كيف ستبدو الكويت في عام 2022؟

بعد نجاح الحكومة في تحييد الخصوم

كيف ستبدو الكويت في عام 2022؟
TT

كيف ستبدو الكويت في عام 2022؟

كيف ستبدو الكويت في عام 2022؟

بكثيرٍ من الطموح والتوقعات ودّعت الكويت عامها المنصرم، واستقبلت عاماً جديداً، مفعماً بالأمل في اجتياز الأزمات السياسية المستحكمة في البلاد. وكان أمير البلاد الشيخ نواف الأحمد الصباح، قد مهّد لهذا التحوّل الضروري بتدشينه مصالحة وطنية مع المعارضة، طوت صفحة الخلاف السياسي، وأعادت للبلاد أقطاباً بارزين في المعارضة البرلمانية كانوا محكومين بالسجن في قضية اقتحام مجلس الأمة عام 2011.
الحياة السياسية الكويتية كانت رهينة الصراعات المتكررة بين السلطتين. ولطالما دعا أمير الكويت إلى نبذ الخلاف بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، واليوم تأمل الحكومة أن تثمر جهود المصالحة مع المعارضة البرلمانية في تمرير حزمة إصلاحات اقتصادية خلال الفصل التشريعي الحالي، وهذا رغم أن المشهد السياسي لا يخلو -في نظر المعارضة أيضاً– من رغبة الحكومة في تحييد البرلمان عن الرقابة المشددة على عملها. وللعلم، كانت الحكومة السابقة قد قدّمت استقالتها للأمير الشيخ نواف الأحمد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، تفادياً لخضوع رئيس الوزراء وثمانية وزراء آخرين لاستجواب في البرلمان. وتلك كانت المرة الثانية التي يقدّم فيها الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، استقالة حكومته منذ تكليفه المرة الأولى في ديسمبر (كانون الأول) 2020، للفرار من محاسبة المجلس.
عرفت الكويت أول دستور مكتوب ومجلس شورى عام 1921، وكان الكويتيون أول شعب خليجي يشكل مجلساً تشريعياً بالانتخاب وذلك في عام 1938. كذلك عُرفت الكويت بنظامها البرلماني، وفي تجربتهم الديمقراطية يستند الكويتيون إلى الشيخ عبد الله السالم الصباح «رجل الاستقلال» الذي أرسى التجربة الديمقراطية الفتية في الكويت. وفي عهده أُقر الدستور، الذي هو أول وثيقة من نوعها في الخليج. ويطلق اسمه اليوم على قاعة مجلس الأمة، الغرفة التشريعية الأكثر سخونة وجدلاً في المنطقة.
هذا، وصدر الدستور الكويتي الحالي بعد الاستقلال، يوم 11 نوفمبر 1962، وبدأ العمل به رسمياً في 29 يناير (كانون الثاني) 1963، وتنص المادة السادسة منه على أن «نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً».
ولكن، مع أن التجربة النيابية والتشريعية في الكويت قديمة نسبياً، فإنها بقيت على الدوام معرّضة للامتحان، ومحكومة بالتجاذب الحاد بين السلطتين، وبين الاختيار الأصعب بين الديمقراطية والاستقرار.
المصالحة وانشقاق المعارضة
في السابع من نوفمبر 2021، أقرت الحكومة الكويتية خلال اجتماعها الاستثنائي مشاريع مراسيم العفو الأميري بحق عدد من الكويتيين ممن صدرت عليهم أحكام في قضايا سابقة تمهيداً لرفعها لأمير البلاد. وطوى مرسوم العفو الأميري صفحة الخلاف السياسي مع المعارضة البرلمانية التي صدرت أحكام بحق أعضاء بارزين فيها خصوصاً المتهمين في قضية اقتحام مجلس الأمة عام 2011، وكان أبرز الذين شملهم العفو نواب وناشطون مقيمون في تركيا بينهم القطب البرلماني مسلّم البراك، ونواب سابقون حُكم عليهم بالسجن لمدد متفاوتة في 2017، كذلك شملت 7 من المتهمين في قضية خلية العبدلي التي أُلقي القبض عليها في 13 أغسطس (آب) 2015.
