الثقافة العربية الراهنة بين الذاتية والآخرية

الثقافة العربية الراهنة بين الذاتية والآخرية
TT

الثقافة العربية الراهنة بين الذاتية والآخرية

الثقافة العربية الراهنة بين الذاتية والآخرية


1- ما الصفة أو الصّفات التي يمكن أن نُطلقها على الثقافة العربية السائدة، تخصيصاً لها وتمييزاً، بين ثقافات الشعوب؟
أهي مثلاً، ثقافة عقلية، ثقافة إبداعٍ وابتكارٍ تفتَتِح آفاقاً جديدة للمعرفة، أم ثقافة نَقْلٍ واستعادة من جهة، وترجمة وتفاعُلٍ من جهة؟
أهي ثقافة بَحثٍ دقيقٍ وصعب، أم ثقافة مرجعٍ، عامّ وسهل؟
ما مكانُ العلم ومكانتُه فيها، استقصاءً لأسرار الطبيعة، واكتشافاً لمجهولاتها؟
ما مكانُ الفلسفة ومكانتُها، اكتناهاً لمعنى الإنسان، وجوداً وحياة ومَصيراً؟
ما الجديد الذي قدّمته وأسهمت به في بناء عالم المعرفة، على المستوى الكَونيّ، بدءاً من سقوط الخلافة في صورتها العثمانيّة، والتي سجَنَت عالم اللغة العربية في ظلماتٍ مُتَنَوِّعة، على مدى أربعة قرون؟
ما موقعُ اللغة العربيّة الأمّ في إنتاج المعرفة اليوم؟
هل يُتقِنُ العربي اليوم لغتَه - الأمّ الإتقانَ الضّروري الذي يتيح له أن يُبدع بها وفيها، كما فعل أسلافُه؟
لماذا لا يزال الجمهور الإسلامي العربي يتقبَّلُ عالم الجِنِّ والسّحر، أكثر مما يتقبّل عالم ابن رشد أو ابن عربي أو المعرّي أو الرّازيّ، تمثيلاً لا حصراً، لكي لا نقول ديكارت وفرويد وماركس واينشتاين، تمثيلاً لا حصراً؟
لماذا، مع هذا كلّه، يتواصَل بروز الأفراد العرَب في جميع الميادين المعرفيّة الخلاّقة، خارجَ بلدانهم العربيّة التي وُلِدوا فيها؟ وهو سؤالٌ ضروري للتّذكير بأنّ القُصورَ ليس في الفرد العربي كطبيعة، وإنّما هو في السّلطة ومؤسّساتها. ولماذا إذن يُتابِع العربُ بناءَ سلطاتٍ لا ترى إلى الثّقافة، في مختلف تجلّياتها، إلا بوصفها وظيفة وأداة في خدمتها، إدارياً وسياسياً، ولا ترى المثقّفين إلا بوصفهم موَظَّفين؟
هل علينا، إذن، أن نخضعَ ما تراه سلطاتُ العرب ونكرِّر ما تقوله: ليست الثّقافة معرفة للكشف عن أسرار الطبيعة، وإنّما هي وظيفة من وظائف السّلطة؟

2- كيف يصحُّ الكلامُ على الثّقافة العربيّة إذا لم تتصدّرْهُ هذه التساؤلات أو ما يُشبِهُها؟ ويعرف جميعُ المَعنِيين أنَّ الأجوبة عنها موضِعُ اختلافٍ واسعٍ، وجذريٍّ، أحياناً. وفي هذا ما يُشير إلى أنّ الخِلافَ بين المثقّفين العرب، إنّما هو، عُمقيّاً، خلافٌ في مستوى الهويّة، وإلى أنّ هويّة الثّقافة العربيّة ملتبسة، مُتَقَلْقِلة، غائمة، شبهُ ضائعة. ومَن ينظر إليها بعمق، في واقعها العميق، سيرى أنّها مُكَوَّنة من ظَواهِرَ - «قبائل»، تتعارض، وتتناقّض، وتتنافى، فيما توصَفُ بأنّها تعيش في «بيتٍ» واحد. وبما أنّها، في جوهرها، ثقافة سلطَويّة، فإنّ مُنتِجيها يعيشون في تَزاحُمٍ مَصلَحيّ، فردي - لا يمكن أن يؤدّي إلا إلى مَزيدٍ من البؤس، في مختلفِ دلالاته.

3- تحرَّكت الثّقافة العربيّة وتتحرك، بدءاً من ظهور الوحْي الإسلاميّ، في محيطٍ دينيّ. وفي هذا المحيط تغلَّبَت أمواجُ التسييسِ على النّظرة إلى الوَحْي. وتغلَّبَت تبعاً لذلك التأويلات التي تربط السّلطة بالدّين رَبطاً عضويّاً، بوَصفِه القاعدة الأولى للنّظر والعمل. ونعرف عنفَ الصِّراع بين هذه السّلطة ومُنتِجي الثّقافة في مختلف تجلّياتها، ومن ضمنها الشعر نفسه، النّتاج الثّقافي الأوّل باللغة العربيّة. ولا يزال هذا الصّراع قائماً حتّى الآن، بشكلٍ أو آخر، بطريقة أو بأخرى. ولا أجد هنا مجالاً للدخول فيه: أسباباً ونتائج، خصوصاً أنّ جميع المَعنيين يعرفونه.
لكن ما يجب التوكيد عليه هو أنّ هذه التآويل أفسدَت ثلاث قضايا كبرى:
1 - الثّقافة أو إنتاج المعرفة إبداعيّاً، بحيث صارت الثقافة تراكماً، لا استقصاءً.
2 - تحويل الدين إلى أداة سياسيّة عنفيّة، بحيث وصلَ عنفها إلى درجة إعطاء السلطة مرتبة الغاية والمَرجع والقرار، بدلاً من أن تكون تتويجاً حُرّاً تُنجِزُهُ إراداتٌ وحُرّيّاتٌ وحقوق.
3 - بدلاً من أن يظلَّ الدّين فضاءً فرديّاً حرّاً، حوّلَتهُ السلطة إلى نظامٍ مُغلَقٍ واحِدِ البعد لرقابة مُتَعددة الأبعاد، نظام ٍ يمجِّدها ويحميها، ويدافِعُ عنها.

