جان دورميسون.. آخر المطلعين الكبار على تاريخ الأدب الفرنسي

العضو البارز في الأكاديمية الفرنسية منذ أكثر من 40 سنة

جان دورميسون
جان دورميسون
TT

جان دورميسون.. آخر المطلعين الكبار على تاريخ الأدب الفرنسي

جان دورميسون
جان دورميسون

أعترف بأني شعرت بالحزن عندما سمعت بأن الكاتب الفرنسي الشهير جان دورميسون سقط مغشيا عليه في برنامج تلفزيوني قبل أيام، فنقلوه إلى المستشفى مباشرة ولا يزال فيه حتى اللحظة. ولكن اطمئنوا يبدو أن أخباره مشجعة وصحته تتحسن على الرغم من أنه بلغ من العمر عتيا (90 سنة تقريبا). لماذا شعرت بالحزن؟ لأنه مولع بالأدب إلى أقصى حد ممكن، ولأن قراءته من أمتع ما يكون. وكل من هو مولع بالأدب صديقي وأستاذي. ولا أفهم كيف يمكن أن يوجد مثقف واحد لا علاقة له بطراوة الأدب وعبق الشعر. وقد قرأت له حتى الآن كثيرا من الكتب، بل وقدمت بعضها هنا أو هناك. وهو على أي حال أحد أعمدة الفكر والسياسة في فرنسا. وكان مسؤولا عن قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية في الـ«يونيسكو» سابقا، ورئيسا لتحرير جريدة الـ«فيغارو» في فترة من الفترات. كما انتخب عضوا بارزا في الأكاديمية الفرنسية منذ أكثر من 40 سنة. وهو مقرب من اليمين الديغولي، وبالتالي فليس معاديا للعرب أو كارها للإسلام بشكل مسبق كسواه.
ولكن جان دورميسون كاتب وأديب قبل كل شيء آخر، وربما كان آخر المطلعين الكبار على تاريخ الأدب الفرنسي. فهو مشبع به إشباعا. ربما كان يعرف عن راسين وكورنيه وموليير وفولتير وشاتوبريان وفيكتور هيغو وعشرات الآخرين أكثر مما يعرفون عن أنفسهم! وحلمه هو أن يدخل محراب الأدب، أن يصبح خالدا فيه كما حصل لهؤلاء الكبار ولأمثالهم كمارسيل بروست مثلا. إنه يبيع الدنيا كلها برواية «بحثًا عن الزمن الضائع». ولكنه يعترف بكل صدق وأمانة بأنه لم يستطع تحقيق ذلك. لقد اقترب من المرتبة العليا دون أن يصلها. ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه.
أحيانا يستعرض جان دورميسون شريط حياته السابق فيتحدث عن كل شيء: عن الحب، والحياة، والموت، وما بعد الموت، عن النجاح والفشل، عن الشخصيات التي تعرف عليها على مدار عمره المديد، عن الأدباء الكبار الذين يحبهم، عن السياسيين الذين التقى بهم، عن الحرب والسلم، عن العرب واليهود، عن الصراع بين العالم الإسلامي والغرب، عن حرب الجزائر، عن النظريات العلمية الحديثة، عن سارتر وآرون، إلخ، إلخ.. فهو يتحدث مثلا عن فترة الخمسينات من القرن العشرين وهيمنة جان بول سارتر على المسرح الثقافي الفرنسي، ويقول: كان سارتر رائع الذكاء وكريما إلى أقصى الحدود. وكنا نلتقي به في مقاهي السان جيرمان دوبريه وسط العاصمة الفرنسية. كنا لا نزال شبابا في أول العمر ونحلم بتغيير العالم وكتابة أعظم المؤلفات. وبالتالي فشخصية سارتر كانت تسحرنا، لأنه أبدع في كل المجالات: من فلسفة، ومسرح، ونقد أدبي، ومقالة سياسية، وكنا نحلم بأن نصبح