بريطانيا.. أضواء جديدة على حياة أربعة أدباء

أدب السيرة أصبح من أهم مجالات البحث النقدي

(من اليمين الى اليسار) تي إس إليوت، فيليب لاركين، ديفيد لودج، أنطونيا فريزر
(من اليمين الى اليسار) تي إس إليوت، فيليب لاركين، ديفيد لودج، أنطونيا فريزر
TT

بريطانيا.. أضواء جديدة على حياة أربعة أدباء

(من اليمين الى اليسار) تي إس إليوت، فيليب لاركين، ديفيد لودج، أنطونيا فريزر
(من اليمين الى اليسار) تي إس إليوت، فيليب لاركين، ديفيد لودج، أنطونيا فريزر

شهدت الشهور الأخيرة ازدهارًا ملحوظًا لفن السير والتراجم في المكتبة الإنجليزية، وهو ما يتجلى في صدور أربعة كتب جديدة موضوعها: ت س إليوت، وفيليب لاركين، وديفيد لودج، وأنطونيا فريزر.
الكتاب الأول عنوانه: «إليوت في شبابه: من سان لويس إلى الأرض الخراب» من تأليف روبرت كروفورد (494 صفحة، الناشر: جوناثان كيب).
ويتزامن صدوره في هذه الأيام مع مرور خمسين عامًا على وفاة إليوت في يناير (كانون الثاني) 1965. والكتاب هو الجزء الأول من سيرة كاملة لإليوت سوف تليها أجزاء؛ فهو يبدأ بمولد الشاعر في مدينة سان لويس بولاية ميسوري الأميركية ويتوقف عند عام 1922 عام صدور قصيدة «الأرض الخراب» متزامنة في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية. ومن المفارقات المأسوية أن زواج إليوت من فيفيان هي وود في 1915 - وكان زواجًا تعيسًا لكلا الطرفين - هو صاحب الفضل في إبداع هذه القصيدة؛ ففي غمرة شقائه ومعاناته من انهيار عصبي لجأ إليوت إلى سويسرا حيث كتبها (في فترة التماس علاج بدني ونفسي) وكانت فيفيان هي مشجعته على إكمال القصيدة، بل إنها ساهمت في تأليفها ببيت واحد وبالمشورة وإبداء الرأي. وهكذا ولدت القصيدة بفضل زواجهما، وبفضل زوجته، وبفضل صديقه الشاعر الأميركي إزرا باوند الذي راجع القصيدة ونصح إليوت بحذف أجزاء كبيرة منها، رآها لا ترقى إلى مستوى البقية، حتى خرجت القصيدة بالشكل الذي نعرفه اليوم. ويقول روان ويليامز في مقالة له بمجلة «ذا نيو ستيتسمان» (5 فبراير/ شباط 2015) إن من الجوانب التي يلقي كتاب روبرت كروفورد الضوء عليها: العلاقة بين شعر إليوت وفن السينما. لقد قرأ إليوت كتاب «شعر اليوم» (1921) من تأليف المخرج السينمائي والناقد جان إبستاين، ومن المحتمل أن يكون ذلك قد وجهه إلى اكتشاف الصلات بين الحساسية الشعرية وجماليات الفيلم (فيما بعد ذهب الناقد الألماني فالتر بنيامين إلى أن الفيلم هو الشكل المميز للحداثة في طورها الأخير). وقصائد إليوت الأولى كثيرًا ما تستخدم تقنيات الفيلم: لقطات ساكنة، ولقطات مكبرة، وتصوير بطيء، وجوه تظهر تدريجيًّا وأخرى تختفي تدريجيًّا، قطع، مراوحة بين القريب والبعيد. وعالم إليوت الشعري الذي يتميز بالشذرية والانقطاع والنقلات المكانية والزمانية - مع إغفال الترتيب المنطقي العادي - إنما هو عالم من اللقطات السينمائية المتتابعة، وهو بمثابة حفز للقارئ على محاولة إعمال ذهنه واكتشاف الصلات بين هذه الجزيئات التي تبدو لأول وهلة منفصلة، ومنقطعة الصلة.
وإن كان إليوت (إلي جانب و.ب. ييتس) هو أبرز شعراء اللغة الإنجليزية في النصف الأول من القرن العشرين فإن فيليب لاركين (1922 - 1985) كان أبرزهم في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولاركين هو موضوع كتاب عنوانه «فيليب لاركين» من تأليف جيمز بوث (الناشر بلومزبري).
وتقول مجلة «ذا نيويوركر» الأميركية (26 يناير 2015) عن الكتاب: إنه سيرة تهدف إلى تحسين صورة لاركين في الأذهان، بعد أن أساءت إليها مراسلاته المنشورة بعد موته، التي تكشف عن أنه كان ينطوي على بعض جوانب التعصب القومي والتحيز العرقي. لقد كان قادرًا في شعره على أن يتقمص وجدان الآخرين، وأن يتحدث بلسانهم، على نحو يناقض ما نجده في هذه الرسائل. وهذا ما يجعل جيمز بوث يتساءل: أيمكن أن يكون هناك مثل هذا الصدع بين حياة الشاعر وفنه؟
