طفولة الفكر الإنساني... والبحث عن تفسير للوجود

طبعة جديدة من «الفلسفة اليونانية قبل سقراط» للأهواني

طفولة الفكر الإنساني... والبحث عن تفسير للوجود
TT

طفولة الفكر الإنساني... والبحث عن تفسير للوجود

طفولة الفكر الإنساني... والبحث عن تفسير للوجود

صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في العام 1954، ولم تزل تشكل أحد المراجع المهمة في تناول هذه الفترة الملتبسة في تاريخ الفكر الإنساني. أخيراً أعادت الهيئة المصرية العامة للكتاب إصدار نسخة جديدة من «فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط» للعلامة الدكتور أحمد فؤاد الأهواني الذي قام بجهد مؤسس في الرجوع إلى النصوص الأصلية لفلاسفة اليونان الأوائل فأخضعها للبحث والتدقيق ومقارنة منجز كل فيلسوف بالذي جاء قبله والذي يليه، ثم ترجم منها ما يفيد فكرته ورسم صورة قوية واضحة للتراث الفكري الذي خلّفه أساتذة سقراط وأرسطو دون أن يحظوا بالشهرة والذيوع التي حصل عليهما التلميذان النجيبان.
المعروف أن المؤرخين درجوا على تقسيم الفلسفة اليونانية إلى ما قبل سقراط وبعده؛ لأنه كما يقال «هو الذي أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض» وحوّلها من البحث في الطبيعة الخارجية للأشياء إلى البحث في النفس الإنسانية باعتبار أنها مصدر المعرفة.
ويرى الدكتور الأهواني، أن فجر الفلسفة الإغريقية يعود إلى هوميروس الذي اختلف المحدثون في شخصيته: أَوجِد حقاً أم كان شخصاً خرافياً؟ ولم يعن اليونانيون بمثل هذا البحث؛ فقد كان الرجل بالنسبة لهم شاعر الأمة ومعلمها ولسانها الناطق وهو صاحب الإلياذة والأوديسا، كسجل تاريخي يعرفون منها حضارة أجدادهم في ذلك العصر الذي يسميه المؤرخون العصر الهوميري والذي يقع بين القرن الثاني عشر والقرن العاشر قبل الميلاد.
وتعد حرب طراودة أخطر حوادثه، حيث استمرت عشر سنين. ويذكر الكتاب، أن أخطر ما في «الأشعار الهومرية» من أثر فلسفي هو فكرة القضاء والقدر وفكرة الضرورة، وقد تسربت الفكرتان جميعاً إلى فلاسفة اليونان وأخذوا بهما في تفسير الموجودات الطبيعية والأعمال الإنسانية، صورت الإلياذة الإنسان بطلاً من الأبطال وقللت من شأن الآلهة حتى أصبح موقفها أشبه بشخصيات الشعراء وليست أرباباً يقدسها البشر ويعبدونها، فكان ذلك التصور الديني للآلهة بداية للحركة العلمية التي نشأت في القرن السادس الميلادي.
وحول فكرة نشأة العالم، يشير الكتاب إلى أورفيوس، وكان شاعراً وموسيقياً وواعظاً دينياً، وفي الأقاصيص القديمة أنه كان مغنياً صاحب صوت جميل تنقاد إلى أنغامه وموسيقاه جميع الكائنات كأنها واقعة تحت تأثير السحر، ويستطيع استئناس الوحوش الضارية في هذا العالم والقوى المخيفة في العالم الآخر.
ومن أبرز أسماء الفلاسفة اليونانيين في مرحلة ما قبل سقراط، طاليس الذي يعده القدماء حكيماً وسياسياً وعالماً وفلكياً أيضاً. وقد خدمت مخترعاته الفلكية الملاحين، يقال إنه وضع تقويماً يعد أقدم ما عُرف من نوعه. وتقوم نظريته الأساسية على أن أصل الأشياء هو الماء، وهذا السبب في قوله «إن الأرض تطفو فوق الماء»، ولا شك في أن الذي أدى به إلى هذا الاعتقاد ملاحظته أن جميع الأشياء تتغذى من الرطوبة، وأن الحار نفسه ينشأ عنها ويحيا بها. آثر طاليس القول بوجود مادة أولى عنها تنشأ جميع الموجودات فهو «واحدي الفلسفة»، فقد كانت ظروف الحياة في بلاد اليونان كالحال في صحراء العرب تعتمد على وجود الماء؛ فليس من الغريب استنتاج أن يكون الماء علة الحياة.
عرف طاليس بما له من براعة في التنجيم، ومن الطرائف في سيرته التي يذكرها الكتاب، إن كان الوقت شتاء لكنه تنبأ أن موسم الزيتون في العام المقبل سوف يكون وفيراً، وكان عنده قدر قليل من المال فدفعه «عربوناً» لاستئجار جميع معاصر الزيتون في مدينته والمدن المجاورة بثمن بخس ولم ينافسه أحد، فلما جاء وقت الحصاد وأقبل جميع الزراع على المعاصر دفعة واحدة أجّرها كما يشاء؛ فجمع بذلك مالاً كثيراً. وهكذا أثبت طاليس للناس كيف يمكن للفلاسفة أن يغتنوا بسهولة إذا شاءوا، ولكن مطامعهم من نوع آخر!
ومن فلاسفة ما قبل سقراط، أنكسمندريس الذي يقدم تفسيره الخاص لنشأة العالم، بانفصال الحار والبارد عن كتلة الوجود، ثم تبع ذلك سائر الخلق، ثم تميز الحار عن البارد بأن أحاط به في دائرة كلحاء الشجرة، ثم احتوى البارد في داخله على طبقة من الهواء. وكانت الأرض في البدء رطبة، ولكنها جفت بتأثير الحار الذي أخذ يجتذب منها الرطوبة شيئاً فشيئاً، أما بقية الرطوبة فقد ملأت فجوات الأرض وأصبحت البحار ولا تزال الأرض في سبيل الجفاف بالتبخر حتى يأتي يوم تصبح فيه يابسة تماماً! وعلى هذا النحو تكونت أربع طبقات الحار (النار) والبارد (الماء) والرطب (الهواء) واليابس (الأرض)، ثم انشقت طبقة النار فأصبحت ثلاث دوائر تحيط بالأرض كالعجلة في العربة. هذه الحلقات هي مدار الشمس والقمر والنجوم وليس في استطاعتنا رؤية جميع الحلقات لأن الهواء يغلفها، وأبعد الحلقات في هذه الحلقة هي الشمس ويوجد فيها ثقب أو فتحة واحدة تظهر الشمس منها أو يظهر منها لهب مضيء على قدر الشمس. والحلقة الثانية أقرب إلينا وفيها ثقب يخرج منه لهب أضعف من الأول وهو القمر، والحلقة أو الدائرة الثالثة أشد قرباً منا وبها ثقوب في غاية الصغر هي النجوم والكواكب وضوؤها ضعيف باهت يغشاه البخار الذي يملأ الفضاء بين الأرض والسماء. والأرض في وسط هذه الآلة الضخمة هي كالقرص أو كالأسطوانة ولا تستند إلى شيء على عكس طاليس الذي تصور الأرض قرصاً يطفو فوق الماء ووجود الأرض وسط العالم خاضع لحكم الضرورة ولكنه لم يفسر ما هذه الضرورة بالضبط!