مثله، بأن نرتفع إلى مستواه. ثم يردف جان دورميسون قائلا: وكان سارتر يقدم نفسه كسقراط جديد هدفه تعليم الشبيبة وتثقيفها. كان يعتبر نفسه نبي العصور الحديثة، أو قل: كان الآخرون يعتبرونه كذلك. نقول ذلك على الرغم من أنه أخطأ كثيرا في مواقفه السياسية. فقد أيّد الاتحاد السوفياتي على طول الخط عندما كان لا يزال ستالينيا توتاليتاريا. وحقد على أميركا والمعسكر الغربي على طول الخط على الرغم من أنه كان يمثل معسكر الديمقراطية والحرية. ولذلك اختلفت معه لأن أصولي يمينية ولأني كنت مقربا من عدوه اللدود: ريمون آرون. وبعد أن ساهم في المقاومة ضد الاحتلال النازي بشكل ضعيف جدا راح سارتر يشكل فلسفته الوجودية فور انتهاء الحرب العالمية الثانية. ثم انتقل بعدئذ إلى الماركسية أو قل إلى نوع من المصالحة بين الوجودية والماركسية. وراح يقول بأن كل معاد للشيوعية هو شخص حقير أو كلب! وعندما كانوا يسألونه: من هو الديكتاتور أكثر، ستالين أم ديغول كان يجيبهم: ديغول! ولكن على الرغم من هذا العمى الآيديولوجي، فإن سارتر يظل قمة من قمم الأدب الفرنسي في عصرنا الراهن. وقد كتب عن طفولته كتابا جميلا وناجحا جدا بعنوان «الكلمات». ثم ألف كتابا ضخما في الفلسفة يدعى «الوجود والعدم». وقد لقي نجاحا منقطع النظير بعد الحرب العالمية الثانية، لأنه أعطى الشبيبة الفرنسية التي خرجت محطمة بعد الحرب الأمل بمستقبل أفضل، أو الأمل بالقدرة على مواجهة الخيبات المدمرة. ولكن كتابه مستعار من فلاسفة الألمان في الواقع: أي من كتب هوسيرل، وكارل ياسبرز، وهيدغر. وبالتالي فهو مقلّد أكثر مما هو مبدع. نقول ذلك على الرغم من أن مقدرته على اختراع المصطلحات الفلسفية الجديدة تدعو للإعجاب والدهشة. ولكن، هل يمكن أن يرتفع فلسفيا إلى مرتبة هيدغر؟ ثم يتحدث جان دورميسون عن نهاية سارتر، ويقول: لقد حشدت جنازة سارتر وراءها عشرات الآلاف من البشر عام 1980. وغصت شوارع باريس بالناس من أولها إلى آخرها: أي حتى الوصول إلى المقبرة في حي المونبارناس. ولا تضاهيها أي جنازة أخرى في التاريخ الحديث، اللهمّ إلا جنازة فيكتور هيغو قبل مائة سنة. فعندئذ هبت باريس كلها عن بكرة أبيها لكي تودع شاعرها الأكبر. أفتح هنا قوسا وأقول بأن المجلة الأدبية الفرنسية «الماغازين ليتيرير» أجرت استفتاء في عددها الأخير شهر أبريل (نيسان) وتبين فيه أن فيكتور هيغو هو أديب فرنسا الأول؛ إذ حصد معظم الأصوات، في حين أن سارتر جاء في المرتبة الخامسة عشرة ولم يحصد إلا اثني عشر صوتا. أما فولتير فقد جاء في المرتبة السادسة ونال 29 صوتا.. ثم قالت المجلة بأن شكسبير هو أديب الإنجليز الأول بلا منازع، ودانتي هو الأول بالنسبة للإيطاليين، وغوته بالنسبة للألمان، وسيرفانتس بالنسبة للإسبان، إلخ.. ولكن ماذا عن العرب؟ لا أحد يطرح هذا السؤال. حتما المتنبي هو الشاعر العربي الأول. أما بالنسبة للنثر فهناك حيرة وخيارات كثيرة. هل هو الجاحظ أم التوحيدي أم المعري؟ أم شخص آخر؟ أنا شخصيا أميل إلى المعري لأنه نبغ شعرا ونثرا على حد سواء. وهذا نادر. ثم إني أضع رسالة الغفران فوق كل الآداب العربية قاطبة. بحياته كلها لم يحلق الأدب العربي إلى هذا المستوى، إلى هذا العلوّ. لكن ماذا عن العصور الحديثة؟ من هو الشاعر العربي الأول؟ أنصحك وأنصح نفسي بعدم الإجابة لكيلا تتعرض لعملية اغتيال.
