«يونيفيل» بين ضغوط سكان الجنوب... ومخاوف حرمانها من «الحركة»

اعتداءات متكررة على جنودها... ومخاوف محلية من فقدان «مظلة دولية»

عناصر من «يونيفيل» في إحدى قرى جنوب لبنان (صورة وزعتها القوات الدولية)
عناصر من «يونيفيل» في إحدى قرى جنوب لبنان (صورة وزعتها القوات الدولية)
TT

«يونيفيل» بين ضغوط سكان الجنوب... ومخاوف حرمانها من «الحركة»

عناصر من «يونيفيل» في إحدى قرى جنوب لبنان (صورة وزعتها القوات الدولية)
عناصر من «يونيفيل» في إحدى قرى جنوب لبنان (صورة وزعتها القوات الدولية)

يتبادل جنديان من «يونيفيل» من داخل آليتهما العسكرية، أطراف الحديث مع شابين على طريق بلاط – جديدة مرجعيون في جنوب لبنان. بدا أن المعرفة قديمة بينهم. ويلوِّح الجنديان التابعان للكتيبة الإسبانية بأيديهما لصديقيهما اللبنانيين أثناء المغادرة. «لا تعكر صفو العلاقة أي حادثة عرضيَّة»، قالها الشاب اللبناني تعقيباً على حادثتين وقعتا في الأسبوعين الأخيرين في الجنوب، تعرض فيهما «الأهالي» للجنود الدوليين؛ جازماً بأن هؤلاء الجنود «باتوا أصدقاء لنا وجزءاً منا».
والجنود التابعون لقوة حفظ السلام الدولية المؤقتة العاملة في الجنوب، على احتكاك يومي مع السكان. «هم ليسوا غرباء»، حسبما يقول السكان هنا، وكانوا يلتقون في عشرات الأمكنة العامة، في المتاجر والمطاعم والحقول والعيادات والبلديات والمناسبات العامة، قبل أن تفرض التطورات الأخيرة إجراءات جديدة. يقول السكان إن الجنود الدوليين «يحصرون حركتهم الآن بالمرور في الطرقات العامة، ويلتزمون آلياتهم، ونادراً ما نراهم في المطاعم أو المتاجر».
والحال أن عناصر البعثة الدولية باتوا يتحاشون الاختلاط بالسكان والتفاعل معهم، منذ تعرض اثنتين من دورياتها لاعتداءات في الأسبوعين الأخيرين. انكفأ الجنود إلى الآليات، ويفسر السكان هذا الأمر بأنه يعود إلى «تجنب الإشكالات، ومنع استغلال أي حدث، أو زجّ ذريعة تصوير المواقع في أي رسالة تحاول قوى سياسية توجيهها إلى البعثة الدولية»، في إشارة إلى «حزب الله».
ويؤكد مصدر ميداني في قرية جنوبية، أن الذين يهاجمون «يونيفيل» لا يمثلون أكثر من 3 في المائة من أبناء القرى. يقول: «هم معروفون بالاسم، وينفذون توجهات لتقييد حركة البعثة الدولية»، مضيفاً أنه في المقابل «هناك استياء من التعرض للجنود الدوليين الذين لا يتعاطى معهم السكان كغرباء، وتربطهم بأغلبية السكان علاقات مميزة، ويوفرون فرص عمل وتنمية لم توفرها الدولة اللبنانية لهم».

تقييد للحركة
تعرضت «يونيفيل» لحادثتين أخيراً، تعرض خلالهما بعض السكان لقواتها أثناء تأدية مهامها. الأولى في بلدة شقرا في 22 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، على خلفية اتهام الجنود بالتقاط صور، والثاني وقع في بنت جبيل الأسبوع الماضي؛ حيث أقدم أشخاص على مهاجمة دورية للقوات الدولية. وتُضاف إلى سجل من الأحداث خلال الأشهر الماضية.
لم تمنع تلك الحوادث قيادة «يونيفيل» من التحرك. يقول المتحدث باسمها أندريا تيننتي لـ«الشرق الأوسط»، إن «(يونيفيل) تواصل العمل في منطقة العمليات، بالتنسيق الوثيق مع الجيش اللبناني، استكمالاً لما نفعله دائماً»، وذلك توضيحاً لحديث السكان عن إجراءات جديدة حول تجنب التفاعل معهم في الأماكن العامة. وشدد على أنه «لم تتغير قواعدنا وسياساتنا»، متعهداً: «سنواصل العمل على تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701». وقال تيننتي: «إننا في تنفيذ أنشطتنا ومساعدة السكان المحليين، نحتاج أيضاً إلى مراعاة وتنفيذ قواعد فيروس (كورونا) الصارمة التي تهدف إلى منع انتشار الفيروس»؛ مشيراً إلى أن «(يونيفيل) تقدِّر العلاقة الطويلة والمثمرة مع المجتمعات والسلطات المحلية»؛ حيث ينفذ جنودها كل يوم «أكثر من 400 دورية وعملية في جميع مناطق العمليات، بما في ذلك القرى والخط الأزرق، بالتنسيق الوثيق مع القوات المسلحة اللبنانية». وإذ أكد أن «مهمتنا هي تنفيذ ولايتنا»، شدد تيننتي على أن «يونيفيل» لا تزال ملتزمة بلبنان، وملتزمة تجاه شعب الجنوب، مضيفاً: «سنواصل عمل ما في وسعنا، لتهيئة الظروف لسلام دائم هنا».