وهو يحاول إلقاء الضوء على حياة لاركين من خلال قراءة أعماله بترتيبها الزمني. الكتاب مزيج من السيرة والتحليل الشكلي للقصائد والروايات، مما قد يربك القارئ أحيانا؛ إذ ينتقل بوث - دون توقع - من مناقشة عروض قصيدة إلى مناقشة أفكار لاركين عن الخيانة الزوجية. لكن بوث ينجح في إبراز مزايا لاركين الإنسان، ويثبت أن حياته كانت أغنى كثيرًا من أن تكون «في البداية الملل، ثم الخوف» على حد تعبيره في إحدى قصائده.
ومن لاركين ننتقل إلى الروائي والناقد الإنجليزي المعاصر ديفيد لودج الذي صدرت له سيرة ذاتية بعنوان: «زمن طيب يولد المرء فيه: مذكرات 1935 - 1975» (496 صفحة، الناشر: هارفيل)
والكتاب هو الجزء الأول من مذكرات لودج، يبدأ في 1935 - وهو عام مولده - وينتهي بصدور روايته المسماة «تغيير الأماكن» في 1975. أربعون عامًا يغطيها الكتاب.
نغمة الكتاب - كما يلاحظ الناقد جون سذرلاند - أقرب إلى التواضع، تعكس شخصية مؤلفه الذي لم يسع قط - رغم كل قدراته - إلى أن يغدو أستاذًا في كبرى الجامعات البريطانية: أوكسفورد وكمبردج، وإنما قنع بما هو دونهما. لقد ولد في إيست دلوتش وهي منطقة أغلب سكانها من طبقة العمال، وكان أبواه ينتميان إلى الشريحة العليا من هذه الطبقة. كان أبوه موسيقيًّا يعزف في الشوارع، وأمه ضاربة على الآلة الكاتبة ومختزلة. وأتاح له قانون صادر في 1944 فرصة الحصول على منحة دراسية مكنته من إكمال تعليمه. تشرب مبادئ المذهب الكاثوليكي في طفولته، وكان مولعًا بمشاهدة الأفلام السينمائية. التحق بكلية الجامعة في لندن، وفيما بعد رسم لها صورة ساخرة في روايته المسماة «المتحف البريطاني يتداعى».
وفي أول حفلة أقيمت للطلاب الجامعيين الجدد وقعت عيناه على شقراء حلوة، تدعى ماري جيكوب، وهي كاثوليكية آيرلندية. وقبل أن تنتهي أول محاضرة حضراها معًا كانا قد صارا أصدقاء لا يفترقان. وظلت علاقتهما بعيدة عن أي اتصال جسدي حتى ليلة زفافهما، فقد ظل كل منهما محتفظًا بعذريته حتى تلك الليلة. وهو يهدي كتابه هذا إلى زوجته التي أصبح اسمها بعد الزواج ماري لودج. إن الكتاب أشبه برسالة غرامية، من خمسمائة صفحة، إليها.
كتب لودج روايته الأولى «الشيطان والعالم والجسد» وهو ما زال طالبًا جامعيا. قال الناشرون الذين عرض عليهم الرواية إنه يحسن الكتابة ولكنه يفتقر إلى الخبرة بالعالم وبالجسد. ومضى لأداء الخدمة العسكرية في الجيش. حصلت ماري على دبلوم في التربية، بينما عكف هو على كتابة أطروحة جامعية عن القصة الكاثوليكية. وأخيرًا تزوجا. تقدم لودج لشغل عدد من الوظائف الجامعية، وكثيرًا ما كان طلبه يلاقي الرفض. وأخيرًا لاقت رواياته قبولاً من الناشرين، وأمدته بدخل معقول. وعين محاضرًا في الأدب الإنجليزي بجامعة برمنغهام، وكان من زملائه المحاضرين ريتشارد هوجارت ومالكولم برادبري اللذان أصبحا من أصدقائه وأثرا في فكره. وغدا لودج واحدًا من أوائل الأكاديميين البريطانيين الذين قدموا «النظرية» الأوروبية للقارئ الإنجليزي، مثلما فعل فرانك كيرمود الذي صار - هو الآخر - من أصدقائه.
برع لودج في تحليل الأساليب الأدبية، كما برع في المحاكاة الساخرة لأساليب سواه من الكتاب. لكن عثار الحظ عاد يطارده حين تبين أن طفله الثالث، كريستوفر، قد ولد مريضًا بـ«متلازمة داون»، وهي مرض خلقي يعرف باسم المنغولية، ويتسم بالتخلف العقلي وتسطح الملامح.
