التطلع إلى العلوم والتقنية في 2022

التطلع إلى العلوم والتقنية في 2022
TT

التطلع إلى العلوم والتقنية في 2022

التطلع إلى العلوم والتقنية في 2022


مع دخولنا عام 2022، ازداد الزخم حول العلوم والتقنية في العالم بوتيرة متسارعة ومثيرة للدهشة، وتعالت الأصوات التي تنادي بأن تكون العلوم والتقنية الأساس في صنع السياسات في العالم.
فمن أزمة المناخ إلى جائحة فيروس «كورونا»، أصبح الجميع يتطلع إلى العلوم والتقنية باهتمام وتركيز غير مسبوقين، وأصبحنا نسمع مصطلح «قائم على العلم» (سواء انطبق ذلك أم لا) لإعطاء أي سياسة سلطة شرعية. ولا شك أن هذا الزخم الحالي للعلوم والتقنية يسلط الضوء على جوهر أعمالنا في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، التي أصبحت في هذا الوقت تمتلك المقومات والخبرة لدعم تطلعات المملكة العربية السعودية بشكل مباشر، والمساعدة في تدريب القوى العاملة في مجال العلوم والتقنية. وهذا بلا شك، يعكس أهمية العلم كعامل تمكين أساسي في رؤية المملكة 2030.

تطور الجامعات

وبالإضافة إلى منصبي رئيساً لـ«كاوست»، فأنا أعمل أيضاً في مجالس إدارات ولجان استشارية لكثير من المنظمات والهيئات في المملكة التي تصنع التغيير، مثل «معهد مبادرة مستقبل الاستثمار» (FII)، و«اللجنة العليا للبحث والتطوير والابتكار» (RDI)، و«الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (SDAIA)، و«مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية» (كاكست)، و«جامعة الملك فهد للبترول والمعادن»، و«نيوم». واستطعت من خلال العمل مع هذه الكيانات أن أشكل تصوراً من الداخل حول المبادرات الطموحة التي تقوم بها المملكة للنهوض بالعلوم والتقنية والتي ستكون أساسية في تشكيل مستقبلها.
تطورت الجامعات خلال العقود الأخيرة في نواحٍ كثيرة، وأصبحت اليوم في أتم الاستعداد لتلبية توقعات المجتمع في القضايا والتحديات الوطنية والعالمية الملحة التي تواجه البشرية، مثل تأمين مصادر الطاقة المتجددة، والتخفيف من ظاهرة تغير المناخ، وخلق بيئة واقتصاد مستدامين، واحتضان الثورة الرقمية مع الحد من تأثيرها على المجتمع، وتسخير العلم للتعامل مع قضايا الصحة العالمية. وجميع هذه التحديات تتوافق مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة التي تعمل بشكل حثيث على معالجتها متسلحة في جوهرها بالعلوم والتقنية. وعلى الجامعات أن تحذو حذوها وأن تسعى جاهدة للمساهمة بذلك، سواء في تطوير البحوث أو في «تطبيق ما تقوم بتعليمه على أرض الواقع» من خلال إدارة حرم جامعي مستدام وذكي.
سأستخدم «كاوست» هنا كمثال على المجالات التي يمكن أن تكون فيها أي جامعة بحثية مؤثرة جداً. فبعد أن قادت المملكة العربية السعودية بنجاح الاجتماع الخامس عشر لـ«مجموعة العشرين» في عام 2020، أعلنت عن توجهها من الاقتصاد الخطي التقليدي الذي يأخذ المواد الخام كمدخلات وينتج مزيجاً من المنتجات و«النفايات»، إلى الاقتصاد القائم على تدوير الكربون، الذي يشمل خفض الكربون وإزالته وإعادة تدويره وإعادة استخدامه. وأسهمنا في «كاوست» بهذا التوجه من خلال توفير مدخلات فكرية للمناقشة، حتى إننا بدأنا مبادرة تدوير الكربون الخاصة بنا في الجامعة.