رسائل سياسية
أثارت حادثتا الاعتداء الأخيرتان جملة أسئلة عن الدوافع والرسائل السياسية الموجهة للبعثة الدولية، وردت على الاعتداءين بدعوة السلطات اللبنانية للتحقيق فيهما، وتقديم المرتكبين للعدالة. كان البيانان لافتين بمضمونهما التصعيدي لجهة رفض «حرمان (يونيفيل) من حرية الحركة»، كما جاء في بيان المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، وهو يعني مواجهة دبلوماسية لمساعي تقييد الحركة، فضلاً عن تأكيد نائبة مدير المكتب الإعلامي لـ«يونيفيل» كانديس آرديل، أن «(يونيفيل) تدين الجهات الفاعلة التي تتلاعب بسكان المنطقة لخدمة أغراضها»، كما جاء في بيانها في الأسبوع الماضي.
ويشرح الباحث السياسي اللبناني الدكتور نسيب حطيط، أن المشكلات بين الأهالي و«يونيفيل»: «ظاهرها بشكل أساسي هو شك الأهالي في بعض الأدوار الأمنية لبعض الأفراد في القوات الدولية، وليس البعثة كلها»؛ لكنه يشير إلى أن «الأهالي» هو «مصطلح؛ جزء منه الأهالي بالفعل، بينما الجزء الآخر هو المقاومة الشعبية غير المنظمة، وبعضها موجه بطبيعة الحال تحت عنوان المراقبة الشاملة لأي تحرك»؛ حيث يتم توجيه الاتهام من قبل بعض القوى السياسية إلى «حزب الله» بالوقوف وراءه.
ويقول حطيط لـ«الشرق الأوسط»: «كانت الإشكالات تحدث؛ لكنها تبدو الآن أكثر كثافة، ويعود ذلك إلى أن البعض يتهم البعثة الدولية بالخروج عن مسارها المرسوم دون التنسيق مع الجيش اللبناني»، لافتاً إلى أن هذا الاتهام «مرده إلى التوتر الأمني في الجنوب؛ حيث بات الناس يعيشون مرحلة توتر عالٍ، ويتحركون حتى لو كانت الدورية سلكت مساراً خاطئاً غير مقصود»، لافتاً إلى أن الناس «ارتفعت مخاوفها في ظل الأزمات والتصعيد الدولي تجاه لبنان».
ويحذر حطيط من أن «المشكلات ستزيد وتتضخم إذا اتُّخذ أي قرار دولي بسحب (يونيفيل) من الجنوب، ضمن مسار يتخوف منه اللبنانيون بالكامل؛ لأنه سيعني نزع الشرعية الدولية عن الجغرافيا اللبنانية»، مشدداً على أن قوة «يونيفيل»: «هي عامل استقرار مهم في البلاد، وتمثل رمزاً أساسياً من رموز الحضور الدولي، وتؤمِّن اعترافاً دولياً بلبنان»، فضلاً عن المساعدات الإنسانية والصحية والتربوية وفرص العمل التي توفرها للسكان.

