تمام الأكحل وإسماعيل شموط... زواج «فني» ممهور بحب فلسطين

سيرتهما الشخصية تختزل بعَثراتها ونجاحاتها مسيرة شعب بأسره

تمام الأكحل توقع كتابها «اليد ترى والقلب يرسم»
تمام الأكحل توقع كتابها «اليد ترى والقلب يرسم»
TT

تمام الأكحل وإسماعيل شموط... زواج «فني» ممهور بحب فلسطين

تمام الأكحل توقع كتابها «اليد ترى والقلب يرسم»
تمام الأكحل توقع كتابها «اليد ترى والقلب يرسم»

حين قررت الفنانة الفلسطينية تمام الأكحل، أن تسرد وقائع حياتها المشتركة مع زوجها الراحل إسماعيل شموط، فهي لم تكن تريد لسرديتها المؤثرة أن تشتغل على خط العلاقة الثنائية بين الطرفين فحسب، بل كانت تحرص في السياق نفسه على استعادة تلك الأزمنة الوردية التي كانت تجد في الجغرافيا الفلسطينية السابقة على الاحتلال، بيئتها الملائمة ومسرحها الفردوسي. هكذا بدت الكتابة عن الفنان الأكثر فرادة في التاريخ التشكيلي الحديث لفلسطين، نوعاً من إعادة تركيب رمزي للحياة التي تصرمت برحيل أحد طرفيها، بقدر ما بدت محاولة موازية لحث الذاكرة على منع الزمن الفلسطيني من التشظي، وانتشال المكان من عهدة النسيان.
ولعل حرص الفنانة الأكحل على التوأمة بين الشخصي والجمعي في كتابها السير - ذاتي «اليد ترى والقلب يرسم»، هو الذي دفعها إلى أن لا تستهل عملها السردي بلحظة تعرفها إلى شموط، بل هي استبقت ذلك بتمهيد مطول عرضت من خلاله لظروف نشأتهما في فلسطين، ولأوضاع البلاد التي كانت تغلي على صفيح زلزالي، في تلك الحقبة المفصلية الخطرة من تاريخها. هكذا حرصت الفنانة الكاتبة على رسم نوع من البورتريه المفصل لأرض ولادتها الأم، بكل ما حفلت به طفولتها من روائح ومشاهد وأصوات، مطلة من خلال يافا واللد، حيث أبصر الثنائي الزوجي النور، على الجانب السحري من الطفولة، التي جهد المحتلون في بتر ملامحها، لتظل حية تماماً في الذاكرة، كما في القصائد والأغاني واللوحات.
نتعرف في كتاب تمام الأكحل على ملامح من طفولة إسماعيل شموط المولود في اللد عام 1930، لأب يعمل في بيع الخضار، ووسط عائلة من عشرة أطفال. وحين سقطت فلسطين بأيدي الصهاينة عام 1948، كان شموط في أوج يفاعته واندفاعه باتجاه الحياة. لكن موهبته في الرسم بدأت تتفتح مذ كان طفلاً على مقاعد الدراسة، حيث تعهده بالرعاية أستاذه الفنان داود زلاطيمو. ولدى حدوث النكبة نزحت العائلة إلى خان يونس، بعد أن شهد الفتى بأم عينيه مجازرها المروعة، وبعد أن لفظ أخوه توفيق بفعل العطش الشديد أنفاسه الأخيرة. بعدها بقليل استطاع إسماعيل، الذي تشربت ذاكرته البصرية المتوهجة ألوان فلسطين، أن يقيم معرضه الأول في خان يونس، وأن يبيع لوحته الأولى التي ساعده ثمنها المتواضع في الانتقال إلى القاهرة لإكمال دراسته، حيث وفر له العمل في تصميم الإعلانات السينمائية بعض أكلاف معيشته.
