بريطانيا.. أضواء جديدة على حياة أربعة أدباء

أدب السيرة أصبح من أهم مجالات البحث النقدي

(من اليمين الى اليسار) تي إس إليوت، فيليب لاركين، ديفيد لودج، أنطونيا فريزر
(من اليمين الى اليسار) تي إس إليوت، فيليب لاركين، ديفيد لودج، أنطونيا فريزر
TT

بريطانيا.. أضواء جديدة على حياة أربعة أدباء

(من اليمين الى اليسار) تي إس إليوت، فيليب لاركين، ديفيد لودج، أنطونيا فريزر
(من اليمين الى اليسار) تي إس إليوت، فيليب لاركين، ديفيد لودج، أنطونيا فريزر

شهدت الشهور الأخيرة ازدهارًا ملحوظًا لفن السير والتراجم في المكتبة الإنجليزية، وهو ما يتجلى في صدور أربعة كتب جديدة موضوعها: ت س إليوت، وفيليب لاركين، وديفيد لودج، وأنطونيا فريزر.
الكتاب الأول عنوانه: «إليوت في شبابه: من سان لويس إلى الأرض الخراب» من تأليف روبرت كروفورد (494 صفحة، الناشر: جوناثان كيب).
ويتزامن صدوره في هذه الأيام مع مرور خمسين عامًا على وفاة إليوت في يناير (كانون الثاني) 1965. والكتاب هو الجزء الأول من سيرة كاملة لإليوت سوف تليها أجزاء؛ فهو يبدأ بمولد الشاعر في مدينة سان لويس بولاية ميسوري الأميركية ويتوقف عند عام 1922 عام صدور قصيدة «الأرض الخراب» متزامنة في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية. ومن المفارقات المأسوية أن زواج إليوت من فيفيان هي وود في 1915 - وكان زواجًا تعيسًا لكلا الطرفين - هو صاحب الفضل في إبداع هذه القصيدة؛ ففي غمرة شقائه ومعاناته من انهيار عصبي لجأ إليوت إلى سويسرا حيث كتبها (في فترة التماس علاج بدني ونفسي) وكانت فيفيان هي مشجعته على إكمال القصيدة، بل إنها ساهمت في تأليفها ببيت واحد وبالمشورة وإبداء الرأي. وهكذا ولدت القصيدة بفضل زواجهما، وبفضل زوجته، وبفضل صديقه الشاعر الأميركي إزرا باوند الذي راجع القصيدة ونصح إليوت بحذف أجزاء كبيرة منها، رآها لا ترقى إلى مستوى البقية، حتى خرجت القصيدة بالشكل الذي نعرفه اليوم. ويقول روان ويليامز في مقالة له بمجلة «ذا نيو ستيتسمان» (5 فبراير/ شباط 2015) إن من الجوانب التي يلقي كتاب روبرت كروفورد الضوء عليها: العلاقة بين شعر إليوت وفن السينما. لقد قرأ إليوت كتاب «شعر اليوم» (1921) من تأليف المخرج السينمائي والناقد جان إبستاين، ومن المحتمل أن يكون ذلك قد وجهه إلى اكتشاف الصلات بين الحساسية الشعرية وجماليات الفيلم (فيما بعد ذهب الناقد الألماني فالتر بنيامين إلى أن الفيلم هو الشكل المميز للحداثة في طورها الأخير). وقصائد إليوت الأولى كثيرًا ما تستخدم تقنيات الفيلم: لقطات ساكنة، ولقطات مكبرة، وتصوير بطيء، وجوه تظهر تدريجيًّا وأخرى تختفي تدريجيًّا، قطع، مراوحة بين القريب والبعيد. وعالم إليوت الشعري الذي يتميز بالشذرية والانقطاع والنقلات المكانية والزمانية - مع إغفال الترتيب المنطقي العادي - إنما هو عالم من اللقطات السينمائية المتتابعة، وهو بمثابة حفز للقارئ على محاولة إعمال ذهنه واكتشاف الصلات بين هذه الجزيئات التي تبدو لأول وهلة منفصلة، ومنقطعة الصلة.
وإن كان إليوت (إلي جانب و.ب. ييتس) هو أبرز شعراء اللغة الإنجليزية في النصف الأول من القرن العشرين فإن فيليب لاركين (1922 - 1985) كان أبرزهم في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولاركين هو موضوع كتاب عنوانه «فيليب لاركين» من تأليف جيمز بوث (الناشر بلومزبري).
وتقول مجلة «ذا نيويوركر» الأميركية (26 يناير 2015) عن الكتاب: إنه سيرة تهدف إلى تحسين صورة لاركين في الأذهان، بعد أن أساءت إليها مراسلاته المنشورة بعد موته، التي تكشف عن أنه كان ينطوي على بعض جوانب التعصب القومي والتحيز العرقي. لقد كان قادرًا في شعره على أن يتقمص وجدان الآخرين، وأن يتحدث بلسانهم، على نحو يناقض ما نجده في هذه الرسائل. وهذا ما يجعل جيمز بوث يتساءل: أيمكن أن يكون هناك مثل هذا الصدع بين حياة الشاعر وفنه؟
