ناتاليا نيكولايفنا وبوشكين... الجمال والموت على سرير واحد

هل كان ارتباطهما الزوجي هو الفخ الذي نصبه القيصر للإيقاع بالشاعر؟

بوشكين
بوشكين
TT

ناتاليا نيكولايفنا وبوشكين... الجمال والموت على سرير واحد

بوشكين
بوشكين

لم يكن الشاعر والكاتب الروسي ألكسندر بوشكين مجرد تفصيل عابر في تاريخ بلاده الأدبي، بل هو لا يزال يُعد منذ قرنين من الزمن وحتى اليوم تجسيداً ساطعاً لكل ما يرمز إلى العبقرية الروسية، كما إلى وحدة الشعب الروسي، تاريخاً وثقافةً وتطلعات. فمن شواطئ البلطيق غرباً إلى أقاصي سيبيريا في الشرق، ثمة شعور لدى الجميع بأن أياً من الشعراء والكتاب الروس لم يقيض له امتلاك الموهبة الاستثنائية التي امتلكها بوشكين، ولا أن ينقل الأدب واللغة الروسيين من طور إلى طور، أو يبلور الوجدان الروسي القومي في كتبه وأعماله، كما فعل صاحب كتاب «الغجر». ولعل أحداً من الذين عاصروا بوشكين أو تأخروا عنه، لم يستطع الإفلات من لغته وأسلوبه ومقارباته للوجود والأشياء، حتى لو كان الكاتب المعني من وزن غوغول وتولستوي وليرمانتوف وتورغينيف وديستويفسكي. كما لم تكن حدوس غوغول إراء رسوخ الشاعر الروسي في ذاكرة الأجيال المقبلة، ليجافي الحقيقة بشيء، حين وصف بوشكين بقوله: «إنه الإنسان الروسي في تطوره، وصولاً إلى الصورة التي سيكون فيها بعد مائتي عام. إن فيه الطبيعة الروسية واللغة الروسية والطباع الروسية، معكوسة بالنقاء نفسه والجمال المصفى إياه، كانعكاس المنظر الطبيعي على السطح المحدّب لعدسة مرئية».
والواقع أن بوشكين قد استطاع خلال حياته القصيرة التي لم تتجاوز الـ38 عاماً أن ينقل اللغة والأدب الروسيين من طور إلى طور موزعاً نفسه بين الشعر والرواية والقصة والمسرح وأدب الرحلات. وإذا كانت أعماله بمجملها تتسم بالجدة والرشاقة والليونة الأسلوبية، فهو في عمله الروائي المتميز «يفجيني أونيغين»، لا يكشف عن تفاعله الخلاق مع وجدان شعبه الجمعي فحسب، بل يستشرف في الوقت ذاته مصيره المأساوي من خلال الشاعر الحالم لينسكي الذي كان يعيش حياة هانئة في الريف الروسي مع زوجته الجميلة والمرحة أولغا، قبل أن يتعرف إلى أونيغين، الشاب الوسيم والثري القادم إلى الريف هرباً من صخب موسكو المضجر. وإذ يقوم لينسكي بترتيب لقاء للتعارف بين أونيغين وتتيانا، شقيقة أولغا الحالمة والمنطوية على نفسها، تجد هذه الأخيرة نفسها واقعة في غرام أونيغين، الذي لا يكتفي بصدها والأعراض عنها، بل يقوم بمغازلة أختها أولغا، الأمر الذي لم يترك لزوجها لينسكي خياراً للدفاع عن كرامته، سوى دعوة أونيغين إلى المبارزة، وفق التقاليد الروسية آنذاك. وكان من نتيجة المواجهة الظالمة تلك أن دفع لينسكي حياته ثمناً لشرفه المطعون في الصميم، بما بدا كأنه السيناريو الرؤيوي الذي استشرف من خلاله بوشكين مصيره اللاحق.
لم يغفر القيصر ألكسندر الأول لبوشكين وقوفه إلى جانب الأقنان والفلاحين والطبقات الشعبية الفقيرة، في مواجهة الأقطاع والنبلاء وكبار الملاك، الذين شكلوا رافعة النظام القيصري وركيزته الأصلب، في تلك الحقبة من التاريخ الروسي. والواقع أن قرب الشاعر من البلاط، بحكم كونه حفيد إبراهيم بانيبال، الرجل الأفريقي الذي أسر في تركيا وتم إهداؤه إلى بطرس الأكبر، قد أسهم إلى حد بعيد في إثارة حفيظة القيصر، الذي لم يغفر لبوشكين تمرده وانحيازه إلى صفوف الثوار. وكان من نتيجة ذلك أن أوعز ألكسندر الأول بنفي بوشكين إلى سيبيريا، قبل أن يقرر بفعل شفاعات بعض النافذين بتعديل وجهة النفي من سيبيريا إلى القفقاس، ومن ثم إلى القرم. ورغم أن الديسمبريين الجنوبيين رأوا في وجوده بينهم دعماً معنوياً عالياً لانتفاضتهم، فإنهم لم يشجعوه على الانخراط التنظيمي في صفوفهم، حماية له من مغبة الانكشاف، ومن الثمن الباهظ الذي يمكن أن يدفعه تبعاً لذلك.
