيا بيتش (1882- 1962)، هذه المرأة الطليعية الشجاعة التي هاجرت من أميركا إلى باريس، وأسست المكتبة عام 1919، وكان من أصدقائها مجموعة من أشهر كُتاب وكاتبات القرن العشرين: أرنست هيمنغواي، وأزرا باوند، وتي إس إليوت، وغيرترود ستاين، ومينا لوي. ومن الكتاب الفرنسيين: أندريه جيد، وبول فاليري.
عبر هذه المكتبة التي ظلت مفتوحة حتى 1941 حين أغلقها المحتلون النازيون، استطاعت بيتش أن تربط أميركا وبريطانيا وآيرلندا معاً، حسب تعبير الكاتب الفرنسي أندريه تشامسون. والمفارقة أن النازيين أغلقوها بسبب جيمس جويس نفسه. ففي ديسمبر (كانون الأول) من ذلك العام، دخل المكتبة أحد الضباط النازيين، طالباً شراء نسخة من رواية «يقظة فينيغان» لجويس، الأكثر تعقيداً من «يوليسيس»، واستغرقت كتابتها 17 عاماً. ولكن بيتش رفضت أن تبيعه النسخة الأخيرة التي تملكها، فهددها بأن يغلق المكتبة كلها في اليوم التالي.
نقلت بيتش كتبها في اليوم نفسه إلى شقة في الطابق العلوي، وأقفلت المكتبة. وكان عقابها 6 أشهر في معتقل نازي في باريس! كما تنقل لنا في مذكراتها المعنونة باسم المكتبة «شكسبير آند كومباني» التي نشرتها عام 1959.
والآن، تعود المكتبة لتحتفل بـمرور مائة عام على إصدارها «يوليسيس»، إصدارها الأول والوحيد في تلك الفترة الذي غير المشهد الروائي العالمي للأبد، هو و«الأرض اليباب» التي غيَّرت المشهد الشعري العالمي بالقوة نفسها، والتي صدرت بعد «يوليسيس» بثمانية أشهر، في أكتوبر (تشرين الأول) 1922.
احتفال مكتبة «شكسبير آند كومباني» مختلف هذه المرة. فهناك 80 كاتباً وفناناً وممثلاً وموسيقياً، سيتناوبون على تسجيل «يوليسيس» كلها، ومنهم الروائية الكندية مارغريت آتوود، والممثل الكوميدي البريطاني أدي إيزارد، والروائي البريطاني ويل سيلف، والروائي والشاعر النيجيري بين أوكري. وتبدأ هذه الفعالية الكبيرة يوم 2 فبراير، وهو اليوم الذي انطلق فيه ليوبولد بلوم يجوب شوارع دبلن، والذي عُرف بشكل واسع في الأوساط الثقافية والأدبية بـ«يوم بلوم». وهدف إحياء مئوية «يوليسيس» هو «تسليط الضوء على الرواية لإيقاظ الرغبة لدى الجمهور لقراءتها».
ولكن من يستطيع من «الجمهور» أن يقرأ «يوليسيس» إذا كان معظم المثقفين الإنجليز والآيرلنديين أنفسهم عاجزين عن ذلك؟
قبل سنوات، أجرت صحيفة «الغارديان» البريطانية استفتاء موسعاً بين الكتاب، حول قراءة «يوليسيس»، والنتيجة كانت أن 300 كاتب فقط قرأوا الرواية، وبعضهم «يشعر بالذنب»؛ لأنه لم يقرأها، أو لم يستطع إكمال قراءتها. هل السبب «سوء القراءة»، كما يعتقد ريتشارد أولمان الذي قدم للرواية في طبعة دار «بنغوين» البريطانية عام 1986؟ وقال: «إن ثيمة جويس في (يوليسيس) سهلة. وهو يستدعي أكثر الأساليب سعة لتقديمها. إنه -مثل كل الكتاب العظماء- يشعر بأن الأساليب المستخدمة في الأدب السابق لم تعد كافية. إن الشخصية الساردة في الروايات السابقة التي تدور بالقارئ حول الحدث قد اختفت، وحلت محلها في (يوليسيس) سلسلة من الساردين، وهم عادة غير محايدين، ويظهرون ويختفون، من دون أن نحدد هوياتهم، كما أن السرد فيها غير مشخص أحياناً؛ بل تدور العين –الكاميرا- بشكل عشوائي في أنحاء دبلن، مركزة على مواضع تبدو لا رابط بينها».
هل تنبع من هنا صعوبة قراءة «يوليسيس»؟ ربما، هذه المواضع التي لا رابط بينها كما يبدو، حين لا نقرأ العمل كله، أو فلنقل حالة التشظي، هي أيضاً من أبرز ما يميز «الأرض اليباب» لإليوت، وأدب الحداثة عموماً، وهي نتاج واقع خلفته الحرب العالمية الأولى المدمرة، والتي هي بدورها نتاج عالم بدا يتداعى منذ نهاية القرن الـ19، إذا استعرنا تعبير دبليو بي ييتس، في قصيدته «العودة الثانية» التي يتحدث فيها عن «قوة اضطراب جديدة تجتاح العالم» فـ«تتداعى الأشياء»، إنه عالم بدأت تسوده الفوضى، ويجتاحه «مد مغموس بالدم»، راسماً بذلك أجواء جهنمية لما يمكن أن يقود إلى خراب العالم.
