يوسف رزوقة: الشابي لم يؤثّر في الأجيال الشعرية التونسية المتعاقبة

الشاعر التونسي الفائز بجائزة الملك عبد الله الثاني وجائزة قطر لأدب الطفل

يوسف رزوقة
يوسف رزوقة
TT

يوسف رزوقة: الشابي لم يؤثّر في الأجيال الشعرية التونسية المتعاقبة

يوسف رزوقة
يوسف رزوقة

طوال 40 عامًا راوح يوسف رزوقة في كتاباته الأدبية بين الرواية والشعر والترجمة والكتابة للأطفال، وقد أصدر إلى حدّ الآن قرابة الثلاثين كتابًا أولها كان ديوان «أمتاز عليك بأحزاني» (1979)، وآخرها رواية بعنوان «وداعا براءة العالم» صادرة سنة 2014.
وقد فاز رزوقة خلال مسيرته الأدبية بجوائز عربية كثيرة: جائزة الملك عبد الله للآداب والفنون عن مجمل أعماله الشعرية، وجائزة الدولة القطرية لأدب الطفل.
«الشرق الأوسط» التقته في تونس العاصمة وأثارت الجدل معه حول تجربته الأدبية ومدى اندماج الشعر التونسي في محيطه العربي، فكان هذا الحوار.
* كيف يقيّم الشاعر التونسي يوسف رزوقة واقع الشعر التونسي اليوم وموقعه في العالم العربي، هل هو قادر بالفعل على التجديد والمنافسة؟
- الشعر التونسي ليس وليد «المطرة الأخيرة» كما يقال، شأنه شأن الشعر في المغرب العربي فقد سبق لشاعر عربيّ كبير أن أعلنها قبل 20 سنة.. حدّث، قال: عدّلوا ساعاتكم الشعرية على المغرب العربي وما يُكتب فيه.
بلا مزايدة في هذا السياق، تجدر الإشارة هنا إلى ميزة في الشّعر التّونسيّ، وعنفوانه من عنفوان بانوراما الشعر العربيّ.. هذه الميزة التي قد لا نعدم وجودها في أقطار أخرى هي أن لكلّ شاعر شخصيته التي لم يطمس خصوصيّتها الآباء أو ما اصطلح عليهم بالرّوّاد.. فضلا عن مقاربة الشاعر التونسي في معالجاته الشعرية تيمات لم تألفها الذائقة العربية أو تقنيات مكتسبة بفعل التثاقف والتنافذ مع أوروبا، وفي هذا إغناء يجعل قصيدته لافتة بانزياحاتها، وتعدّدها الشّفريّ، بلعبها الغاداميري وبمنسوب الشّعريّة العالي فيها.
بمعنى آخر، وليس المجال مجال مزايدة كما أسلفت، فإنّ ما يكتبه أحفاد أبي القاسم الشابي ومنوّر صمادح ليس محلّ شكّ أو قدح في مدى أدبيّته، لأنه في رأينا وبالاحتكام إلى المدوّنة التونسية، وإن استأنسنا بآراء الآخرين أيضا، هو بمثابة «البقعة الأرجوانية» في المشهد الشعري العربي.
وسؤالنا نطرحه بمحبّة وبلا استفزاز: هل أنّ ما يكتب في بقاع أخرى قادر بالفعل على منافسة الشعر التونسيّ؟ آمل ذلك حتى تحلو المنافسة.
* هل أثّرت ثورة 2011 في الشعر التونسي على مستوى الشكل والمضمون؟
- الشّعر التّونسي والعربي عموما لا ينتظر الثورة، أي ثورة، كي يغيّر ما بشكله أو بمضمونه.. الشّعر ثوري أو لا يكون.. ولعلّ ما كتبه الشّعراء قبل الثورة كان الإرهاص الأكثر ثوريّة والأكثر استشرافا ممّا كتب لاحقا.
فشاعر الهنا والآن غير مطالب، وقد أتت الثورة أكلها أو لم تؤت، بقصائد تعبويّة أو حماسيّة أو تسجيليّة، فهذا الدّور لا يليق بالشاعر بل هو منوط بعهدة الكاميرا للتوثيق وبعهدة الرّوائّيين كي يكتبوا روايات تعكس اعتمالات الحراك وتفاصيله المربكة.
الشعر أكبر من المناسبة وهذا ما حدا بشاعرنا الكبير محمد الغزي إلى تأكيد ذلك بقوله «تونس.. شعر أبعد من الثورة».
فباستثناء الشّاعر الكبير أولاد أحمد الذي نتمنّى له بالمناسبة الشفاء والذي ناضل بالحرف وتبنى «القيادة الشعرية للثورة التونسية»، فضلا عن قلّة أخرى، لا نرى زخما شعريّا لافتا في أدبيّات ثورة 2011.. بل واصل الشّعراء نزفهم بالصدق الإبداعي ذاته دون أن نعدم الثوريّة في ما يكتبون.