مدرسة فيثاغورث

ويتوقف الدكتور الأهواني بكثير من التفصيل عند واحد من أهم فلاسفة اليونان قبل أرسطو وهو فيثاغورس، مشيراً إلى الاضطرابات السياسية التي قلبت موازيين الحكم في الدول المعروفة حينذاك، وهي الفرس وبابل وآشور واليونان ومصر، حيث اشتد ضغط الفرس غرباً، وهبّت الدول تدافع عن نفسها وتنفض عنها غبار الضعف وتأخذ في طريق النهضة. وخضعت في أواخر الأسرة الخامسة والعشرين لحكم الآشوريين فنهض إبسماتيك ابن الملك نخاو يدافع عن استقلال مصر بمعونة من الجند المرتزقة من اليونانيين والأيونيين والكاريين، ونجح في طرد الغزاة واستقل بالبلاد نحو قرن من الزمان حتى خضعت مرة أخرى لحكم قمبيز ملك الفرس عام 525 ق.م. وأحدث إبسماتيك نهضة جديدة في الفنون والآداب ووفد اليونانيون إلى شمال الدلتا بمصر، بل كان لهم حي خاص في مدينة منف، حيث استفادوا من علم المصريين وفنونهم وأديانهم. وفي ذلك الوقت أيضاً اشتد ضغط الفرس على آسيا الصغرى فآثر أحرار الفكر الهجرة غرباً واستقر كثير منهم في جنوب إيطاليا، وبذلك أفل نجم الفلسفة في أيونيا وانتقلت إلى الغرب تلتمس الأمن، ومن هؤلاء الذين هاجروا وطنهم الأول فيثاغورس الذي ذاعت شهرته قديماً وفي العصر الوسيط.
وتعد مدرسة فيثاغورس أول مدرسة أفسحت المجال لاستقبال المرأة وتعليمها فوضع بذلك مبدأ مشاركة المرأة قبل أفلاطون بقرنين من الزمان واشتهرت المرأة الفيثاغورية في الزمن القديم بأنها أفضل نساء الإغريق. وتنهض المدرسة الفيثاغورية على نظام من الأخوة كأنها دير أو معبد؛ فجميع الطلاب يلبسون زياً واحداً هو البياض ويعيشون معيشة زهد وبساطة ولا ينتعلون الأحذية، بل يمشون حفاة الأقدام وكانوا لا يسرفون في طعام ولا شراب ولا يحلفون بالآلهة ولا يكثرون من الضحك أو الإشارة أو الكلام، وكانوا يحاسبون أنفسهم آخر النهار على ما فعلوه فيسأل كل واحد منهم عن الشر الذي ارتكبه والخير الذي قدمه والواجب الذي أهمله.

ولم يكن التعليم كتابة، بل سماعاً وتلقيناً وشفاهة عن الأستاذ ولم يؤثر عن فيثاغورس أنه ألف كتابا، وكانت تعاليم المدرسة سرية يعاقب من يفشيها بالطرد وقد التزموا السرية التزاماً دقيقاً. ومن آداب المدرسة أيضاً الصمت حتى لقد ذهبوا إلى أن التلميذ الجديد مطالب بالصمت لمدة خمس سنوات، فهم يريدون بذلك قبول التعليم بغير أسئلة أو جدال.
ويلفت الكتاب إلى أنه من الصحيح أن العلم الرياضي لم يصبح علماً بمعنى الكلمة له مبادئه وأصوله إلا على يد إقليدس في القرن الثالث قبل الميلاد، ولكن فيثاغورس هو الذي وضع حجر الأساس في هذا العلم ليصبح فيما بعد خاضعاً للحس والتجريب.
يقع الكتاب في 308 صفحات من القطع الكبير بتقديم الدكتور عاطف العراقي، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، والذي أثنى على أستاذه الأهواني وجهده الدؤوب، بعد ما يقرب من سبعين عاماً على صدور الطبعة الأولى لهذا الكتاب المؤسس.


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).