4- لا نجد في الثّقافة العربيّة اليوم، ما يمكن النّظرُ إليه، بوصفهِ إبداعاً عربيّاً، يقدم الجديد والمختلف على المستوى الكوني إلا في عالم الآداب ـــ الشعر والرواية والغناء والموسيقى والفنون التشكيلية، أي في كل ما هو مَدارُ جدلٍ بين التآويل النّقليّة وحركيّة الإبداع.
أمّا الفلسفة والعلوم، بتنويعاتها جميعاً وبخاصّة الحديثة (الذرّة، والتقنية، وعلوم الفضاء)، فهي في تناقض، على الصّعيد المَبْدَئيّ، مع الرّؤية الدينيّة، ذلك أنّها جوهريّاً سؤالٌ، بينما الرّؤية الدينيّة جواب. ولا يستطيع أهل الفلسفة والعلم أن يطرحوا أسئلتهم على النّصوص الدينية المؤَسِّسَة ذاتها ويكتفون بطرحها على الشروح وتآويلها، كما حدث ويحدث حتى الآن. وهذا لا يؤدّي إلى إنتاج علمٍ جديد، أو فكرٍ خلاّق، أو فلسفة ذات رؤى جديدة. وإنّما يؤدّي إلى نوعٍ من إعادة الكتابة، أو من الاستعادة. وهذا ما يُبقي الإنسان أسيراً للآلة الفكريّة السياسيّة الدينيّة، وهي التي تتمثّل في قَوْلَين ـــ قاعدتين:
- الأولى للإمام الشافعيّ: «مَن قال برأيِهِ في القرآن، فهو مُخْطِئ وإن أصاب». ومعنى ذلك أنّ الفردَ لا رأي له في الدّين، وإنّما الرّأي للجماعة - الأمّة التي تمثّلها السّلطة.
- والثّاني للفارابي: «كلُّ مَوْجودٍ في ذاتِهِ، فذاتُه له، وكلُّ موجودٍ في آلة فذاتُه لغيرِه».
وهما قولان لا يمكن التحرُّر مما يشيران إليه إلا بتأويل آخر للدّين يمكن أن ينهض بعضه على الوحي نفسه، ممثَّلاً بآياتٍ كمثل: «لا إكراهَ في الدّين»، «لكم دينُكم ولِي دين»، وكمثل هذه الآية على الأخصّ، التي يخاطِب بها اللهُ نبيَّه: «إنّك لن تَهدي مَن أحببتَ، ولكنّ اللهَ يهدي مَن يشاء».
وهذه آياتٌ أذكرها تمثيلاً، لا حَصراً.

5- منذ بدايات التأسيس للخلافة الإسلاميّة وسلطاتها، أخذت الثّقافة في عالم اللغة العربيّة تنهض على قاعدتين: الأولى تتمثّل في الوحي الديني الذي نزل باللغة العربيّة نفسها، لغة الشعر والغناء، لغة الحياة وحقوقها وحرّياتها. والثانية تتمثّل في حضور هذه اللغة العظيمة، تاريخاً وإبداعاً، قبل نزول الوحي. وفي هذا يكمن سرُّ الانشقاق العميق على جميع المستويات، داخل جسم اللغة العربية ذاتها، بين الإبداع الإلهي الذي حملته هذه اللغة دينيّاً، وبين البِدَع الإنسانيّة التي حملتها واستمرّت في حملها لغة الثّقافة، وعلى الأخصّ الشعر. وأرى شخصيّاً أنّ تاريخ هذا الانشقاق، في تطوّراته وآفاقها يمثّل لحظة حضاريّة يندر مثيلها في تاريخ الإبداع.
وأكتفي هنا بهذه الإشارة، مؤَكِّداً استحالة البحث الجذري الخلاّق في الثّقافة العربيّة، نشوءاً وتطوُّراً ومآلاً، إلا انطلاقاً من تحليل هذا الانشقاق، في جميع مستوياته وآفاقه. وطبيعي أنّني لن أدخل هنا في هذا البحث (الذي لا بدّ من الدّخول فيه عاجلاً أو آجِلاً، إن شئنا أن نتقدّم) وأنّ ما سأقوله في هذه المقالة لن يكون أكثر من إضاءاتٍ وإشارات.
حصّنَت الخلافة سلطاتها، دينيّاً وثقافيّاً، بتَأويلٍ فقهي للدّين، صارمٍ ومُغلَق ونهائي أدّى في الممارسة إلى أن تتحَوَّل الأفكارُ والآراء والمواقف إلى إيديولوجيات مُغلَقَة. هكذا نعيش، ثقافيّاً، منذ البدء في ثقافة يُنتِجُها إخوة أعداء في «نظام» سياسي واحدٍ، في بلاد «واحدة»، في «شعبٍ واحد» يتكوّن من إثنيّاتٍ ولغاتٍ «مختلفة».تضمر هذه «الوحدة» الظاهرة نوعاً من الانشقاق داخل الذّات: نؤمن بأنبياء الوحدانيّة (لا نفرِّق بين أحدٍ من رسلها) لكننا لا نطيع إلا الوحي الذي نزل باللغة العربيّة وحدها: الوحْي كما يؤوِّله فقهُ السلطة، وتَحميهِ سلطة الفقه.
إنّه مأزقٌ ثلاثي الأبعاد، فكري وتاريخي وحياتيّ: لا تستطيع الثقافة العربيّة أن تكون «حرّة»، ودون حرّيّة تظلُّ في أبهى حضورها، إشارة إلى موهبة، إلى أفق، إلى عمقٍ، إلى مغامرة... لكن لا يمكن أن تكون مشروعاً إبداعيّاً، مدنيّاً، وإنسانيّاً بالمعنى الشامل والمطلق. ذلك أنّ المشروع لا ينهض على رؤية حرّة للإنسان والحياة والكون، وعلى حركِيَّة خلاّقة لابتكار المستقبل.
هكذا، إيمانيّاً، «نُميتُ الموتَ»، لكنّنا، حياتِيّاً وعمليّاً لا نحيا كلّ يوم إلا فيما نموتُ كلّ يوم.
والنّتيجة، تاريخيّاً، هي أنّ الثّقافة في عالم اللغة العربيّة تحوَّلت إلى أشكالٍ من التكَيُّفات والمُرونات والتبَعِيّات فقدت فيها الاستبصار والجذريّة، وتمَّ اختزال الحياة بالسّلطة، وبالصّراع فيها وحولَها وعليها.
وفي هذا تبدو الثقافة العربيّة كأنّها دَغَلٌ بلا حدود، بدلاً من أن تبدو كمثل فضاء بلا حدود.
في كلّ دَغَلٍ زَغَلٌ، لا محالة.
ربما نجد هنا في «ثقافة» الصراع حول كلّ ما يتعلّق بـ«الإمامة والسّياسة»، وفقاً لتعبير ابن قُتَيبة، أبعاداً «نفسيّة»، بالمعنى الحديث في التحليل النّفسيّ، لا على مستوى الفرد، وحده، وإنّما على مُستوى «اللاشعور الجمعيّ»، تخطّى المسألة الدّينيّة، بالمعنى الحصري للكلمة، ويصبح مسألة ثقافيّة عامّة، ترسّخُها المؤسّسات وطرائق التعليم والتربية.
لم يعُدْ كافِياً للمسلم في هذا الصّراع أن يكونَ مسلماً. وإنّما صار لِزاماً عليه أن يكون مسلماً مثل... ومُفَكّراً مثل... وشاعراً مثل... إلخ. وأصبح من الضروري للمفكّر المسلم أو الشاعر أو الفنّان أو الكاتب، أن يُمتَحَنَ أو يُرازَ إسلامُه: هل هو من أهل «السنة» أو من أهل «التشَيُّع»؟ هل هو «وهّابيّ» أم «إخوانيّ»؟ هل هو «سلفيّ» أم «رافضيّ»؟... إلخ.
انتهَت الموضوعيّة، وصار كلُّ شيءٍ يُقَوَّم بمعيار السّلطة، استناداً إلى سياسة «المصلحة»، أو «التوظيف» أو «الاستخدام» بطريقة أو بأخرى. وهكذا لم يَعُدْ عالم اللغة العربيّة يُقرَأ في النّصوصِ ذاتها وإنّما أصبح يُقرَأُ سياسياً، أو دينيّاً: مَن ليس معي، فهو ضدّي. ولا يهمُّ أبداً ما يكتبه مَن «يُخالِفُنا» في السّياسة والدّين، في أي مجالٍ، ومهما كان عظيماً في حدّ ذاته: المهمّ هل هو معي أم ضدّي؛ وهذا ما أسهمَ في ترسيخ اللحمة القبليّة «الآيديولوجيّة» واستحالة بناء مجتمع ٍ مدَني في عالم اللغة العربيّة، تقوم العلاقات بين أفراده، على أسُسٍ مدنيّة، حرّيّاتٍ، وحقوقاً وواجبات. ولا يزال هذا العالم، على هذا المستَوى، مُؤَلَّفاً من تجَمُّعاتٍ بشريّة متبايِنة في مناطق جغرافيّة متَنَوِّعة: تجمُّعاتٌ مُكَوَّنة من أفرادٍ عليهم القيام بالواجباتِ نفسِها، دون أن تكون لهم الحقوقُ نفسها.
كنّا في الماضي نُعنى بدراسة «الفرق الدينيّة» ـــ واليوم أضَفْنا إلى هذه «العناية» عناياتٍ أكثرَ وأشمل: اليوم نُعنى بدراسة «الفرق الشعريّة»، و«الروائيّة» و«الفنّيّة»، و«الفكريّة». وكلٌّ منها يصرِّح بثقة: «أنا الأكثرُ حضوراً وأهمّيّة. أنا الأعظم».
هكذا تراجعَ الاهتمامُ بالنّصوص التأسيسية الكبرى، وحلّت محلَّها النّصوص الثانوية التي يسْهُلُ توظيفها سياسياً، ويسهلُ استخدامُها بوصفها رأسمالاً سياسياً - آيديولوجيّاً.

