زهران القاسمي: الجبال والوديان فضائي المفضل للكتابة

الشاعر العماني يرى أن فوز جوخة الحارثي بـ«البوكر» وضع أدبهم في دائرة الاهتمام

زهران القاسمي
زهران القاسمي
TT

زهران القاسمي: الجبال والوديان فضائي المفضل للكتابة

زهران القاسمي
زهران القاسمي

يتنقل الشاعر العماني زهران القاسمي بين كتابة الشعر والرواية وغيرهما، ويرى أن ذلك يأتي من إيمانه بتكامل الفنون الإبداعية، كما أن الشعر برأيه ليس حكراً على الشعراء، بل هو لكل الناس. في أعماله يبرز مشهد الطبيعة العمانية، بجبالها ووديانها وصحرائها، كما في أحدث رواياته «تغريبة القافر» التي تدور أجواؤها حول ثلاثية الجفاف والمياه والخصب في أمكنة قروية.
هنا حوار معه حول روايته الجديدة وهموم الكتابة بشكل عام...
> في روايتك الجديدة «تغريبة القافر» تغادر إطار المدينة وتذهب إلى الجبل والطبيعة المفتوحة... هل هو البحث عن فضاء جمالي جديد للنص؟
- فضاء الرواية غالباً ما يرتبط بفضاء العمل الإبداعي، ليس هناك من تعمد أن يكون فضاء العمل السردي هو ذات المكان، ولكن تفرض عليّ ذلك طبيعة العمل، فلو كنت أشتغل على عمل تدور أحداثه في المدينة فستكون كل إشارات المكان وزواياه متجهة إلى تفاصيل المدن كالشوارع والأسواق والمقاهي والبنايات والدوائر الحكومية والشركات وغيرها، وكذلك لو كان العمل يتحدث عن صيادين فسيكون المكان عن البحر والشواطئ والحارات الساحلية وهكذا، ولأن أعمالي كانت تناقش مواضيع تتعلق بالجبال والقرى، لذلك كانت البيئة القروية حاضرة بقوة، فمثلاً في رواية «القناص»، لأنها تتحدث عن قناصي الوعول، وعن الأماكن التي تعيش فيها الوعول، كانت البيئة جبلية قاسية ووديان عميقة وغيرها من التفاصيل التي تتعلق بالمكان ذاته. وفي رواية «تغريبة القافر» التي تدور مناخاتها حول البحث عن المياه وعن الجفاف والخصب فهي بيئة قروية تماماً، لذلك تفاصيلها كانت تفاصيل القرية العمانية بكل ما تحوي من أشياء وبشر.
> في الرواية تأثرت لغتك بمهنة البطل، مكتشف أماكن تجمع الماء تحت طبقات الأرض، فيما يبدو الحبّ قبلة حياة لأرواح تائهة. لكن يظل المأزق الاجتماعي في مجتمع محافظ مربكاً، خاصة حين يكون أحد طرفي العلاقة أو كلاهما متزوجاً من آخر... كيف ترى ذلك؟
- الماء هو المكون الرئيسي للعمل، بحضوره أو غيابه، ومن الأكيد أن يتأثر الكاتب بذلك حتى يعيش الواقع المتخيل سردياً، ورغم طابع الرواية الذي جاء سلساً فإنها صعبة جداً كتابياً، لأنها تتكون من طبقات كثيرة ومن شخوص متعددة.
أما بخصوص المأزق الاجتماعي في مجتمع محافظ، فدائماً أرى في الحب معنى المخلص أو المنقذ، الحب يلغي الحواجز، وهو فوق كل مأزق، سواء أكان اجتماعياً أو نفسياً حتى جسدياً، قد يختلف من مجتمع إلى آخر، لكن هناك أرواحاً كما وصفتها «تائهة» لا سبيل لها سوى الحب.
> هل «خنت» الشعر لأنه محدود القراء، بحثاً عن الشهرة والانتشار والجوائز التي توفرها الرواية؟
- لم أخن الشعر، أنا أومن دائماً بتكامل الفنون الإبداعية والشعر ليس حكراً على الشعراء بل هو لكل الناس، والمقولة بخيانة الشعر إنما هي مقولة أنانية جداً، حتى الشعر لا ينادي بها، فوق ذلك ما زلت أصدر الدواوين الشعرية واحداً بعد آخر، بالتزامن مع الكتابة السردية.
والحقيقة أن كل الأنواع الأدبية في عالمنا العربي تعاني من ضعف في القراءة، وليس فقط الشعر. نعم، لا توجد قاعدة، ولا جمهور لقصيدة النثر، والسبب يكمن في جانبين مهمين، أولهما الشاعر نفسه، واختيار طريقته في كتابة النص النثري، وثانياً المتلقي والحكم المسبق على الأشياء، لكني أعود فأقول إن من يقرأ في وطننا العربي هم قلة، فكيف يكون عندي جمهور يهتم لما أكتب، في حين أنه لا يوجد أساساً من يقرأ إلا القلة، وهذه القلة لا تشكل ظاهرة تستطيع أن تغير من الواقع الموجود، في حين صارت القراءة أسلوب حياة لكثير من الشعوب الأخرى، فالمرأة اليابانية عندما تكتب قائمة بمتطلبات البيت الأسبوعية من أكل وكماليات أخرى، لا تنسى أن تكتب آخر الكتب والروايات التي نزلت حديثاً إلى السوق.
