يوسف رزوقة: الشابي لم يؤثّر في الأجيال الشعرية التونسية المتعاقبة

الشاعر التونسي الفائز بجائزة الملك عبد الله الثاني وجائزة قطر لأدب الطفل

يوسف رزوقة
يوسف رزوقة
TT

يوسف رزوقة: الشابي لم يؤثّر في الأجيال الشعرية التونسية المتعاقبة

يوسف رزوقة
يوسف رزوقة

طوال 40 عامًا راوح يوسف رزوقة في كتاباته الأدبية بين الرواية والشعر والترجمة والكتابة للأطفال، وقد أصدر إلى حدّ الآن قرابة الثلاثين كتابًا أولها كان ديوان «أمتاز عليك بأحزاني» (1979)، وآخرها رواية بعنوان «وداعا براءة العالم» صادرة سنة 2014.
وقد فاز رزوقة خلال مسيرته الأدبية بجوائز عربية كثيرة: جائزة الملك عبد الله للآداب والفنون عن مجمل أعماله الشعرية، وجائزة الدولة القطرية لأدب الطفل.
«الشرق الأوسط» التقته في تونس العاصمة وأثارت الجدل معه حول تجربته الأدبية ومدى اندماج الشعر التونسي في محيطه العربي، فكان هذا الحوار.
* كيف يقيّم الشاعر التونسي يوسف رزوقة واقع الشعر التونسي اليوم وموقعه في العالم العربي، هل هو قادر بالفعل على التجديد والمنافسة؟
- الشعر التونسي ليس وليد «المطرة الأخيرة» كما يقال، شأنه شأن الشعر في المغرب العربي فقد سبق لشاعر عربيّ كبير أن أعلنها قبل 20 سنة.. حدّث، قال: عدّلوا ساعاتكم الشعرية على المغرب العربي وما يُكتب فيه.
بلا مزايدة في هذا السياق، تجدر الإشارة هنا إلى ميزة في الشّعر التّونسيّ، وعنفوانه من عنفوان بانوراما الشعر العربيّ.. هذه الميزة التي قد لا نعدم وجودها في أقطار أخرى هي أن لكلّ شاعر شخصيته التي لم يطمس خصوصيّتها الآباء أو ما اصطلح عليهم بالرّوّاد.. فضلا عن مقاربة الشاعر التونسي في معالجاته الشعرية تيمات لم تألفها الذائقة العربية أو تقنيات مكتسبة بفعل التثاقف والتنافذ مع أوروبا، وفي هذا إغناء يجعل قصيدته لافتة بانزياحاتها، وتعدّدها الشّفريّ، بلعبها الغاداميري وبمنسوب الشّعريّة العالي فيها.
بمعنى آخر، وليس المجال مجال مزايدة كما أسلفت، فإنّ ما يكتبه أحفاد أبي القاسم الشابي ومنوّر صمادح ليس محلّ شكّ أو قدح في مدى أدبيّته، لأنه في رأينا وبالاحتكام إلى المدوّنة التونسية، وإن استأنسنا بآراء الآخرين أيضا، هو بمثابة «البقعة الأرجوانية» في المشهد الشعري العربي.
وسؤالنا نطرحه بمحبّة وبلا استفزاز: هل أنّ ما يكتب في بقاع أخرى قادر بالفعل على منافسة الشعر التونسيّ؟ آمل ذلك حتى تحلو المنافسة.
* هل أثّرت ثورة 2011 في الشعر التونسي على مستوى الشكل والمضمون؟
- الشّعر التّونسي والعربي عموما لا ينتظر الثورة، أي ثورة، كي يغيّر ما بشكله أو بمضمونه.. الشّعر ثوري أو لا يكون.. ولعلّ ما كتبه الشّعراء قبل الثورة كان الإرهاص الأكثر ثوريّة والأكثر استشرافا ممّا كتب لاحقا.
فشاعر الهنا والآن غير مطالب، وقد أتت الثورة أكلها أو لم تؤت، بقصائد تعبويّة أو حماسيّة أو تسجيليّة، فهذا الدّور لا يليق بالشاعر بل هو منوط بعهدة الكاميرا للتوثيق وبعهدة الرّوائّيين كي يكتبوا روايات تعكس اعتمالات الحراك وتفاصيله المربكة.
الشعر أكبر من المناسبة وهذا ما حدا بشاعرنا الكبير محمد الغزي إلى تأكيد ذلك بقوله «تونس.. شعر أبعد من الثورة».
فباستثناء الشّاعر الكبير أولاد أحمد الذي نتمنّى له بالمناسبة الشفاء والذي ناضل بالحرف وتبنى «القيادة الشعرية للثورة التونسية»، فضلا عن قلّة أخرى، لا نرى زخما شعريّا لافتا في أدبيّات ثورة 2011.. بل واصل الشّعراء نزفهم بالصدق الإبداعي ذاته دون أن نعدم الثوريّة في ما يكتبون.