مورد ثمين

ولأن المملكة العربية السعودية تعد من كبرى الدول الغنية بالمواد الهيدروكربونية (النفط والغاز)، فإن بإمكانها الاستفادة من هذا المورد الثمين في بناء عالم مستدام يتمحور حول مفهوم تدوير الكربون، ويتم تزويده بالطاقة بصورة أساسية من المصادر المتجددة. وهذا يتيح كثيراً من الاستخدامات الجديدة للكربون والهيدروجين، بصافي انبعاث صفري لثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. جدير بالذكر، أن «كاوست» تمتلك نخبة من العلماء والخبراء المتميزين في مجال تقنيات إزالة غاز ثاني أكسيد الكربون وعزله من الغلاف الجوي (سواء بشكل طبيعي أم تقني، وباستخدام الطاقة المتجددة)، فضلاً عن إنتاج وقود «الهيدروجين الأخضر» للتصدير، وفي الوقت نفسه استخدام هذا الكربون المعزول من الغلاف الجوي في إنتاج المواد الجديدة واستخداماتها المتعددة في عمليات البناء والتعبئة والتغليف، حيث يمكن أن يحل محل مزيد من المواد كثيفة الاستهلاك للطاقة، والتي تتعرض إمداداتها للتهديد بشكل متزايد. وبلا شك، سيكون مفهوم تدوير الكربون اتجاهاً عالمياً رئيسياً في عام 2022 وفي العقود المقبلة.
كما ستكون السيارات الكهربائية مفتاح الاقتصاد القائم على تدوير الكربون، وتستحق المراقبة عن كثب في عام 2022 وما بعده، خصوصاً أن بعض الدول أعلنت عن حظر بيع السيارات التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي بحلول عام 2025، وبدأت الأسواق في الاستجابة لهذا التوجه، خصوصاً في الصين التي أصبح لديها بدءاً من عام 2021 أكثر من 300 شركة لتصنيع السيارات الكهربائية، الأمر الذي يعكس طموحها لدخول هذه السوق بقوة.

أميركا والصين

من ناحية أخرى، سيؤدي هذا إلى تكثيف المنافسة الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة، والتي يمكن للمملكة العربية السعودية الاستفادة منها في كلا الاتجاهين. ومن المقرر أن تصبح «مدينة الملك عبد الله الاقتصادية» موقعاً لإنتاج السيارة الكهربائية الفاخرة لوسيد (Lucid)، والتي يمتلك «صندوق الاستثمارات العامة السعودي» فيها أسهماً كبيرة واستثمارات ضخمة.
وفي السياق نفسه، تستخدم السيارات الكهربائية بطاريات ضخمة من الليثيوم. الأمر الذي يجعل تصنيعها يعتمد على وجود موارد موثوقة وغير مكلفة من عنصر الليثيوم، والذي تمكن باحثو «كاوست» مؤخراً من استخلاصه بنجاح من محلول ملحي من مياه البحر، في عملية يسعى كثير من الشركات العالمية الآن للشراكة في تطويرها. وبالتالي، فإن المحلول الملحي الناتج عن عمليات تحلية مياه البحر، والذي كان يُنظر إليه سابقاً على أنه من النفايات، يمكن استخدامه الآن مصدراً للمعادن القيمة. وبصورة عامة، ستظل عملية تخزين الطاقة تمثل تحدياً رئيسياً ومجالاً سانحاً للتطوير والبحث في المستقبل القريب.
ويشكل إنتاج الغذاء تحدياً كبيراً للمملكة، في ظل قسوة مناخها، حيث تستهلك المملكة كثيراً من الطاقة والمياه العذبة خلال عمليات إنتاج الأغذية، بدءاً من استخدام الأسمدة والمبيدات الحشرية، وصولاً إلى زراعة النباتات الصالحة للاستهلاك البشري وللماشية، وأخيراً عمليات التعبئة والنقل والتحضير. وهناك ابتكارات علمية مثيرة في هذا المجال، خصوصاً في رفع مقاومة النباتات للآفات الزراعية المختلفة، وزيادة تحملها للجفاف والملوحة الشديدة. وتقود «كاوست» الأبحاث والعلوم والتقنية في هذا المجال، خصوصاً فيما يتعلق بمحاصيل الأرز والقمح والكينوا، حيث طور باحثو الجامعة تقنية زراعة الخضراوات والفواكه في مستنبتات زجاجية مناسبة للبيئات الصحراوية الساحلية، تكون موفرة للطاقة وتستخدم المياه المالحة. ولا بد لي هنا من ذكر شركة «مزارع البحر الأحمر» الناشئة في «كاوست»، والتي لديها الآن استثمارات بعشرات الملايين من الدولارات تخولها للعب دور ريادي في تقنيات الزراعة بالقرن الحادي والعشرين. وهذه دلالة على أن الإنتاج الفعال والمستدام للأغذية يشكل تحدياً عالمياً كبيراً لا يمكننا معالجته إلا إذا تقدمنا في العلوم والتقنية.