جهود المصالحة، ومرسوم العفو، وعودة النواب من الخارج، لم تقفل باب الخلاف السياسي. إذ سرعان ما انشقت المعارضة على نفسها، ودخلت في مساجلات على وقع الاتهامات بالتراخي لصالح السلطة، والتحالف مع رئيس البرلمان مرزوق الغانم، وطالت الاتهامات النائب عبيد الوسمي الذي عمل مع الحكومة ورئيس البرلمان لإنضاج جهود المصالحة الوطنية.
ناصر العبدلي، الكاتب الكويتي والرئيس السابق للجمعية الكويتية لتنمية الديمقراطية، قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «هناك تحوّلات على الساحة السياسية المحلية، خصوصاً بعد العفو الأميري عن بعض السياسيين والناشطين ممن ارتكبوا مخالفات قانونية. وأول مؤشرات هذه التحولات هو التبرؤ من كل تداعيات ما يسمى (الربيع العربي) الذي دفعت أجواؤه الكثير من العاملين على الساحة السياسية في المرحلة الماضية للتمرد على الدستور والأسس التي قامت عليها الديمقراطية الكويتية، كما أن المؤشرات تتضمّن محاولة أولئك النشطاء إعادة تنظيم نشاطهم وفق تلك الأسس والمرتكزات، وقد تجلّى ذلك واضحاً في بعض المشاريع تحت لافتة الإصلاح السياسي والاقتصادي».
وأضاف: «الآن البرلمان يعمل على قدم وساق من أجل ترتيب الساحة السياسية من جديد وتوزيع الأدوار داخلها وفقاً للحقائق الجديدة. وكانت هناك جملة اقتراحات لقوانين من أجل تصفية آثار ذلك الربيع المشؤوم على الأمة العربية، وهناك استئناف عمل للبرلمان بعد تعثر خلال العام الماضي تحت سقف الدستور».
رأي البرّاك
النائب السابق مسلم البرّاك، الذي عاد إلى الكويت بمرسوم العفو، وصف المشهد السياسي الحالي في البلاد بأنه «متخبط تسوده الأنانية والأجندات الشخصية». إذ قال البرّاك خلال ندوة، عشية انعقاد مثول الحكومة الجديدة أمام البرلمان لأداء القسم (4-1-2022)، إن شعار «رحيل الرئيسين» (أي رئيس الحكومة ورئيس مجلس الأمة) الذي رفعه نواب المعارضة خلال العام الماضي «شعار فاشل ولن يتحقق». ووصف سلوك المعارضة بالجلوس على كراسي الوزراء... بأنه «مو شغل نواب». وأيضاً وجّه البرّاك نقداً لمسيرة المعارضة السياسية، قائلاً: «نعم أقولها: أخطأنا في تقديم العمل البرلماني ولا سبيل إلا بالعمل السياسي المنظّم والشامل، والسلطة استمرت بمحاربتنا وصدرت الأحكام بسجننا ونفينا».
من ناحية أخرى، جاءت الجلسة البرلمانية الأولى في العام الجديد، التي أدت فيها الحكومة اليمين الدستورية، منسجمة مع أجواء الانقسام السياسي، إذ شهدت انسحاب 13 نائباً خلال أداء اليمين. ثم أعقبها اشتباك في قاعة الاستراحة بين النائبين عبيد الوسمي ومحمد المطير، أدى إلى تشابك بالأيدي. ولم تعتمد الحكومة الجديدة على حسن النيات التي أحدثتها جهود المصالحة، بل حصّنت نفسها من أي مساعٍ لطرح الثقة، عبر توزير عدد من النواب في صفوفها، تتقي بهم –ولو مؤقتاً- العواصف السياسية.
وهنا علّق لـ«الشرق الأوسط» الباحث السياسي الكويتي، الدكتور عايد المنّاع قائلاً: «‏اعتادت الكويت على العواصف السياسية، نتيجة العلاقة المتوترة غالباً ما بين البرلمان والحكومة، لكن يبدو أنه تم التغلب على هذا -على الأقل مرحلياً– فقد استطاعت الحكومة الجديدة الحالية أن تضم في صفوفها عدداً من النواب بلغ عددهم أربعة نواب، وبالتالي أصبحت حكومة شبه برلمانية، ما يعطيها قوة داخل البرلمان».