6- يعيش عالم اللغة العربيّة، اليوم، في مُنْجَزاتٍ ثقافيّة علميّة - تقنيّة أنْجَزها الغرب الأميركي الأوروبّيّ:
1. الثّورة الكمّيّة التي أدّت إلى التحَكُّم في المادّة، وإلى نشوء أشكالٍ للحياة نفسها تُعرَف للمرّة الأولى.
2. الثّورة الإلكترونيّة التي أسّسَت لعالم معرفي جديد.
3. الثّورة الحيويّة - الجُزَيْئيّة (البيو - تقنيّة)، وهي التي أخذت تتحكَّم الآن في الحياة نفسها بأشكالٍ مُتَنَوِّعة تستجيب كثيراً أو قليلاً لرغبات البشَر.
هذه الثورات خلْخَلَت اليقينيّات كلّها، وتوَلَّدَت عنها مشكلات خلق الإنسان نفسه، كافراً أو مؤمِناً، على السّواء. خصوصاً أنّها ربطَت العلم بمتطلَّبات الاقتصاد والسّياسة، ومختلف الإنتاج الذي يرتبط بهما، وبمنطق السّوق.
لم يشارك العرب، أنظمة ومؤسّسات، في أي ثورة من هذه الثورات، وإن شاركَ بعض الأفراد العرب الذين يعيشون في الهجرة. وهذه إشارة لإعادة التوكيد على أنّ مشكلات التقدُّم إنما هي مشكلات أنظمة ومؤسّسات ومعتقدات وليست مشكلة فقر أو نقصٌ في الأفراد المبدعين في جميع الميادين. فعند العرب خلاّقون متفرّدون في جميع المجالات.
يُفتَرَض في التجارب المُتنوِّعة، المريرة غالباً، لكن الغنيّة والمُتعَدِّدة، تلك التي عرفها العرب في تاريخهم الحديث، بدءاً من زوال الخلافة العثمانيّة، أن تكون كافية لتقديم مادّة فريدة للتّفكير، والاستبصار، والاعتبار.
يُفتَرَض فيها، تبعاً لذلك، أن تولِّدَ فيهم إرادة العمل على التأسيس لحياة جديدة وثقافة جديدة في ضوء الانقلابات المعرفيّة الكبرى. وفي ضوء التطوُّر الذي أنجزه الإنسان على المستوى الكونيّ.
لكنّه افتراض يبدو أنّه في غير محلِّه. ففي السّنوات الأخيرة التي عاشها عالم اللغة العربيّة، أمثلة بارزة عن الثّقافة العربيّة المَوروثة، الحيّة والفاعلة. أمثلة تجلّى فيها هُزالُ الحياة السّياسيّة العربيّة وهُزال الثّقافة والأخلاق إلى درجة يشعر فيها المُواطن بالخجل من نفسه ومن وجوده على هذه الأرض. تجلّى فيها كذلك هُزالٌ في معنى هذه الحياة ومعنى الوطن والشّعب، والديمقراطيّة والحريّة، وحقوق الإنسان. فإن يُعبَثَ بمصائر البشر إلى هذه الدّرجة، وأن تُستَعاد الخلافة وتُعلَن إقامتُها في أكثر من بلَدٍ عربي بهذه الطّريقة وبهذا المستوى، وأن تُبتَذَل القِيَم ويُبْتَذَل الإنسان إلى هذا الحدّ، وعلى جميع الصُّعُد - أمرٌ يُضمِرُ حقّاً انهيار الحياة العربيّة والثقافة العربيّة على نحوٍ لا سابِقَ له.
العاملون العرب باللغة في الميدان الثّقافي يُنتِجون أعمالهم الثّقافيّة - فكراً وفنّاً، شعراً وموسيقى وغناءً، في محيط اجتماعي - سياسي تقودُهُ، مباشرة أو مُداوَرَة، رؤية دينيّة للإنسان والحياة والعالم. وفي هذا ما يفسِّر كيف أنّ إنتاج هذه الثّقافة يخضع قليلاً أو كثيراً، بطريقة أو بأخرى، لأحكام هذه الرّؤية. وما يُعَقِّد المسْألة هنا هو الغيابُ شبْهُ الكامل للبعد التأريخيّ، في هذه الأحكام، وبخاصّة الشّرعيّة، تغيُّراً وتَطَوُّراً. فالمكان، مهما تبدّلَ يظلُّ في الفقه والشّرع هو هو، والزّمَن مهما تغيّرَ وتغيَّرَت الأوضاع، يظلُّ زمَناً واحداً: القرن الثّاني والعشرون هو في هذه الأحكام كأنّه القرنُ الأوّل. الأزمنة والأمكنة هي التي يجب أن تخضع لهذه الأحكام، وأن تتكَيَّف مع شرعها.
ومعنى ذلك، موضوعيّاً وعمليّاً، أنّ القوانين التي توُضَعَ أصلاً لخدمة الإنسان، إنّما هي أعظم من الإنسان نفسه، وأنّ كينونته ومصيره، حقوقاً وحرّيّات، خاضعة لهذه القوانين ولأحكامها. والكلام، إذن على الحريّة والإبداع، وهما جوهر الثقافة كلامٌ لا مكانَ له في هذه الأحكام.
هكذا يبدو كيف أنّ الثّقافة العربيّة شوارِعُ وحقولٌ لفظيّة سرداً ووصفاً واستعادة من الماضي واستعارة من الآخر الأجنبيّ: تنقل كتابة هذا الآخر ومُنجَزاتِه الكتابيّة، كمثل ما تنقل السياسة صناعتَه ومُنجَزاته المادّيّة. وفي هذا تعيش الثقافة العربيّة أسيرة لخرافتين: الأولى تجيء من جهة الماضي (الذات)، والثانية تجيء من جهة المستقبل (الآخر). وفي هذا أيضاً ما يفسِّر خلُوَّ الكتابة العربيّة، في مختلف تجلّياتها، من المغامرات الكُبرى - في استقصاء الطبيعة، وما وراء الطبيعة. وفي اكتناه الإنسان «الجرم الصّغير»، الذي انطَوى فيه «العالم الأكبر» - إضافة إلى اكتناه القضايا الكبرى في اللغة وفي الذّات والآخر، وفي الحرّيّة والمعرفة والحقيقة، وفي معنى الإنسان ذاته.

