كيف ستبدو الكويت في عام 2022؟

بعد نجاح الحكومة في تحييد الخصوم

كيف ستبدو الكويت في عام 2022؟
TT

كيف ستبدو الكويت في عام 2022؟

كيف ستبدو الكويت في عام 2022؟

بكثيرٍ من الطموح والتوقعات ودّعت الكويت عامها المنصرم، واستقبلت عاماً جديداً، مفعماً بالأمل في اجتياز الأزمات السياسية المستحكمة في البلاد. وكان أمير البلاد الشيخ نواف الأحمد الصباح، قد مهّد لهذا التحوّل الضروري بتدشينه مصالحة وطنية مع المعارضة، طوت صفحة الخلاف السياسي، وأعادت للبلاد أقطاباً بارزين في المعارضة البرلمانية كانوا محكومين بالسجن في قضية اقتحام مجلس الأمة عام 2011.
الحياة السياسية الكويتية كانت رهينة الصراعات المتكررة بين السلطتين. ولطالما دعا أمير الكويت إلى نبذ الخلاف بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، واليوم تأمل الحكومة أن تثمر جهود المصالحة مع المعارضة البرلمانية في تمرير حزمة إصلاحات اقتصادية خلال الفصل التشريعي الحالي، وهذا رغم أن المشهد السياسي لا يخلو -في نظر المعارضة أيضاً– من رغبة الحكومة في تحييد البرلمان عن الرقابة المشددة على عملها. وللعلم، كانت الحكومة السابقة قد قدّمت استقالتها للأمير الشيخ نواف الأحمد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، تفادياً لخضوع رئيس الوزراء وثمانية وزراء آخرين لاستجواب في البرلمان. وتلك كانت المرة الثانية التي يقدّم فيها الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، استقالة حكومته منذ تكليفه المرة الأولى في ديسمبر (كانون الأول) 2020، للفرار من محاسبة المجلس.
عرفت الكويت أول دستور مكتوب ومجلس شورى عام 1921، وكان الكويتيون أول شعب خليجي يشكل مجلساً تشريعياً بالانتخاب وذلك في عام 1938. كذلك عُرفت الكويت بنظامها البرلماني، وفي تجربتهم الديمقراطية يستند الكويتيون إلى الشيخ عبد الله السالم الصباح «رجل الاستقلال» الذي أرسى التجربة الديمقراطية الفتية في الكويت. وفي عهده أُقر الدستور، الذي هو أول وثيقة من نوعها في الخليج. ويطلق اسمه اليوم على قاعة مجلس الأمة، الغرفة التشريعية الأكثر سخونة وجدلاً في المنطقة.
هذا، وصدر الدستور الكويتي الحالي بعد الاستقلال، يوم 11 نوفمبر 1962، وبدأ العمل به رسمياً في 29 يناير (كانون الثاني) 1963، وتنص المادة السادسة منه على أن «نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً».
ولكن، مع أن التجربة النيابية والتشريعية في الكويت قديمة نسبياً، فإنها بقيت على الدوام معرّضة للامتحان، ومحكومة بالتجاذب الحاد بين السلطتين، وبين الاختيار الأصعب بين الديمقراطية والاستقرار.
المصالحة وانشقاق المعارضة
في السابع من نوفمبر 2021، أقرت الحكومة الكويتية خلال اجتماعها الاستثنائي مشاريع مراسيم العفو الأميري بحق عدد من الكويتيين ممن صدرت عليهم أحكام في قضايا سابقة تمهيداً لرفعها لأمير البلاد. وطوى مرسوم العفو الأميري صفحة الخلاف السياسي مع المعارضة البرلمانية التي صدرت أحكام بحق أعضاء بارزين فيها خصوصاً المتهمين في قضية اقتحام مجلس الأمة عام 2011، وكان أبرز الذين شملهم العفو نواب وناشطون مقيمون في تركيا بينهم القطب البرلماني مسلّم البراك، ونواب سابقون حُكم عليهم بالسجن لمدد متفاوتة في 2017، كذلك شملت 7 من المتهمين في قضية خلية العبدلي التي أُلقي القبض عليها في 13 أغسطس (آب) 2015.