* حاول كثير من الأدباء والمثقفين الاقتراب من منظومة الحكم السابق ومدحها البعض شعرا والبعض الآخر نثرا، كيف تقيّم علاقة المثقف بالسلطة في السابق؟ وهل تغيرت بعد الثورة؟
- على مرّ العصور، يبقى الإبداع إبداعا والآيديولوجيا آيديولوجيا وبينهما كامخ الوعي في التعاطي مع أيّهما بمسافة وعي استثنائي هي مسافة الأمان.
والمبدع الّذي يحترم نفسه وإبداعه مطالب منذ ولادته بعدم التّلوّن في مبادئه وبعدم وضع قلمه على ذمّة السّياسيّ، عابر السّبيل إن غدا أو بعده.
تونسيّا، وعلى الرغم من التزام شرائح مثقفة كبيرة باتخاذ مسافة أمان بالابتعاد عن المرجل السياسيّ، هادن المثقّف، في المقابل كعيّنة عشوائية لا غير، وعلى امتداد عقود، السّلطة ولم ير في اقترابه منها أو موالاته لها ما يضير على خلفيّة أنها سلطة قائمة وقد تدوم طويلا وعلاقته بها، لا العكس، قد يغنم من ورائها منافع أو منصبا وما كان يدور بخلده أنّه سيجيء يوم ينهض فيه حراك ثوري يخلط الأوراق ويدعو إلى المحاسبة.. حتى إذا جاء هذا اليوم، وجد هذا المثقف نفسه في مأزق المدان.
ولسائل أن يسأل: والآن، بعد سنوات خمس من الحراك الثوريّ، هل قطع المثقف مع عادة الانتصار للسلطة والتماهي معها أو مع خطابها؟
في رأيي، هناك 3 أوجه للمسألة.. مثقّف يوالي، على تقدّميته، تيّارا سياسيا بدا له ناطقا باسم المرحلة فإذا هو صنيعته وسينتهي قريبا كمثقف سلطة ما قبل الثورة.. ومثقّف أبقى على نفوره من كلّ سلطة قائمة، ومثقّف على الرّبوة يعاين الوضع من عل ويكتفي بذلك.
* اشتكى شعراء تونس لفترة طويلة من سطوة أبي القاسم الشابي ومثلوه بالشجرة التي حجبت الغابة ودعوا إلى قتله على غرار نظرية قتل الأب، هل توافق هذا الرأي أم أن عجز مدونة الشعر التونسي عن مجاراة حجم الشابي وأشعاره هو الذي دفع بهم إلى هذه الحجة الضعيفة؟
- نحن نحب أبا القاسم الشابي لفضل واحد هو أنه، رغم شهرته، لم يفعل فينا كشعراء، فلا صدى له أو لنصّه في نصوصنا.
فأبو القاسم الشابي شاعر عربي كبير ونحن نحبّه بصدق.. نشاطره الإحساس بعبقرية المكان وبما في القصيدة من قيم جمالية وشعرية مشتركة، وإن التقينا في الاختلاف في مستوى النمط الشّعري على خلفيّة أنّ الشّابّي في ديوانه اليتيم «أغاني الحياة» وفي للنمط العمودي، بينما نظراؤه الذين أتوا بعده انخرطوا في مشروع شعري متناغم مع متغيرات المرحلة ومع إيقاع العصر المتسارع، وذلك بتوخّي نهج في الكتابة الشعرية ينتصر للشعر الحرّ أو النثريّ، على حدّ السّواء.
وليس من باب المبالغة إذا قلنا إن الشابي، على أهمية «أغانيه» وذيوع اسمه، لم يؤثّر في الأجيال الشعرية التونسية المتعاقبة فهو نسيج وحده وله أسلوبه الغنائي المخصوص.. وهو بالتالي، لم يكن، في يوم، النخلة التي تغطّي الواحة.. بمعنى أنه لم يهيمن كنصّ شعري على أي من الشّعراء اللاّحقين فيتّهمون به بل ظلّ يراوح في مرتبته «كالنسر فوق القمّة الشماء».
لكن، مع ذلك، وما دمنا نحبّه، كان يلذّ لنا، وهذا مشروع في الحقل الأدبيّ، أن نقتله حتى نظل على قيد الحياة.. قريبا منا، بعيدا عنّا.. حتّى لا نصنّمه فيغمط، بفعل المقارنة والانعكاس الشّرطي لدى القرّاء، أداء شعراء لاحقين وهنا تكمن المعادلة الصعبة.
ما يهمّنا هنا ليس القدرة التبليغية أو التأثيرية من عدمها، أو لزوم ما يلزم وما لا يلزم من إيقاعات مكبّلة أو مجمّلة في الأنماط الشعرية الثلاثة: العمودي منها، والحرّ، والمنثور، بل كمّية النسغ الشّعري في أي ضرب منها.
