يوسف رزوقة: الشابي لم يؤثّر في الأجيال الشعرية التونسية المتعاقبة

الشاعر التونسي الفائز بجائزة الملك عبد الله الثاني وجائزة قطر لأدب الطفل

يوسف رزوقة
يوسف رزوقة
TT

يوسف رزوقة: الشابي لم يؤثّر في الأجيال الشعرية التونسية المتعاقبة

يوسف رزوقة
يوسف رزوقة

طوال 40 عامًا راوح يوسف رزوقة في كتاباته الأدبية بين الرواية والشعر والترجمة والكتابة للأطفال، وقد أصدر إلى حدّ الآن قرابة الثلاثين كتابًا أولها كان ديوان «أمتاز عليك بأحزاني» (1979)، وآخرها رواية بعنوان «وداعا براءة العالم» صادرة سنة 2014.
وقد فاز رزوقة خلال مسيرته الأدبية بجوائز عربية كثيرة: جائزة الملك عبد الله للآداب والفنون عن مجمل أعماله الشعرية، وجائزة الدولة القطرية لأدب الطفل.
«الشرق الأوسط» التقته في تونس العاصمة وأثارت الجدل معه حول تجربته الأدبية ومدى اندماج الشعر التونسي في محيطه العربي، فكان هذا الحوار.
* كيف يقيّم الشاعر التونسي يوسف رزوقة واقع الشعر التونسي اليوم وموقعه في العالم العربي، هل هو قادر بالفعل على التجديد والمنافسة؟
- الشعر التونسي ليس وليد «المطرة الأخيرة» كما يقال، شأنه شأن الشعر في المغرب العربي فقد سبق لشاعر عربيّ كبير أن أعلنها قبل 20 سنة.. حدّث، قال: عدّلوا ساعاتكم الشعرية على المغرب العربي وما يُكتب فيه.
بلا مزايدة في هذا السياق، تجدر الإشارة هنا إلى ميزة في الشّعر التّونسيّ، وعنفوانه من عنفوان بانوراما الشعر العربيّ.. هذه الميزة التي قد لا نعدم وجودها في أقطار أخرى هي أن لكلّ شاعر شخصيته التي لم يطمس خصوصيّتها الآباء أو ما اصطلح عليهم بالرّوّاد.. فضلا عن مقاربة الشاعر التونسي في معالجاته الشعرية تيمات لم تألفها الذائقة العربية أو تقنيات مكتسبة بفعل التثاقف والتنافذ مع أوروبا، وفي هذا إغناء يجعل قصيدته لافتة بانزياحاتها، وتعدّدها الشّفريّ، بلعبها الغاداميري وبمنسوب الشّعريّة العالي فيها.
بمعنى آخر، وليس المجال مجال مزايدة كما أسلفت، فإنّ ما يكتبه أحفاد أبي القاسم الشابي ومنوّر صمادح ليس محلّ شكّ أو قدح في مدى أدبيّته، لأنه في رأينا وبالاحتكام إلى المدوّنة التونسية، وإن استأنسنا بآراء الآخرين أيضا، هو بمثابة «البقعة الأرجوانية» في المشهد الشعري العربي.
وسؤالنا نطرحه بمحبّة وبلا استفزاز: هل أنّ ما يكتب في بقاع أخرى قادر بالفعل على منافسة الشعر التونسيّ؟ آمل ذلك حتى تحلو المنافسة.
* هل أثّرت ثورة 2011 في الشعر التونسي على مستوى الشكل والمضمون؟
- الشّعر التّونسي والعربي عموما لا ينتظر الثورة، أي ثورة، كي يغيّر ما بشكله أو بمضمونه.. الشّعر ثوري أو لا يكون.. ولعلّ ما كتبه الشّعراء قبل الثورة كان الإرهاص الأكثر ثوريّة والأكثر استشرافا ممّا كتب لاحقا.
فشاعر الهنا والآن غير مطالب، وقد أتت الثورة أكلها أو لم تؤت، بقصائد تعبويّة أو حماسيّة أو تسجيليّة، فهذا الدّور لا يليق بالشاعر بل هو منوط بعهدة الكاميرا للتوثيق وبعهدة الرّوائّيين كي يكتبوا روايات تعكس اعتمالات الحراك وتفاصيله المربكة.
الشعر أكبر من المناسبة وهذا ما حدا بشاعرنا الكبير محمد الغزي إلى تأكيد ذلك بقوله «تونس.. شعر أبعد من الثورة».
فباستثناء الشّاعر الكبير أولاد أحمد الذي نتمنّى له بالمناسبة الشفاء والذي ناضل بالحرف وتبنى «القيادة الشعرية للثورة التونسية»، فضلا عن قلّة أخرى، لا نرى زخما شعريّا لافتا في أدبيّات ثورة 2011.. بل واصل الشّعراء نزفهم بالصدق الإبداعي ذاته دون أن نعدم الثوريّة في ما يكتبون.