الشعر بخير، وله مستقبله، فقط تحتاج القصيدة النثرية فترة طويلة حتى يؤمن بها الناس، وقد يكون ما ننتجه الآن ما هو إلا تجارب في طريق تلك القصيدة، لذلك أؤمن بمستقبل مشرق للشعر، لأنه لا حياة بدونه أبداً، حتى لو أقصيت اللغة عن حياة الإنسان فسيخترع الأخير أداة جديدة ليعبر بها عن الشعر.
> ثمة غموض في شعرك كما في سردك، وتبدو كما لو كانت بحاجة إلى قارئ من نوع خاص... كيف ترى ذلك؟ وإلى أي حد استفدت من خلفيتك شاعراً في لغتك الروائية؟
- لغة الشعر كما هي معروفة مليئة بالجماليات، وهذا ما استفدت منه في نحت جماليات النص سردياً ولكن بطريقة الشاعر، وأيضاً بعيداً كل البعد عن الكتابة الشعرية، إنما الشاعرية تكون متضمنة في الطبقات الخفية في السرد الروائي. كما أن لكل نص بيئته ولغته، ولم أتعمد أبداً إرهاق القارئ، ولكن يحدث أن يدخل بعض من المتخيل في صناعة النص، ليس على حساب النص طبعاً ولكن لسحب القارئ شيئاً فشيئاً ليعيش المكان الذي يدور حوله النص، أما إذا كانت هنالك شكوى من عدم فهم لبعض النصوص، فربما تكون من النصوص القديمة المتأثرة بتجارب الآخرين، بالأحرى الطريقة التي يمارسها كثيرون حتى الآن، والتي أحاول أن أتجرد منها لتبقى اللغة الشعرية هي فقط من ينطق في النص. ذات مرة قال لي أحد الأصدقاء الشعراء إنني أكتب النص الشعري وكأنني أتحدث، كلامه أسعدني حينها لأنني أريد أن أصل إلى هذا الهدف في النهاية، أن يعود الشعر كما كان بهياً وقريباً من القلب، ولا عيب أن نقول قد أخطأنا في اختيار الطريق وأن نبحث عن طرق وأساليب أخرى، وفي النهاية لكل منا تجربته التي قد تنجح أو قد يكتب لها الفشل، فما نؤمن به اليوم قد لا نؤمن به غداً، كما قال الشاعر العراقي سركون بولص: «ما تبنيه اليوم قد ترقص على خرائبه غداً».
> تتسم تجربتك بغزارة الإنتاج شعراً ورواية ونصوصاً مفتوحة... كيف تتعايش مع هذا المزيج، ألا تخشى التكرار، خاصة أن أعمالك ابنة مكان واحد؟
- قد أستفيد من المكان الذي أعيشه في نحت الشخصية الروائية، لكنني أجزم أن هذه الروايات لا تشبهني، بعضها قد يأخذ قليلاً مني، لكن لا دخل لخلفيتي القروية في ذلك، كما أن القرى العمانية كلها تتشابه في تفاصيلها. المهم كيف تكون نفسك داخل كل هذا. وحتى الآن أنا مقتنع أنني لم أكرر نفسي في أي تجربة أو شكل إبداعي؛ خصوصاً الشعر والرواية، ذلك لأن المشروع الكتابي يأخذ أبعاده من طبيعته الذاتية كفنّ له تقاليده الخاصة، ما يجعله لا يتشابه مع المشروعات الأخرى.
> حصدت الكاتبة العمانية جوخة الحارثي جائزة «البوكر الدولية»، ألا يضع ذلك الروائيين العمانيين تحت ضغوط، بعد أن رفعت جوخة سقف النجاح والتوقعات؟
- في الحقيقة، ذلك يضعنا ضمن دائرة الاهتمام، وليس الضغط، فالأدب العماني لم يكن مقروءاً. وعلى العكس تماماً، مثل هذا الفوز يجعل الآخرين من لغات مختلفة والقراء العرب أيضاً يبحثون عن كتابات مختلفة للعمانيين.
> أخيراً، كيف ترى تعاطي النقاد مع مجمل تجربتك؟
- أنا شخص غير معروف في الوضع العربي العام، قد أكون معروفاً لدى العمانيين، ولكن ليس لدينا كثير من النقاد. حتى مع وجود النقاد نجد أن لكل ناقد طريقته وكتّابه الذين يُعجب بهم، ولا ضير ألا يلتفت أحد لكتاباتي، يكفيني أن يوقفني شاب في الطريق ويقول لي إنه قرأ كتاباً لي وأعجبه، هذا يعني لي الكثير، بدلاً من الكتابات النقدية التي لا أفهمها أصلاً!



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي