«تل الصنم».. البطولة المضادة وتشتيت القصة المحورية

الإماراتي علي أبو الريش «يتحرش» بالتابو السياسي

«تل الصنم».. البطولة المضادة وتشتيت القصة المحورية
TT

«تل الصنم».. البطولة المضادة وتشتيت القصة المحورية

«تل الصنم».. البطولة المضادة وتشتيت القصة المحورية

لا تنتمي «تل الصنم» للروائي الإماراتي علي أبو الريش إلى نمط الروايات التقليدية، لأنها لا تنطوي على قصة محددة، فلقد عمد الروائي منذ مفتتح النص وحتى نهايته إلى تشتيت البؤرة القصصية وتوزيعها بالتساوي على مدار النص الروائي، وقد نجح في ذلك من خلال وجود الشخصيات المتنامية التي انتظمت في أنساق سردية مكثفة أوصلتنا في خاتمة المطاف إلى تحرر الشخصيات الرئيسية من عقدة الخوف التي ظلت جاثمة على صدورهم لمدة زمنية طويلة.
إنّ مَنْ يدقِّق في الشخصيات الأساسية لهذه الرواية سيكتشف من دون عناء أنها ثلاث شخصيات رئيسة يرتكز عليها الهيكل المعماري للنص الروائي، وهي المعتوه والضرير والمرأة الطيبة، لكن هذا لا يلغي دور الشخصيات الثانوية التي لعبت أدوارًا خاطفة، ثم واجهت مصائرها المحتومة أو انزوت أو تلاشت لسبب من الأسباب مثل صلّوحة المجنونة التي لفظت أنفاسها في مستشفى بائس، وحميد الخِبلة الذي فارقت روحه جسده في خرابة، وحمود البيدار الذي انفجر في لحظة غضب ورفض الانصياع لأوامر سيده ومصدر رزقه صاحب النخل.
وبما أن القصة المحورية للرواية مشتتة، فلا بد من تجميع ثيماتها الرئيسية التي تتوهج على ألسنة الشخصيات الثلاث، وإن كان الضرير أكثرهم إنتاجًا للأفكار وأقدرهم على صياغة الرؤى التي تتماوج أمام بصيرته الثاقبة التي أدهشت الناس، وجعلتهم يشكّون في عماه، خصوصًا حينما فضّ النزاع بين مشترٍ كان يظن أن السمكة التي اقتناها فاسدة، وبائع السمك الذي كان يدافع عن جودة بضاعته، فما كان من الضرير إلا فتح خيشوم السمكة وجعله يرى غلاصمها الحمراء التي تثبت سلامتها من الفساد.
لم يكن «معتوه»، الاسم الذي يشير إلى صاحبه، معتوهًا، بحق لكن إسناد هذا الاسم إليه جعله أشهر من نارٍ على علَم. لم يهبط هذا الاسم من السماء، وإنما اجترحه صاحبه اجتراحًا نتيجة لسلوكه اليومي الذي لا يخلو من شقاوة؛ فهو يضرب هذا الصبي، ويشاكس ذاك، ويسرق من هذه النبقة، ويتسلق إلى أعشاش العصافير لأنه يحبها مُحطمًا أغصان الأشجار ومستثيرًا غضب نساء الحي، لكن السؤال الأكثر أهمية هو: مَنْ يحدِّد مفهوم المجنون مِن العاقل؟ ومَنْ يضع العقل في مَنْ؟ لا بد مِن وجود قوى خفية قادرة على هذا الفعل الذي يبدو خارجًا عن المألوف وخارقًا للعادة!
يتعرّف القارئ على طفولة معتوه من خلال مشاكساته التي أصبحت جزءًا من الماضي الذي ظل يلاحقه حتى الوقت الراهن الذي استوى فيه شابًا لفت أنظار المرأة الطيبة التي لكزته في باطن قدمه واستثارت حمم البركان الثاوية في أعماقه. «فلم تمضِ سوى دقائق حتى غدت الأرض تستحم ببركة ماء تتدفق من الزوايا، شهقات أشبه بنداء الولادة لعالم جديد، ثم انطفاء لكل الأرجاء، واختفاء لعيون لمعت قبل قليل».
ولم يكن معتوه هو الشخصية الإشكالية الوحيدة في هذا النص الروائي، وإنما هناك شخصية الشيخ الضرير التي تنطوي على قدرٍ كبير من الإثارة فهو «يرى ما لا يراه الآخرون. ويبصر ما لا يبصرونه»، فحينما جاء شاب يسأل عن معتوه ورفع يده لكي يصفع الضرير تفادى هذا الأخير الضربة وأمسكه من يده الأمر الذي جعل هذا الشاب يعتقد بأن الضرير ليس أعمى مثلما اشتطّ اعتقاده بأن معتوه ليس معتوهًا أيضًا!
