تمام الأكحل وإسماعيل شموط... زواج «فني» ممهور بحب فلسطين

سيرتهما الشخصية تختزل بعَثراتها ونجاحاتها مسيرة شعب بأسره

تمام الأكحل توقع كتابها «اليد ترى والقلب يرسم»
تمام الأكحل توقع كتابها «اليد ترى والقلب يرسم»
TT

تمام الأكحل وإسماعيل شموط... زواج «فني» ممهور بحب فلسطين

تمام الأكحل توقع كتابها «اليد ترى والقلب يرسم»
تمام الأكحل توقع كتابها «اليد ترى والقلب يرسم»

حين قررت الفنانة الفلسطينية تمام الأكحل، أن تسرد وقائع حياتها المشتركة مع زوجها الراحل إسماعيل شموط، فهي لم تكن تريد لسرديتها المؤثرة أن تشتغل على خط العلاقة الثنائية بين الطرفين فحسب، بل كانت تحرص في السياق نفسه على استعادة تلك الأزمنة الوردية التي كانت تجد في الجغرافيا الفلسطينية السابقة على الاحتلال، بيئتها الملائمة ومسرحها الفردوسي. هكذا بدت الكتابة عن الفنان الأكثر فرادة في التاريخ التشكيلي الحديث لفلسطين، نوعاً من إعادة تركيب رمزي للحياة التي تصرمت برحيل أحد طرفيها، بقدر ما بدت محاولة موازية لحث الذاكرة على منع الزمن الفلسطيني من التشظي، وانتشال المكان من عهدة النسيان.
ولعل حرص الفنانة الأكحل على التوأمة بين الشخصي والجمعي في كتابها السير - ذاتي «اليد ترى والقلب يرسم»، هو الذي دفعها إلى أن لا تستهل عملها السردي بلحظة تعرفها إلى شموط، بل هي استبقت ذلك بتمهيد مطول عرضت من خلاله لظروف نشأتهما في فلسطين، ولأوضاع البلاد التي كانت تغلي على صفيح زلزالي، في تلك الحقبة المفصلية الخطرة من تاريخها. هكذا حرصت الفنانة الكاتبة على رسم نوع من البورتريه المفصل لأرض ولادتها الأم، بكل ما حفلت به طفولتها من روائح ومشاهد وأصوات، مطلة من خلال يافا واللد، حيث أبصر الثنائي الزوجي النور، على الجانب السحري من الطفولة، التي جهد المحتلون في بتر ملامحها، لتظل حية تماماً في الذاكرة، كما في القصائد والأغاني واللوحات.
نتعرف في كتاب تمام الأكحل على ملامح من طفولة إسماعيل شموط المولود في اللد عام 1930، لأب يعمل في بيع الخضار، ووسط عائلة من عشرة أطفال. وحين سقطت فلسطين بأيدي الصهاينة عام 1948، كان شموط في أوج يفاعته واندفاعه باتجاه الحياة. لكن موهبته في الرسم بدأت تتفتح مذ كان طفلاً على مقاعد الدراسة، حيث تعهده بالرعاية أستاذه الفنان داود زلاطيمو. ولدى حدوث النكبة نزحت العائلة إلى خان يونس، بعد أن شهد الفتى بأم عينيه مجازرها المروعة، وبعد أن لفظ أخوه توفيق بفعل العطش الشديد أنفاسه الأخيرة. بعدها بقليل استطاع إسماعيل، الذي تشربت ذاكرته البصرية المتوهجة ألوان فلسطين، أن يقيم معرضه الأول في خان يونس، وأن يبيع لوحته الأولى التي ساعده ثمنها المتواضع في الانتقال إلى القاهرة لإكمال دراسته، حيث وفر له العمل في تصميم الإعلانات السينمائية بعض أكلاف معيشته.