ولم تُترجم هذه الرواية الصعبة إلى العربية إلا بعد 60 سنة من صدورها، وأنجزها المترجم المصري الدكتور طه محمود طه. وأكثر من ذلك، قدَّم لقراء العربية عملاً ضخماً عن أعمال الروائي وسيرته، سماه «موسوعة جيمس جويس»، وقد قضى 20 عاماً في تأليفه. والترجمة الثانية كانت للدكتور صلاح نيازي، وصدرت عن دار «المدى».
عاصفة «الأرض اليباب»
«الأرض اليباب» هي أيضاً عبارة عن قطع متناثرة، يبدو أن لا علاقة ظاهرية بينها، ولا نمواً عضوياً ينتظمها؛ لكن يوحدها، في النهاية، الموضوع العام عن الخراب والجدب، روحياً ومادياً، وانهيار القيم في أوروبا ما قبل وبعد الحرب الكونية، حسب رؤية إليوت التي يختلط فيها الديني بالميتافيزيقي، والفلسفي بالأخلاقي، والذي توحي به القصيدة عبر استخدام ما سمَّاه إليوت نفسه «المعادل الموضوعي»، ويعني به أنه لا ينبغي على الشاعر الحديث -بعكس الشاعر الكلاسيكي والرومانتيكي- التعبير عن عواطفه بشكل مباشر؛ بل عبر إيجاد مجموعة من الأشياء، ووضع سلسلة من الأحداث التي ينبغي أن تكوِّن الصيغة الفنية لهذه العواطف. ولذلك لا بد من فهم القصيدة كلها فهماً دقيقاً؛ خصوصاً أنها تستند في بنيتها إلى مصادر أنثروبولوجية وفلسفية وثقافية وشعرية من التراث الإنساني كله، في كل سطر منها تقريباً، وتتناص مع الأساطير القديمة، اليونانية والرومانية والشرقية، مع إدخالها في النص مفردات من لغات أخرى، كالإغريقية واللاتينية والإيطالية والألمانية والفرنسية، وتحضر فيها التوراة والإنجيل والأسطورة الآرثرية والكأس المقدسة وبوذا وأوفيد ودانتي وشكسبير وجيرار دو نيرفال وبودلير، وسواهم. لكنها -مع ذلك، وعلى العكس من «يوليسيس»- حظيت بمقروئية واسعة، في أماكن كثيرة من العالم، وكذلك بترجمات ودراسات لا تزال مستمرة.
وكان كتاب «قصائد تي إس إليوت» لكريستوفر ريكس وجيم ماكيو -وهو سفر ضخم صدر بمجلدين عام 2015 في أكثر من 2000 صفحة- قد نفد من الأسواق خلال أقل من شهر، مما يدل على أن قارئ القرن الحادي والعشرين، ابن التحولات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية الهائلة، لا يزال يجد نفسه في هذه القصيدة، رغم مرور ما يقرب من قرن على صدورها، ومئات الدراسات التي صدرت خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة.
ومن الملاحظ، حسب بيانات دور النشر البريطانية، أن الإقبال على قراءة «الأرض اليباب» قد ازداد بعد الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلى جانب رواية «1984» لجورج آرويل، وكأن الظروف التي يمر بها البلد الآن هي تقريباً الظروف نفسها التي مر بها في بداية القرن العشرين، وقت نشر القصيدة عام 1922: القلق، وعدم الشعور باليقين تجاه أي شيء، والمستقبل الغامض، وأخيراً صعود التيار الشعبوي الذي لا يمكن أن ينتج سوى العنصرية والفاشية، كما تعلمنا تجربة الحرب العالمية الثانية.
ترجمة هذه القصيدة للعربية قد تأخرت أيضاً، فقد ترجمها الشاعر توفيق صايغ عام 1953، أي بعد أكثر من 30 سنة من صدروها؛ لكنها بقيت مخطوطة إلى أن أصدرتها دار «الجمل» قبل سنتين. وأول ترجمة منشورة كانت ترجمة مشتركة لأدونيس ويوسف الخال نشرت في مجلة «شعر» عام 1958، وتلتها ترجمة لويس عوض، 1968، وترجمة يوسف سامي اليوسف، 1975، وترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، 1980، ثم ترجمة الدكتور ماهر شفيق فريد، 2013. وأخيراً ترجمة كاتب هذه السطور عام 2021 التي قدَّم معها دراسة مقارنة للترجمات الست السابقة، بالإضافة إلى ترجمات كثيرة متفرقة.



كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

سالي روني
سالي روني
TT

كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

سالي روني
سالي روني

تعدّ الروائية الآيرلندية سالي روني، البالغة 35 عاماً، من أبرز ظواهر النشر الأدبي في العقد الأخير. بدأت بـ«محادثات مع أصدقاء» عام 2017، ثم حققت انتشاراً واسعاً مع «أناس عاديون» عام 2018، وأتبعتها بـ«عالم جميل... أين أنت؟» عام 2021، و«إنترميتسو» عام 2024.

وقد اعتذرت أخيراً الدار الناشرة كتبها؛ «فيبر آند فيبر»، من عدم توزيع كتبها بعدما قالت «فيبر» إن التشريعات البريطانية تمنعها من تحويل عائدات المبيعات إلى المؤلفة، إثر تحذير من السلطات البريطانية.

وتحت عنوان «سالي روني كاتبة وليست إرهابية»، اجتمعت أسماء بارزة في فضاءات الأدب والسينما والفكر على رسالة مفتوحة نشرتها مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية دفاعاً عن الروائية الآيرلندية المجليّة بعدما توقفت دار النشر «فيبر آند فيبر» عن بيع كتبها في السوق البريطانية - ورقياً وإلكترونياً - إثر تحذير من السلطات؛ وذلك على خلفية إعلانها التبرع بجزء من عوائد كتبها لدعم حركة «بالستاين (فلسطين) أكشن»، لتتحوّل قضية صاحبة «أناس عاديون» مواجهةً سياسيةً ثقافيةً بشأن امتداد آثار تشريعات مكافحة الإرهاب إلى النشر، وحدود قدرة الكاتب على إعلان مواقفه السياسية من دون خسارة الوصول إلى قرائه.

الرسالة التي نشرتها المجلّة الأسبوع الماضي جاءت قصيرة وحاسمة، ويطالب موقّعوها بإتاحة كتب روني للجمهور، عادّين أن سحبها من البيع هو نتيجة تشريعات «سيئة التدبّر» وشديدة القسوة، ويمثل اعتداءً على المبادئ الأساسية لحرية الكلام والتعبير التي لطالما عُدّت حقوقاً مستقرة ومحترمة في بريطانيا. وأعلن الموقعون رفض الرقابة؛ المباشرة وغير المباشرة، داعين الحكومة إلى تغيير مسارها وتعديل التشريعات التي أوصلت البلاد، على حد تعبيرهم، إلى هذه الحالة من «العبث القمعي».

وتكشف قائمة التوقيعات عن اتساع الاعتراض خارج الدائرة المعتادة للتضامن الأدبي المحليّ. فمن بين الأسماء آني إرنو، وجي. إم. كوتزي، وزادي سميث، وأرونداتي روي، وجوليان بارنز، وجورج سوندرز، وبرناردين إيفاريستو، إلى جانب آن كارسون، وكولم تويبين، وآن إنرايت. وتضم القائمة أيضاً أسماء عربية، بينها أهداف سويف وهشام مطر وعمر العقاد، ومفكرين وكتّاباً مثل نعومي كلاين وسلافوي جيجيك وطارق علي وآدم توز. ويمنح هذا التنوع الرسالة ثقلاً يتجاوز الدفاع عن زميلة كاتبة، إلى مساءلة البيئة التي يعمل فيها الكتّاب والمفكرون في بريطانيا المعاصرة.