وهو يحاول إلقاء الضوء على حياة لاركين من خلال قراءة أعماله بترتيبها الزمني. الكتاب مزيج من السيرة والتحليل الشكلي للقصائد والروايات، مما قد يربك القارئ أحيانا؛ إذ ينتقل بوث - دون توقع - من مناقشة عروض قصيدة إلى مناقشة أفكار لاركين عن الخيانة الزوجية. لكن بوث ينجح في إبراز مزايا لاركين الإنسان، ويثبت أن حياته كانت أغنى كثيرًا من أن تكون «في البداية الملل، ثم الخوف» على حد تعبيره في إحدى قصائده.
ومن لاركين ننتقل إلى الروائي والناقد الإنجليزي المعاصر ديفيد لودج الذي صدرت له سيرة ذاتية بعنوان: «زمن طيب يولد المرء فيه: مذكرات 1935 - 1975» (496 صفحة، الناشر: هارفيل)
والكتاب هو الجزء الأول من مذكرات لودج، يبدأ في 1935 - وهو عام مولده - وينتهي بصدور روايته المسماة «تغيير الأماكن» في 1975. أربعون عامًا يغطيها الكتاب.
نغمة الكتاب - كما يلاحظ الناقد جون سذرلاند - أقرب إلى التواضع، تعكس شخصية مؤلفه الذي لم يسع قط - رغم كل قدراته - إلى أن يغدو أستاذًا في كبرى الجامعات البريطانية: أوكسفورد وكمبردج، وإنما قنع بما هو دونهما. لقد ولد في إيست دلوتش وهي منطقة أغلب سكانها من طبقة العمال، وكان أبواه ينتميان إلى الشريحة العليا من هذه الطبقة. كان أبوه موسيقيًّا يعزف في الشوارع، وأمه ضاربة على الآلة الكاتبة ومختزلة. وأتاح له قانون صادر في 1944 فرصة الحصول على منحة دراسية مكنته من إكمال تعليمه. تشرب مبادئ المذهب الكاثوليكي في طفولته، وكان مولعًا بمشاهدة الأفلام السينمائية. التحق بكلية الجامعة في لندن، وفيما بعد رسم لها صورة ساخرة في روايته المسماة «المتحف البريطاني يتداعى».
وفي أول حفلة أقيمت للطلاب الجامعيين الجدد وقعت عيناه على شقراء حلوة، تدعى ماري جيكوب، وهي كاثوليكية آيرلندية. وقبل أن تنتهي أول محاضرة حضراها معًا كانا قد صارا أصدقاء لا يفترقان. وظلت علاقتهما بعيدة عن أي اتصال جسدي حتى ليلة زفافهما، فقد ظل كل منهما محتفظًا بعذريته حتى تلك الليلة. وهو يهدي كتابه هذا إلى زوجته التي أصبح اسمها بعد الزواج ماري لودج. إن الكتاب أشبه برسالة غرامية، من خمسمائة صفحة، إليها.
كتب لودج روايته الأولى «الشيطان والعالم والجسد» وهو ما زال طالبًا جامعيا. قال الناشرون الذين عرض عليهم الرواية إنه يحسن الكتابة ولكنه يفتقر إلى الخبرة بالعالم وبالجسد. ومضى لأداء الخدمة العسكرية في الجيش. حصلت ماري على دبلوم في التربية، بينما عكف هو على كتابة أطروحة جامعية عن القصة الكاثوليكية. وأخيرًا تزوجا. تقدم لودج لشغل عدد من الوظائف الجامعية، وكثيرًا ما كان طلبه يلاقي الرفض. وأخيرًا لاقت رواياته قبولاً من الناشرين، وأمدته بدخل معقول. وعين محاضرًا في الأدب الإنجليزي بجامعة برمنغهام، وكان من زملائه المحاضرين ريتشارد هوجارت ومالكولم برادبري اللذان أصبحا من أصدقائه وأثرا في فكره. وغدا لودج واحدًا من أوائل الأكاديميين البريطانيين الذين قدموا «النظرية» الأوروبية للقارئ الإنجليزي، مثلما فعل فرانك كيرمود الذي صار - هو الآخر - من أصدقائه.
برع لودج في تحليل الأساليب الأدبية، كما برع في المحاكاة الساخرة لأساليب سواه من الكتاب. لكن عثار الحظ عاد يطارده حين تبين أن طفله الثالث، كريستوفر، قد ولد مريضًا بـ«متلازمة داون»، وهي مرض خلقي يعرف باسم المنغولية، ويتسم بالتخلف العقلي وتسطح الملامح.