تستفيض تمام الأكحل بالمقابل في الحديث عن طفولتها المبكرة في مدينة يافا الساحلية، مستعيدة بشجن رومانسي ملامح ذلك العالم الطيفي الذي خلفته وراءها، حين أجبر المحتلون أولئك الذين كُتبت لهم النجاة من المجازر التي ارتكبوها، على ركوب السفن واللجوء إلى حيث يشاءون من الأصقاع والمنافي. وإذ تمعن الكاتبة في الحديث عن تفاصيل حياتها العائلية، وعن أسوار يافا ومنازلها القديمة، وعن بيارات البرتقال وصفير السفن في الميناء، بدت وكأنها تحث ذاكرتها على انتشال ما تستطيع إنقاذه من كنوز ذلك الماضي الذي جهد المحتلون في طمسه وتغييبه. وقد روت الكاتبة المولودة عام 1935، ودحضاً للمزاعم الكاذبة عن التسليم السهل للمدينة، كيف واكبت بنفسها المجزرة المروعة في دير ياسين، وكيف تحولت الحياة في بلادها إلى جحيم، بعد أن سُدت في وجه شعبها كل أسباب الحياة، وتُرك نهباً للجوع والمرض والرعب والقتل الجماعي. غير أن العاصمة اللبنانية التي اختارت العائلة أن تكون مكاناً للجوئها القسري، قبل أن يتبخر حلمها بالعودة، وفرت للفتاة الطافحة بالأحلام سبل الالتحاق بمدارسها، إضافة إلى ما تحتاجه موهبتها في فن الرسم من رعاية واهتمام.
أما فرصة تمام الأثمن للانطلاق نحو الفضاء الأوسع لعوالم التشكيل، فقد وفرتها لها مشاركتها عام 1953 في معرض الخريف السنوي في قصر اليونيسكو، حيث لفتت لوحاتها الأنظار، الأمر الذي جعلها تحظى بمنحة خاصة لإكمال دراستها العليا في أكاديمية القاهرة للفنون. ووسط الهبوب العاصف لرياح التغيير السياسي الدراماتيكي في العاصمة المصرية، التقت الأكحل بإسماعيل شموط، الذي كانت لوحاته الفنية المستلهمة من تراجيديا النكبة قد أخذت طريقها إلى الشهرة، الذي وضع حياتها فيما بعد أمام منعطف جديد وحاسم. وحيث كانت البراعم الأولى للعلاقة بين الطرفين تتكون على إيقاع فرشاتيهما الناضحتين بحب فلسطين، بدا افتتاح الرئيس المصري جمال عبد الناصر، عام 1954، لمعرض «اللاجئ الفلسطيني»، وبحضور رئيس رابطة الطلبة الفلسطينيين في مصر آنذاك، ياسر عرفات، المناسبة الأهم التي أتاحت لشموط والأكحل أن يضعا مصيريهما الشخصيين على طريق التكامل الفني والحياتي، وأن يفتتحا بكل ما يدخرانه من قوة الموهبة وصلابة الالتزام بالقضية، عصر التشكيل الفلسطيني. «هل عشتم بالفعل هذه الأوضاع التي رسمتموها؟»، سأل عبد الناصر، إسماعيل شموط، وهو يقف متأثراً أمام لوحتيه «إلى أين» و«سنعود»، اللتين تعكسان مسيرة العذاب والتيه الفلسطينيين. وبعد أن رد الأخير بالإيجاب، أوعز الرئيس المصري بشراء اللوحتين، وإرسالهما إلى مكتب الجامعة العربية في واشنطن. أما الفصل المضحك المبكي من الحادثة، فهو اكتشاف الثنائي شموط - الأكحل بعد سنوات، بأن اللوحتين لم تصلا أبداً إلى وجهتهما المقررة!
لم يتأخر إسماعيل شموط في مصارحة تمام الأكحل بما يكنه لها من مشاعر قلبية تتعدى الصداقة العادية، لتتصل بالحب والشغف العاطفي، ومن ثم مفاتحتها بشأن مشروع الزواج الذي لم تتردد تمام في قبوله المبدئي، لكنها أجلت البت النهائي بشأنه عندما علمت باستعداد شموط للسفر إلى روما، لاستكمال دراسته التخصصية في فن الرسم. ومع أن الرسائل المتبادلة قد تكفلت بمنع جذوة العلاقة بين الطرفين من الانطفاء، على