«يونيفيل» بين ضغوط سكان الجنوب... ومخاوف حرمانها من «الحركة»

اعتداءات متكررة على جنودها... ومخاوف محلية من فقدان «مظلة دولية»

عناصر من «يونيفيل» في إحدى قرى جنوب لبنان (صورة وزعتها القوات الدولية)
عناصر من «يونيفيل» في إحدى قرى جنوب لبنان (صورة وزعتها القوات الدولية)
TT

«يونيفيل» بين ضغوط سكان الجنوب... ومخاوف حرمانها من «الحركة»

عناصر من «يونيفيل» في إحدى قرى جنوب لبنان (صورة وزعتها القوات الدولية)
عناصر من «يونيفيل» في إحدى قرى جنوب لبنان (صورة وزعتها القوات الدولية)

يتبادل جنديان من «يونيفيل» من داخل آليتهما العسكرية، أطراف الحديث مع شابين على طريق بلاط – جديدة مرجعيون في جنوب لبنان. بدا أن المعرفة قديمة بينهم. ويلوِّح الجنديان التابعان للكتيبة الإسبانية بأيديهما لصديقيهما اللبنانيين أثناء المغادرة. «لا تعكر صفو العلاقة أي حادثة عرضيَّة»، قالها الشاب اللبناني تعقيباً على حادثتين وقعتا في الأسبوعين الأخيرين في الجنوب، تعرض فيهما «الأهالي» للجنود الدوليين؛ جازماً بأن هؤلاء الجنود «باتوا أصدقاء لنا وجزءاً منا».
والجنود التابعون لقوة حفظ السلام الدولية المؤقتة العاملة في الجنوب، على احتكاك يومي مع السكان. «هم ليسوا غرباء»، حسبما يقول السكان هنا، وكانوا يلتقون في عشرات الأمكنة العامة، في المتاجر والمطاعم والحقول والعيادات والبلديات والمناسبات العامة، قبل أن تفرض التطورات الأخيرة إجراءات جديدة. يقول السكان إن الجنود الدوليين «يحصرون حركتهم الآن بالمرور في الطرقات العامة، ويلتزمون آلياتهم، ونادراً ما نراهم في المطاعم أو المتاجر».
والحال أن عناصر البعثة الدولية باتوا يتحاشون الاختلاط بالسكان والتفاعل معهم، منذ تعرض اثنتين من دورياتها لاعتداءات في الأسبوعين الأخيرين. انكفأ الجنود إلى الآليات، ويفسر السكان هذا الأمر بأنه يعود إلى «تجنب الإشكالات، ومنع استغلال أي حدث، أو زجّ ذريعة تصوير المواقع في أي رسالة تحاول قوى سياسية توجيهها إلى البعثة الدولية»، في إشارة إلى «حزب الله».
ويؤكد مصدر ميداني في قرية جنوبية، أن الذين يهاجمون «يونيفيل» لا يمثلون أكثر من 3 في المائة من أبناء القرى. يقول: «هم معروفون بالاسم، وينفذون توجهات لتقييد حركة البعثة الدولية»، مضيفاً أنه في المقابل «هناك استياء من التعرض للجنود الدوليين الذين لا يتعاطى معهم السكان كغرباء، وتربطهم بأغلبية السكان علاقات مميزة، ويوفرون فرص عمل وتنمية لم توفرها الدولة اللبنانية لهم».

تقييد للحركة
تعرضت «يونيفيل» لحادثتين أخيراً، تعرض خلالهما بعض السكان لقواتها أثناء تأدية مهامها. الأولى في بلدة شقرا في 22 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، على خلفية اتهام الجنود بالتقاط صور، والثاني وقع في بنت جبيل الأسبوع الماضي؛ حيث أقدم أشخاص على مهاجمة دورية للقوات الدولية. وتُضاف إلى سجل من الأحداث خلال الأشهر الماضية.
لم تمنع تلك الحوادث قيادة «يونيفيل» من التحرك. يقول المتحدث باسمها أندريا تيننتي لـ«الشرق الأوسط»، إن «(يونيفيل) تواصل العمل في منطقة العمليات، بالتنسيق الوثيق مع الجيش اللبناني، استكمالاً لما نفعله دائماً»، وذلك توضيحاً لحديث السكان عن إجراءات جديدة حول تجنب التفاعل معهم في الأماكن العامة. وشدد على أنه «لم تتغير قواعدنا وسياساتنا»، متعهداً: «سنواصل العمل على تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701». وقال تيننتي: «إننا في تنفيذ أنشطتنا ومساعدة السكان المحليين، نحتاج أيضاً إلى مراعاة وتنفيذ قواعد فيروس (كورونا) الصارمة التي تهدف إلى منع انتشار الفيروس»؛ مشيراً إلى أن «(يونيفيل) تقدِّر العلاقة الطويلة والمثمرة مع المجتمعات والسلطات المحلية»؛ حيث ينفذ جنودها كل يوم «أكثر من 400 دورية وعملية في جميع مناطق العمليات، بما في ذلك القرى والخط الأزرق، بالتنسيق الوثيق مع القوات المسلحة اللبنانية». وإذ أكد أن «مهمتنا هي تنفيذ ولايتنا»، شدد تيننتي على أن «يونيفيل» لا تزال ملتزمة بلبنان، وملتزمة تجاه شعب الجنوب، مضيفاً: «سنواصل عمل ما في وسعنا، لتهيئة الظروف لسلام دائم هنا».