على أن مكانته في عالم النقد أخذت ترتفع، وتلقى دعوات لكي يحاضر في جامعات أميركية، مما مكنه من كتابة روايات تدور أحداثها بين بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، كما فعل الروائي هنري جيمس من قبل. ورواياته التي تدور أحداثها في أوساط جامعية تخفي، وراء طابعها الملهوي، نقدًا عميقًا لأساليب التربية والتعليم في عصرنا. وما لبث لودج أن آثر التقاعد في سن مبكرة لكي يتفرغ للكتابة.
لقد كان لودج - بخلاف كثير من الأدباء - رجلاً صالحًا، متواضعًا، إلى جانب كونه دارسًا مبرزًا وناقدًا قديرًا وروائيًّا من أفضل الروائيين اليوم. وما زال ينتظر التقدير الذي يستحقه، رغم أنه لم يسع أبدًا إلى نيل هذا التقدير.
ومن أدب السيرة الذاتية أيضًا نتوقف عند كتاب «تاريخي: ذكريات شبوبي عن الطوق» (304 صفحات، الناشر «ويدنفيلد ونيكلسون») من تأليف أنطونيا فريزر الأديبة الإنجليزية وزوجة الكاتب المسرحي الراحل هارولد بنتر.
ومن الشائق - كما يقول جون مالان في مجلة «ذا نيو ستيتسمان» (5 فبراير 2015) - أن نقارن سيرتها الذاتية بسيرة لودج. لقد ولدت فريزر لأسرة أرستقراطية (كان أبوها هو لورد لونغفورد). وفي سن الرابعة والعشرين تزوجت من سير هيو فريزر (ومن هنا جاء اسمها) وهو نائب برلماني من حزب المحافظين. كانت من مواليد لندن في 1932، ومكنها ثراء أسرتها من أن تقضي إجازاتها في إيطاليا. وعلى حين كان لودج لا يعدو أن يقرأ قصائد إليوت من بعيد، فإن فريزر كانت تختلط بكبار الأدباء، وقد رقصت مع إليوت ذاته في إحدى الحفلات الراقصة. أصبحت اشتراكية «أرستقراطية»، إن جاز التعبير، وكانت تدلي بصوتها في الانتخابات لصالح حزب العمال. وهي تبدو واثقة من أن كل التفاصيل التي توردها في كتابها هذا سوف تشوق القارئ؛ فهي تذكر مثلاً بالتفصيل كل أسماء وصفات مدرسيها في المدرسة الإعدادية التي التحقت بها، وكل أساتذتها في جامعة أوكسفورد. وتذكر أنها تفوقت في لعبة الرجبي. ونغمة كتابها عمومًا نغمة مبهجة، لا تكاد تقطعها أحداث محزنة أو مأسوية، وربما كان الاستثناء الوحيد لذلك هو التحاق أبيها بالجيش في 1940 وإصابته بانهيار عصبي لا تحدد طبيعته، ولكنه ربما كان راجعًا إلى صدمة الحرب العالمية الثانية وفظائعها. وفيما بعد اقترنت بهارولد بنتر (الذي حصل على جائزة نوبل للأدب في 2005) وأصدرت كتابًا عنوانه «أينبغي أن نذهب؟» روت فيه قصة حياتها مع بنتر.
ويتزامن صدور الكتب المذكورة أعلاه مع صدور كتاب عنوانه «الحداثة والسيرة الذاتية» حررته ماريا دي باتيستا وإميلي ويتمان، عن مطبعة جامعة كمبردج في 223 صفحة، وهو يضم مجموعة مقالات، بأقلام مختلفة، عن عنصر السيرة الذاتية في أدب القرن العشرين وذلك من خلال أدباء مثل ت س إليوت، والكاتبة الأميركية غرترود ستاين، وصمويل بكيت. يشترك هؤلاء الأدباء الطليعيون في نظرتهم إلى الحداثة على أنها، في المحل الأول، سعي إلى تحديد هوية الذات ووضعها على الورق. فرسائل ت س إليوت مثلاً (وقد صدر منها أربعة أجزاء حتى الآن) تنم عن وعي كاتبها بما يفعله، وبأنه في الحقيقة يريد أن يمهد الطريق لنظريته النقدية المعادية للرومانتيكية، والداعية إلى كلاسيكية جديدة، والمؤمنة بأن العمل الفني إبداع موضوعي وليس تعبيرًا مباشرًا عن نفسية الكاتب أو ظروف المجتمع.
وإذ يصدر هذا الكتاب الأكاديمي يدعم ما ذكرناه في بداية هذا المقال من أن أدب السيرة (سواء أكانت سيرة ذاتية Autobiography أو سيرة غيرية Biography) قد أصبح من أهم مجالات البحث النقدي حاليا؛ وذلك لارتباطه بمسائل جوهرية من نوع من أنا؟ من الآخر؟ ما علاقتي به؟ كيف يمكن نقل خبرات الحياة إلى الصفحة؟ ما الضوء الذي تلقيه سير الكتّاب وحياتهم الفعلية على أعمالهم الأدبية؟ وكلها اهتمامات تبرز بدرجات متفاوتة في أعمال إليوت، ولاركين، وديفيد لودج، وأنطونيا فريزر.



تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»
TT

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة، بلغة عذبة وشعرية لعدد من أبرز المشاريع الشعرية الإبداعية الخاصة بجماليات القصيدة العربية وتحولاتها.

ويضم الكتاب عشرات القراءات في تجارب شعرية، تنتمي إلى أجيال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة وأنساق لغوية وجغرافية متعددة، مثل: محمد الفيتوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عبد السميع، وصلاح اللقاني، وعائشة بلحاج، وسمية عسقلاني، ومحمود قرني، وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعاطف عبد العزيز، وعزمي عبد الوهاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد، وإبراهيم البجلاتي، وأحمد يماني، وعمر شهريار، ورشا أحمد.

ويشير القصاص في مقدمة الكتاب إلى أنه على مدار سنوات كتب هذه القراءات فرحاً بالشعر وبالشعراء والشاعرات، حيث كانت خبرته كشاعر هي البوصلة الأولى التي ينظر من خلالها بعين القارئ والناقد معاً لهذه الأعمال التي أحبها، ويحسب أنها عبر نماذجها تشكل تمثيلاً مرضياً على الأقل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية العربية ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد، عبر حركتها الدائبة منذ فترة الستينات التي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة.

ورغم أن لكل مرحلة عطاءها ومنجزها اللافت، لكن يظل المشكل الأساسي الذي لا يزال يواجه هذه الشعرية، كما يقول القصاص، أن «حداثتنا ومغامراتنا في التجديد محمولة دوماً على المنجز الغربي والنقدي، سواء في النظر أو التطبيق. ونتجت عن ذلك تلك النظرة النقدية العقلانية للشعر، واعتباره فنّاً خالصاً لذاته، وأن مغامرته لا تنهض ولا تتأسس على العقل وحده، رغم أن الوعي المتصل بالعقل لا ينتج شعراً حقيقيّاً، فالصورة الشعرية ليست ظاهرة ذهنية محضة، إنما هي أساساً ابنة الروح في ومضها ووهجها المباغت المنفلت من قبضة الأطر والتقاليد والمنطق الصوري المبني على نمطية العلاقة ومصداقية المقدمات والنتائج».