جهود المصالحة، ومرسوم العفو، وعودة النواب من الخارج، لم تقفل باب الخلاف السياسي. إذ سرعان ما انشقت المعارضة على نفسها، ودخلت في مساجلات على وقع الاتهامات بالتراخي لصالح السلطة، والتحالف مع رئيس البرلمان مرزوق الغانم، وطالت الاتهامات النائب عبيد الوسمي الذي عمل مع الحكومة ورئيس البرلمان لإنضاج جهود المصالحة الوطنية.
ناصر العبدلي، الكاتب الكويتي والرئيس السابق للجمعية الكويتية لتنمية الديمقراطية، قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «هناك تحوّلات على الساحة السياسية المحلية، خصوصاً بعد العفو الأميري عن بعض السياسيين والناشطين ممن ارتكبوا مخالفات قانونية. وأول مؤشرات هذه التحولات هو التبرؤ من كل تداعيات ما يسمى (الربيع العربي) الذي دفعت أجواؤه الكثير من العاملين على الساحة السياسية في المرحلة الماضية للتمرد على الدستور والأسس التي قامت عليها الديمقراطية الكويتية، كما أن المؤشرات تتضمّن محاولة أولئك النشطاء إعادة تنظيم نشاطهم وفق تلك الأسس والمرتكزات، وقد تجلّى ذلك واضحاً في بعض المشاريع تحت لافتة الإصلاح السياسي والاقتصادي».
وأضاف: «الآن البرلمان يعمل على قدم وساق من أجل ترتيب الساحة السياسية من جديد وتوزيع الأدوار داخلها وفقاً للحقائق الجديدة. وكانت هناك جملة اقتراحات لقوانين من أجل تصفية آثار ذلك الربيع المشؤوم على الأمة العربية، وهناك استئناف عمل للبرلمان بعد تعثر خلال العام الماضي تحت سقف الدستور».
رأي البرّاك
النائب السابق مسلم البرّاك، الذي عاد إلى الكويت بمرسوم العفو، وصف المشهد السياسي الحالي في البلاد بأنه «متخبط تسوده الأنانية والأجندات الشخصية». إذ قال البرّاك خلال ندوة، عشية انعقاد مثول الحكومة الجديدة أمام البرلمان لأداء القسم (4-1-2022)، إن شعار «رحيل الرئيسين» (أي رئيس الحكومة ورئيس مجلس الأمة) الذي رفعه نواب المعارضة خلال العام الماضي «شعار فاشل ولن يتحقق». ووصف سلوك المعارضة بالجلوس على كراسي الوزراء... بأنه «مو شغل نواب». وأيضاً وجّه البرّاك نقداً لمسيرة المعارضة السياسية، قائلاً: «نعم أقولها: أخطأنا في تقديم العمل البرلماني ولا سبيل إلا بالعمل السياسي المنظّم والشامل، والسلطة استمرت بمحاربتنا وصدرت الأحكام بسجننا ونفينا».
من ناحية أخرى، جاءت الجلسة البرلمانية الأولى في العام الجديد، التي أدت فيها الحكومة اليمين الدستورية، منسجمة مع أجواء الانقسام السياسي، إذ شهدت انسحاب 13 نائباً خلال أداء اليمين. ثم أعقبها اشتباك في قاعة الاستراحة بين النائبين عبيد الوسمي ومحمد المطير، أدى إلى تشابك بالأيدي. ولم تعتمد الحكومة الجديدة على حسن النيات التي أحدثتها جهود المصالحة، بل حصّنت نفسها من أي مساعٍ لطرح الثقة، عبر توزير عدد من النواب في صفوفها، تتقي بهم –ولو مؤقتاً- العواصف السياسية.
وهنا علّق لـ«الشرق الأوسط» الباحث السياسي الكويتي، الدكتور عايد المنّاع قائلاً: «‏اعتادت الكويت على العواصف السياسية، نتيجة العلاقة المتوترة غالباً ما بين البرلمان والحكومة، لكن يبدو أنه تم التغلب على هذا -على الأقل مرحلياً– فقد استطاعت الحكومة الجديدة الحالية أن تضم في صفوفها عدداً من النواب بلغ عددهم أربعة نواب، وبالتالي أصبحت حكومة شبه برلمانية، ما يعطيها قوة داخل البرلمان».