ومن الشاشة، انضم بول ميسكال وديزي إدغار جونز، بطلا المسلسل المقتبس من «أناس عاديون»، ومخرجه ليني أبراهامسون، فضلاً عن تيلدا سوينتون، وسوزان ساراندون، وجيسي باكلي، والمخرج جوناثان غليزر. وتحمل مشاركة بطلي المسلسل دلالة خاصة، فالعمل الذي أسهم في إطلاق نجوميتهما جاء من رواية أصبح تجديد مخزونها في المكتبات البريطانية موضع إشكال قانوني.

مع ذلك، يحتاج وصف ما جرى بأنه «منع للكتب» إلى تدقيق. فلم يصدر قرار رسمي صريح يحظر روايات روني بسبب محتواها، ويبدو أنّه سمح للمكتبات بمواصلة بيع النسخ الموجودة لديها مسبقاً. الذي حدث هو توقف الناشر عن توريد نسخ جديدة، باتفاق مع روني نفسها، بعدما قالت «فيبر» إن التشريعات البريطانية تمنعها من تحويل عائدات المبيعات إلى المؤلفة. وهكذا يمكن أن تصبح رواياتها أقل توفراً أمام القراء، ثم تختفي تدريجياً من السوق، عبر القيود المالية والقانونية، حتى من دون صدور أمر مباشر بمصادرتها.

وقالت دار النشر المرموقة إن بيع أعمال كاتب مع العجز عن دفع مستحقاته وضع يتعذر عليها قبوله، ولذلك قررت، بموافقة الكاتبة الكاملة، وقف تزويد السوق البريطانية بأعمالها بأي صيغة، مؤكدة على استمرار اعتزازها بنشر رواياتها وإتاحتها خارج المملكة المتحدة. أما روني فأعلنت استعدادها لتحمّل تبعات معتقداتها ونياتها التي حرصت دائماً، وفق بيانها، على البوح بها للجمهور.

وتعود خلفية الحدث إلى تعهّد الروائية باستخدام عائدات كتبها واقتباساتها التلفزيونية لدعم حركة «بالستاين (فلسطين) أكشن»، التي أدرجتها الحكومة البريطانية ضمن المنظمات الإرهابية في يوليو (تموز) العام الماضي. ودخل الحظر حيز التنفيذ في 5 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بموجب «قانون مكافحة الإرهاب لعام 2000»، فأصبح الانتماء إلى الحركة والدعوة إلى دعمها من الأفعال المجرّمة. وقد تصل عقوبة بعض جرائم دعم التنظيمات المحظورة وفق القانون المذكور إلى السجن 14 عاماً.

وبررت الحكومة قرارها وصم «بالستاين (فلسطين) أكشن» بالإرهاب بما قالت إنّها سلسلة من عمليات تخريب وإتلاف ممتلكات استهدفت منشآت وشركات مرتبطة بالصناعات الدفاعية ذات صلة بالكيان العبري؛ وذلك احتجاجاً على الإبادة في غزّة والأراضي الفلسطينية المحتلة، وبما عدّته السلطات تهديداً للأمن القومي. وجاء الإعلان عن نية الحظر بعد اقتحام ناشطين قاعدة «بريز نورتون» الجوية في يونيو (حزيران) 2025. وشددت وزارة الداخلية وقتها على أن القرار يخص الحركة تحديداً، وأنه لا يستهدف الاحتجاج القانوني أو المنظمات الأخرى المناصرة لفلسطين. في المقابل، يرى أصحاب الرسالة المفتوحة أن قضية روني تكشف عن توسع أثر التشريع ضد الإرهاب إلى مجالات التعبير الثقافي.

مواقف روني المناصرة للفلسطينيين سابقة للأزمة الحالية... فقد رفضت منح حقوق ترجمة «عالم جميل... أين أنت؟» إلى دار نشر إسرائيلية

وروني، البالغة 35 عاماً، من أبرز ظواهر النشر الأدبي في العقد الأخير. بدأت بـ«محادثات مع أصدقاء» عام 2017، ثم حققت انتشاراً واسعاً مع «أناس عاديون» عام 2018، وأتبعتها بـ«عالم جميل... أين أنت؟» عام 2021، و«إنترميتسو» عام 2024. وتستكشف رواياتها العلاقات الحميمة والصداقة والتفاوت الطبقي، وكيف يتسلل المال والتعليم والموقع الاجتماعي إلى الخيارات الشخصية. وقد وسّع انتقال أعمالها إلى التلفزيون جمهورها، وجعل اسمها حاضراً خارج أوساط قراء الرواية.