التحول الرقمي

وقد يكون مجال التحول الرقمي أكثر التطورات إثارة في العلوم والتقنية في عام 2022. وفي هذا السياق، أنشأت «كاوست» مبادرات جديدة في مجالات الذكاء الصناعي، والصحة الذكية، والأمن السيبراني، ونمذجة المناخ المستقبلي، والروبوتات، واستقطبت قيادات وأعضاء هيئة تدريس على أعلى المستويات في هذه التخصصات. كما دخلت الجامعة في شراكات مع القطاعات المختلفة في المملكة لتمكين «الثورة الصناعية الرابعة» من أجل التكامل الفعال والذكي لأنظمة الإنتاج اللامركزية والتحكم في «تقنيات إنترنت الأشياء» التي تشهد اليوم تطوراً متسارعاً. جدير بالذكر أننا في «كاوست» نطبق فعلاً ما نقوم بتعليمه، من خلال تبني التقنيات الذكية في بيوتنا ومختبراتنا وداخل الحرم الجامعي نفسه، ضمن مبادرة سميناها «كاوست الذكية» (KAUST Smart). ولا تزال الثورة الرقمية تتقدم بثبات، وستكون من الدوافع الرئيسية لأجندة العلوم والتقنية في المستقبل.
لقد أظهرت لقاحات فيروس كورونا (كوفيد - 19) ولقاحات الحمض النووي الريبي (mRNA) بوضوح أهمية الاستثمار في العلوم الأساسية لفترات طويلة، لأن الأزمات الطبيعية لا توفر دائماً للبشرية الوقت الكافي لمعالجتها. ومن هنا بدأت «كاوست» في طرح مبادرة الصحة الذكية، قبل أشهر فقط من تفشي الجائحة. وعلى الرغم من عدم وجود تخصصات للطب أو للأمراض المعدية في الجامعة، فقد قام عدد من أعضاء هيئة التدريس لدينا بتوجيه أبحاثهم لمعالجة هذا الوباء. وإحدى قصص النجاح في هذا الشأن هو تطوير «كاوست» لأول اختبار فحص لفيروس كورونا بتقنية تفاعل «البوليمراز المتسلسل للنسخ العكسي» (RT-PCR) بأيدٍ سعودية، واعتماده من «الهيئة العامة للغذاء والدواء» في المملكة، حيث تميز الفحص بسرعة إظهار النتائج وقلة تكلفته مقارنة بالبدائل الأخرى الموجودة في السوق. ويتم فعلاً استخدام هذا الاختبار في «كاوست» إضافة لتسويقه. ولا يزال المستقبل في «كاوست» عامراً بمزيد من الابتكارات، خصوصاً في مجال العلوم والتقنية المتعلقة بالرعاية الصحية التي باتت تحظى باهتمام متزايد.