رسائل سياسية
أثارت حادثتا الاعتداء الأخيرتان جملة أسئلة عن الدوافع والرسائل السياسية الموجهة للبعثة الدولية، وردت على الاعتداءين بدعوة السلطات اللبنانية للتحقيق فيهما، وتقديم المرتكبين للعدالة. كان البيانان لافتين بمضمونهما التصعيدي لجهة رفض «حرمان (يونيفيل) من حرية الحركة»، كما جاء في بيان المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، وهو يعني مواجهة دبلوماسية لمساعي تقييد الحركة، فضلاً عن تأكيد نائبة مدير المكتب الإعلامي لـ«يونيفيل» كانديس آرديل، أن «(يونيفيل) تدين الجهات الفاعلة التي تتلاعب بسكان المنطقة لخدمة أغراضها»، كما جاء في بيانها في الأسبوع الماضي.
ويشرح الباحث السياسي اللبناني الدكتور نسيب حطيط، أن المشكلات بين الأهالي و«يونيفيل»: «ظاهرها بشكل أساسي هو شك الأهالي في بعض الأدوار الأمنية لبعض الأفراد في القوات الدولية، وليس البعثة كلها»؛ لكنه يشير إلى أن «الأهالي» هو «مصطلح؛ جزء منه الأهالي بالفعل، بينما الجزء الآخر هو المقاومة الشعبية غير المنظمة، وبعضها موجه بطبيعة الحال تحت عنوان المراقبة الشاملة لأي تحرك»؛ حيث يتم توجيه الاتهام من قبل بعض القوى السياسية إلى «حزب الله» بالوقوف وراءه.
ويقول حطيط لـ«الشرق الأوسط»: «كانت الإشكالات تحدث؛ لكنها تبدو الآن أكثر كثافة، ويعود ذلك إلى أن البعض يتهم البعثة الدولية بالخروج عن مسارها المرسوم دون التنسيق مع الجيش اللبناني»، لافتاً إلى أن هذا الاتهام «مرده إلى التوتر الأمني في الجنوب؛ حيث بات الناس يعيشون مرحلة توتر عالٍ، ويتحركون حتى لو كانت الدورية سلكت مساراً خاطئاً غير مقصود»، لافتاً إلى أن الناس «ارتفعت مخاوفها في ظل الأزمات والتصعيد الدولي تجاه لبنان».
ويحذر حطيط من أن «المشكلات ستزيد وتتضخم إذا اتُّخذ أي قرار دولي بسحب (يونيفيل) من الجنوب، ضمن مسار يتخوف منه اللبنانيون بالكامل؛ لأنه سيعني نزع الشرعية الدولية عن الجغرافيا اللبنانية»، مشدداً على أن قوة «يونيفيل»: «هي عامل استقرار مهم في البلاد، وتمثل رمزاً أساسياً من رموز الحضور الدولي، وتؤمِّن اعترافاً دولياً بلبنان»، فضلاً عن المساعدات الإنسانية والصحية والتربوية وفرص العمل التي توفرها للسكان.