وليست القضيّة هنا أيضا قضيّة عجز مدوّنة الشعر التونسي من عدمها عن مجاراة ينبوع شعري كالشّابي.. للسبب التالي وهو أن لكلّ عصر إيقاعه المخصوص، والشاعر، أي شاعر، هو مرآة عاكسة لعصره: إحساسا ورؤية وإيقاعا.
* ما هي الأصوات الشعرية الحالية في تونس التي ترى أنها تمثل الشعر التونسي؟
- أسماء كثيرة تلتقي في الاختلاف، وأذكر منها على سبيل المثال، والقائمة تطول إذا عددنا كل الأصوات الشعرية، فلكل واحد منهم مذاقه الخاص.
* فقر أهل الثقافة والفن ومعاناتهم من ضنك العيش، كيف ينظر إليه رزوقة؟ وهل أن الضيق في العيش والمرض قد يكون من بين أهم المؤثرات على إبداعات المثقف؟
- فقر المثقّف أو الفنّان عموما ليس عيبا وهو عيب في آن، لا يعاب المثقف أو الفنّان في حال وجوده فقيرا على أن يشفع له إبداعه النوعي، واللاّفت حالة الفقر التي هو عليها فيصار إلى الانتصار له بتمكينه في مرتبة هو جدير بها باستحقاق. أو هو نفسه، ولأنه مبدع حقيقيّ، بإمكانه أن يفتكّ مكانة له تحت الشمس، وطنيّا أو حتى خارج البلاد. والأمثلة كثيرة في هذا السياق مع الذين نحتوا مصيرا وظيفيّا لهم انتصروا به على دابر الفقر.
أمّا العيب فهو أن يظلّ المثقف أو الفنّان مستسلما، يعيش على الهامش، ينظّر للفقر ولا يحرّك ساكنا، مستعذبا، بتعلة الاحتياج، نمط التحايل على الحياة والاعتياش على فتات الهبات، إن وجدت.. وهو وضع لا يرتضيه لنفسه أي مثقّف أو فنّان.
لكن، هذا لا يجعلنا نعذر آخرين وجدوا فقراء وظلّوا، رغم محاربتهم للفقر، فقراء أو ابتلوا بأمراض أقعدتهم عن الحركة. هؤلاء جديرون، إنسانيّا، بالاحترام وباللفتات الكريمة لتغطيتهم اجتماعيا وصحّيا حتى يشعروا بمعنى التكافل على الأقلّ.
* وما مدى تأثير هذا الوضع على المثقّف؟
- تأثير ذو حدّين.. إمّا أن يموت إبداعيّا وفي هذه الحال، تخسر السّاحة مثقّفا وإمّا أن يواصل نزفه الإبداعي عملا بما قاله جدّنا المتنبّي:
«لا تحسبوا رقصي بينكم طربا قد يرقص الطير مذبوحا من الألم»
ليدين بموقفه ذاك أهل الذكر دولة ومجتمعا.
* على حد تقديرك، ما أهمية قول الشعر اليوم؟
- في هذه الألفية الثالثة، يحق لنا الآن وهنا أن نسأل: لماذا نكتب؟
وهو سؤال حارق نريد له في واقعنا أجوبة ملموسة وإلا ضللنا الطريق وظللنا شعراء القطار المتخلف.
يحق لنا اليوم، وأكثر من أي عصر مضى، أن نكتب عصرنا على النحو الذي نريد، وباللغة التي تعبر عن اعتمالاتنا وهي شتى، وليكن ما نقصده مختلفا ومربكا، إفرازة من إفرازات هذا الزمن.
ولنتفق أولا: ماذا يمكن أن يفعل شاعر يعيش ملء وعيه وفي فضاء اتصالي معولم، غير أن يرصد ما يرى وما يراه بات أكبر وأوسع من لغتنا القديمة وأكثر إدهاشا في تمظهراته من كل إنجازات القرون الماضية. لكن، مع ذلك، بتنا نشعر، أحيانا، بلا جدوى الشعر، ذلك أنّ هجمة الوسائط المتعدّدة وهجرة الجمهور المستهدف إلى مواقع التواصل الاجتماعيّ: الـ«فيسبوك» ونحوه، أصابتا الشعر، فضلا عن سائر الفنون الأخرى، في مقتل. فانصرف القرّاء عن الوعاء الورقي وعن حضور الأمسيات الشعريّة وتميّعت القيم في غياب المواكبة النقدية لنرى القرّاء أنفسهم، روّاد الفضاءات الافتراضيّة، شعراء وقد استسهلوا الكتابة بأنواعها وتطاولوا على نخلة «أوّل الكلام». في وضع كهذا، لن يكبر، مستقبلا، شاعر ولن نرى بالتالي بيننا لا الشّابي، ولا درويش، ولا أي شاعر آخر حتى ولو كان «متنبّي» زمانه، وذلك بسبب طغيان المشهدية وانقلاب الموازين القيمية لفائدة الظواهر التعبيرية العابرة التي قد تدفع بالأقلام الحقيقية، النازفة بالانسحاب، إن عاجلا أو آجلا، من ساحة الإبداع.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.