السرد النسوي «غير الطبيعي» في روايات أنجيلا كارتر

كاثرين روماجنولو تقرأ أعمالها بشكل مغاير

أنجيلا كارتر
أنجيلا كارتر
TT

السرد النسوي «غير الطبيعي» في روايات أنجيلا كارتر

أنجيلا كارتر
أنجيلا كارتر

اهتمت الناقدة كاثرين روماجنولو بدراسة السرد النسوي غير الطبيعي في رواية «ليالي السيرك» «Nights at the Circus1984» لأنجيلا كارتر وذلك في بحثها المعنون «اتصالات غير طبيعية: التجريب النسوي غير الطبيعي في رواية ليالي السيرك» المنشور في كتاب «السرد غير الطبيعي: الامتدادات والمراجعات والتحديات» تحرير جان ألبر وبراين ريتشاردسون، والصادر عن جامعة ولاية أوهايو عام 2020. وروماجنولو باحثة وأستاذة في جامعة وادي لبنان الخاصة في بنسلفانيا في أميركا، ولها كتاب نقدي هو «أفعال افتتاحية: البواكير السردية في قصص القرن العشرين النسوية» 2015. ولأن في رواية «ليالي السيرك» خرقاً لمواضعات السرد الواقعي وتعطيلاً لدور المحاكاة الأرسطية في صنع الحبكة القصصية، تناولت روماجنولو خصائص ما فيها من سرد نسوي قاسٍ ومختلف كانت قد عُرفت به الروائية أنجيلا كارتر التي تعد واحدة من الروائيات ما بعد الحداثيات، كونها حولت واقعية ماركيز السحرية وأدب دي ساد العنيف إلى واقعية أنثوية سحرية، تجسدت واضحة على يد بطلة الرواية «فيفير Fevver» المرأة المجنحة التي امتلكت جناحين طويلين يمتدان على طول ظهرها وهما اللذان جعلاها لاعبة محترفة داخل سيرك هو المعادل الموضوعي للعالم الكبير الذي نعيشه.
ودراسة كاثرين روماجنولو للنسوية غير الطبيعية في هذه الرواية إنما تأتي في سياق ما أخذ يحظى به علم السرد غير الطبيعي من اهتمام بعض النقاد في العالم، بحثاً عن نظرية لنموذج إنتاجي جديد يوظّف في السرد أساليب مضادة للواقعية وبسمات تتجاوز الصور السحرية والغرائبية والفانتازية بالعموم، وتدخل في إطار الاستحالة واللامعقول، عبر إنشاء مواضعات تخرق كل ما هو معتاد في الفعل السردي وتعطله بنماذج جديدة من الساردين والشخصيات والأزمنة والأمكنة والأوصاف والمنظورات مع تجريب آليات قراءة جديدة واستراتيجيات تلقٍّ مبتكرة. وليس السرد غير الطبيعي في حقيقة الأمر سوى عودة بالسرد الواقعي إلى الخيالية التي عرفتها الحكايات الخرافية والملاحم وقصص العصور الوسطى حتى روايات القرن الثامن عشر التي بدأت تتخلص تدريجياً من جموح الخيال متسمةً بواقعية كلاسيكية على وفق مواضعات المحاكاة الأرسطية واستمرت من بعدها على هذا التوجه روايات القرن التاسع عشر وبعض روايات القرن العشرين. وما يفعله السرد غير الطبيعي أنه يمارس خرقاً كتابياً للفهم المعتاد للواقعية مستعيضاً عن المحاكاة بما هو غير معقول أو لا ممكن وبطرائق مرنة إما كممارسات وتجارب وإما ككائنات غير واقعية. وما يُراد من وراء التمثيل السردي لعوالمها المستحيلة هو أن تبدو منطقية ومتوافقة مع ما هو واقعي.
وعلى الرغم من أن التنظيرات التي وضعها منظّرو علم السرد غير الطبيعي ليست مختلفة كثيراً عن السرد الطبيعي فهي مبنية أو مستوحاة من دراسات منظرين شكلانيين وبنيويين مثل شكلوفسكي وباختين وجينيت... فإن هناك بعض التوجهات التي تبدو ثقافية أكثر منها نقدية، ومنها دراسة كاثرين روماجنولو آنفة الذكر، وفيها أوْلت السرد النسوي اهتماماً، متتبعةً الطبيعة الأدائية للسرد النسوي في «ليالي السيرك» وأخلاقية وجهات النظر الآيديولوجية فيها والطريقة التي بها اختلفت المؤلفة أنجيلا كارتر عن كاتبات عُرفن بأنهن روائيات نسويات مثل الأميركية توني موريسون والكندية مارغريت أتوود والصينية ماكسين هونغ كينغستون.
وأساس اختلاف كارتر عنهن أنها خرقت استراتيجيات السرد التقليدية وانزاحت عن البنى المهيمنة في صناعة الذات النسوية وتوجهت بدل ذلك إلى تجسيد العلاقة الإشكالية بين النسوية والمواقف الفلسفية ما بعد الحداثية أو ما سمّته روماجنولو «التقارب الاختياري بين النسوية وما بعد الحداثة» (الكتاب، ص 13) وهو ما يجعل النسوية في موضع التساؤل حول القيم التي تنادي بها الحركة النسوية بعمومها. وأشارت الناقدة إلى آراء بعض منظّرات ما بعد الحداثة، ومنهن ليندا هيتشون التي ذهبت إلى أن النموذج النقدي لنسويات ما بعد الحداثة نموذج عابر ومتقاطع يفكك ويتحدى السائد من الخطابات الذكورية من خلال التركيز على الوعي الذاتي وتوظيف المحاكاة الساخرة.
