«اسمي العلني والسري»... كتاب يوثق حوارات محمود درويش

وجوده بالقاهرة وبيروت كان نقطة تـحوّل أساسية فـي تـجربته الشعرية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

«اسمي العلني والسري»... كتاب يوثق حوارات محمود درويش

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

صدر حديثاً عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع الأردنية كتاب «اسمي العلني والسري» يتضمن عدداً من الحوارات التي أجرها عدد من النقاد والشعراء والكتاب المصريين والعرب مع الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، وتغطي الفترة من 1971 وحتى عام 1982، التي قضاها بين القاهرة وبيروت، وباريس، جمع المقابلات ودققها وقدّم لها الكاتب المصري محب جميل، وتكشف عن نقاط وأحداث مفصلية وهامة في حياة درويش، وترسم صورة جليَّة حول طبيعة الفترة التي عاشها خارج وطنه، وبين جمهوره وقرائه في الوطن العربـي.
لم يمكث درويش في القاهرة التي وصلها في فبراير (شباط) 1971، سوى فترة قصيرة، بعدها غادر إلـى بيروت. وهناك عمل مستشاراً بقسم الشؤون الإسرائيلية بمركز الأبحاث التابع لـمنظمة التحرير الفلسطينية. وانضم لهيئة تـحرير مـجلة «شؤون فلسطينية» فـي يونيو (حزيران) عام 1972، وفـي مايو (أيار) عام 1977، أصبح رئيساً لها، كما أصبح فـي التاريخ نفسه مديراً لـلمركز قبل أن يستقيل فـي يوليو (تموز) عام 1978، ويعود مـجدداً فـي شتاء عام 1981 من أجل إصدار العدد الأول من مـجلة «الكرمل» الفصلية.
قضى درويش عشر سنوات فـي بيروت وسط مناخ ثقافـي انعكست ظلاله علـى تـجربته الشعرية والنثرية، وراح ينشر قصائده وإبداعاته، ويشارك بالـمهرجانات الشعرية والأمسيات، كما أصدر عدداً من الدواوين الشعرية الـمتميّزة، وتبرز الـحوارات التي تضمنها الكتاب، وعددها 16 مقابلة، أفكار ووجهات نظر ورؤى درويش عن الشعر والسياسة، والفلسفة، والـمرأة، والطبيعة، وفلسطين. وقدمها محب جمال بحسب الـمدة الزمنية التي نُشرت خلالـهـا، كما نوّه بتاريخ كل لقاء، واسم الصحيفة أو المجلة المنشور فيها، وكذلك اسم المحرر الذي قام بإجراء الحوار.
ويعتبر الكتاب بما تضمنه من مقابلات وثيقة مهمة لا لقراء الشعر وباحثيه والمهتمين بإبداعات محمود درويش، فحسب، لكنه أيضاً يلقي الضوء على الكثير من المواقف والأحداث التاريخية والمنعطفات التي مرت بها القضية الفلسطينية، وألقت بظلالها على إبداعاته، وهو ما يساعد في كشف الكثير من الـمتغيِّرات التي طرأت علـى شعر درويش من مرحلة لأخرى، وطبيعة الـمواقف التي عايشها منذ خروجه من الأرض الـمحتلة حتى مغادرة بيروت، ومحاولاته الـمتواصلة لـضخ دماء جديدة فـي شـرايين القصيدة، وسعيه للتحرر من فكرة «الشاعر - الرمز» نـحو الشاعر فقط.
وتشكل الـحوارات التي تضمنها الكتاب وأجراها نقاد وشعراء ومبدعون أمثال معين بسيسو وفريدة النقاش، وفؤاد مطر، وياسين رفاعية، وغسان مطر، وشربل داغر، وإبراهيم العريس، قاعدة أساسية للتقرب من أفكار درويش، وهواجسه الـمتواصلة تـجاه وطنه، وقصيدته، ورفاقه. ورغم أن ولادته الـشعرية الـحقيقية، كمـا كان ينوّه، ترسخت وبرزت فـي باريس. إلا أن وجوده بالقاهرة وبيروت لـم يكن عابراً، بل كان نقطة تـحوّل أساسية فـي تـجربته الشعرية الـمتميّزة، وذلك عبر ديوان «أحبك أو لا أحبك» عام 1972، والذي ضمَّ قصيدته الشهيرة «سرحان يشرب القهوة فـي الكافتيريا»، وهكذا بدأت تـجربته تأخذ منحى آخر نـحو آفاق أكثر اتساعاً تفيض بالأحلام، والـهزائم، والانتصارات، والتنقلات، والـخيبات، وفي حواره مع الناقدة المصرية فريدة النقاش في فبراير عام 1971 في صحيفة «الجمهورية» المصرية يكشف درويش أسباب مغادرته فلسطين واضطراره إلى حياة المنافي، مشيراً إلى أنه في شهوره الأخيرة داخل إسرائيل صار يشك كثيراً في جدوى الاستمرار لأنه أصبح مشلولاً، ولا يستطيع أن يمارس تأثيره السابق سياسياً بعد أن فقد القدرة على الحركة. أما تفاعله مع الجماهير الفلسطينية فقد كان مفقوداً بسبب احتجازه في حدود مدينته نهاراً، ووراء أسوار بيته ليلاً.
وقال درويش، إنه في السنوات الأخيرة كان شاعراً مرفوضاً من قبل القراء بسبب هذه القضية. وقد كانوا يرونه غامضاً ورمزياً ومرتداً عن الأمل الذي عهدوه في شعره. وبعضهم بدأ يشك في التزامه وانتمائه الفكري. وكانت له مشكلات مع حزبه لهذا السبب، امتدت بعيداً وجرت مناقشات حولها في موسكو خلال عام 1970، أي قبل وصوله للقاهرة بعام تقريباً.