وتابع: «الجانب الأهم والأكثر حضوراً هو العفو الذي أصدره أمير البلاد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، بالعفو عن عدد من السياسيين من بينهم عدد من أعضاء البرلمان السابقين الذين لهم وجود كبير على الساحة، وبالتالي خفف أيضاً من حدة التوتر. ومن ثم، صار بإمكان الحكومة أن تكون الآن على علاقة ودّية مع البرلمان، وهذا لا يمنع الاستجوابات، فلن تكون هناك خشية من طرح الثقة في الوزراء أو رفض تعاون مع رئيس الوزراء».
في هذا الشأن يقول النائب خالد المونس إن التوسع بتوزير النواب في الظروف الحالية «ما هو إلا حماية وصناعة سياج لرئيس الوزراء».
ملفات الفساد
من جهة أخرى، في نوفمبر ،2019 تمّ تكليف رئيس الوزراء الحالي الشيخ صباح الخالد الصباح، لقيادة الحكومة الكويتية، على وقع الكشف عن واحد من ملفات الفساد وتبديد المال العام. وهي القضية التي فجرها رئيس الدفاع السابق (الراحل) الشيخ ناصر صباح الأحمد الصباح، وأُدينت فيها شخصيات بارزة بتجاوزات مالية والاستيلاء على نحو 800 مليون دولار من صندوق لمساعدة العسكريين. وللعلم، هي القضية التي أدت لاستقالة رئيس الحكومة السابق جابر المبارك الصباح، وتولي الرئيس الجديد، الذي شكّل حتى الآن أربع حكومات، كان ملف الفساد هو الأكثر إلحاحاً من بين الملفات التي حملتها.
لكن تقرير منظمة الشفافية الدولية الأخير أظهر تقدماً طفيفاً في ملف الفساد. إذ حلَّت الكويت في المركز 7 عربياً في مؤشر مدركات الفساد لـ2020، متقدمة مركزين عن العام السابق، وسط تحسن في أداء جهات التشريع والقضاء، وحصدت 42 درجة من 100، بفارق نقطتين عن 2019 حين سجّلت 40 درجة. وحققت الكويت تقدماً ملحوظاً في ترتيبها بالمؤشر، حيث جاءت 78 دولياً، بتقدم 7 مراكز عن 2020 الذي حققت فيه المرتبة 85 بين 180 دولة.
وفي مؤشر الفساد العالمي لسنة 2021 الصادر عن شركة «غلوبال ريسك بروفايل» السويسرية المتخصصة بإدارة المخاطر، حسنّت الكويت ترتيبها لتصعد من المرتبة 127 إلى 88 عالمياً، مسجلة 44.1 نقطة. لكن الصدمة التي سجلها العام الجديد تمثّلت بتمدد الفساد إلى الجسم القضائي الكويتي حيث أدانت محكمة الجنايات 6 قضاة بالحبس لسنوات متفاوتة بين 5 و15 سنة وعزلهم عن وظائفهم وإلزامهم إعادة مركبات تلقوها «هدايا» لاتهامهم بالرشوة والتزوير وغسل الأموال.
الاستقرار... والنمو
في الواقع، تحتاج الكويت إلى توافق سياسي، خصوصاً داخل قبة البرلمان، من أجل تشريع الإصلاحات الاقتصادية المنشودة. فبسبب التطاحن السياسي عُطّل سنّ الكثير من التشريعات، وعُرقلت عمليات الرقابة والحدّ من تفشي الفساد.
وبينما يواصل أمير الكويت الحث على نبذ الخلاف بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، تأمل الحكومة أن تثمر جهود المصالحة مع المعارضة البرلمانية في تمرير حزمة إصلاحات اقتصادية خلال الفصل التشريعي الحالي. وفي أول توجيه له للحكومة الجديدة، أكد ولي العهد الكويتي الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، أن أمام هذه الحكومة «مسؤوليات وواجبات تتطلب العمل الدؤوب بروح الفريق الواحد لمواصلة مسيرة الإصلاح وتنفيذ البرامج الاقتصادية ودفع عجلة التنمية في البلاد».