العلم الكمي

ومن بين مجالات الاكتشاف الأساسية والتطبيقات التقنية الصاعدة والجديرة بالترقب في عام 2022 هو «العلم الكمي»، والذي حظي مؤخراً بتغطيات كثيرة، حيث لا يزال هذا المجال في مهده، ومع ذلك فقد استحوذ على خيال كثير من التقنيين، وشكك فيه البعض. وفي الواقع، لا يمكن لأي جامعة بحثية في مجال العلوم والتقنية أن تتغافل عنه. وفي حين أننا بعيدون جداً عن امتلاك أجهزة حاسوبية تعمل بالتقنية الكمومية للتطبيقات العامة، فإن استخدامها في تطوير أنواع جديدة من الاتصالات الآمنة وكسر الاتصالات المشفرة التقليدية يتطور بسرعة. ومع استثمارات تقدر بمليارات الدولارات في مبادرة البحث الكمي، فمن المؤكد أن هذه التقنية ستلعب دوراً في التداعيات المستقبلية على الأمن القومي والاقتصادي.
واليوم، أصبحت الصور العامة للعلوم والتقنية لدى المجتمعات حول العالم أكثر وضوحاً وإشراقاً، من خلال إدراكها بوجود تحديات كبيرة لا يمكن معالجتها عبر التشريعات أو المال أو القوة العسكرية، ولكنها تتطلب حلولاً جديدة قائمة على العلم. فلم يسبق في تاريخ البشرية أن نظرت المجتمعات إلى العلوم والتقنية كما تفعل اليوم، ولم نكن نتوقع، نحن العلماء، أن يكون العمل في الخطوط الأمامية بهذه الإثارة والحماس.



ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
TT

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء، أنه أجرى «مكالمة طويلة» مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، في أوّل اتّصال بينهما منذ الإطاحة بنيكولاس مادورو.

وقال ترمب لصحافيين في المكتب البيضوي «أجرينا مكالمة ممتازة اليوم، وهي شخص رائع»، مستطردا «ناقشنا أموراً كثيرة وأظنّ أننا نتفاهم جيّداً مع فنزويلا». ومن جانبها قالت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ‌إنها أجرت ‌مكالمة ‌هاتفية ⁠طويلة ​ومثمرة ‌ولائقة مع الرئيس الأميركي ناقشا فيها ⁠خططا ثنائية ‌لصالح ‍البلدين.

تزامناً، خاطب الرئيس الفنزولي المحتجز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو، مواطنيه من سجن في الولايات المتحدة وحثهم على دعم رودريغيز.

وقال نجل مادورو، نيكولاس مادورو غويرا، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الرسمية الفنزويلية (أيه في إن) إن: «الرسالة التي تلقيناها تقول: ثقوا في ديلسي وفريقها، وثقوا بنا». ووصف غويرا، مادورو وزوجته سيليا فلوريس بأنهما متماسكان جدا وقويان، ويتمتعان بضمير حي وثقة بالله والشعب الفنزويلي.

وكانت قوات خاصة أمريكية قد اعتقلت مادورو وفلوريس في كاراكاس في 3 يناير (كانون الثاني) ونقلتهما إلى نيويورك، وهناك، من المقرر أن يمثلا للمحاكمة بتهم مزعومة تتعلق بالاتجار بالمخدرات.

وعقب ذلك أدت رودريغيز، التي كانت سابقا نائبة الرئيس في ظل حكم مادورو، اليمين كرئيسة مؤقتة للدولة.

وأدانت رودريغيز بشدة العملية الأميركية واستمرت في الإشارة إلى أن مادورو باعتباره الرئيس الشرعي لفنزويلا، وعرضت أيضا على الولايات المتحدة إجراء محادثات حول تعاون محتمل.