ويرى القصاص أن جوهر الشعر يكمن في أنه يجعلنا نحسّ بحريتنا وبحداثة قابعة في داخلنا، علينا أن نوقظها ونحررها من أسر العادة والنمط والمعرفة الغيرية، وهي حداثة غنية تمتلك إرثاً عميقاً وتنوعاً لا يزال قادراً على إثارة الأسئلة والدهشة، وأن يهزّنا جسداً وروحاً بشكل جديد. وهو في كل هذا لا يدّعي الصواب، وما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى له من هذه الرحلة الممتعة مع الشعر، وفي ظنه دائماً أن الخطأ محض صواب، لم ينضج في أوانه، بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجر الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية.

ورغم إيمانه الشديد بضرورة التجريب والبحث عن دماء جديدة للشعر، فإن القصاص يتوجس من أغلب هذه الأفكار، خصوصاً أنها وافدة إلينا من بيئة أخرى وطينة مختلفة، لها ثقافتها وفضاؤها وأطماعها وآيديولوجيتها. وهو لا يثق في الآيديولوجيا، لأنها غالباً ما تنطوي على خطاب زائف. في المقابل، يتساءل؛ لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما من الثراء المعرفي والوجداني ما يجعلهما سؤالاً ممتداً في الزمان والمكان؟!

القفزة الأخيرة في فضاء حلمي سالم

ويتناول جمال القصاص بعض ملامح تجربة الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، مشيراً إلى أنه مثلما كان شاعراً استثنائياً كان كذلك مريضاً استثنائياً بامتياز، حيث أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسيتفرع ويتشابك، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر، وكان موقناً أنه بذلك ينتصر لإرادة الحياة.

تخلى حلمي مع اشتداد ضراوة المرض عن فكرة العداء للمرض نفسه، واتجه إلى مصادقته وكأنه مجرد طفل تنبغي ملاطفته ومسامرته، وهي الفكرة التي قلّب أوجهها وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والعراف معاً في ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد في ديوانه «الثناء على الضعف».

وكان السؤال الذي يواجهه بألم وحيرة؛ هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه طالما أنا أصبحت غير قادر على ذلك؟ ثم هل يعني ذلك انتصاراً للشاعر نفسه الذي لم ينفصل عن قصيدته، وما زال قادراً على أن يضخّ في شرايينها روح الجدة والمغامرة؟! ومع دخوله في محنة الفشل الكلوي، وبعد أن نجا من سرطان الرئة، أدرك أن سؤاله سيظل مسكوناً بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بمرارة الرجاء، فكأنه إذن سؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة.

معنوياً بنى حلمي استراتيجيته لمجابهة المرض على فكرة التسامي عليه، واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة، خبرها في الحياة، ورغم أنه كان يدرك أنها المحطة الأحرج، لا من حيث الوصول إليها، وإنما من حيث صعوبة تغيير مسارها المحتوم، فإن روح التسامي كانت أداة الشحن الأساسية في أن ينتصر، ولو مؤقتاً ويقاوم بشراسة عسى يستطيع أن يؤجل ولو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى حيث ينهي الجسد لعبته مع المرض اللعين مستسلماً إلى قدره، وتنفتح الروح على حياة أخرى يشكل الموت البوابة الرئيسية للدخول إليها.

على هذا النحو يثبّت حلمي سالم صورة العائلة في المشهد، ويوثقها بطرق شتى في متن النص. وفي الوقت نفسه لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما حقيقة ماثلة وحية في طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصي والعام.

يقول في قصيدة بعنوان «تحليل دم» مستحضراً صورة أسرته الصغيرة...

قلت لشقيقة النهر

أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي

لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان

عيون القطط ورائحة «زاهية»

رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر

حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي

لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء»

وبسببي حفظت مستشفيات القطر

جماليات الإيقاع والصورة

كما يتناول الكتاب تجربة الشاعر العراقي فاضل السلطاني، ويرى أن هاجس التحول عنده يشكل مرتكزاً جمالياً وفكرياً يصعد منه الشعر ويهبط إليه، كما في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» الذي صدرت منه نسخة مصرية عن الهيئة العامة للكتاب، حيث «يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً».