وفي الحوار اعترف درويش بأنه ربما يكون غامضاً، وهو غموض غير متعمد، وسببه افتقاده اليقين، وأنه صار مشغولاً بالإنسان أكثر من الشعارات، لكنه رفض أن يسمى شاعراً رمزياً، وقال «أنا واقعي، أستخدم وأستفيد من كل أشكال التعبير. والرمز حجر في البناء العام الواقعي في النهاية، والواقعية كرؤية ومنهج تستطيع أن تتسع لكل أشكال التعبير وتستفيد منها».
وفي حواره مع الشاعر معين بسيسو والذي نشرته صحيفة «الأهرام» المصرية في فبراير 1971، أشار للندوة الشعرية التي دعي لها فـي طشقند، عاصمة جـمهورية أوزبكستان السوفياتية عام 1968، حين وقف وفد أدبـي عربـي، مؤلفاً من الـملحق العسكري فـي أنقرة، ومن الـمؤرخ الرسمي للأسرة السنوسية يعلن أنه سيقاطع الندوة، لو اشترك فيها لأنه «فـي مهرجان الشباب الذي انعقد فـي صوفيا عام 1967، كان ضمن وفد الـحزب الشيوعي الإسرائيلـي»، وهذا لم يكن صحيحاً، فقد كان درويش ضيفاً على الـمهرجان، وتحدث درويش عن حصاره شعرياً في إسرائيل، وقال، إن وجوده فـي القاهرة يشكل موقعاً أكثر انطلاقاً وحرية لـخدمة قضيته التي كان يؤديـها فـي الأرض الـمحتلة، وإنه غيّر موقعه، ولـم يغيـّر موقفه، ويعتبر الـمقاومة إحدى نوافذه إلـى الأمل وتأشيرة مروره للعالم.
وفي الحوار الذي أجراه معه الكاتب اللبناني فؤاد مطر، ونشره في الملحق الثقافي لصحيفة «النهار» البيروتية تحدث درويش عن تجربة النزوح إلـى لبنان، ووقوفه مع اللاجئين، وهم يـحصلون علـى مساعدات وكالة غوث من طحين وجبن أصفر وملابس مستعملة، وهي تجربة التقط ملامـحها وراح يصنع صورة لمـخيمات اللاجئين وما بها من بؤس وانتظار، وذكر أنه ليس مرتاحاً للاستمرار في تصوير الفلسطينيين على أنهم مجموعة من اللاجئين، رغم ما في ذلك من جوانب إنسانية مفزعة، وقال، إن الأهم هو وضع القضية الفلسطينية فـي إطارها الصحيح، فليس من الضروري أن يكون الشعب بائساً ومسلولاً لكي نقول، إن له قضية، فهو يرفض فكرة استيطان الـمخيم، لأنه لا يعبر عن انتمـائه، وقال «إن أكبر ثأر لنا عند إسرائيل، هو أنـها تـحاول أن تأخذ دينها من النازية، من الشعب الفلسطيني، وإنـها قذفتنا إلـى رصيف الـحياة وتنفست من رئاتنا، ولا أستطيع أن أفهم كيف يطمئن شعب إلـى مستقبله وهو يسكن جلود الآخرين. إن فرح الإسرائيليين هو فرح مـجنون وإن أخطر ما يواجه إسرائيل هو رفضها للمنطق واحتكامها الدائم إلـى الـخرافات الدينية الـمسلحة بالدبابات والطائرات».
وقال درويش، إنه لو طُلب إليه وضع نشيد قومي لفلسطين فسوف يكتب عن الأشياء الصغيرة فـيها، عن الشبابيك الـمهجورة والناس الـمنتظرين، والشجر ورائحة الـمداخن وصوت الريح فـي الـجليل والنساء الصغيرات، وأشار إلى أن هذا هو الذي سيعمّق إحساس الفلسطيني بالانتمـاء إلـى الوطن، فيـجب أن نملأ حواسه برائحة التراب، وليس بالـخطب التي لا رصيد لـها.
وفي مقابلته مع ياسين رفاعية والذي نشر في صحيفة «الأسبوع العربي» البيروتية عام 1975، قال درويش، إن الـحياة أصبحت تعجبه، وما عاد يفكر في الانتحار، وقد جرى وفاق بينه وبينها، بعد أن استطاع كتابة قصيدة جديدة، ولفت إلى أن «الشاعر يتورط فـي عملية الشعر إلـى درجة أن لـحظة القدرة علـى الكتابة تتحول إلـى رهان علـى الـحياة، شعري لا يعجبني؛ ولـهذا أواصل الكتابة، وقصيدتـي هي هويتي، أكتبها حين تقرع أجراسها صدري».
أما الحوار الذي أجراه معه الشاعر والناقد اللبناني شربل داغر، فقد أشار خلاله إلى أنه كان شاعراً مـجتهداً حاول أن يحفر صوتاً علـى صخرة، وقد خرج ليهرب من دور الرمز، لكي لا يكون صنمـاً، وهكذا أنقذ نفسه، وشِعره، وتطورت تجربته حين حقق الانفصال بين الشاعر والرمز، ورأى أنه «دائمـاً يتخطى الشاعر الرمز ليثبت حضوره الـخاص»، فهو يصرُّ علـى التقدم شاعراً، لكي لا يخدع، ولا يوهم، ولكي لا يتقدم إلـى الناس باسم فلسطين، وذكر أن الـخوف من الاتكاء علـى قداسة عامة خارجة عن الشعر، فـي علاقة القصيدة بعناصر شاعريتها، هو الذي طوَّر التوازن بين الشاعر والـمواطن فـيه، وأعطاه القدرة علـى خدمة بلاده أكثر وأفضل.



3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».