وأفرجت رودريغيز عن عدد من السجناء السياسيين في الأيام الأخيرة، وترغب في الاستمرار بذلك.


هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

تكتسي غرينلاند أهمية حقيقية بالنسبة للدفاع الصاروخي الأميركي، ولكن لدى واشنطن خيارات أخرى لبناء الدرع الصاروخي أو «القبة الذهبية» كما سماها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من دون الحاجة إلى الاستحواذ على الجزيرة القطبية التي أكد أنّها «حيوية» للأمن الأميركي.

ما هي قدرات الدفاع الصاروخي الأميركي؟

يتألّف نظام الدفاع الصاروخي الباليستي الأميركي من أقمار صناعية وشبكة رادارات إنذار مبكر لرصد الصواريخ وتتبعها. وتتموضع هذه الأنظمة، في مواقع تشمل جزر الوشيان (المحيط الهادئ) وألاسكا وبريطانيا العظمى وغرينلاند.

ويمكن للولايات المتحدة أيضاً الاعتماد على رادارات سفن إيجيس المجهّزة بقدرات مضادة للصواريخ. كما يمكنها الاعتماد على الرادارات الموجودة في ديفيسيلو في رومانيا، وريدزيكوفو في بولندا.

وتملك واشنطن أنواعاً عديدة من الصواريخ الاعتراضية، بما في ذلك 44 صاروخاً من طراز «جي بي آي» (GBI) المنتشرة في كاليفورنيا وألاسكا.

ووفقاً لإتيان ماركوز، الباحث في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS)، فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال نشر هذه الصواريخ إلى «مواجهة أي تهديد قادم من القارة الآسيوية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ «صوامع صواريخ (جي بي آي) ليست في وضع جيد لاعتراض أي تهديد قادم من روسيا».

وأوضح ماركوز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنّ نشر صواريخ «جي بي آي» لن يكون مرجّحاً في مواجهة تهديد من الشرق، إذ يمكن نشرها بدلاً من ذلك في شمال شرقي الولايات المتحدة.

ورأى أنّه إذا كان هدف ترمب وضع رادارات وصواريخ اعتراضية «في المكان المناسب»، فإنّ السبب المعلن وراء ضم غرينلاند ليس إلا «ذريعة»، موضحاً أنّ «هناك بعضاً من هذه الصواريخ في بولندا ورومانيا، لذا فإنّ هذه الحجة غير مقنعة».

فضلاً عن ذلك، تملك الولايات المتحدة على متن مدمّرتها من طراز «إيجيس»، وأيضاً في بولندا ورومانيا، صواريخ «إس إم-3» (SM-3) المصمّمة لاعتراض الرؤوس الحربية النووية في الفضاء بمجرّد انفصالها عن الصاروخ، بينما يمكن لنظام «ثاد» الأميركي اعتراض الرؤوس الحربية خلال المرحلة النهائية في طبقات الغلاف الجوي المرتفعة.

ما هو مشروع القبة الذهبية؟

فور توليّه منصبه، أعلن الرئيس ترمب عن مشروع القبة الذهبية، الذي يهدف إلى حماية الأراضي الأميركية من جميع أنواع الصواريخ. ويعتزم الرئيس الأميركي تخصيص 175 مليار دولار لإنشاء نظام تشغيلي بحلول نهاية ولايته، وهو طموح يعدّه العديد من الخبراء غير واقعي في غضون هذه الفترة الزمنية.

ووفقاً لتقديرات تود هاريسون من معهد «أميركان إنتربرايز» (American Enterprise Institute)، سيكلّف المشروع نحو تريليون دولار على مدى 20 عاماً وما يصل إلى 3.6 تريليون دولار لدرع أكثر فاعلية.

ويتمثّل الابتكار الرئيسي المخطط له، في نشر أسطول من الأقمار الصناعية الاعتراضية في مدار أرضي منخفض، معدّة لتخرج من مدارها لتصطدم بالصاروخ المستهدف.