امتداد سنتين من الزمن. وحيث كان مقدراً للخطيبين العاشقين أن يتوجا علاقتهما بالزواج بعد عودة إسماعيل من إيطاليا، إلا أن جملة من الخلافات العائلية، مقرونة بسلسلة غريبة من المفارقات والمواقف الملتبسة، حملت الطرفين على فسح الخطوبة على نحو مفاجئ، تاركيْن للوشايات والمكائد الصغيرة أن تنتصر على الحب، قبل أن تعود مياه العلاقة إلى مجراها الطبيعي. وبعد سنوات ثلاث من التباعد والقلق والبلبلة العاطفية، تمكن الحبيبان أخيراً من تجاوز العراقيل المختلفة التي واجهتهما، ليدخلا «بيت الطاعة» الزوجي الذي طال انتظاره، عام 1959، على أن الجانب الأكثر غرابة وطرافة في هذا الشأن، هو ما باح به شموط لتمام في وقت لاحق، من أنه مدين في حسم قراره النهائي بالزواج، للشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان التي دفعها وقوفها على قصة حبهما الشائكة، إلى كتابة قصيدة مؤثرة جاء فيها:
كان وهماً نحن أعطيناه
شكلاً وحياه
ثم رويناه لوناً وعبيرْ
ومنحناه ضياءً وظلالا
وحصرْنا الشوق في دنيا رؤاه...
بعض ذكرى نحن هيأنا لها
نعشاً وقبرا
ودفنّاها بصمتٍ ونضحْناها بعبْره
وتركنا عندها آخر زهره
لا يظهر من سياق السيرة أن ثمة إشكالات جوهرية اعترضت حياة الزوجين، أو عرضت علاقتهما إلى التصدع، كما يحدث عادة في العلاقات المماثلة بين المبدعين، حيث الأنا الفردية المتفاقمة والتنافس «المسكوت عنه» على ساحة الإبداع، يوديان بمعظم العلاقات المماثلة إلى الانهيار. ولعل معظم المتاعب التي واجهها الطرفان، كانت ناجمة عن التزاماتهما الاجتماعية والنضالية المرهقة، حيث أطلق البعض على منزلهما العائلي تسمية «بيت الشعب»، كما تقول الأكحل، وهو الذي تحول إلى محجة يومية يقصدها العشرات من أهل السياسة والثقافة والفن، الذين ربطتهم علاقات وثيقة بشموط، بفعل انخراطه في العمل النضالي من جهة، وبفعل توليه الأمانة العامة لاتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين من جهة أخرى. ومن يتتبع المسار اللاحق لحياة الثنائي الزوجي، لا بد له أن يلاحظ طغيان الجوانب النضالية والاجتماعية والفنية، على كل ما عداها من شؤونهما الشخصية والأسرية. فبعيد ارتباطهما بقليل، طلبت منظمة «الأونروا» من شموط والأكحل الانتقال إلى قطاع غزة لمساعدة معلمي الرسم على كيفية تدريس الفن، حيث التقيا هناك بالشاعر الفلسطيني معين بسيسو. كما طُلب لاحقاً من إسماعيل أن يعد رسوماً لكتب التنشئة الوطنية في لبنان، فضلاً عن زيارات الثنائي لعدد من عواصم الفن ومراكزه الكبرى، مثل روما وبرشلونة وباريس وأثينا وأمستردام، وعن إقامة معارض تشكيلية مختلفة في أميركا وأوروبا والكثير من بلدان العالم، وصولاً إلى الصين التي استقبلهما شعبها بحفاوة بالغة. أما الأعمال التي تم عرضها، فكانت مستلة بمعظمها من التراث والفولكلور الفلسطينيين، حيث حرص الثنائي الفني على التأكيد على أن ذاكرة الفلسطينيين البصرية هي جزء لا يتجزأ من تشبثهم بالأماكن التي طُردوا عنوة منها، وبأنها إحدى أبرز عناصر سرديتهم اللونية المقاومة للاحتلال.