كذلك في مقال بصحيفة «القبس» الكويتية، هذا الأسبوع، كتب الكاتب الكويتي أحمد الصرّاف: «أعتقد أن مشكلتنا في الكويت تكمن في عدم استقرارنا على وضع سياسي معين. فلا نحن دولة ديكتاتورية، ولا نحن دولة ديمقراطية! فلو كنا أحد النظامين، لما تأخرنا في التنمية ولما وصلنا لهذا العجز والإرباك السياسي الذي نحن فيه، ولَمَا تأخرت خطط التنمية، ولكان من المحال مثلاً تصور دفع أكثر من ملياري دولار غرامة «مشروع الداو»، لأن الحكومة والنواب اختاروا حينها التناحر، على حساب مصلحة الوطن العليا!». وهنا تجدر الإشارة، إلى أنه في فبراير (شباط) 2021، أظهر تقرير ارتفاع احتياطيات الكويت الأجنبية بنسبة 21.1% خلال العام السابق 2020، لكن الكويت اضطرت في العام المنصرم 2021 لسحب 25 مليار دولار من «صندوق الأجيال» لتغطية العجز في الميزانية.
لكن، أمام الكويت فرص لنمو اقتصادي في العام الحالي 2022، إذ تُظهر توقعات «معهد التمويل الدولي» تحقيق نمو اقتصادي في الكويت بنسبة 4% العام المقبل بدعم تعافي إنتاج النفط والإصلاحات المرتقبة. وذكر «المعهد» في التقرير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا، الذي نشرت تفاصيل عنه صحيفة «القبس»، إن الناتج المحلي الاسميّ للكويت في 2022 سيبلغ 133 مليار دولار مقارنةً بـ129 مليار دولار في 2021، في حين سيبلغ نمو الناتج المحلي النفطي نحو 4.6% في العام المقبل مقارنةً بـ1.2% في 2021، والناتج المحلي غير النفطي سينمو بـ3.5% في 2022 مقارنةً بـ1.9% في العام الماضي.
أيضاً توقع «معهد التمويل الدولي» أن يبقى رصيد المالية العامة (باستثناء دخل الاستثمار) يعاني عجزاً كبيراً في العام المقبل رغم ارتفاع عائدات النفط. وأشار إلى أن فاتورة دعم الوقود والطاقة لا تزال كبيرة، ورجح أن يبلغ متوسط إنتاج الكويت من النفط نحو 2.49 مليون برميل يومياً في 2022 مقارنةً بـ2.39 مليون برميل في العام الحالي.
من جانب آخر، تقدمت الكويت مرتبتين في مؤشر الازدهار لعام 2021 الصادر عن «معهد ليغاتوم» البريطاني. وحلت في المرتبة 58 عالمياً، والرابعة عربياً وخليجياً بعد الإمارات (41 عالمياً)، وقطر (46 عالمياً)، والبحرين (56) في المؤشر الذي يقيّم البلدان، بناءً على رفعها مستوى ازدهار مواطنيها، الذي ينعكس على الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية.
كذلك توقع استطلاع، أجرته وكالة «رويترز»، أن ينمو الاقتصاد الكويتي بما يتجاوز 3% خلال عام 2022.
أخيراً، لن يقتصر النمو على الكويت وحدها، إذ أظهر الاستطلاع أن دول مجلس التعاون الخليجي ستنمو العام المقبل بوتيرة أسرع من التقديرات السابقة. وتوقع الاستطلاع، الذي أُجري بين 8 و20 أكتوبر (تشرين الأول)، وشارك فيه 21 خبيراً اقتصادياً، تحسّن الأوضاع الاقتصادية في أغلب دول المنطقة المصدِّرة للنفط، بعد تداعيات جائحة «كوفيد - 19» والانهيار في أسعار النفط العام الماضي.

                                                                              اشتباك داخل مجلس الأمة الكويتي

خليل حيدر: التحديات في وجه الحكومة الجديدة كثيرة... على رأسها حجم الفساد
> يقول الكاتب خليل حيدر، رداً على أسئلة مثل: ما الذي يكمن للكويت في أشهر العام الجديد 2022؟ وأيٌّ من المشكلات والتحديات ستبرز أمام السلطة، أكثر من غيرها؟ تأتي الإجابة: لا أحد يعرف بالطبع، لا لصعوبة الرجم بالغيب فحسب! بل كذلك لكثرة الاحتمالات وتلبد الأجواء الإقليمية وتراكم الملفات الكويتية على الأرفف وفي الأدراج!