ويتكشف هذا الهاجس، كما يضيف المؤلف، في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعةً تفاصيل اللوحة شعرياً بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة.

وهو يرى أن الدالّ المضمر في مفردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام وفي الألوان والرائحة وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص، الذي استشهد به القصاص، والذي يستهل به الشاعر القسم الأول في منتصف الذاكرة بعنوان صغير كأنه برواز لـ«صورة»...

«هل تذكرين؟

كنتِ في وسط الصورة

وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف

كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض

وكنت أحار

كيف أميز العازف من العزف؟

والراقص من الرقص؟

كنت تجلسين وسط الصورة

لاهية عن الموسيقى

عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد

صورة في إطار

وكنت أحار

كيف أدخل في الصورة؟

كيف أفصل النور عن الظل؟

لكنك كنت تبتسمين

لاهية عن اللحظة

وهي تكبر خلف الإطار»

أحجار رفعت سلام

أما ما يخص تجربة الشاعر الراحل رفعت سلام، فيشير جمال القصاص إلى أن الوثوق واليقين والإرادة هي بمثابة ثلاثة أحجار صغيرة بنى عليها رفعت سلام شعريته، وتعبّر بجلاء عن موقفه من العالم والواقع والأشياء، كما تشكل فيما بينهما ما يشبه المتوالية النصية الشعرية، وهي متوالية تتمتع بالصلابة والوضوح، فليس ثمة يقين من دون الوثوق به، ومن دون إرادة تدل عليه وتتشبث بلحظات وعيه ولا وعيه، لحظات حضوره وغيابه.

لقد انحاز رفعت، كما يقول، ومنذ وقت مبكر لمفهوم الوعي، وربطه بهذه الأحجار الثلاثة، باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود وحقائق الأشياء والعالم الخارجي متحاشياً حقيقة الوعي في ذاته ولذاته، ربما لأنه ينطوي على مساحة ما، يبرز فيها اللاوعي كصنو وشريك أساسي في صناعة هذه النافذة، بما ينتجه من علاقات مباغتة ومفاجئة، قد تشارف الجنون والمغامرة والفوضى التي تهدد بنسف النافذة نفسها.

وظلّت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على همّ التجريب الذي انصبّ في جوهره على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص وإبرازه وكأنه محض فضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز والإشارات في أنساق لغوية وأسلوبية محددة، ضمن حقول دلالية ومعرفية يمكن القبض عليها وتأويلها بوضوح واقتفاء أثرها من أقصر نقطة يمتد إليها النظر.


«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام
TT

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

يروي كتاب «الموزية»، وهي الترجمة الحرفية لـ«المُلهمة»، الصادر عن «دار المدى»، للكاتبة روث ميلينغتون، بترجمة عباس المفرجي، القصص الحقيقية للمُلهِمات الرائعات اللواتي ألهمن روائع تاريخ الفن. من مرسم ليوناردو دافنشي إلى أغلفة مجلة «فوغ»، تكشف مؤرخة الفن والناقدة والكاتبة الإنجليزية روث ميلينغتون عن الدور البارز للملهمات في بعض أشهر وأهم الأعمال الفنية في التاريخ. وبالتعمق في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن، يكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه، ويفكك الصور النمطية المُبسطة، ويعيد صياغة مفهوم الإلهام كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعلٍ في تاريخ الفن.

«كشف الشخصيات الخفية وراء تحف تاريخ الفن» هو العنوان الفرعي لكتاب الذي يقدم صورة حقيقية آسرة لثلاثين ملهمة رائعة، ودورهن في بعض أشهر روائع تاريخ الفن، حيث نتعرف وجوه العديد منهن من أشهر الأعمال الفنية في العالم، من خلال الأسئلة التي تثار من خلال متن الكتاب: من هي حقاً «المرأة الباكية» لبيكاسو؟ أو اللص في أعمال فرانسيس بيكون؟ ولماذا غطت الكتابة على الجدران غريس جونز؟ بعيداً عن كونهن مجرد عارضات صامتات، قدمت الملهمات الدعم العاطفي والطاقة الفكرية والإبداع الذي غيّر مسيرة الفنانين، فضلاً عن المساعدة العملية. مع ذلك، يُنظر إلى الملهمة على أنها نموذج سلبي وعاجز (عادةً ما تكون شابة وجذابة) تحت رحمة فنان ذكر مؤثر وأكبر سناً. هل يمكن أن يكون هذا الانطباع خاطئاً وظالماً؟ هل هذه الصورة النمطية مجرد أسطورة رومانسية؟ هل تقبّل الناس دور ومكانة الملهمة؟ والأهم من ذلك، أين كان سيصل الفنانون لولاهن؟