على أن مكانته في عالم النقد أخذت ترتفع، وتلقى دعوات لكي يحاضر في جامعات أميركية، مما مكنه من كتابة روايات تدور أحداثها بين بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، كما فعل الروائي هنري جيمس من قبل. ورواياته التي تدور أحداثها في أوساط جامعية تخفي، وراء طابعها الملهوي، نقدًا عميقًا لأساليب التربية والتعليم في عصرنا. وما لبث لودج أن آثر التقاعد في سن مبكرة لكي يتفرغ للكتابة.
لقد كان لودج - بخلاف كثير من الأدباء - رجلاً صالحًا، متواضعًا، إلى جانب كونه دارسًا مبرزًا وناقدًا قديرًا وروائيًّا من أفضل الروائيين اليوم. وما زال ينتظر التقدير الذي يستحقه، رغم أنه لم يسع أبدًا إلى نيل هذا التقدير.
ومن أدب السيرة الذاتية أيضًا نتوقف عند كتاب «تاريخي: ذكريات شبوبي عن الطوق» (304 صفحات، الناشر «ويدنفيلد ونيكلسون») من تأليف أنطونيا فريزر الأديبة الإنجليزية وزوجة الكاتب المسرحي الراحل هارولد بنتر.
ومن الشائق - كما يقول جون مالان في مجلة «ذا نيو ستيتسمان» (5 فبراير 2015) - أن نقارن سيرتها الذاتية بسيرة لودج. لقد ولدت فريزر لأسرة أرستقراطية (كان أبوها هو لورد لونغفورد). وفي سن الرابعة والعشرين تزوجت من سير هيو فريزر (ومن هنا جاء اسمها) وهو نائب برلماني من حزب المحافظين. كانت من مواليد لندن في 1932، ومكنها ثراء أسرتها من أن تقضي إجازاتها في إيطاليا. وعلى حين كان لودج لا يعدو أن يقرأ قصائد إليوت من بعيد، فإن فريزر كانت تختلط بكبار الأدباء، وقد رقصت مع إليوت ذاته في إحدى الحفلات الراقصة. أصبحت اشتراكية «أرستقراطية»، إن جاز التعبير، وكانت تدلي بصوتها في الانتخابات لصالح حزب العمال. وهي تبدو واثقة من أن كل التفاصيل التي توردها في كتابها هذا سوف تشوق القارئ؛ فهي تذكر مثلاً بالتفصيل كل أسماء وصفات مدرسيها في المدرسة الإعدادية التي التحقت بها، وكل أساتذتها في جامعة أوكسفورد. وتذكر أنها تفوقت في لعبة الرجبي. ونغمة كتابها عمومًا نغمة مبهجة، لا تكاد تقطعها أحداث محزنة أو مأسوية، وربما كان الاستثناء الوحيد لذلك هو التحاق أبيها بالجيش في 1940 وإصابته بانهيار عصبي لا تحدد طبيعته، ولكنه ربما كان راجعًا إلى صدمة الحرب العالمية الثانية وفظائعها. وفيما بعد اقترنت بهارولد بنتر (الذي حصل على جائزة نوبل للأدب في 2005) وأصدرت كتابًا عنوانه «أينبغي أن نذهب؟» روت فيه قصة حياتها مع بنتر.
ويتزامن صدور الكتب المذكورة أعلاه مع صدور كتاب عنوانه «الحداثة والسيرة الذاتية» حررته ماريا دي باتيستا وإميلي ويتمان، عن مطبعة جامعة كمبردج في 223 صفحة، وهو يضم مجموعة مقالات، بأقلام مختلفة، عن عنصر السيرة الذاتية في أدب القرن العشرين وذلك من خلال أدباء مثل ت س إليوت، والكاتبة الأميركية غرترود ستاين، وصمويل بكيت. يشترك هؤلاء الأدباء الطليعيون في نظرتهم إلى الحداثة على أنها، في المحل الأول، سعي إلى تحديد هوية الذات ووضعها على الورق. فرسائل ت س إليوت مثلاً (وقد صدر منها أربعة أجزاء حتى الآن) تنم عن وعي كاتبها بما يفعله، وبأنه في الحقيقة يريد أن يمهد الطريق لنظريته النقدية المعادية للرومانتيكية، والداعية إلى كلاسيكية جديدة، والمؤمنة بأن العمل الفني إبداع موضوعي وليس تعبيرًا مباشرًا عن نفسية الكاتب أو ظروف المجتمع.
وإذ يصدر هذا الكتاب الأكاديمي يدعم ما ذكرناه في بداية هذا المقال من أن أدب السيرة (سواء أكانت سيرة ذاتية Autobiography أو سيرة غيرية Biography) قد أصبح من أهم مجالات البحث النقدي حاليا؛ وذلك لارتباطه بمسائل جوهرية من نوع من أنا؟ من الآخر؟ ما علاقتي به؟ كيف يمكن نقل خبرات الحياة إلى الصفحة؟ ما الضوء الذي تلقيه سير الكتّاب وحياتهم الفعلية على أعمالهم الأدبية؟ وكلها اهتمامات تبرز بدرجات متفاوتة في أعمال إليوت، ولاركين، وديفيد لودج، وأنطونيا فريزر.



سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.