وتابع: «الجانب الأهم والأكثر حضوراً هو العفو الذي أصدره أمير البلاد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، بالعفو عن عدد من السياسيين من بينهم عدد من أعضاء البرلمان السابقين الذين لهم وجود كبير على الساحة، وبالتالي خفف أيضاً من حدة التوتر. ومن ثم، صار بإمكان الحكومة أن تكون الآن على علاقة ودّية مع البرلمان، وهذا لا يمنع الاستجوابات، فلن تكون هناك خشية من طرح الثقة في الوزراء أو رفض تعاون مع رئيس الوزراء».
في هذا الشأن يقول النائب خالد المونس إن التوسع بتوزير النواب في الظروف الحالية «ما هو إلا حماية وصناعة سياج لرئيس الوزراء».
ملفات الفساد
من جهة أخرى، في نوفمبر ،2019 تمّ تكليف رئيس الوزراء الحالي الشيخ صباح الخالد الصباح، لقيادة الحكومة الكويتية، على وقع الكشف عن واحد من ملفات الفساد وتبديد المال العام. وهي القضية التي فجرها رئيس الدفاع السابق (الراحل) الشيخ ناصر صباح الأحمد الصباح، وأُدينت فيها شخصيات بارزة بتجاوزات مالية والاستيلاء على نحو 800 مليون دولار من صندوق لمساعدة العسكريين. وللعلم، هي القضية التي أدت لاستقالة رئيس الحكومة السابق جابر المبارك الصباح، وتولي الرئيس الجديد، الذي شكّل حتى الآن أربع حكومات، كان ملف الفساد هو الأكثر إلحاحاً من بين الملفات التي حملتها.
لكن تقرير منظمة الشفافية الدولية الأخير أظهر تقدماً طفيفاً في ملف الفساد. إذ حلَّت الكويت في المركز 7 عربياً في مؤشر مدركات الفساد لـ2020، متقدمة مركزين عن العام السابق، وسط تحسن في أداء جهات التشريع والقضاء، وحصدت 42 درجة من 100، بفارق نقطتين عن 2019 حين سجّلت 40 درجة. وحققت الكويت تقدماً ملحوظاً في ترتيبها بالمؤشر، حيث جاءت 78 دولياً، بتقدم 7 مراكز عن 2020 الذي حققت فيه المرتبة 85 بين 180 دولة.
وفي مؤشر الفساد العالمي لسنة 2021 الصادر عن شركة «غلوبال ريسك بروفايل» السويسرية المتخصصة بإدارة المخاطر، حسنّت الكويت ترتيبها لتصعد من المرتبة 127 إلى 88 عالمياً، مسجلة 44.1 نقطة. لكن الصدمة التي سجلها العام الجديد تمثّلت بتمدد الفساد إلى الجسم القضائي الكويتي حيث أدانت محكمة الجنايات 6 قضاة بالحبس لسنوات متفاوتة بين 5 و15 سنة وعزلهم عن وظائفهم وإلزامهم إعادة مركبات تلقوها «هدايا» لاتهامهم بالرشوة والتزوير وغسل الأموال.
الاستقرار... والنمو
في الواقع، تحتاج الكويت إلى توافق سياسي، خصوصاً داخل قبة البرلمان، من أجل تشريع الإصلاحات الاقتصادية المنشودة. فبسبب التطاحن السياسي عُطّل سنّ الكثير من التشريعات، وعُرقلت عمليات الرقابة والحدّ من تفشي الفساد.
وبينما يواصل أمير الكويت الحث على نبذ الخلاف بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، تأمل الحكومة أن تثمر جهود المصالحة مع المعارضة البرلمانية في تمرير حزمة إصلاحات اقتصادية خلال الفصل التشريعي الحالي. وفي أول توجيه له للحكومة الجديدة، أكد ولي العهد الكويتي الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، أن أمام هذه الحكومة «مسؤوليات وواجبات تتطلب العمل الدؤوب بروح الفريق الواحد لمواصلة مسيرة الإصلاح وتنفيذ البرامج الاقتصادية ودفع عجلة التنمية في البلاد».