* حاول كثير من الأدباء والمثقفين الاقتراب من منظومة الحكم السابق ومدحها البعض شعرا والبعض الآخر نثرا، كيف تقيّم علاقة المثقف بالسلطة في السابق؟ وهل تغيرت بعد الثورة؟
- على مرّ العصور، يبقى الإبداع إبداعا والآيديولوجيا آيديولوجيا وبينهما كامخ الوعي في التعاطي مع أيّهما بمسافة وعي استثنائي هي مسافة الأمان.
والمبدع الّذي يحترم نفسه وإبداعه مطالب منذ ولادته بعدم التّلوّن في مبادئه وبعدم وضع قلمه على ذمّة السّياسيّ، عابر السّبيل إن غدا أو بعده.
تونسيّا، وعلى الرغم من التزام شرائح مثقفة كبيرة باتخاذ مسافة أمان بالابتعاد عن المرجل السياسيّ، هادن المثقّف، في المقابل كعيّنة عشوائية لا غير، وعلى امتداد عقود، السّلطة ولم ير في اقترابه منها أو موالاته لها ما يضير على خلفيّة أنها سلطة قائمة وقد تدوم طويلا وعلاقته بها، لا العكس، قد يغنم من ورائها منافع أو منصبا وما كان يدور بخلده أنّه سيجيء يوم ينهض فيه حراك ثوري يخلط الأوراق ويدعو إلى المحاسبة.. حتى إذا جاء هذا اليوم، وجد هذا المثقف نفسه في مأزق المدان.
ولسائل أن يسأل: والآن، بعد سنوات خمس من الحراك الثوريّ، هل قطع المثقف مع عادة الانتصار للسلطة والتماهي معها أو مع خطابها؟
في رأيي، هناك 3 أوجه للمسألة.. مثقّف يوالي، على تقدّميته، تيّارا سياسيا بدا له ناطقا باسم المرحلة فإذا هو صنيعته وسينتهي قريبا كمثقف سلطة ما قبل الثورة.. ومثقّف أبقى على نفوره من كلّ سلطة قائمة، ومثقّف على الرّبوة يعاين الوضع من عل ويكتفي بذلك.
* اشتكى شعراء تونس لفترة طويلة من سطوة أبي القاسم الشابي ومثلوه بالشجرة التي حجبت الغابة ودعوا إلى قتله على غرار نظرية قتل الأب، هل توافق هذا الرأي أم أن عجز مدونة الشعر التونسي عن مجاراة حجم الشابي وأشعاره هو الذي دفع بهم إلى هذه الحجة الضعيفة؟
- نحن نحب أبا القاسم الشابي لفضل واحد هو أنه، رغم شهرته، لم يفعل فينا كشعراء، فلا صدى له أو لنصّه في نصوصنا.
فأبو القاسم الشابي شاعر عربي كبير ونحن نحبّه بصدق.. نشاطره الإحساس بعبقرية المكان وبما في القصيدة من قيم جمالية وشعرية مشتركة، وإن التقينا في الاختلاف في مستوى النمط الشّعري على خلفيّة أنّ الشّابّي في ديوانه اليتيم «أغاني الحياة» وفي للنمط العمودي، بينما نظراؤه الذين أتوا بعده انخرطوا في مشروع شعري متناغم مع متغيرات المرحلة ومع إيقاع العصر المتسارع، وذلك بتوخّي نهج في الكتابة الشعرية ينتصر للشعر الحرّ أو النثريّ، على حدّ السّواء.
وليس من باب المبالغة إذا قلنا إن الشابي، على أهمية «أغانيه» وذيوع اسمه، لم يؤثّر في الأجيال الشعرية التونسية المتعاقبة فهو نسيج وحده وله أسلوبه الغنائي المخصوص.. وهو بالتالي، لم يكن، في يوم، النخلة التي تغطّي الواحة.. بمعنى أنه لم يهيمن كنصّ شعري على أي من الشّعراء اللاّحقين فيتّهمون به بل ظلّ يراوح في مرتبته «كالنسر فوق القمّة الشماء».
لكن، مع ذلك، وما دمنا نحبّه، كان يلذّ لنا، وهذا مشروع في الحقل الأدبيّ، أن نقتله حتى نظل على قيد الحياة.. قريبا منا، بعيدا عنّا.. حتّى لا نصنّمه فيغمط، بفعل المقارنة والانعكاس الشّرطي لدى القرّاء، أداء شعراء لاحقين وهنا تكمن المعادلة الصعبة.
ما يهمّنا هنا ليس القدرة التبليغية أو التأثيرية من عدمها، أو لزوم ما يلزم وما لا يلزم من إيقاعات مكبّلة أو مجمّلة في الأنماط الشعرية الثلاثة: العمودي منها، والحرّ، والمنثور، بل كمّية النسغ الشّعري في أي ضرب منها.