لا يمكن لنا أن نلخص في مقال ما كَتَبَ فيه كُتّاب الصحافة الكويتية عشرات المقالات اليومية، بين متفائل بحذر، أو متشائم لا علاج له كالزميل المبدع حسن العيسى.
الكثير من الكتاب تفاءلوا في البداية بشخص رئيس الوزراء الشيخ صباح الخالد الذي بدا كأنه يملك الحسم في الحل، والحسم لكل علل الكويت وأدوائها، والذي بدت عليه كل سمات المنقذ. لكنّ كثيرين انتقلوا إلى صفوف نقّاده آخذين عليه عدم امتلاكه للرؤية المتماسكة، والحسم والحزم، خصوصاً أن مشكلات الكويت السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا تزال تتفاقم بلا مبرر، فيما تترك دول خليجية الكويت وراءها تندب حظها!
التحديات في وجه الحكومة الجديدة كثيرة، وعلى رأسها حجم الفساد كمّاً وكيفاً! فالكويت كالكثير من الدول عرفت الفساد عبر تاريخها... ولكنه اليوم ساد وظهر في القاع والقمة، وبات في أمسّ الحاجة إلى قرارات حازمة، ومقاريض حادة.
ومن المستبعد –في اعتقادي– أن تصدر، وأن تنفّذ، مثل هذه القرارات... أو أن يرى أحد هذه الأدوات تعمل متجاهلة «هذا وذاك».
منذ فترة وكل كويتي يشتكي كذلك من تراجع هيبة الدولة، مع إيمانه بأن الحكومة تنجح إن عزمت، كما رأينا في قرارات إزالة المخالفات، في حين لم نلمس الحزم نفسه في مجالات أخرى. ولا شيء أكثر ألماً من مشكلات الفساد التي نشرتها الصحافة مؤخراً، في مجال السلطة القضائية، التي عد تشرشل نظافتها وحيادها من ضرورات استمرار الدولة.
كل المسؤولين الخليجيين –ومنهم الكويتيون بالطبع– قلقون بشأن التركيبة السكانية والبطالة والاقتصاد الريعي، الذي يرتبط بشكل غير آمن بأسعار البترول. وقد حاولت الإدارة الكويتية حلّ بعض جوانب تلك المشكلة من خلال «التكويت» الشامل. لكن التسرع والارتجال وعدم تطوير الاقتصاد، من جانب، وتهرّب الكثير من الموظفين الكويتيين من المهن التي عدّوها «شاقة»... حوّل «التكويت» إلى «مذبحة وظيفية» لغير الكويتيين الذين يسمون «الوافدين»، ممن بنوا الكويت وخدموها سنين طويلة... وقد تراجعت الحكومة لاحقاً لحسن الحظّ.ومن مجالات الكويت المهملة؛ التعليم العام والجامعي على حدٍّ ســـواء، رغم ضخامة المبالغ المصروفة في هذا المجال. والتعليم كما أثبتت التجربة الآسيوية الناجحة عامل قيادي ومؤثر في النهوض بالتنمية وتحقيق التقدم. ورغم ما تنفقه ميزانيات الدولة، نرى قطاعاً واسعاً من الكويتيين يعتمدون على المدارس الخاصة من الحضانة والروضة إلى الجامعة. ثم إن التعليم الجامعي غير مرتبط بأي خطة تنموية، بلّ إن الكثير من مناصبه القيادية لا تزال شاغرة منذ فترة طويلة.
مع كل ذلك؛ لا تزال الكويت، رغم كل السلبيات والمشكلات، تتمتع بمكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية راسخة، وبدستور رائع، وأسرة حكم لا يجادل أحد في الولاء لها. ولا شكّ أن دولة ديمقراطية بحاجة ماسّة إلى شكل من أشكال المعارضة تُنجح ديمقراطيتها وتحمي دستورها وترسّخ تقدمها. ويتفق الكويتيون على أن ثمّة الكثير الذي لا بد للمعارضة أن تتصف به من اعتدال ونضج وعمق كي يصل نداؤها إلى كل الكويتيين بشكل مقنع وبنّاء.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».