* حاول كثير من الأدباء والمثقفين الاقتراب من منظومة الحكم السابق ومدحها البعض شعرا والبعض الآخر نثرا، كيف تقيّم علاقة المثقف بالسلطة في السابق؟ وهل تغيرت بعد الثورة؟
- على مرّ العصور، يبقى الإبداع إبداعا والآيديولوجيا آيديولوجيا وبينهما كامخ الوعي في التعاطي مع أيّهما بمسافة وعي استثنائي هي مسافة الأمان.
والمبدع الّذي يحترم نفسه وإبداعه مطالب منذ ولادته بعدم التّلوّن في مبادئه وبعدم وضع قلمه على ذمّة السّياسيّ، عابر السّبيل إن غدا أو بعده.
تونسيّا، وعلى الرغم من التزام شرائح مثقفة كبيرة باتخاذ مسافة أمان بالابتعاد عن المرجل السياسيّ، هادن المثقّف، في المقابل كعيّنة عشوائية لا غير، وعلى امتداد عقود، السّلطة ولم ير في اقترابه منها أو موالاته لها ما يضير على خلفيّة أنها سلطة قائمة وقد تدوم طويلا وعلاقته بها، لا العكس، قد يغنم من ورائها منافع أو منصبا وما كان يدور بخلده أنّه سيجيء يوم ينهض فيه حراك ثوري يخلط الأوراق ويدعو إلى المحاسبة.. حتى إذا جاء هذا اليوم، وجد هذا المثقف نفسه في مأزق المدان.
ولسائل أن يسأل: والآن، بعد سنوات خمس من الحراك الثوريّ، هل قطع المثقف مع عادة الانتصار للسلطة والتماهي معها أو مع خطابها؟
في رأيي، هناك 3 أوجه للمسألة.. مثقّف يوالي، على تقدّميته، تيّارا سياسيا بدا له ناطقا باسم المرحلة فإذا هو صنيعته وسينتهي قريبا كمثقف سلطة ما قبل الثورة.. ومثقّف أبقى على نفوره من كلّ سلطة قائمة، ومثقّف على الرّبوة يعاين الوضع من عل ويكتفي بذلك.
* اشتكى شعراء تونس لفترة طويلة من سطوة أبي القاسم الشابي ومثلوه بالشجرة التي حجبت الغابة ودعوا إلى قتله على غرار نظرية قتل الأب، هل توافق هذا الرأي أم أن عجز مدونة الشعر التونسي عن مجاراة حجم الشابي وأشعاره هو الذي دفع بهم إلى هذه الحجة الضعيفة؟
- نحن نحب أبا القاسم الشابي لفضل واحد هو أنه، رغم شهرته، لم يفعل فينا كشعراء، فلا صدى له أو لنصّه في نصوصنا.
فأبو القاسم الشابي شاعر عربي كبير ونحن نحبّه بصدق.. نشاطره الإحساس بعبقرية المكان وبما في القصيدة من قيم جمالية وشعرية مشتركة، وإن التقينا في الاختلاف في مستوى النمط الشّعري على خلفيّة أنّ الشّابّي في ديوانه اليتيم «أغاني الحياة» وفي للنمط العمودي، بينما نظراؤه الذين أتوا بعده انخرطوا في مشروع شعري متناغم مع متغيرات المرحلة ومع إيقاع العصر المتسارع، وذلك بتوخّي نهج في الكتابة الشعرية ينتصر للشعر الحرّ أو النثريّ، على حدّ السّواء.
وليس من باب المبالغة إذا قلنا إن الشابي، على أهمية «أغانيه» وذيوع اسمه، لم يؤثّر في الأجيال الشعرية التونسية المتعاقبة فهو نسيج وحده وله أسلوبه الغنائي المخصوص.. وهو بالتالي، لم يكن، في يوم، النخلة التي تغطّي الواحة.. بمعنى أنه لم يهيمن كنصّ شعري على أي من الشّعراء اللاّحقين فيتّهمون به بل ظلّ يراوح في مرتبته «كالنسر فوق القمّة الشماء».
لكن، مع ذلك، وما دمنا نحبّه، كان يلذّ لنا، وهذا مشروع في الحقل الأدبيّ، أن نقتله حتى نظل على قيد الحياة.. قريبا منا، بعيدا عنّا.. حتّى لا نصنّمه فيغمط، بفعل المقارنة والانعكاس الشّرطي لدى القرّاء، أداء شعراء لاحقين وهنا تكمن المعادلة الصعبة.
ما يهمّنا هنا ليس القدرة التبليغية أو التأثيرية من عدمها، أو لزوم ما يلزم وما لا يلزم من إيقاعات مكبّلة أو مجمّلة في الأنماط الشعرية الثلاثة: العمودي منها، والحرّ، والمنثور، بل كمّية النسغ الشّعري في أي ضرب منها.