7- الثّقافة هي أيضاً تجاربُ ومختبراتٌ وآفاقٌ لصناعة التقَدُّم، على صعيد الرّؤية والكشف المعرفيّ، صعيد العلاقة بين الشّيء والشّيء، بين الشّيء والإنسان، وبين اللغة والكَوْن. والسُّؤال، في هذا الإطار، ما التقَدُّم الذي حقّقَتهُ الثّقافة العربيّة في القرن العشرين والربع الأوّل من القرن الحادي والعشرين؟ وما يكون الجواب، إذا قورِنَ بالأجوبة التي تقدّمها ثقافات الشعوب الأخرى في العالم كلّه.
والجواب موضوعيّاً هو أنّ الثّقافة نفسها تخلّفَت. المظهر الأول لهذا التخلف هو ازدياد جهلِ العرَب بأداة الثّقافة: اللغة الأمّ، كمّاً ونوعاً. وازدياد هيمنة اللغات الأجنبيّة. إضافة إلى أن معظم ترجماتنا من هذه اللغات إلى العربيّة لا تُسعِد اللغة العربيّة ولا تُشَرِّفها - لا على صعيد الإيغال في معرفة أسرارها، ولا حتّى في إتقانها، بحيث نتجنّب على الأقلّ أخطاء النّحْوِ والصَّرف وطُرُق الاستخدام - مفرداتٍ وتراكيب.
لا تحيا الثّقافة ولا تتجدَّد إلاّ في مجتمَعٍ مدَني ينهض على الحرّيّات والحقوق، بحيث لا يعود مؤَلَّفاً من أفرادٍ عليهم أن يقوموا بالواجبات نفسها، دون أن تكون لهم الحقوق نفسها، كما هي الحال في البلدان العربيّة. غياب المُواطِنيّة المَدَنيّة، شكلٌ آخر لتغييب الثّقافة المدَنيّة، لإبقائها وظيفة تسهر عليها السّلطة، ولإبقائها قائمة على علاقاتٍ تفسد القراءة كأنها ظاهِرة اجتماعيّة، أكثر منها ظاهرة ثقافيّة.
يكفي عند بعضهم أن يكون الكاتب لا يرى رأيَهم لكي ينبذوه أو يحاربوه أو يُشَوِّهوه، تبعاً للحالة.
في هذا الأفق يمكن أن نَصِفَ الحالة الرّاهِنة التي تعيشها الثّقافة العربيّة، وبخاصّة في تجلّياتها الأدبيّة - الفنّيّة، بأنّها «دَغَل»، وبأنّها ظواهِرُ تشيرُ إلى أوضاعٍ «نفسيّة»، أكثر منها ظواهر بَحْثٍ واستقصاء ومعرفة.
والحَقّ أنّ القراءة اليوم في عالم اللغة العربيّة هي نفسها بين المُشكِلات الثّقافيّة الأولى. نادِراً ما نرى في هذا العالم قراءة موضوعيّة للنّصوص في ذاتها، وفي مَعزِلٍ عن انتماءات أصحابها، إثنيّاً أو مّذهبيّاً أو آيديولوجيّاً. وهذا ما يوجب الإشارة إلى أنّ القراءة السّائدة ليست غالباً إلّا تأويلاً، وإلّا تقويلاً: تُقَوِّلُ النّصّ ما لا يقوله. وأحياناً يضيف القُرّاء من عنديّاتهم إلى النصّ ما لم يَقُلْهُ صاحِبُ النّصّ، أبداً.
وأصحابُ هذه القراءات مختلفون في الصّورة، لكنّهم يأتلفون في المعنى. وهي قراءات يقوم بها أهل اليسار، تماماً كما يقوم بها أهل اليمين: القارئ واحدٌ في البنية العقليّة - الآيديولوجيّة، والدّلالات والغايات، متباعدة ومتبايِنة. وقد يصل أصحاب هذه القراءات إلى مستوى «نفسيّ» ينبغي أن يحلِّلَه المختصّون: الرّفض القاطِع لقراءة مَن يعُدّونه عدُوّاً لهم. ولا يطرحون هذا السّؤال البسيط: إذا كُنّا ضدَّ مفكِّرٍ أو كاتبٍ، فكيف نُحاوِرُه أو نحاربُه إذا لم نقرَأْه؟
بالنّبذِ الكامل. أو بالسّيف - يجيبكَ بعضُهم.