وليست القضيّة هنا أيضا قضيّة عجز مدوّنة الشعر التونسي من عدمها عن مجاراة ينبوع شعري كالشّابي.. للسبب التالي وهو أن لكلّ عصر إيقاعه المخصوص، والشاعر، أي شاعر، هو مرآة عاكسة لعصره: إحساسا ورؤية وإيقاعا.
* ما هي الأصوات الشعرية الحالية في تونس التي ترى أنها تمثل الشعر التونسي؟
- أسماء كثيرة تلتقي في الاختلاف، وأذكر منها على سبيل المثال، والقائمة تطول إذا عددنا كل الأصوات الشعرية، فلكل واحد منهم مذاقه الخاص.
* فقر أهل الثقافة والفن ومعاناتهم من ضنك العيش، كيف ينظر إليه رزوقة؟ وهل أن الضيق في العيش والمرض قد يكون من بين أهم المؤثرات على إبداعات المثقف؟
- فقر المثقّف أو الفنّان عموما ليس عيبا وهو عيب في آن، لا يعاب المثقف أو الفنّان في حال وجوده فقيرا على أن يشفع له إبداعه النوعي، واللاّفت حالة الفقر التي هو عليها فيصار إلى الانتصار له بتمكينه في مرتبة هو جدير بها باستحقاق. أو هو نفسه، ولأنه مبدع حقيقيّ، بإمكانه أن يفتكّ مكانة له تحت الشمس، وطنيّا أو حتى خارج البلاد. والأمثلة كثيرة في هذا السياق مع الذين نحتوا مصيرا وظيفيّا لهم انتصروا به على دابر الفقر.
أمّا العيب فهو أن يظلّ المثقف أو الفنّان مستسلما، يعيش على الهامش، ينظّر للفقر ولا يحرّك ساكنا، مستعذبا، بتعلة الاحتياج، نمط التحايل على الحياة والاعتياش على فتات الهبات، إن وجدت.. وهو وضع لا يرتضيه لنفسه أي مثقّف أو فنّان.
لكن، هذا لا يجعلنا نعذر آخرين وجدوا فقراء وظلّوا، رغم محاربتهم للفقر، فقراء أو ابتلوا بأمراض أقعدتهم عن الحركة. هؤلاء جديرون، إنسانيّا، بالاحترام وباللفتات الكريمة لتغطيتهم اجتماعيا وصحّيا حتى يشعروا بمعنى التكافل على الأقلّ.
* وما مدى تأثير هذا الوضع على المثقّف؟
- تأثير ذو حدّين.. إمّا أن يموت إبداعيّا وفي هذه الحال، تخسر السّاحة مثقّفا وإمّا أن يواصل نزفه الإبداعي عملا بما قاله جدّنا المتنبّي:
«لا تحسبوا رقصي بينكم طربا قد يرقص الطير مذبوحا من الألم»
ليدين بموقفه ذاك أهل الذكر دولة ومجتمعا.
* على حد تقديرك، ما أهمية قول الشعر اليوم؟
- في هذه الألفية الثالثة، يحق لنا الآن وهنا أن نسأل: لماذا نكتب؟
وهو سؤال حارق نريد له في واقعنا أجوبة ملموسة وإلا ضللنا الطريق وظللنا شعراء القطار المتخلف.
يحق لنا اليوم، وأكثر من أي عصر مضى، أن نكتب عصرنا على النحو الذي نريد، وباللغة التي تعبر عن اعتمالاتنا وهي شتى، وليكن ما نقصده مختلفا ومربكا، إفرازة من إفرازات هذا الزمن.
ولنتفق أولا: ماذا يمكن أن يفعل شاعر يعيش ملء وعيه وفي فضاء اتصالي معولم، غير أن يرصد ما يرى وما يراه بات أكبر وأوسع من لغتنا القديمة وأكثر إدهاشا في تمظهراته من كل إنجازات القرون الماضية. لكن، مع ذلك، بتنا نشعر، أحيانا، بلا جدوى الشعر، ذلك أنّ هجمة الوسائط المتعدّدة وهجرة الجمهور المستهدف إلى مواقع التواصل الاجتماعيّ: الـ«فيسبوك» ونحوه، أصابتا الشعر، فضلا عن سائر الفنون الأخرى، في مقتل. فانصرف القرّاء عن الوعاء الورقي وعن حضور الأمسيات الشعريّة وتميّعت القيم في غياب المواكبة النقدية لنرى القرّاء أنفسهم، روّاد الفضاءات الافتراضيّة، شعراء وقد استسهلوا الكتابة بأنواعها وتطاولوا على نخلة «أوّل الكلام». في وضع كهذا، لن يكبر، مستقبلا، شاعر ولن نرى بالتالي بيننا لا الشّابي، ولا درويش، ولا أي شاعر آخر حتى ولو كان «متنبّي» زمانه، وذلك بسبب طغيان المشهدية وانقلاب الموازين القيمية لفائدة الظواهر التعبيرية العابرة التي قد تدفع بالأقلام الحقيقية، النازفة بالانسحاب، إن عاجلا أو آجلا، من ساحة الإبداع.



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».