وليست القضيّة هنا أيضا قضيّة عجز مدوّنة الشعر التونسي من عدمها عن مجاراة ينبوع شعري كالشّابي.. للسبب التالي وهو أن لكلّ عصر إيقاعه المخصوص، والشاعر، أي شاعر، هو مرآة عاكسة لعصره: إحساسا ورؤية وإيقاعا.
* ما هي الأصوات الشعرية الحالية في تونس التي ترى أنها تمثل الشعر التونسي؟
- أسماء كثيرة تلتقي في الاختلاف، وأذكر منها على سبيل المثال، والقائمة تطول إذا عددنا كل الأصوات الشعرية، فلكل واحد منهم مذاقه الخاص.
* فقر أهل الثقافة والفن ومعاناتهم من ضنك العيش، كيف ينظر إليه رزوقة؟ وهل أن الضيق في العيش والمرض قد يكون من بين أهم المؤثرات على إبداعات المثقف؟
- فقر المثقّف أو الفنّان عموما ليس عيبا وهو عيب في آن، لا يعاب المثقف أو الفنّان في حال وجوده فقيرا على أن يشفع له إبداعه النوعي، واللاّفت حالة الفقر التي هو عليها فيصار إلى الانتصار له بتمكينه في مرتبة هو جدير بها باستحقاق. أو هو نفسه، ولأنه مبدع حقيقيّ، بإمكانه أن يفتكّ مكانة له تحت الشمس، وطنيّا أو حتى خارج البلاد. والأمثلة كثيرة في هذا السياق مع الذين نحتوا مصيرا وظيفيّا لهم انتصروا به على دابر الفقر.
أمّا العيب فهو أن يظلّ المثقف أو الفنّان مستسلما، يعيش على الهامش، ينظّر للفقر ولا يحرّك ساكنا، مستعذبا، بتعلة الاحتياج، نمط التحايل على الحياة والاعتياش على فتات الهبات، إن وجدت.. وهو وضع لا يرتضيه لنفسه أي مثقّف أو فنّان.
لكن، هذا لا يجعلنا نعذر آخرين وجدوا فقراء وظلّوا، رغم محاربتهم للفقر، فقراء أو ابتلوا بأمراض أقعدتهم عن الحركة. هؤلاء جديرون، إنسانيّا، بالاحترام وباللفتات الكريمة لتغطيتهم اجتماعيا وصحّيا حتى يشعروا بمعنى التكافل على الأقلّ.
* وما مدى تأثير هذا الوضع على المثقّف؟
- تأثير ذو حدّين.. إمّا أن يموت إبداعيّا وفي هذه الحال، تخسر السّاحة مثقّفا وإمّا أن يواصل نزفه الإبداعي عملا بما قاله جدّنا المتنبّي:
«لا تحسبوا رقصي بينكم طربا قد يرقص الطير مذبوحا من الألم»
ليدين بموقفه ذاك أهل الذكر دولة ومجتمعا.
* على حد تقديرك، ما أهمية قول الشعر اليوم؟
- في هذه الألفية الثالثة، يحق لنا الآن وهنا أن نسأل: لماذا نكتب؟
وهو سؤال حارق نريد له في واقعنا أجوبة ملموسة وإلا ضللنا الطريق وظللنا شعراء القطار المتخلف.
يحق لنا اليوم، وأكثر من أي عصر مضى، أن نكتب عصرنا على النحو الذي نريد، وباللغة التي تعبر عن اعتمالاتنا وهي شتى، وليكن ما نقصده مختلفا ومربكا، إفرازة من إفرازات هذا الزمن.
ولنتفق أولا: ماذا يمكن أن يفعل شاعر يعيش ملء وعيه وفي فضاء اتصالي معولم، غير أن يرصد ما يرى وما يراه بات أكبر وأوسع من لغتنا القديمة وأكثر إدهاشا في تمظهراته من كل إنجازات القرون الماضية. لكن، مع ذلك، بتنا نشعر، أحيانا، بلا جدوى الشعر، ذلك أنّ هجمة الوسائط المتعدّدة وهجرة الجمهور المستهدف إلى مواقع التواصل الاجتماعيّ: الـ«فيسبوك» ونحوه، أصابتا الشعر، فضلا عن سائر الفنون الأخرى، في مقتل. فانصرف القرّاء عن الوعاء الورقي وعن حضور الأمسيات الشعريّة وتميّعت القيم في غياب المواكبة النقدية لنرى القرّاء أنفسهم، روّاد الفضاءات الافتراضيّة، شعراء وقد استسهلوا الكتابة بأنواعها وتطاولوا على نخلة «أوّل الكلام». في وضع كهذا، لن يكبر، مستقبلا، شاعر ولن نرى بالتالي بيننا لا الشّابي، ولا درويش، ولا أي شاعر آخر حتى ولو كان «متنبّي» زمانه، وذلك بسبب طغيان المشهدية وانقلاب الموازين القيمية لفائدة الظواهر التعبيرية العابرة التي قد تدفع بالأقلام الحقيقية، النازفة بالانسحاب، إن عاجلا أو آجلا، من ساحة الإبداع.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.