وُلِدَ الإنسان خلاّقاً مُبدِعاً. وليست حياتُه إلّا ناراً تتوهّجُ، تُضيء وتستضيء، في الاتّجاهات كلّها، عُلُوّاً وعُمقاً وفي المَيادين كلِّها.
حين يُحظر السّؤال، يُحظَرُ الفكر، وحين يُحظَر الفكر، يُحظَر الإنسانُ نفسُه. وما تكون جَدوى الإنسان إذا عاش مَرْبوطاً بحبْلٍ ولو كان من ذهب؟
كل كتابة إبداعية هي كتابة في فضاء ثقافة تنهض على اليقين بأنّ الإنسانَ هو مركز الكَوْن.



كالاس: الاتحاد الأوروبي يطرح نموذج مبادرة البحر الأسود لفتح مضيق هرمز

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي ​كايا كالاس ‌(رويترز)
مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي ​كايا كالاس ‌(رويترز)
TT

كالاس: الاتحاد الأوروبي يطرح نموذج مبادرة البحر الأسود لفتح مضيق هرمز

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي ​كايا كالاس ‌(رويترز)
مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي ​كايا كالاس ‌(رويترز)

قالت ​مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس، اليوم ‌الاثنين، إنها ناقشت مع الأمم المتحدة فكرة تسهيل ​نقل النفط والغاز عبر مضيق هرمز من خلال تطبيق نموذج الاتفاق الذي يسمح بإخراج الحبوب من أوكرانيا في وقت الحرب.

ولدى وصولها إلى اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل، قالت كالاس إنها تحدثت مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حول فكرة فتح المضيق، الذي يشهد اختناقا حاليا بسبب ‌الحرب مع ‌إيران.

وأضافت: «أجريت محادثات مع أنطونيو ​غوتيريش ‌حول ⁠إمكانية إطلاق مبادرة ​مماثلة ⁠لتلك التي كانت لدينا في البحر الأسود».

وأغلقت إيران فعليا مضيق هرمز، وسط الحرب الأميركية-الإسرائيلية عليها، والتي دخلت الآن أسبوعها الثالث. وهاجمت القوات الإيرانية سفنا في الممر الضيق بين إيران وسلطنة عمان، مما أدى إلى توقف خمس إمدادات النفط العالمية في أكبر ⁠انقطاع على الإطلاق.

وذكرت كالاس أن إغلاق المضيق «خطير ‌للغاية» على إمدادات الطاقة إلى ‌آسيا، لكنه يمثل أيضا مشكلة ​لإنتاج الأسمدة.

وتابعت «وإذا كان ‌هناك نقص في الأسمدة هذا العام، فسيكون هناك أيضا ‌نقص في الغذاء العام المقبل». ولم تقدم أي تفاصيل أخرى.

ومضت قائلة إن الوزراء سيناقشون أيضا إمكانية تعديل مهام البعثة البحرية الصغيرة التابعة للاتحاد الأوروبي في الشرق ‌الأوسط (أسبيدس)، التي تركز حاليا على حماية السفن في البحر الأحمر من جماعة الحوثي ⁠في ⁠اليمن. وأضافت: «من مصلحتنا الحفاظ على مضيق هرمز مفتوحا، ولهذا السبب نناقش أيضا ما يمكننا القيام به في هذا الشأن من الجانب الأوروبي».

وردا على سؤال حول الشكوك التي عبر عنها وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بشأن مدى فائدة مهمة «أسبيدس» في مضيق هرمز، قالت كالاس: «بالطبع نحتاج أيضا إلى أن تحظى هذه الخطوة بدعم الدول الأعضاء».

وأضافت: «إذا قالت الدول الأعضاء إننا لن نفعل شيئا في هذا الشأن، فمن المؤكد ​أن ذلك قرارها، ​لكن يتعين علينا مناقشة كيفية المساعدة في الإبقاء على مضيق هرمز مفتوحا».


اليابان وأستراليا ترفضان إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

اليابان وأستراليا ترفضان إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

رفض كلٌّ من اليابان وأستراليا إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز، بعدما دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب دولاً حليفة والصين إلى إرسال سفن للمساعدة في حماية الصادرات النفطية بالمضيق.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن وزير الدفاع، شينجيرو كويزومي، قوله أمام البرلمان، اليوم الاثنين: «في ظل الوضع الحالي بإيران، لا ننوي إطلاق عملية أمنية بحرية».

من ناحيتها، قالت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، إن أي عملية أمنية بحرية ستكون «صعبة للغاية من الناحية القانونية».

وستسافر تاكايتشي إلى واشنطن، هذا الأسبوع، لإجراء محادثات مع ترمب قالت إنها ستتناول الحرب مع إيران.

ويُعد إرسال قوات الدفاع الذاتي إلى الخارج أمراً حساساً سياسياً في اليابان المسالِمة رسمياً، حيث يدعم عدد من الناخبين دستور عام 1947 الذي فرضته الولايات المتحدة والذي ينبذ الحرب.

وقال تاكايوكي كوباياشي، مسؤول الاستراتيجية السياسية بالحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم الذي تنتمي إليه تاكايتشي، الأحد، إن العقبات «كبيرة للغاية» أمام طوكيو لإرسال سفنها الحربية.