وما سعت إليه روماجنولو هو الانعطاف بالنظرية السردية نحو نسوية غير طبيعية من خلال التركيز على استراتيجيات التجريب السردي في التحايل على الهيمنة الذكورية مما كان قد حددها وتحدّث عنها منظّرو السرد غير الطبيعي مثل جان ألبير وهنريك سكوف نيلسون وبراين ريتشاردسون وستيفان إيفرسون.
وليست اللاطبيعية في النسوية سوى التحوّل الخيالي المخيف والمنتهك لحدود الواقعية التقليدية وما عرفته النظريات السردية حول أعراف السرد النسوي التاريخية التي تقوم على تقويض آيديولوجيات الهيمنة الذكورية بينما يعمل السرد النسوي غير الطبيعي على تخريب تلك الأعراف التاريخية آيديولوجياً باستعمال لغة تعطِّل ما هو عقلي بما هو جنوني، مستبعدةً المنطق ومتعمدةً أن تزعزع أفق التوقع بطرق مستحيلة. فتغدو جدلية الطبيعة - الثقافة هي نفسها جدلية الخيال- الآيديولوجيا. وهو ما عكسته رواية «ليالي السيرك» التي وظّفت الجندر بشكل لا يمكن إنكاره أو تجاهله مع أنه تخريبي وقمعي يُخضع النسوية ويقهرها ويشيئها.
وهذا هو مَوطن الاستفزاز في تجريب السرد النسوي غير الطبيعي لأن عواقبه تربك المنظور النسوي المعتاد أو الطبيعي -كما تسميه مونيكا فلودرنك- وما يترتب على ذلك من آثار تفسيرية ومنها مفهوم «التجنس naturalization» كنمط سردي يخالف الأنثوية وما فيها من أسطورية ورومانسية. وهو ما تجسد في البطلة التي ما عاد عالمها يحفل بـ«جمال نائم» ينتظر أن ينقذه أمير، ولا أميرة تشعر بأنها في خطر وأن هناك «شاباً سيأتي وينقذها» إلى آخره من الصور المعتادة التي غادرها هذا السرد غير الطبيعي، بل الصيغة التي وفقها تتحرك الساردة - البطلة هي السخرية من استراتيجيات النسوية السردية والميتاسردية والتقاطع مع أساليبها الواقعية في التعامل مع التحيز الذكوري عبر استعمال التقانات الفنية بطريقة غير معقولة تجعل الصوت الأنثوي مستحيلاً جسدياً ومكانياً وزمنياً. وتصبح البطلة (Fevver) -التي كانت في صباها تنمو بطبيعية- تلك المرأة الطائرة الشقراء الصاخبة التي تسرد قصتها بضمير المتكلم وقد نما لها جناحان فجأة وبهما أتقنت الرقص على حبال السيرك باحتراف من دون اكتراث جسدي ولا استغراب ذهني، مستحضرةً أسطورة كوبيد، متحولةً أنثى قوية بينما هي تتحدث بجدارة ذكورية كأنها مخوّلة من هذه الأخيرة لأن تمارس سلطتها.
وهذا بالطبع مستحيل، وهو مختلق ووهمي، بيد أن بطلة الرواية تمارسه بصوتها وجسدها في شكل تمثيل ذكوري لذاتٍ هي أنثى وبوجهة نظر نسوية متحيزة جنسياً للمرأة مستعملة للتعبير عن ذاتها أوصافاً شعرية مثل «فرس رقيق أكثر من ملاك» مزيحةً بذلك السمات غير الطبيعية ومضفية على السرد منطقية مقبولة. وهذا التنازع السردي بين المستحيل والمنطقي هو ما تسميه الناقدة روماجنولو «التشرذم» بين سلطة ذكورية استولت عليها امرأة وسلطة أنثوية تستولي عليها الذكورية.
والنتيجة أن السلطة ستغدو مجزأة، يصعب تحديد موقعها وتحديد الصوت الذي يمثلها، فهي بالنسبة إلى الذكورية مجرد هيكل، وبالنسبة إلى النسوية لا تتعدى الخضوع الجنساني في التمسك بالمفهوم التقليدي للسلطة.
وما تنتهي إليه روماجنولو هو أن قصص أنجيلا كارتر تعتمد على ما في عالم السرد الطبيعي من قواعد المكان والزمان ولكنها في الآن نفسه تخالف هذا العالم وتتحرك باتجاهات متضادة وغير منطقية يستحيل وقوعها غير أن منظور السارد الذاتي هو الذي يجعل احتمالات وقوعها واردة من خلال عدسة تقرب اللامعقول وتجعله عقلانياً. والغاية توجيه التفكير نحو قراءة المشهد السردي قراءة مخالفة فليس النص انعكاساً مباشراً للسلطة الجندرية بين المذكر والمؤنث، ولا هو تعددية الصوت السردي من ذكوري وأنثوي، وإنما هو تفكيك سلطة المذكر بتشيئية الأنثى وإضفاء مركزية على الذات المؤنثة من خلال تفسير خاص ومعقد للتاريخ والذاكرة والسرد معاً. إن هذا الذي تعكسه قراءة روماجنولو لرواية «ليالي السيرك» يقدم رؤية جديدة للاطبيعية في السرد النسوي كما يسلِّط أضواءً نقدية على كيفيات تحقيق التكافؤ الآيديولوجي بين الجنسين في تمثيلات السرد النسوي باتباع طرق غير معتادة وجديدة تخالف تلك المفاهيم التقليدية وتبتكر تفسيرات جنسانية ما بعد حداثية مختلفة لمفاهيم السلطة والجندر والهوية والصوت.



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.