تسعى روث ميلينغتون في «الموزية» إلى إعادة تقييم هذا المصطلح واستعادة معناه في سردٍ احتفالي يُظهر مدى قدم المفهوم الشائع له. كما يستكشف الكتاب فكرة «الملهمة» من منظورٍ مختلف، مُتضمناً فنانات الأداء والمشاهير، وشخصياتٍ أيقونية ربما لم نعتبرها من قبل مصدر إلهام، مثل تيلدا سوينتون وغريس جونز، من خلال الغوص في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن. ويكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه في إثراء الأعمال الفنية التي ألهمتهن، والطرق المتنوعة التي تجاوز بها الناس الأدوار النمطية لـ«الملهمة».

من مشرفي العمل إلى المشردين في هارلم، يعرفنا الكتاب على نماذج غير متوقعة، ومُتجاهلة، ومنسية في تاريخ الفن، من خلال قصص ثلاثين شخصية استثنائية، ويُفكك الصور النمطية المُختزلة للملهمة، ويعيد صياغتها كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعل في تاريخ الفن.

الهدف الرئيسي لـ«الموزية» هو إعادة صياغة معنى «المُلهم/الملهمة» في الفن. بدلاً من رؤيته/رؤيتها شخصيةً سلبيةً أو تابعةً للفنان، أو مجرد جسم جمالي في خلفية اللوحة، أو أداة فقط في إبداع فني. تقول روث ميلينغتون إن «هذا التصور رائج لكنه مضلّل، وأن مَن يُسمّون بـ(muse)، كان لهم/لهن/ أدوار نشطة في إلهام الأفكار، أثروا في عملية الإبداع نفسها، ساهموا/ساهمن في دعم الفنانين عاطفياً، فكرياً، أحياناً عملياً»، وتذهب ميلنغتون أكثر من ذلك، حيث تدعو إلى اعتبار «الموزية» شريكاً في صناعة العمل الفني، وليس مجرد موضوع للرسّام أو النحات.

ولعل أحد أهم محاور الكتاب هو تفنيد الصورة النمطية التي تربط الملهمة بأنوثة خاضعة لصورة الرجل الفنان المتفوق. ويوضح الكتاب أن هذه الصورة لم تكن أصلية في التاريخ، بل أصبحت جزءاً من الثقافة بسبب الروايات الفنية المعتمدة التي كتبها الرجال عبر القرون.

وكما تشير ميلينغتون في مقدمتها، لم تكن الملهمات الأصليات مجرد أشياء سلبية، بل على العكس تماماً، فقد كنّ آلهة يونانية قديمة، صُوّرن في القصائد الملحمية قوى إلهيةً للإلهام.

وتضيف ميلينغتون: «قد تجد شاعراً يطلب من الملهمات المساعدة في سرد قصته»، وسيقول: «تحدثي إليّ يا ملهمتي، أخبريني القصة». إنه بذلك يستمد إلهامه من الملهمة. وهناك فكرة سائدة مفادها أن الملهمة تمتلك هذه القوة. وبحلول زمن بيكاسو، انقلب مفهوم الملهمة رأساً على عقب، وأصبح يُنظر إليها على أنها صفة يمتلكها الفنان الذكر العظيم. وتضيف: «إن تطور هذه الأسطورة كان أشبه بـ(احتراق بطيء) عبر الزمن والتاريخ. ففي عصر النهضة تقريباً، تحولت لوحات الملهمات تدريجياً من لوحات لآلهة إلى لوحات لنساء شابات نمطيات تتساقط ملابسهن. وبحلول زمن جماعة ما قبل الرفائيلية، بدأ الفنانون يتخذون نساءً معينات ملهمات لهم، وبحلول القرن العشرين، ترسخ التصور النمطي للملهمة كعارضة أزياء».


سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».