من جهتها، صرحت وزيرة النقل الأسترالية، كاثرين كينغ، اليوم، بأن بلادها لن ترسل سفينة حربية إلى مضيق هرمز.

وقالت كينغ، لهيئة الإذاعة الوطنية «إيه بي سي»: «لن نرسل سفينة إلى مضيق هرمز. نحن نعلم مدى أهمية ذلك، لكن هذا ليس شيئاً طُلب منا القيام به وليس شيئاً نسهم فيه».

بكين: نتواصل مع جميع الأطراف

من ناحيتها، قالت وزارة الخارجية الصينية، اليوم، ​إن بكين على تواصل «مع جميع الأطراف» بشأن الوضع في مضيق هرمز، مجدّدة دعوة البلاد إلى خفض التصعيد ‌في الصراع ‌الدائر بالشرق ‌الأوسط.

وخلال إفادة ​صحافية دورية، سُئلت الوزارة عما إذا كانت الصين قد تلقّت أي طلب من ترمب للمساعدة في توفير أمن ‌المضيق، ‌الذي يمثل ​شرياناً ‌حيوياً لشحنات الطاقة ‌العالمية.

ووفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد قال المتحدث باسم الوزارة لين جيان، للصحافيين: «نحن على تواصل مع جميع ‌الأطراف بشأن الوضع الراهن، ونلتزم بدفع الجهود الرامية لتهدئة الوضع وخفض التوتر».

وأضاف لين أن الصين حثّت مجدداً جميع الأطراف على وقف القتال فوراً لمنع التصعيد وحدوث تداعيات اقتصادية أوسع ​نطاقاً.

ودعا ترمب، مطلع الأسبوع، ‌دولاً حليفة إلى المساعدة في تأمين مضيق هرمز، في وقتٍ تُواصل فيه القوات الإيرانية هجماتها على الممر المائي الحيوي، وسط استمرار الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، للأسبوع الثالث.

وقال ​ترمب إن إدارته تواصلت، بالفعل، مع سبع دول، لكنه لم يكشف عنها.

وفي منشور سابق على وسائل التواصل الاجتماعي، عبَّر عن أمله بأن تشارك الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا ودول أخرى في هذه الجهود.

وأغلقت إيران فعلياً المضيق، وهو ممر مائي ضيق بين إيران وسلطنة عمان، مما أدى إلى تعطل 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية، في أكبر اضطرابٍ من نوعه على الإطلاق.

وأمس الأحد، قال مكتب الرئاسة في كوريا الجنوبية: «سنتواصل، من كثب، مع الولايات المتحدة بشأن هذه المسألة وسنتخذ قراراً بعد مراجعة دقيقة».

وبموجب الدستور في البلاد، يتطلب نشر قوات بالخارج موافقة البرلمان، وقالت شخصيات معارضة إن أي إرسال لسفن حربية إلى المضيق سيتطلب موافقة من السلطة التشريعية.

من جهتها، قالت ‌متحدثة باسم «داونينغ ستريت»، الأحد، إن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ناقش مع ترمب الحاجة إلى إعادة فتح ⁠المضيق لإنهاء الاضطرابات ⁠التي لحقت حركة الملاحة البحرية العالمية.

وأضافت المتحدثة أن ستارمر تواصل أيضاً مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، واتفقا على مواصلة المحادثات بشأن الصراع في الشرق الأوسط، خلال اجتماعٍ يُعقَد اليوم الاثنين.

وقال دبلوماسيون ومسؤولون إن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي سيناقشون، اليوم الاثنين، دعم بعثة بحرية صغيرة في الشرق الأوسط، لكن من غير المتوقع التطرق إلى توسيع مهامّها لتشمل المضيق المغلَق.

وأُنشئت بعثة أسبيدس، التابعة للاتحاد الأوروبي، في عام 2024، لحماية السفن من هجمات الحوثيين اليمنيين بالبحر الأحمر.

من ناحيته، قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، أمس الأحد، إن بعثة أسبيدس، التي سُميت على اسم الكلمة اليونانية التي تعني «دروع»، ​لم تكن فعالة حتى في تنفيذ مهمتها الحالية.

وذكر فاديفول، في مقابلة مع تلفزيون «إيه آر دي» الألماني: «لهذا السبب، أنا متشكك بشدة في أن توسيع مهمة أسبيدس لتشمل مضيق هرمز سيعزز الأمن».


تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة ومتباينة، في وقت تهدد فيه الحرب الدائرة مع إيران باضطراب طويل الأمد لأحد أهم الممرات النفطية في العالم.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت أن بحريتها ستبدأ قريباً مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو خُمس إنتاج النفط العالمي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 3 آلاف سفينة كانت تعبره شهرياً قبل أن تشلّ التهديدات الإيرانية حركة الملاحة فيه، في أعقاب اندلاع الحرب في المنطقة قبل أسبوعين.

ترمب يُحمّل العالم المسؤولية

كتب ترمب على منصة «تروث سوشال»، السبت: «نأمل بأن تبادر الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة ودول أخرى إلى إرسال سفن إلى المنطقة». وأضاف في تغريدة لاحقة: «ستنسق الولايات المتحدة مع تلك الدول لضمان سير الأمور بسلاسة وكفاءة. كان يجب أن يكون هذا جهداً جماعياً منذ البداية، وهو ما ستكون عليه الحال الآن».