مخاوف لبنانية
رغم «ثقل» الرسالة وتبادل الاتهامات والمخاوف، لا ينظر السكان في الجنوب إلى هذه الحوادث على أنها حاسمة، وتغيِّر في مسار الأحداث، إذ يعتبرها البعض «عرَضية» و«لا تمثل الجنوبيين»، بينما تتحدث مصادر لبنانية مواكبة لعمل «يونيفيل» عن أن الحدثين «لا يتخطيان كونهما سوء تفاهم»، نافية أن تكون «مؤشراً للتصعيد».
وتقول المصادر إن القوات الدولية «تنفذ يومياً أكثر من 400 دورية، يواكبها الجيش اللبناني بـ35 دورية في الحد الأقصى»، قائلة إن الحدثين «هما من الأحداث النادرة، وتجري معالجتهما عبر الجيش اللبناني».
غير أن ذلك لا يعني انتفاء الهواجس. ويشير حطيط الذي يتحدر من الجنوب، إلى مخاوف كبيرة من أي خطوة لسحب القوة الدولية «لأنه سيترتب عليها فقدان المظلة الدولية الحامية للاستقرار، وتعني أن المواجهة الدولية ستبدأ، ويفقد الجنوب مظلة استقرار ضد الاعتداءات الإسرائيلية، بالتزامن مع توترات معيشية داخلية متصلة بارتفاع الدولار، والانقسامات السياسية، وتصاعد الخطاب المذهبي»، فضلاً عن أن وجود القوة الدولية «يوفر مظلة اجتماع لتخفيف التوتر في الناقورة عبر اللجنة الثلاثية (تستضيفها «يونيفيل» ويشارك فيها ممثلون عن الجيشين اللبناني والإسرائيلي) كما يوفر آلية استمرار للتفاوض غير المباشر مع تل أبيب على ترسيم الحدود البحرية والبرية والخط الأزرق، واستخراج الغاز من البحر المتوسط»، مؤكداً أن المخاوف «تتصاعد في الجنوب الآن»، بالنظر إلى أن أي خطوة لسحب «يونيفيل»: «تعني أن مسار الضغوط القصوى على لبنان سيبدأ، ويُفقده الغطاء الدولي بعد فقدانه الغطاء الرسمي -أي الحكومة- وتدهور قدرات القوى الأمنية المحلية، ما يجعله مفتوحاً على أي هزة أمنية».

تقديمات بالملايين
ولا تلغي التطورات الأمنية مسار التقارب بين البعثة الدولية والسكان. في بلدة معركة في قضاء صور، دُعيت الكتيبة الماليزية إلى مجلس عزاء أقامته البلدية، في أرواح ضحايا الفيضانات في ماليزيا، وهي واقعة ينظر إليها البعض على أنها «جزء من العلاقة المميزة»، بينما يستفيد الجنوبيون بشكل كبير من تقديمات «يونيفيل» التي تتم عبر 3 مصادر تمويل مباشرة، ومصدر رابع غير مباشر، يرفع قيمة التقديمات السنوية للسكان إلى ما يتخطى السبعة ملايين دولار سنوياً.
وقد أعلن قائد البعثة الجنرال ستيفانو ديل كول، في الأسبوع الماضي، أنه في عام 2021، نفذ جنود «يونيفيل» أكثر من 180 ألف نشاط عملياتي، وأكثر من 400 مشروع وهِبة، كما قامت «يونيفيل» بتقديم الدعم للجيش اللبناني «الذي يعتبر الأساس للوصول إلى هدفنا في توفير سلام مستدام في جنوب لبنان».
ويتحدث أهالي منطقة صور عن مشروعات تنموية مهمة، مثل شبكة الصرف الصحي في بلدة الناقورة، ومحطة التكرير الخاصة بها، فضلاً عن التقديمات الصحية والزراعية والطب البيطري. أما أهالي مرجعيون فيتحدثون عن مشروعات تمديد مياه الشفة، وإنارة الشوارع بالطاقة الشمسية.
وتبلغ موازنة قسم الشؤون المدنية نحو نصف مليون دولار سنوياً، تُنفَق على مشروعات بحد أقصى يصل إلى 25 ألف دولار لكل مشروع، يستفيد منه أكبر عدد من السكان، وتكون مدة التنفيذ 3 أشهر.
أما المصدر الثاني لتمويل المشروعات التنموية، فهو الكتائب العسكرية المشاركة في البعثة، وخصوصاً كتائب أوروبية، مثل الفرنسية والإسبانية والإيطالية والآيرلندية والفنلندية، إضافة إلى الكورية الجنوبية، وتقرر تنفيذ المشروعات التنموية بموازنة تتراوح بين مليون و1.25 مليون يورو سنوياً لكل منها.
أما مصدر التمويل الثالث، فيقوم على تزكية «يونيفيل» لمطالب البلديات والمؤسسات لدى الصناديق الدولية المانحة.
أما الدعم غير المباشر، فهو العائد من حركة أكثر من 10 آلاف جندي على 1800 كيلومتر مربع يشترون المحروقات والطعام والاحتياجات من السوق المحلية، ويعمل معهم 630 موظفاً لبنانياً يتقاضون رواتب من البعثة الدولية، فضلاً عن وجود 300 موظف مدني أجنبي يقيمون مع عائلاتهم في لبنان، وينفقون على الإيجارات والاحتياجات اليومية.
على طريق بلاط – جديدة مرجعيون، يبدي الشابان تمسكاً ببقاء القوة الدولية. «انظر إلى مصابيح الشارع المضاءة بالطاقة الشمسية. كان من المستحيل أن تُنفذ من دون مبادرة (يونيفيل)». يوافقه زميله الذي يشير إلى تأمين «يونيفيل» فرص العمل لعشرات الشبان من المنطقة؛ مشدداً على أن المس بهؤلاء الجنود «الذين تركوا عائلاتهم ليوفروا لنا الراحة والاستقرار، مرفوض بالمطلق».



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.