وفي «أناس عاديون»، تتبع علاقة ماريان وكونيل من المدرسة إلى الجامعة، حيث تتبدّل موازين الثقة والانتماء بينهما مع تبدّل الوسط الاجتماعي. أما «إنترميتسو» فتتناول علاقة أخوين بعد وفاة والدهما، وما يحيط بالفقد والحب من ارتباك. وبين العملين يتضح اهتمامها بأثر الظروف المادية في الحياة العاطفية، وبالمسافة بين ما يعرفه الأشخاص عن أنفسهم وما يستطيعون قوله لمن يحبون.

مواقف روني المناصرة للفلسطينيين سابقة للأزمة الحالية، فقد رفضت منح حقوق ترجمة «عالم جميل... أين أنت؟» إلى دار نشر إسرائيلية لا تستجيب لمعايير حركة المقاطعة، على أن موقفها الأخير دعماً لـ«بالستاين (فلسطين) آكشن» يكتسب حساسية مختلفة؛ لأنه يتصل بعائدات عملها، وبقدرة المؤسسات البريطانية على نشر وبيع أعمالها.

ويواجه الناشرون هنا معضلة تتجاوز مكانة روني الأدبية، إذ كيف يستمر نشر مؤلف باع ملايين النسخ من أعماله عندما تصبح مستحقاته مصدر مخاطرة قانونية؟ كما تواجه المكتبات وضعاً يتناقص فيه المخزون المتاح من دون إمكانية تعويضه عبر الناشر من فرعه البريطاني. وبين الطرفين يقف القارئ الذي يتأثر بقرار يتعلق بمواقف الكاتبة خارج صفحات رواياتها.

وتنقل الرسالة المفتوحة الجدل من مقدار الاتفاق مع روني إلى طبيعة السابقة التي تنشأ عن قضيتها. فموقّعوها يطالبون بحماية تداول الأدب من آثار التجريم السياسي، ويرفضون أن تصبح إمكانية شراء الأعمال الأدبية معلّقة بمواقف مؤلفها السياسية.


«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً
TT

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية؛ فالبطل الذي يقيّد تاريخه الشخصي مع المرض النفسي علاقته بالعالم، لا يكف عن التطلع إلى حياة تتجاوز هذه القيود، ليجد نفسه أسير عالم يتسع في خياله وخبراته المعرفية، ويضيق في تجربته الفعلية، ليتشكل الأمل لديه بوصفه عزاءً ومصدراً إضافياً للمعاناة في آن واحد.

في الرواية، الصادرة عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، تتوزع حياة «ميشيل» بين تاريخ عائلي مثقل بالاضطرابات وجروح الطفولة، وعلاقات عاطفية تتأرجح بين الخلاص وإعادة إنتاج الألم، وعبر فصول قصيرة تحمل عناوين مجردة، من قبيل «علاقة»، و«قِط»، و«أنثى»، و«قصيدة»، و«تاريخ»، و«ذات»، يتخذ الكاتب من تفاصيل الحياة اليومية متكآت سردية، تبدو أقرب إلى مفاصل جسد يتفحصه البطل بما يحمله من ندوب متفرقة.

يُستدعى الماضي بوصفه قوة تواصل تشكيل وعي ميشيل واختياراته، ففي علاقته بأبيه، الحاضر جسدياً والغائب عاطفياً، تتجلى مفارقة السلطة والحرمان؛ إذ يفرض الأب رغباته على ابنه، ويطالبه في الوقت نفسه بالمودة والقرب، حتى تتحول سلطته إلى شعور داخلي بالذنب، يجعل ميشيل يحمّل نفسه مسؤولية المسافة بينهما.

ويمتد هذا الجرح إلى تاريخ عائلي أقدم، تتصدره حكاية الجدة التي عانت اضطراباً نفسياً حاداً، ومن خلالها يتجاوز المرض حدود التجربة الفردية ليصبح جزءاً عضوياً من الذاكرة العائلية، ومن أنماط الخوف وانعدام الثقة التي تتردد بين الأجيال.