وفي مقابلة هاتفية مع شبكة «إن بي سي»، أكد ترمب أن دولاً عدة لم تكتفِ بالموافقة، بل رأت في الأمر «فكرة رائعة»، غير أن المواقف الرسمية التي صدرت لاحقاً جاءت في معظمها متردّدة.

وبعد ساعات من الدعوة الأميركية، حثّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصال هاتفي بنظيره الفرنسي جان نويل بارو، دول العالم إلى «الامتناع عن أي إجراء قد يؤدي إلى تصعيد النزاع وتوسيعه». ويرى المراقبون أن هذا التحذير يستهدف تحديداً الدول التي يسعى ترمب إلى استقطابها.

سيول «تدرس بعناية»

أعلنت رئاسة الجمهورية الكورية الجنوبية أنها «تدرس من كثب» الطلب الأميركي. وقال المتحدث باسمها: «نتابع تصريحات الرئيس ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي، وسندرس المسألة بعناية في إطار التشاور الوثيق مع واشنطن». وأشار المسؤول إلى أن بلاده تُجري «بحثاً دقيقاً لمختلف التدابير لضمان أمن طرق نقل الطاقة»، مستحضراً أهمية حرية الملاحة الدولية للاقتصاد الكوري الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الطاقة العابرة للمضيق. وكانت سيول قد اتخذت في وقت سابق قراراً بتحديد سقف لأسعار الوقود، وهو إجراء استثنائي لم تلجأ إليه منذ عام 1997.

طوكيو تتمسك بـ«الاستقلالية»

لم يصدر عن اليابان أي رد رسمي على الدعوة الأميركية حتى اللحظة. وأبلغت وزارة الخارجية اليابانية وكالة «إن إتش كيه» الإخبارية أن طوكيو «لن تُسارع إلى إرسال سفن حربية بناءً على طلب ترمب»، مستندةً إلى مبدأ راسخ مفاده أن «اليابان تتخذ قراراتها المستقلة وفق حكمها الخاص». بينما أوضح تاكايوكي كوباياشي، المسؤول عن السياسات في الحزب الحاكم، أن القوانين النافذة تجعل قواعد إرسال السفن العسكرية إلى المنطقة «شديدة الصعوبة» من الناحية القانونية.

لندن «مستعدّة للتعاون»

أبدى وزير الطاقة البريطاني، إد ميليباند، استعداداً للتعاون دون أن يُفصح عن أي التزام ميداني، مؤكداً أن «أفضل السُّبل وأجداها لإعادة فتح المضيق هو وضع حدٍّ لهذا الصراع». وأضاف ميليباند أن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل «أولوية للعالم»، مشيراً إلى أن «كل الخيارات التي قد تسهم في إعادة فتح المضيق يجري النظر فيها».

وأشار إلى أن لندن «تتحدث مع حلفائها بما فيهم الولايات المتحدة» لدراسة ما يمكن تقديمه، مستعرضاً جملةً من الخيارات المطروحة، من بينها تزويد المنطقة بـ«معدات ذاتية لكشف الألغام البحرية». كما أوضح أن بريطانيا أجرت بالفعل محادثات مع حلفائها لإعادة الملاحة في المضيق إلى طبيعتها. ولفت ميليباند أيضاً إلى أن وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر زارت المملكة العربية السعودية، هذا الأسبوع، لإجراء محادثات مع دول الخليج بشأن أمن المضيق، مؤكداً أن لندن «تريد العمل مع شركائها» لمعالجة الأزمة.

وأكدت الحكومة البريطانية أن أولويتها الراهنة تبقى «خفض حدة الصراع» لا التصعيد العسكري.

باريس تُبقي أسطولها في «وضع دفاعي»

أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية على منصة «إكس» أن سفنها المنتشرة أصلاً في شرق البحر المتوسط ستبقى في «وضع دفاعي». وكان الرئيس إيمانويل ماكرون قد أبدى في وقت سابق انفتاحه على إمكانية مرافقة السفن عبر المضيق مستقبلاً، إلا أن المحللين يرون أن الموقف الفرنسي لا يزال «بعيداً جداً عن تشكيل مهمة فعلية».

وذكرت صحيفة «فاينانشال ⁠تايمز» أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذين ⁠يعقدون اجتماعاً دورياً، الاثنين، سيناقشون إمكانية توسيع نطاق مهمة «أسبيدس» البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي والتي تحمي الملاحة من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر لتشمل مضيق هرمز. وقال مسؤولون إن فرنسا تسعى لتشكيل تحالف لتأمين مضيق هرمز بمجرد استقرار الوضع الأمني هناك.

بكين تدعو إلى وقف إطلاق النار

جاء الموقف الصيني الأكثر تحفظاً والأبعد عن الاستجابة لمطالب واشنطن؛ إذ اكتفى المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن بالدعوة إلى «وقف فوري لإطلاق النار»، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز»، مُتجاهلاً الطلب الأميركي بصورة شبه كاملة.

في المقابل، أبدى وزير الطاقة الأميركي كريس رايت تفاؤلاً حذراً بشأن الدور الصيني، مُعرباً عن أمله في أن تكون بكين «شريكاً بنّاءً» في إعادة فتح المضيق، نظراً لحجم اعتمادها على نفط الخليج.