وقال إتيان ماركوز إنّه «في حال الفشل، يجب أن تكون هناك خيارات إطلاق أخرى»، مشيراً إلى أنّ «الولايات المتحدة ستقوم أيضاً بتحسين» قدراتها الصاروخية والاعتراضية براً وبحراً.

لماذا غرينلاند؟

وفيما أوضح أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تُطلق على الولايات المتحدة ستمر فوق القطب الشمالي، فقد أشار إلى ضرورة امتلاك رادارات للكشف عنها وقدرات اعتراضية. ويملك الجيش الأميركي حالياً أنظمة رادار في قاعدته في بيتوفيك في شمال غربي غرينلاند.

وفي ما يتعلق بعمليات الرصد، فقد قال ماركوز إنّه «من المفيد دائماً وجود رادارات في غرينلاند» لتتبع الصواريخ في الفضاء، لكنّه أشار إلى أنّ «أهميتها ستتضاءل تدريجياً»، موضحاً أنّ «الولايات المتحدة تنشر حالياً أقماراً صناعية في مدار أرضي منخفض (HBTSS)، خصوصاً لتتبّع الصواريخ خلال تحليقها خارج الغلاف الجوي».

علاوة على ذلك، فإن اتفاقيات الدفاع الحالية بين الولايات المتحدة وغرينلاند والدنمارك تسمح لواشنطن بالقيام بالكثير.

وقالت ميكا بلوجيون ميريد، الباحثة في الجغرافيا السياسية القطبية، لوكالة «فرانس برس»، إنّ «بإمكان الولايات المتحدة وضع موارد تقنية ومادية وبشرية في غرينلاند من دون قيود. بل يمكنها أيضاً أن تعيد تموضع مواردها النووية إذا أرادت. ومع ذلك، فإن النقطة الأساسية هي ضرورة إبلاغ السلطات في الدنمارك وغرينلاند واستشارتها».

وأضافت: «إذا رفض الدنماركيون مشروعاً بعد استشارتهم، وقامت الولايات المتحدة بتنفيذه من جانب واحد، فقد يُفسر ذلك على أنه انتهاك للسيادة الدنماركية، وسيؤدي إلى تصعيد دبلوماسي وسياسي. لذا، لا تملك الدنمارك حقّ النقض بالمعنى القانوني للكلمة، ولكن في الواقع، فإنّ ما تفعله الولايات المتحدة في غرينلاند يتطلب اتفاقاً سياسياً».


وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

انتهى الاجتماع الذي عقده نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مع لارس لوك راسموسن وزير خارجية الدنمارك وفيفيان موتزفيلدت وزيرة خارجية غرينلاند، صباح الأربعاء بالبيت الأبيض، دون التوصل إلى اتفاق وسط إصرار من جانب الرئيس دونالد ترمب على الاستيلاء على الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي تحت التاج الدنماركي، وإصرار أكثر دبلوماسية من الجانبين الدنماركي والغرينلاندي على حماية السيادة ورفض التهديدات الأميركية والتأكيد أن الجزيرة ليست للبيع وأن سكانها يفضلون البقاء جزءاً من المملكة الدنماركية بدلاً من الانضمام إلى الولايات المتحدة.

وعقب الاجتماع، لمّح الرئيس الأميركي إلى إمكانية التوصّل إلى حلّ بشأن غرينلاند. وقال ترمب في تصريحات للإعلام من المكتب البيضاوي إن «العلاقة جيّدة جدّا مع الدنمارك» التي تتبع لها غرينلاند، وأضاف «أظنّ أننا سنتوصل إلى شيء ما».

وحاول كل من فانس وروبيو عرض خيارات متنوعة بما في ذلك استثمارات اقتصادية، فيما كرر مسؤولا الدنمارك وغرينلاند رفضهما لهذه الإغراءات الأميركية. وتجنباً للتصعيد قدم الجانب الدنماركي مقترحات بتعزيز التعاون وإنشاء مجموعة عمل بين كافة الأطراف بما يمنع انفجار أزمة داخل حلف الناتو.