تردد أصداء هذا النمط في علاقته بحبيبته «هند»، حيث يجد كل منهما في الآخر فرصة لمداواة جراح قديمة، وتتيح العلاقة لميشيل تجاوز بعض الحدود التي فرضها عليه «الرهاب»، غير أن الحب لا ينفصل عن خوفه من الهجر والرفض، ولا عن ميله إلى إضفاء طابع رومانسي على المعاناة، حتى «يتحوّل الفشل إلى ذريعة لإذكاء التراجيديا الرومانسية داخله»، وهنا يحضر مفهوم «إجبار التكرار» الفرويدي على لسان السارِد في علاقة يبدو فيها الحب الجديد إعادة تمثيل لجرح قديم، ومحاولة متجددة لتغيير مصيره.

ومن اللافت أن أفكار ميشيل تعود في سياقات مختلفة عبر الرواية، فتتحول العبارة التي بدت يقيناً إلى سؤال، فمقولته «الحياة اختيارات» تعود لاحقاً في صيغة متشككة: «هل قال إن الحياة اختيارات؟»، في مراجعة لمعنى حرية الاختيار أمام تاريخ من القيود النفسية والاجتماعية التي لم يخترها.

تكوين معرفي

يتصل بذلك وعيه بالعمر والزمن، إذ افترض مبكراً أنه سيموت في العشرين، قبل أن يجد نفسه في الثلاثينيات أمام حياة لم يتوقع استمرارها، وهنا يصبح البقاء نفسه مدعاة للأمل، وربما في تصوره أنه «سيكبر خارج حياته السابقة»، تتجلى رغبته في أن يمنحه الزمن خلاصاً من الماضي، قبل أن يكتشف أن التقدم في العمر لا يعني التحرر من قبضته.

يصبح المرض في الرواية أكثر من ثيمة متكررة، إذ يتدخل في تشكيل علاقة البطل بالمكان والآخرين والمستقبل؛ فرهاب (الأغورافوبيا) يحد من حركته بين الغرباء، ويغلق أمامه احتمالات مهنية وعاطفية، وحتى علاقته بهند يعيد قراءتها بوصفها «علاقة بدأت بمرض ووُسمت بمرض وانتهت بمرض»، فيتحول المرض إلى أداة لتفسير التجربة وإعادة ترتيب حكايتها.

ويواكب هذا التكوين راوٍ عليم، شديد القرب من وعي ميشيل بوصفه كاتباً ومثقفاً، فتتخلل السرد إحالات إلى رولان بارت ودوستويفسكي وفالتر بنيامين وفرويد، وتتداخل هذه المرجعيات مع معرفة تراكمية بالمرض النفسي، تشكلت عبر التاريخ العائلي وتجارب ميشيل الشخصية.

يظهر هذا الوعي في كثافة المفاهيم والتصنيفات النفسية التي يستدعيها السرد، من اضطراب الشخصية الحدّية، وثنائي القطب، إلى المازوخية، والرهاب، وإجبار التكرار. وهي مفاهيم تتداخل مع الطريقة التي يفسر بها ميشيل سلوك الآخرين وعلاقاته بهم، حتى يبدو أحياناً كأنه لا يستطيع خوض التجربة دون أن يمنحها اسماً أو تفسيراً نفسياً. وفي إحدى لحظات المفارقة، حين ينصحه طبيب باطنة بالذهاب إلى طبيب نفسي، يستقبل النصيحة بثقة قائلاً: «فهذا مضماري الذي أنا خبير فيه»، في تعبير يكشف عن المسافة بين معرفته الواسعة بالأزمات النفسية وقدرته المحدودة على تجاوز أزمته الخاصة.

غير أن هذا الحضور المعرفي يترك أثره أيضاً في حركة السرد، الذي يميل أحياناً إلى تقديم التفسير قبل الحكاية، ففي أحد المواضع، يطرح السارِد سؤالاً عن كيفية انتهاء الحب، ثم يقدم إجابة بنبرة فلسفية تتعلق بتغير الموقع الرمزي للآخر، قبل أن ينتقل إلى واقعة من حياة ميشيل بعبارة: «لشرح هذه الإجابة، يمكن سرد قصة حدثت لميشيل...»، وهي حركة تكشف عن نزوع إلى تنظيم التجربة داخل إطار تفسيري سابق عليها، بحيث تتحول الحكاية أحياناً إلى شاهد على الفكرة، لتتشكل خصوصية هذا الصوت السردي بين محاكاة وعي شخصية البطل المثقفة، والميل إلى شرح دوافعها وتحليلها، وما يثيره من أسئلة حول المسافة بين الراوي وبطله.