لكن لنعد إلى جان دورميسون. فيما يخص الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي يقول لنا ما يلي: لقد التقيت بسيدة فرنسية مهمة من أصل يهودي، وقالت لي ما يلي: الشيء الذي يحزنني في الوقت الحاضر هو موقف الناس في الغرب تجاهنا. فقد تغير في السنوات الأخيرة ما عدا في أميركا لحسن الحظ. أما في ألمانيا، وفرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، فإن الجماهير أصبحت تنصرف عنا إلى حد كبير وتتعاطف مع الفلسطينيين.
صحيح أن الشعوب الأوروبية لا تزال تقف معنا عندما تحصل عملية انتحارية وتحصد عشرات الناس بين قتلى وجرحى في تل أبيب، أو نتانيا، أو القدس، إلخ.. ولكن الدعاية الفلسطينية فعلت مفعولها في أوروبا وأصبحت تجذب إلى قضيتها كثيرين. وهذا شيء حديث العهد وما كان معروفا في الماضي. في السابق كانت الدعاية الإسرائيلية هي وحدها المهيمنة على الساحة. أما الآن فلا. وهذا ما يقلقني. وعندئذ يطرح عليها جان دورميسون هذا السؤال: ولكن أليس للفلسطينيين الحق في إقامة دولتهم على أرضهم؟ فتجيبه السيدة اليهودية قائلة: لهم الحق. ولكن نحن أيضا لنا الحق. فإسرائيل هي أرضنا منذ الأزل وإلى الأبد بصك إلهي توراتي. لقد عدنا إليها بعد ألفي سنة وكأننا غادرناها البارحة. ألم تسمع بقصة الأرض الموعودة؟ ولكن العرب لا هدف لهم إلا استئصالنا ومحونا من الوجود. إنهم يحلمون بالقضاء علينا يوما ما أو رمينا في البحر.
وعندئذ يجيب دورميسون: المشكلة هي أنكم حتى لو انتصرتم على العرب ألف مرة، فإن الكلمة الأخيرة ستكون لهم. لماذا؟ لأن المنطقة هي لهم من الأساس. ثم لأنهم سوف يغمرونكم بالعدد من داخلكم ومن خارجكم. الديمغرافيا لصالح العرب يا سيدتي، ونحن لا نستطيع أن نفعل شيئا ضد القنبلة الديمغرافية التي قد لا تقل خطورة عن القنبلة الذرية. إسرائيل سوف تغرق في بحر من العرب يوما ما لا محالة. وبالتالي فالنصر للعرب في نهاية المطاف حتى من دون قتال.. ولذا فمن مصلحتكم أن تجدوا حلا معهم لكي يقبلوا بكم يوما ما. فالحروب وسفك الدماء إلى ما لانهاية شيء عقيم. يضاف إلى ذلك أن قمع شعب بأسره على أرض آبائه وأجداده قد أفقدكم رصيدكم الأخلاقي وتعاطف العالم معكم ليس فقط بسبب المحرقة النازية، وإنما أيضا بسبب الاضطهاد أو الاحتقار الذي عانيتم منه على مدار القرون.. أخيرا، فإن اليهود ازدهروا يوما ما علما وفلسفة وأدبا في ظل الحضارة العربية الإسلامية إبان الأندلس الزاهرة. فهل سيعود مرة أخرى ذلك الفردوس المفقود؟



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.