تستفيض تمام الأكحل بالمقابل في الحديث عن طفولتها المبكرة في مدينة يافا الساحلية، مستعيدة بشجن رومانسي ملامح ذلك العالم الطيفي الذي خلفته وراءها، حين أجبر المحتلون أولئك الذين كُتبت لهم النجاة من المجازر التي ارتكبوها، على ركوب السفن واللجوء إلى حيث يشاءون من الأصقاع والمنافي. وإذ تمعن الكاتبة في الحديث عن تفاصيل حياتها العائلية، وعن أسوار يافا ومنازلها القديمة، وعن بيارات البرتقال وصفير السفن في الميناء، بدت وكأنها تحث ذاكرتها على انتشال ما تستطيع إنقاذه من كنوز ذلك الماضي الذي جهد المحتلون في طمسه وتغييبه. وقد روت الكاتبة المولودة عام 1935، ودحضاً للمزاعم الكاذبة عن التسليم السهل للمدينة، كيف واكبت بنفسها المجزرة المروعة في دير ياسين، وكيف تحولت الحياة في بلادها إلى جحيم، بعد أن سُدت في وجه شعبها كل أسباب الحياة، وتُرك نهباً للجوع والمرض والرعب والقتل الجماعي. غير أن العاصمة اللبنانية التي اختارت العائلة أن تكون مكاناً للجوئها القسري، قبل أن يتبخر حلمها بالعودة، وفرت للفتاة الطافحة بالأحلام سبل الالتحاق بمدارسها، إضافة إلى ما تحتاجه موهبتها في فن الرسم من رعاية واهتمام.
أما فرصة تمام الأثمن للانطلاق نحو الفضاء الأوسع لعوالم التشكيل، فقد وفرتها لها مشاركتها عام 1953 في معرض الخريف السنوي في قصر اليونيسكو، حيث لفتت لوحاتها الأنظار، الأمر الذي جعلها تحظى بمنحة خاصة لإكمال دراستها العليا في أكاديمية القاهرة للفنون. ووسط الهبوب العاصف لرياح التغيير السياسي الدراماتيكي في العاصمة المصرية، التقت الأكحل بإسماعيل شموط، الذي كانت لوحاته الفنية المستلهمة من تراجيديا النكبة قد أخذت طريقها إلى الشهرة، الذي وضع حياتها فيما بعد أمام منعطف جديد وحاسم. وحيث كانت البراعم الأولى للعلاقة بين الطرفين تتكون على إيقاع فرشاتيهما الناضحتين بحب فلسطين، بدا افتتاح الرئيس المصري جمال عبد الناصر، عام 1954، لمعرض «اللاجئ الفلسطيني»، وبحضور رئيس رابطة الطلبة الفلسطينيين في مصر آنذاك، ياسر عرفات، المناسبة الأهم التي أتاحت لشموط والأكحل أن يضعا مصيريهما الشخصيين على طريق التكامل الفني والحياتي، وأن يفتتحا بكل ما يدخرانه من قوة الموهبة وصلابة الالتزام بالقضية، عصر التشكيل الفلسطيني. «هل عشتم بالفعل هذه الأوضاع التي رسمتموها؟»، سأل عبد الناصر، إسماعيل شموط، وهو يقف متأثراً أمام لوحتيه «إلى أين» و«سنعود»، اللتين تعكسان مسيرة العذاب والتيه الفلسطينيين. وبعد أن رد الأخير بالإيجاب، أوعز الرئيس المصري بشراء اللوحتين، وإرسالهما إلى مكتب الجامعة العربية في واشنطن. أما الفصل المضحك المبكي من الحادثة، فهو اكتشاف الثنائي شموط - الأكحل بعد سنوات، بأن اللوحتين لم تصلا أبداً إلى وجهتهما المقررة!
لم يتأخر إسماعيل شموط في مصارحة تمام الأكحل بما يكنه لها من مشاعر قلبية تتعدى الصداقة العادية، لتتصل بالحب والشغف العاطفي، ومن ثم مفاتحتها بشأن مشروع الزواج الذي لم تتردد تمام في قبوله المبدئي، لكنها أجلت البت النهائي بشأنه عندما علمت باستعداد شموط للسفر إلى روما، لاستكمال دراسته التخصصية في فن الرسم. ومع أن الرسائل المتبادلة قد تكفلت بمنع جذوة العلاقة بين الطرفين من الانطفاء، على