وصرحت فيفيان موتزفيلدت، وزيرة خارجية غرينلاند، للصحافيين بعد الاجتماع بأن الوفد أظهر «الحدود الواضحة للسيادة»، مضيفة أن «من مصلحة الجميع العثور على الطريق الصحيح». وشددت موتزفيلدت على رفض نوك (عاصمة غرينلاند) أي تنازل عن سيادتها كإقليم ذاتي الحكم تابع للدنمارك، مؤكدة أن الاجتماع كان خطوة لتجنب التصعيد.

تهدئة التصعيد

من جانبه قال لوك راسموسن وزير الخارجية الدنماركي للصحافيين، إنه يأمل أن يساعد الاجتماع بشأن غرينلاند في البيت الأبيض حكومات الدول الثلاث على تهدئة حدة الحوار الدبلوماسي بعد تبادل الانتقادات اللاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال: «هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من الجلوس على مستوى سياسي رفيع لمناقشة الأمر، ونأمل في خفض درجة الحرارة الدبلوماسية بعد تبادل الاتهامات على وسائل التواصل».

وأضاف أن سبب طلب الدنمارك وغرينلاند عقد الاجتماع هو إضفاء مزيد من الدقة على المناقشة، وقال: «من المفيد بدء المناقشات على مستوى عالٍ»، واصفاً الاجتماع بأنه «صريح وبناء»، وأقر بوجود «خلاف أساسي وقال: «اتفقنا ألا نتفق».

وأشار لوك راسموسن إلى أن الولايات المتحدة قلصت وجودها العسكري في غرينلاند بعد الحرب الباردة، عندما كانت تمتلك عدة قواعد وآلاف الجنود في الجزيرة. الآن، لا تملك الولايات المتحدة سوى قاعدة واحدة هناك. كما أشار إلى اتفاقية تعود إلى حقبة الحرب الباردة تمنح الجيش الأميركي حق الوصول الواسع إلى غرينلاند، والتي قال إنها ستسمح للولايات المتحدة بتحقيق جميع أهدافها العسكرية.

متظاهرون خلال مظاهرة تحت شعار «غرينلاند ملك لشعب غرينلاند» في نوك... غرينلاند في 15 مارس 2025. وقال رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن في 14 يناير 2026 إن الوقت الحالي «ليس مناسباً» للحديث عن استقلال الجزيرة القطبية الشمالية في المستقبل وتعريض حقها في تقرير المصير للخطر... في ظل تصاعد تهديدات الرئيس الأميركي ترمب بالسيطرة عليها (أ.ف.ب)

وفي إجابته عن أسئلة الصحافيين حول الأوضاع الأمنية ومطامع روسيا والصين التي يحذر منها الرئيس ترمب قال راسموسن: «نتشارك معه، إلى حد ما، في مخاوفه. هناك بالتأكيد وضع أمني جديد في القطب الشمالي والشمال الأقصى». لكنه رفض أي فكرة لبيع الجزيرة.

وأوضح وزير الخارجية الدنماركي أن الاتفاقية المبرمة بين بلاده والولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمنح الجيش الأميركي «وصولاً واسعاً» لجزيرة غرينلاند، قائلاً إنها كافية لتحقيق جميع الأهداف العسكرية. وأوضح أنه اقترح تشكيل «مجموعة عمل عالية المستوى» لمناقشة أمن غرينلاند – قد تجتمع في أسابيع – يمكن أن يكون بوابة لتفادي الأزمة.

وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت تتحدث في مؤتمر صحافي عُقد في سفارة الدنمارك يوم الأربعاء الموافق 14 يناير 2026 في واشنطن (أ.ب)

كاريكاتير البيت الأبيض

ونشر البيت الأبيض كاريكاتيراً على منصة «إكس» أثناء الاجتماع، يظهر زلاجتي كلاب تحملان علم غرينلاند أمام طريقين في تل ثلجي. طريق يؤدي إلى علم أميركي يغطي الشمس فوق البيت الأبيض، والآخر إلى برق خلف أعلام روسية وصينية. لا وجود لطريق يؤدي إلى الدنمارك! في إشارة إلى موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب واستراتيجيته في تصوير مستقبل غرينلاند كخيار بين «الأمان الأميركي» و«التهديد الشرقي»، في حملة نفسية من واشنطن لتصوير الدنمارك كـ«غائبة» عن المعادلة، مما يضغط على غرينلاند للانفصال عن كوبنهاغن.

غير مقبول

واستبق الرئيس ترمب هذا الاجتماع ونشر في وقت مبكر صباح الأربعاء تغريدة على منصة «تروث سوشيال» قال فيها إن أي شيء أقل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند سيكون «غير مقبول».

وأضاف ترمب: «تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. إنها حيوية لمشروع القبة الذهبية الذي نبنيه. يجب أن يقود حلف الناتو الطريق لنا للحصول عليها. إذا لم نفعل ذلك، فستفعل روسيا أو الصين، وهذا لن يحدث!». وتابع: «عسكرياً، من دون القوة الهائلة للولايات المتحدة، التي بنيتُ جزءاً كبيراً منها خلال فترة ولايتي الأولى، وأعمل الآن على رفعها إلى مستوى جديد وأعلى، لن يكون حلف الناتو قوة فعالة أو رادعة - على الإطلاق! إنهم يعرفون ذلك، وأنا أيضاً أعرف ذلك». وشدد موجهاً حديثه لدول حلف الناتو: «حلف الناتو يصبح أكثر قوة وفعالية بكثير مع وجود غرينلاند في أيدي الولايات المتحدة، وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول».

تحركات عسكرية أوروبية

وقد حشد حلفاء الدنمارك في حلف الناتو - الدول الأوروبية الكبرى بالإضافة إلى كندا - دعمهم لها هذا الأسبوع ببيانات تؤكد مجدداً أن «الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران بشأن المسائل المتعلقة بعلاقاتهما»، وشددوا على أنهم حريصون مثل الولايات المتحدة على أمن القطب الشمالي، وقالوا إنه يجب تحقيق ذلك بشكل جماعي من قبل الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، كما دعوا إلى «التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود».

غادر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض بعد اجتماع مع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت في واشنطن العاصمة في 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وحذر مفوض الدفاع الأوروبي أندريا كوبيليوس من أن «الاستيلاء العسكري الأميركي على غرينلاند سيكون نهاية الناتو»، واقترح تعزيز الدعم الأوروبي لغرينلاند، بما في ذلك نشر قوات وبنية تحتية عسكرية مثل سفن حربية وأنظمة مضادة للطائرات من دون طيار، إذا طلبت الدنمارك ذلك. فيما أعلنت السويد إرسال ضباط عسكريين إلى غرينلاند، كجزء من تعزيز الوجود العسكري في الجزيرة التابعة للدنمارك، واكد رئيس الوزراء السويدي اولوف كريسترسون أن الضباط السويديين وصلوا إلى غرينلاند كجزء من مجموعة من عدة دول حليفة للمشاركة في تمارين عملية القطب الشمالي بناءً على طلب رسمي من كوبنهاغن.

ويقول المحللون إن السويد، كعضو جديد في الناتو، وبهذه التحركات ترسل رسالة واضحة للإدارة الأميركية بأن أوروبا لن تترك الدنمارك وحدها، وأن منطقة القطب الشمالي ليست ملعباً أميركياً حصرياً، على أمل أن يدفع ذلك الرئيس ترمب إلى إعادة حساباته.