يمكننا القول ببساطة شديدة إن الضرير هو منبع للحكمة، ومنجمٌ للأقوال المأثورة التي ستفعل فعلها في شخصية المعتوه الذي أوشك أن يوقن تمامًا بأنه مجنون، طالمًا أن الأسرة والحي والمجتمع برمته لا يرونَ فيه الإنسان العاقل، ولا يلمسونَ فيه الشخصية السوية مع أنه في نظر الضرير قد «تجاوز الجدران ليرى ما يجري خلفها».
ولكي يكسر أبو الريش إيقاع الشخصيتين الرئيستين، معتوه والضرير، كان لا بد له أن يُعرِّج على شخصيات أخر، مثل الرجل الأعرج الذي فقد ساقه بعد رحلة غوص رهيبة، فما إن بلغ سطح البحر حتى سمع الغواصين يرددون اسم حميد الصايغ الذي ظل في قاع البحر، الأمر الذي دعا الأعرج لأن يغوص ثانية لينقذ الصايغ بعمل بطولي متفرد أثار حسد زملائه وغيظهم في آنٍ معًا. لكنه ما إن أصيب بالداء الخبيث الذي أفضى إلى بتر ساقه حتى تنكّر له الجميع وعلى رأسهم النوخذة عبيد المترف الذي طعنه في الصميم حينما أخبره بأنه لم يعد يصلح للسفر، وأن الغوص بحاجة إلى أناس أكفاء قادرين على مقارعة البحر.
إذا كان الرجل الأعرج أنموذجًا للشجاعة فإن حمود البيدار هو أنموذج للشخصية التحريضية المناضلة التي تحدّت «صاحب النخل»، ورفضت أن «تخرف» النخل لأحد زبائنه. وعلى الرغم من الضرب الشديد الذي تعرّض له البيدار، فإنه ظل ملتزمًا بموقفه الرافض الذي يشجّع الآخرين على الرفض والتمرد لكي ينتزع جميع العاملين والإجراء حريتهم. وبما أن رواية «تلّ الصنم» تتمحور على عدد من المجانين أيضا، فلا بد أن نشير إلى بعضهم مثل «صلّوحة» التي كانت تقية ورعة، لكنها فقدت عقلها بقدرة قادر إلى أن لقيت حتفها في مستشفى بائس، ومع ذلك فإنها كانت تعيش مع حفيدها الوحيد الذي أغرقته بمحبتها الفائقة. أما حميد الخبلة فقد كان يتلذذ بأكل السمك النيئ والفاسد في بعض الأحيان، وقد وُجد ميتًا في خرابة مهجورة. قد يتفرد أحمد قنوة في جنونه عن بقية المجانين؛ فحينما يحنق يتحول إلى وحش كاسر، خصوصًا حينما ينادونه بكلمة «قنوة» التي يمقتها مقتًا شديدًا لأنها تستفزه وتقلّب مواجعه. تتحرش الرواية بالتابو السياسي من خلال شخصية معتوه الذي يحب الأحلام كثيرًا، ويجد فيها تعويضًا لانكساراته وهزائمه اليومية التي تتمثل بالعزلة والنأي عن المجتمع الذي نبذه بطريقة أو بأخرى جعلته يلجأ إلى الضرير الذي لاذ هو الآخر بغرفة خربة في مواجهة تل الصنم. فالعلاقة بين المعتوه والضرير أبعد من البوح والمكاشفة والمناجاة. فمعتوه يحتاج إلى أفكار الضرير النيّرة وفلسفته العميقة التي تمنح الحياة معنى حقيقيًا يستحق أن نعيش من أجله. بينما يحتاج الضرير إلى معتوه بوصفه العينين اللتين يبصر بهما، على الرغم من أنه يرى ما لا يراه الآخرون.
يتفرّد معتوه بولعه بالأحلام وتبدو «الدنيا رائعة حينما يكون الحلم بمستوى الطموح»، لكن الضرير يحذِّر معتوهًا من مغبَّة أحلامه، ويمنعه منها لأن أحلامه سياسية! والحلم السياسي ممنوع في مضاربنا العربية، لذلك يتعوذ معتوه من السياسة التي تلاحقه حتى في أحلامه الجميلة التي تخفف عنه وطأة حياته اليومية التي لا تخلو من منغصات على الرغم من جفافها، اللهم إلا إذا استثنينا لقاءاته المتكررة والمفيدة بالضرير، ولقاءه الوحيد مع المرأة الطيبة التي مرّت في شريط خياله مثل حلم خاطف.
لقد أصبح معتوه أسطورة في أحلامه السياسية بنظر الضرير، مثلما أصبح أيقونة للفحولة في نظر المرأة الطيبة التي تماهى معها في لحظة توحّد جسدي. ترى، هل غدا هذا الصبي المعتوه رجلاً وأصبح مثل عُبيد وحُميد وزيد كما تتمنى أمه أم أنه «لا يزال أعوج مثل ذيل الكلب الذي لا يمكن إصلاحه»؟
ظل معتوه على مدار النص يشعر بأنه قد انصاع لتصورات أمه، مثلما اقتنع بمفاهيم أهل الحي الذين يرون فيه مجنونًا لا غير فالغرابة أن يحتفظ بالتعويذة المربوطة على زنده لأنها تطرد الشياطين، وتُجنّبه عيون الأشرار والحاسدين، فلقد اتفق الجميع على جنونه، ولم يبدِ معتوه أي مقاومة تُذكر، فلقد كان ضعيفًا ومنصاعًا ومُستسلمًا بعكس والده الذي كان قويًا لأنه لم يعترف بضعفه قطّ. يمثل الضرير العقل المتوقد والمستنير، لذلك فهو لا يؤمن بالشياطين، ولا يقيم وزنا للخرافات، ولا يعترف بالخزعبلات التي تُثار في أرجاء المدينة. وقد يكون الضرير هو الشخص الوحيد الذي يشعر بمعتوه ويرى فيه أملاً كبيرًا، فلا غرابة أن يشجِّعه على التخلص من عنصر الخوف «لأن الخوف مقبرة الأحياء»، وهو يعزو هذا الخوف إلى أمه التي «صنعت منه هذا الشاب الخائف دومًا حتى من الصغار». كما ستلعب المرأة الطيبة في نهاية النص دورًا مشابها لدور الضرير التحريضي الذي سوف ينقذ «معتوه» من سيكولوجية الإنسان المذعور الذي انعتق من قوانين التحريم، وتحرر من قناعات المجتمع القديمة البالية.
يشكِّل موت الضرير في خرابته المهجورة انعطافة أساسية في النص الروائي، فهو لم يمت ميتة طبيعية، وإنما بفعل فاعل، ويكفي أن يكون جحوظ العينين دليلاً على هذا الفاعل الغامض الذي سيتكشّف شيئًا فشيئًا حينما نعرف أن الضرير قد مات، لأنه تحدث عن الطموحات الكبيرة والإرادة العظيمة لحمود البيدار الذي رفض في الأقل وثار على الظلم والعسف والاستبداد.
لا شك في أن إطلالة المرأة الطيبة من جديد تدلل على أهمية الدور الذي ستلعبه في حياة معتوه، فهي تردد الجُمل نفسها التي كان يرددها الضرير عن الأحلام الكبيرة، والإرادة العظيمة، وقتل الخوف. وإذا كانت المرأة الطيبة ضد العادة، فإن «معتوه» قد اخترق هذه العادة، وعشق الدخول من النوافذ، وأحب كسر الأبواب المغلقة. تذكَّر معتوه الكثيب الرملي في المعيريض الذي شهد معارك طاحنة، فأصبح رمزًا لمقاومة المحتل على الرغم من أن البيوت قد تهدمت على رؤوس ساكنيها.
قرّر معتوه والمرأة الطيبة في نهاية المطاف أن يكتبا كلام الضرير، ويدوِّنا أفكاره المستنيرة فاتجها صوب المدينة، بعد أن خلّفا وراءهما التل، وحينما يحثّان الخطى تستقبلهما المدينة والأناشيد.
لا يمكن قراءة «تل الصنم» قراءة واقعية فقط لأنها مكتظة بالرموز والدلالات والإيحاءات التي تضطرنا لأن نزاوج في الأقل ما بين القراءة الواقعية والقراءة الرمزية، آخذين بنظر الاعتبار أن هذا النص ينتمي إلى التيار الميتا - سردي قدر تعلّق الأمر بتشتيت القصة الروائية وانضواء «معتوه» الشخصية الهامشية تحت مفهوم البطل المضاد الذي أضفى على الرواية لمسة جمالية خاصة لا تخطئها عين القارئ الحصيف.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».