الجيل والمدينةويتسع هذا التاريخ الشخصي ليشمل جراحاً اجتماعية أوسع، تتقاطع مع خبرة الانتماء إلى أقلية دينية، وما يصفه البطل بـ«الشعور القبطي بالذنب الذي يمقته»، وتأثيرات (ثورة يناير «كانون الثاني») على جيل يرى أنه «ورث تناقضات الأجيال السابقة وبلغ بها منتهاها»، ليجد أفراده أنفسهم ذوات هشة في واقع فوضوي.

تمتد أصداء هذا الحزن إلى المدينة، حتى إن السرد يرى أن «لا وعي المدينة نفسه مُحمّل بالحزن»، في انتقال من جراح الفرد إلى ذاكرة المكان، وما تختزنه من خسارات وتحولات اجتماعية وسياسية.

كما يمتد هذا التأمل إلى تحولات العلاقات الإنسانية في زمن «الافتراضية»، وما فرضه إيقاعها من روابط هشة، وإلى ثقافة «الفيديوهات القصيرة» التي يرى أنها ضاعفت الجهل والغرور بوهم المعرفة، وهكذا يتجاوز صوت ميشيل حدود التجربة الفردية إلى مساءلة واقع اجتماعي وثقافي أوسع، وإن ظلت هذه الأحكام مرتبطة بمنظوره الخاص، وما يحمله من خيبات وتناقضات.


الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»
TT

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي». ويمثل الديوان حلقة جديدة في تجربة الصائغ الشعرية التي طالما انشغلت بوجع الإنسان، وبالذاكرة المثقلة بالحروب والمنافى. وتتجاور في القصائد ثيمات الحنين والفقد، الغضب والخوف، الحب والانكسار، الثورة واللاجدوى، في مزيج يختزل التجربة العراقية والعربية خلال عقود من الاضطراب.

في الديوان، يصنع الشاعر «مرآتين» لوجه واحد، ينعكس فيهما صوته الشعري وهمومه ورؤيته للعالم، المرايا هنا ليست مجرّد استعارة، بل أداة تأمل واشتباك مع الذات والتاريخ. في المرآة الأولى، يبتعد الشاعر عن ذاته بمسافة تفرضها الجغرافيا والغربة وزمن المنفى، فينظر إلى المشهد العراقي الفاجع بعين اكتسبت خبرة الألم وهدوء التأمل بعد سنوات من التشرد، تلك المسافة تمنحه القدرة على إعادة تشكيل الصورة، وقراءة الخراب الإنساني والوطني من منظور أكثر نضجاً وعمقاً.

أما المرآة الثانية، فهي عودة إلى اللحظة الأولى للوجع؛ إلى سنوات الحرب العراقية - الإيرانية، حيث كان الألم لا يزال طازجاً والجرح لم يلتئم بعد، يلتقط الصائغ في هذه المرآة صورة للذات الشاعرة وهي في مواجهة الموت اليومي، وفي الوقت نفسه تحمل شرارة الأمل والتحدي والرغبة في غد أكثر عدلاً وحرية.

وبين المرآتين، يتحرك الشاعر بين زمنين ومنفين، ويوثق عبر نصوصه المتوترة واللامعة اللحظة الإنسانية التي يعيشها العالم العربي.

وللشاعر عدد من المجاميع الشعرية، منها: «مرايا لشعرها الطويل»، و«تحت سماء غريبة»، و«نشيد أوروك»، و«نرد النص».

من أجواء الديوان نقرأ:

«أرسم دبابة وأوجهها إلى شرفة الجنرال

أرسم غيمة وأقول: تلك بلادي

أرسم لغماً وأضعه في خزانة اللغة

أرسم عنكبوتاً وأحنطه على باب الأحزان

أرسم أبي وأقول له: لماذا تركتني وحيداً أمام اللئام؟

أرسم مائدة وأدعو إليها طفولتي

أرسم ناياً وأنسل من ثقوبه إلى القرى البعيدة

أرسم شارعاً وأتسكع فيه مع أحلامي

أرسم قلبي..

.. وأسأله: أين أنتِ؟!»