امتداد سنتين من الزمن. وحيث كان مقدراً للخطيبين العاشقين أن يتوجا علاقتهما بالزواج بعد عودة إسماعيل من إيطاليا، إلا أن جملة من الخلافات العائلية، مقرونة بسلسلة غريبة من المفارقات والمواقف الملتبسة، حملت الطرفين على فسح الخطوبة على نحو مفاجئ، تاركيْن للوشايات والمكائد الصغيرة أن تنتصر على الحب، قبل أن تعود مياه العلاقة إلى مجراها الطبيعي. وبعد سنوات ثلاث من التباعد والقلق والبلبلة العاطفية، تمكن الحبيبان أخيراً من تجاوز العراقيل المختلفة التي واجهتهما، ليدخلا «بيت الطاعة» الزوجي الذي طال انتظاره، عام 1959، على أن الجانب الأكثر غرابة وطرافة في هذا الشأن، هو ما باح به شموط لتمام في وقت لاحق، من أنه مدين في حسم قراره النهائي بالزواج، للشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان التي دفعها وقوفها على قصة حبهما الشائكة، إلى كتابة قصيدة مؤثرة جاء فيها:
كان وهماً نحن أعطيناه
شكلاً وحياه
ثم رويناه لوناً وعبيرْ
ومنحناه ضياءً وظلالا
وحصرْنا الشوق في دنيا رؤاه...
بعض ذكرى نحن هيأنا لها
نعشاً وقبرا
ودفنّاها بصمتٍ ونضحْناها بعبْره
وتركنا عندها آخر زهره
لا يظهر من سياق السيرة أن ثمة إشكالات جوهرية اعترضت حياة الزوجين، أو عرضت علاقتهما إلى التصدع، كما يحدث عادة في العلاقات المماثلة بين المبدعين، حيث الأنا الفردية المتفاقمة والتنافس «المسكوت عنه» على ساحة الإبداع، يوديان بمعظم العلاقات المماثلة إلى الانهيار. ولعل معظم المتاعب التي واجهها الطرفان، كانت ناجمة عن التزاماتهما الاجتماعية والنضالية المرهقة، حيث أطلق البعض على منزلهما العائلي تسمية «بيت الشعب»، كما تقول الأكحل، وهو الذي تحول إلى محجة يومية يقصدها العشرات من أهل السياسة والثقافة والفن، الذين ربطتهم علاقات وثيقة بشموط، بفعل انخراطه في العمل النضالي من جهة، وبفعل توليه الأمانة العامة لاتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين من جهة أخرى. ومن يتتبع المسار اللاحق لحياة الثنائي الزوجي، لا بد له أن يلاحظ طغيان الجوانب النضالية والاجتماعية والفنية، على كل ما عداها من شؤونهما الشخصية والأسرية. فبعيد ارتباطهما بقليل، طلبت منظمة «الأونروا» من شموط والأكحل الانتقال إلى قطاع غزة لمساعدة معلمي الرسم على كيفية تدريس الفن، حيث التقيا هناك بالشاعر الفلسطيني معين بسيسو. كما طُلب لاحقاً من إسماعيل أن يعد رسوماً لكتب التنشئة الوطنية في لبنان، فضلاً عن زيارات الثنائي لعدد من عواصم الفن ومراكزه الكبرى، مثل روما وبرشلونة وباريس وأثينا وأمستردام، وعن إقامة معارض تشكيلية مختلفة في أميركا وأوروبا والكثير من بلدان العالم، وصولاً إلى الصين التي استقبلهما شعبها بحفاوة بالغة. أما الأعمال التي تم عرضها، فكانت مستلة بمعظمها من التراث والفولكلور الفلسطينيين، حيث حرص الثنائي الفني على التأكيد على أن ذاكرة الفلسطينيين البصرية هي جزء لا يتجزأ من تشبثهم بالأماكن التي طُردوا عنوة منها، وبأنها إحدى أبرز عناصر سرديتهم اللونية المقاومة للاحتلال.