كذلك في مقال بصحيفة «القبس» الكويتية، هذا الأسبوع، كتب الكاتب الكويتي أحمد الصرّاف: «أعتقد أن مشكلتنا في الكويت تكمن في عدم استقرارنا على وضع سياسي معين. فلا نحن دولة ديكتاتورية، ولا نحن دولة ديمقراطية! فلو كنا أحد النظامين، لما تأخرنا في التنمية ولما وصلنا لهذا العجز والإرباك السياسي الذي نحن فيه، ولَمَا تأخرت خطط التنمية، ولكان من المحال مثلاً تصور دفع أكثر من ملياري دولار غرامة «مشروع الداو»، لأن الحكومة والنواب اختاروا حينها التناحر، على حساب مصلحة الوطن العليا!». وهنا تجدر الإشارة، إلى أنه في فبراير (شباط) 2021، أظهر تقرير ارتفاع احتياطيات الكويت الأجنبية بنسبة 21.1% خلال العام السابق 2020، لكن الكويت اضطرت في العام المنصرم 2021 لسحب 25 مليار دولار من «صندوق الأجيال» لتغطية العجز في الميزانية.
لكن، أمام الكويت فرص لنمو اقتصادي في العام الحالي 2022، إذ تُظهر توقعات «معهد التمويل الدولي» تحقيق نمو اقتصادي في الكويت بنسبة 4% العام المقبل بدعم تعافي إنتاج النفط والإصلاحات المرتقبة. وذكر «المعهد» في التقرير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا، الذي نشرت تفاصيل عنه صحيفة «القبس»، إن الناتج المحلي الاسميّ للكويت في 2022 سيبلغ 133 مليار دولار مقارنةً بـ129 مليار دولار في 2021، في حين سيبلغ نمو الناتج المحلي النفطي نحو 4.6% في العام المقبل مقارنةً بـ1.2% في 2021، والناتج المحلي غير النفطي سينمو بـ3.5% في 2022 مقارنةً بـ1.9% في العام الماضي.
أيضاً توقع «معهد التمويل الدولي» أن يبقى رصيد المالية العامة (باستثناء دخل الاستثمار) يعاني عجزاً كبيراً في العام المقبل رغم ارتفاع عائدات النفط. وأشار إلى أن فاتورة دعم الوقود والطاقة لا تزال كبيرة، ورجح أن يبلغ متوسط إنتاج الكويت من النفط نحو 2.49 مليون برميل يومياً في 2022 مقارنةً بـ2.39 مليون برميل في العام الحالي.
من جانب آخر، تقدمت الكويت مرتبتين في مؤشر الازدهار لعام 2021 الصادر عن «معهد ليغاتوم» البريطاني. وحلت في المرتبة 58 عالمياً، والرابعة عربياً وخليجياً بعد الإمارات (41 عالمياً)، وقطر (46 عالمياً)، والبحرين (56) في المؤشر الذي يقيّم البلدان، بناءً على رفعها مستوى ازدهار مواطنيها، الذي ينعكس على الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية.
كذلك توقع استطلاع، أجرته وكالة «رويترز»، أن ينمو الاقتصاد الكويتي بما يتجاوز 3% خلال عام 2022.
أخيراً، لن يقتصر النمو على الكويت وحدها، إذ أظهر الاستطلاع أن دول مجلس التعاون الخليجي ستنمو العام المقبل بوتيرة أسرع من التقديرات السابقة. وتوقع الاستطلاع، الذي أُجري بين 8 و20 أكتوبر (تشرين الأول)، وشارك فيه 21 خبيراً اقتصادياً، تحسّن الأوضاع الاقتصادية في أغلب دول المنطقة المصدِّرة للنفط، بعد تداعيات جائحة «كوفيد - 19» والانهيار في أسعار النفط العام الماضي.

                                                                              اشتباك داخل مجلس الأمة الكويتي

خليل حيدر: التحديات في وجه الحكومة الجديدة كثيرة... على رأسها حجم الفساد
> يقول الكاتب خليل حيدر، رداً على أسئلة مثل: ما الذي يكمن للكويت في أشهر العام الجديد 2022؟ وأيٌّ من المشكلات والتحديات ستبرز أمام السلطة، أكثر من غيرها؟ تأتي الإجابة: لا أحد يعرف بالطبع، لا لصعوبة الرجم بالغيب فحسب! بل كذلك لكثرة الاحتمالات وتلبد الأجواء الإقليمية وتراكم الملفات الكويتية على الأرفف وفي الأدراج!