مخاوف لبنانية
رغم «ثقل» الرسالة وتبادل الاتهامات والمخاوف، لا ينظر السكان في الجنوب إلى هذه الحوادث على أنها حاسمة، وتغيِّر في مسار الأحداث، إذ يعتبرها البعض «عرَضية» و«لا تمثل الجنوبيين»، بينما تتحدث مصادر لبنانية مواكبة لعمل «يونيفيل» عن أن الحدثين «لا يتخطيان كونهما سوء تفاهم»، نافية أن تكون «مؤشراً للتصعيد».
وتقول المصادر إن القوات الدولية «تنفذ يومياً أكثر من 400 دورية، يواكبها الجيش اللبناني بـ35 دورية في الحد الأقصى»، قائلة إن الحدثين «هما من الأحداث النادرة، وتجري معالجتهما عبر الجيش اللبناني».
غير أن ذلك لا يعني انتفاء الهواجس. ويشير حطيط الذي يتحدر من الجنوب، إلى مخاوف كبيرة من أي خطوة لسحب القوة الدولية «لأنه سيترتب عليها فقدان المظلة الدولية الحامية للاستقرار، وتعني أن المواجهة الدولية ستبدأ، ويفقد الجنوب مظلة استقرار ضد الاعتداءات الإسرائيلية، بالتزامن مع توترات معيشية داخلية متصلة بارتفاع الدولار، والانقسامات السياسية، وتصاعد الخطاب المذهبي»، فضلاً عن أن وجود القوة الدولية «يوفر مظلة اجتماع لتخفيف التوتر في الناقورة عبر اللجنة الثلاثية (تستضيفها «يونيفيل» ويشارك فيها ممثلون عن الجيشين اللبناني والإسرائيلي) كما يوفر آلية استمرار للتفاوض غير المباشر مع تل أبيب على ترسيم الحدود البحرية والبرية والخط الأزرق، واستخراج الغاز من البحر المتوسط»، مؤكداً أن المخاوف «تتصاعد في الجنوب الآن»، بالنظر إلى أن أي خطوة لسحب «يونيفيل»: «تعني أن مسار الضغوط القصوى على لبنان سيبدأ، ويُفقده الغطاء الدولي بعد فقدانه الغطاء الرسمي -أي الحكومة- وتدهور قدرات القوى الأمنية المحلية، ما يجعله مفتوحاً على أي هزة أمنية».

تقديمات بالملايين
ولا تلغي التطورات الأمنية مسار التقارب بين البعثة الدولية والسكان. في بلدة معركة في قضاء صور، دُعيت الكتيبة الماليزية إلى مجلس عزاء أقامته البلدية، في أرواح ضحايا الفيضانات في ماليزيا، وهي واقعة ينظر إليها البعض على أنها «جزء من العلاقة المميزة»، بينما يستفيد الجنوبيون بشكل كبير من تقديمات «يونيفيل» التي تتم عبر 3 مصادر تمويل مباشرة، ومصدر رابع غير مباشر، يرفع قيمة التقديمات السنوية للسكان إلى ما يتخطى السبعة ملايين دولار سنوياً.
وقد أعلن قائد البعثة الجنرال ستيفانو ديل كول، في الأسبوع الماضي، أنه في عام 2021، نفذ جنود «يونيفيل» أكثر من 180 ألف نشاط عملياتي، وأكثر من 400 مشروع وهِبة، كما قامت «يونيفيل» بتقديم الدعم للجيش اللبناني «الذي يعتبر الأساس للوصول إلى هدفنا في توفير سلام مستدام في جنوب لبنان».
ويتحدث أهالي منطقة صور عن مشروعات تنموية مهمة، مثل شبكة الصرف الصحي في بلدة الناقورة، ومحطة التكرير الخاصة بها، فضلاً عن التقديمات الصحية والزراعية والطب البيطري. أما أهالي مرجعيون فيتحدثون عن مشروعات تمديد مياه الشفة، وإنارة الشوارع بالطاقة الشمسية.
وتبلغ موازنة قسم الشؤون المدنية نحو نصف مليون دولار سنوياً، تُنفَق على مشروعات بحد أقصى يصل إلى 25 ألف دولار لكل مشروع، يستفيد منه أكبر عدد من السكان، وتكون مدة التنفيذ 3 أشهر.
أما المصدر الثاني لتمويل المشروعات التنموية، فهو الكتائب العسكرية المشاركة في البعثة، وخصوصاً كتائب أوروبية، مثل الفرنسية والإسبانية والإيطالية والآيرلندية والفنلندية، إضافة إلى الكورية الجنوبية، وتقرر تنفيذ المشروعات التنموية بموازنة تتراوح بين مليون و1.25 مليون يورو سنوياً لكل منها.
أما مصدر التمويل الثالث، فيقوم على تزكية «يونيفيل» لمطالب البلديات والمؤسسات لدى الصناديق الدولية المانحة.
أما الدعم غير المباشر، فهو العائد من حركة أكثر من 10 آلاف جندي على 1800 كيلومتر مربع يشترون المحروقات والطعام والاحتياجات من السوق المحلية، ويعمل معهم 630 موظفاً لبنانياً يتقاضون رواتب من البعثة الدولية، فضلاً عن وجود 300 موظف مدني أجنبي يقيمون مع عائلاتهم في لبنان، وينفقون على الإيجارات والاحتياجات اليومية.
على طريق بلاط – جديدة مرجعيون، يبدي الشابان تمسكاً ببقاء القوة الدولية. «انظر إلى مصابيح الشارع المضاءة بالطاقة الشمسية. كان من المستحيل أن تُنفذ من دون مبادرة (يونيفيل)». يوافقه زميله الذي يشير إلى تأمين «يونيفيل» فرص العمل لعشرات الشبان من المنطقة؛ مشدداً على أن المس بهؤلاء الجنود «الذين تركوا عائلاتهم ليوفروا لنا الراحة والاستقرار، مرفوض بالمطلق».



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.