غير أن الخيانة الأكثر إيلاماً التي انعكست بشكل سلبي على حياة الزوجين، جاءت بعد ذلك من جهة القلب، الذي بدأت ضرباته بالاضطراب وأداؤه بالتعثر، بعد أن حمله صاحبه بفعل الاجهاد والسفر والتوتر الدائم، ما يفوق قدرته على الاحتمال. على أن وضع الفنان الدقيق الذي استوجب العديد من الفحوصات وعمليات القلب المفتوح واستبدال الشرايين والصمامات، في غير بلد ومركز طبي، لم يثنه وزوجته عن متابعة الرسم وإقامة المعارض والتجول في الكثير من الأصقاع، نصرة لفلسطين وقضيتها العادلة. ورغم تعلقهما المشترك بالعاصمة اللبنانية، فقد وجدا نفسيهما مضطرين لمغادرتها، إثر الاجتياح الإسرائيلي الواسع للبنان عام 1982، إلى الكويت التي أقاما فيها لسنوات عدة، قبل أن يغادراها إثر الغزو، للالتحاق بولديهما المقيمين في ألمانيا، ولينتهي بهما المطاف في عمان حيث يكونان أقرب إلى فلسطين.
«يا ناس، تعالوا شوفو إسماعيل شموط. فنانكم العظيم موجود بينكم»، يصيح بائع الخضار الفلسطيني، حين عرف بأن الرجل الذي يقف أمامه في مدينة اللد المحتلة، هو جاره القديم الذي أجبر على مغادرة المدينة عام النكبة، ويعود إليها الآن متعباً ومسبوقاً بشهرته في سن الكهولة. أما تمام التي رافقها زوجها إلى يافا، فقد أذهلتها الصدمة حين اكتشفت بأن فنانة إسرائيلية ثمانينية قدمت من روسيا البيضاء، لتصادر منزل طفولتها القديم، وتكتب على مدخله «صالة شوشانا فنكلشتين».
لم يكف إسماعيل شموط عن إعادة تشكيل التاريخ والجغرافيا الفلسطينيين عبر مئات اللوحات التي رسمها. ومع أنه لم يكن معنياً بالتحولات التشكيلية الحداثية، وما بعد الحداثية، التي عرفها العالم في القرن الفائت، فإن أسلوبه الواقعي التعبيري كان قادراً على شحن خطوطه وألوانه بكل ما تحتاجه الشمس الفلسطينية من حرارة وتوهج، وبكل ما يساعد الملحمة الفلسطينية على الرسوخ في ضمير العالم وذاكرته ووجدانه. إنه «الذاكرة تتخذ جسداً»، على حد تعبير مؤرخ الفن الفلسطيني كمال بلاطة. ومع بلوغه السادسة والسبعين من العمر بات قلب إسماعيل شموط عاجزاً تماماً عن حمل المزيد من الأعباء، فتوقف بشكل نهائي عن الخفقان، في أحد مستشفيات كولون الألمانية في الثالث من يوليو (تموز) عام 2006، لتتابع تمام بمفردها، ونيابة عن الحبيبين معاً، مسيرة العودة الطويلة والشائكة إلى فلسطين. ولعل أفضل ختام لهذه المقالة هو ما كتبه محمود درويش في تأبين إسماعيل شموط، مختزلاً تجربة صديقه ومعادله التشكيلي بالقول: «من فرط ما هو هو، وليس هو في آن واحد، خُيل إلينا نحن المثبتين في زيت اللوحة، أننا شظايا قصائد أعاد الفنان تشكيلها في إطار. افترقنا دون أن أقول لإسماعيل: حافظْ على الذاتي، ولو قليلاً من جشع الموضوع. ودون أن يقول لي: حافظ على الموضوع من جنوح الاستعارة. إسماعيل شموط: يده هي التي ترى، وقلبه هو الذي يرسم».



تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟


«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.