لا يمكن لنا أن نلخص في مقال ما كَتَبَ فيه كُتّاب الصحافة الكويتية عشرات المقالات اليومية، بين متفائل بحذر، أو متشائم لا علاج له كالزميل المبدع حسن العيسى.
الكثير من الكتاب تفاءلوا في البداية بشخص رئيس الوزراء الشيخ صباح الخالد الذي بدا كأنه يملك الحسم في الحل، والحسم لكل علل الكويت وأدوائها، والذي بدت عليه كل سمات المنقذ. لكنّ كثيرين انتقلوا إلى صفوف نقّاده آخذين عليه عدم امتلاكه للرؤية المتماسكة، والحسم والحزم، خصوصاً أن مشكلات الكويت السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا تزال تتفاقم بلا مبرر، فيما تترك دول خليجية الكويت وراءها تندب حظها!
التحديات في وجه الحكومة الجديدة كثيرة، وعلى رأسها حجم الفساد كمّاً وكيفاً! فالكويت كالكثير من الدول عرفت الفساد عبر تاريخها... ولكنه اليوم ساد وظهر في القاع والقمة، وبات في أمسّ الحاجة إلى قرارات حازمة، ومقاريض حادة.
ومن المستبعد –في اعتقادي– أن تصدر، وأن تنفّذ، مثل هذه القرارات... أو أن يرى أحد هذه الأدوات تعمل متجاهلة «هذا وذاك».
منذ فترة وكل كويتي يشتكي كذلك من تراجع هيبة الدولة، مع إيمانه بأن الحكومة تنجح إن عزمت، كما رأينا في قرارات إزالة المخالفات، في حين لم نلمس الحزم نفسه في مجالات أخرى. ولا شيء أكثر ألماً من مشكلات الفساد التي نشرتها الصحافة مؤخراً، في مجال السلطة القضائية، التي عد تشرشل نظافتها وحيادها من ضرورات استمرار الدولة.
كل المسؤولين الخليجيين –ومنهم الكويتيون بالطبع– قلقون بشأن التركيبة السكانية والبطالة والاقتصاد الريعي، الذي يرتبط بشكل غير آمن بأسعار البترول. وقد حاولت الإدارة الكويتية حلّ بعض جوانب تلك المشكلة من خلال «التكويت» الشامل. لكن التسرع والارتجال وعدم تطوير الاقتصاد، من جانب، وتهرّب الكثير من الموظفين الكويتيين من المهن التي عدّوها «شاقة»... حوّل «التكويت» إلى «مذبحة وظيفية» لغير الكويتيين الذين يسمون «الوافدين»، ممن بنوا الكويت وخدموها سنين طويلة... وقد تراجعت الحكومة لاحقاً لحسن الحظّ.ومن مجالات الكويت المهملة؛ التعليم العام والجامعي على حدٍّ ســـواء، رغم ضخامة المبالغ المصروفة في هذا المجال. والتعليم كما أثبتت التجربة الآسيوية الناجحة عامل قيادي ومؤثر في النهوض بالتنمية وتحقيق التقدم. ورغم ما تنفقه ميزانيات الدولة، نرى قطاعاً واسعاً من الكويتيين يعتمدون على المدارس الخاصة من الحضانة والروضة إلى الجامعة. ثم إن التعليم الجامعي غير مرتبط بأي خطة تنموية، بلّ إن الكثير من مناصبه القيادية لا تزال شاغرة منذ فترة طويلة.
مع كل ذلك؛ لا تزال الكويت، رغم كل السلبيات والمشكلات، تتمتع بمكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية راسخة، وبدستور رائع، وأسرة حكم لا يجادل أحد في الولاء لها. ولا شكّ أن دولة ديمقراطية بحاجة ماسّة إلى شكل من أشكال المعارضة تُنجح ديمقراطيتها وتحمي دستورها وترسّخ تقدمها. ويتفق الكويتيون على أن ثمّة الكثير الذي لا بد للمعارضة أن تتصف به من اعتدال ونضج وعمق كي يصل نداؤها إلى كل الكويتيين بشكل مقنع وبنّاء.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.