غير أن الخيانة الأكثر إيلاماً التي انعكست بشكل سلبي على حياة الزوجين، جاءت بعد ذلك من جهة القلب، الذي بدأت ضرباته بالاضطراب وأداؤه بالتعثر، بعد أن حمله صاحبه بفعل الاجهاد والسفر والتوتر الدائم، ما يفوق قدرته على الاحتمال. على أن وضع الفنان الدقيق الذي استوجب العديد من الفحوصات وعمليات القلب المفتوح واستبدال الشرايين والصمامات، في غير بلد ومركز طبي، لم يثنه وزوجته عن متابعة الرسم وإقامة المعارض والتجول في الكثير من الأصقاع، نصرة لفلسطين وقضيتها العادلة. ورغم تعلقهما المشترك بالعاصمة اللبنانية، فقد وجدا نفسيهما مضطرين لمغادرتها، إثر الاجتياح الإسرائيلي الواسع للبنان عام 1982، إلى الكويت التي أقاما فيها لسنوات عدة، قبل أن يغادراها إثر الغزو، للالتحاق بولديهما المقيمين في ألمانيا، ولينتهي بهما المطاف في عمان حيث يكونان أقرب إلى فلسطين.
«يا ناس، تعالوا شوفو إسماعيل شموط. فنانكم العظيم موجود بينكم»، يصيح بائع الخضار الفلسطيني، حين عرف بأن الرجل الذي يقف أمامه في مدينة اللد المحتلة، هو جاره القديم الذي أجبر على مغادرة المدينة عام النكبة، ويعود إليها الآن متعباً ومسبوقاً بشهرته في سن الكهولة. أما تمام التي رافقها زوجها إلى يافا، فقد أذهلتها الصدمة حين اكتشفت بأن فنانة إسرائيلية ثمانينية قدمت من روسيا البيضاء، لتصادر منزل طفولتها القديم، وتكتب على مدخله «صالة شوشانا فنكلشتين».
لم يكف إسماعيل شموط عن إعادة تشكيل التاريخ والجغرافيا الفلسطينيين عبر مئات اللوحات التي رسمها. ومع أنه لم يكن معنياً بالتحولات التشكيلية الحداثية، وما بعد الحداثية، التي عرفها العالم في القرن الفائت، فإن أسلوبه الواقعي التعبيري كان قادراً على شحن خطوطه وألوانه بكل ما تحتاجه الشمس الفلسطينية من حرارة وتوهج، وبكل ما يساعد الملحمة الفلسطينية على الرسوخ في ضمير العالم وذاكرته ووجدانه. إنه «الذاكرة تتخذ جسداً»، على حد تعبير مؤرخ الفن الفلسطيني كمال بلاطة. ومع بلوغه السادسة والسبعين من العمر بات قلب إسماعيل شموط عاجزاً تماماً عن حمل المزيد من الأعباء، فتوقف بشكل نهائي عن الخفقان، في أحد مستشفيات كولون الألمانية في الثالث من يوليو (تموز) عام 2006، لتتابع تمام بمفردها، ونيابة عن الحبيبين معاً، مسيرة العودة الطويلة والشائكة إلى فلسطين. ولعل أفضل ختام لهذه المقالة هو ما كتبه محمود درويش في تأبين إسماعيل شموط، مختزلاً تجربة صديقه ومعادله التشكيلي بالقول: «من فرط ما هو هو، وليس هو في آن واحد، خُيل إلينا نحن المثبتين في زيت اللوحة، أننا شظايا قصائد أعاد الفنان تشكيلها في إطار. افترقنا دون أن أقول لإسماعيل: حافظْ على الذاتي، ولو قليلاً من جشع الموضوع. ودون أن يقول لي: حافظ على الموضوع من جنوح الاستعارة. إسماعيل شموط: يده هي التي ترى، وقلبه هو الذي يرسم».



الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». 

 

 


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.