على أن فرحة بوشكين بوفاة ألكسندر الأول واندلاع ثورة الديسمبريين المسلحة ضد النظام القيصري، لم يقدّر لها أن تدوم طويلاً، بسبب تمكّن القيصر الجديد نقولا الأول من القضاء على الثورة وإلقاء القبض على كثير من قادتها. لكن الألم المعتمل في الشاعر نفسه، ما لبث أن حول قصائده اللاحقة إلى عاصفة عاتية من الغضب والعصف الروحي في وجه نظام الحكم. وحيث لم يتردد القيصر في إعدام قادة الثورة، وبينهم الشاعر الثائر ريلييف، أطلق بوشكين عبر قصيدته «النبي» دعوة غير مواربة للإطاحة بنظام الاستبداد الدموي:
ألا انهض يا رسول روسيا
والتفّ بهذه الحلة المنسوجة من العار
وتقدّمْ، والحبْل يشد على عنقك
أمام القاتل الكريه
وسط كل ذلك المشهد القاتم، تراءى لبوشكين أن الأمل بتحسين ظروف حياته قد حان، إثر الرسالة المؤثرة التي وجهها إلى القيصر بخصوص الرقابة الصارمة المفروضة عليه، وقيام هذا الأخير بدعوته للقائه. إلا أن قرار نقولا الأول بوضع الشاعر تحت رقابته المباشرة، لم يفضِ إلى جعل حياة الأخير أكثر سهولة، بل حوّلها إلى جحيم حقيقي من التربص اليومي والمراقبة المتواصلة من قبل الشرطة وأجهزة المخابرات. وحين ضاق صاحب «الفارس البرونزي» ذرعاً بحصاره الخانق، التمس من القيصر السماح له بالسفر إلى أوروبا أو الصين فلم يُسمح له، بذريعة الخوف من تأليب الرأي العام في الخارج ضد نظام الحكم.
في ظل تلك الظروف الشخصية القاسية، التقى بوشكين في موسكو بالشابة الحسناء ناتاليا نيكولايفنا، وعرض عليها الزواج فلم توافق. إلا أن الشاعر المفتون بجمال ناتاليا الآسر، لم يكف عن ملاحقتها طيلة عام كامل، إلى أن وافقت في النهاية على الاقتران به. وإذ أقطعه أبوه جزءاً من ممتلكاته الريفية في بولدينو، لم يتأخر من جهته في الذهاب إلى هناك لترتيب أمور الزواج وتوفير استحقاقاته المادية الداهمة. لكن انتشار وباء الكوليرا في تلك المنطقة قطع عليه طريق العودة إلى موسكو لفترة طويلة. حتى إذا تم الزواج وتذليل كثير من المصاعب، وشعر بوشكين أخيراً بأن القدر قد بدأ يبتسم له، كتب إلى أحد أصدقائه قائلاً: «إنني متزوج وسعيد، وأمنيتي الوحيدة هي ألا يتغير في حياتي أي شيء. إنني أشعر كأنني وُلدت من جديد».
لكن بوشكين الذي ظفر بواحدة من أجمل نساء روسيا، لم يكن ليُسمح له بأن يحظى بحياة هانئة، وهو الشاعر العصي على التدجين، والذي ترتعد لمواقفه المناهضة للطغيان فرائص القيصر الروسي وأتباعه. وما زاد الطين بلة هو السلوك العدائي الذي أظهرته تجاهه والدة زوجته، المصابة بنوع من الاختلال العقلي، الأمر الذي اضطره لنقل مسكنه إلى بطرسبورغ، دون أن يكف البوليس السري عن مراقبته وتتبع خطواته. أما مبادرة القيصر إلى تعيينه في سلك الخدمة الحكومية فلم تكن، وفق الناقد الروسي كيربوتين، سوى الشرك الذي أعده نقولا الأول لاستدراج الشاعر إلى زيارة البلاط مصحوباً بزوجته الفاتنة التي كان جمالها قد أثار انتباه القيصر، بعد أن شاهدها غير مرة في مناسبات البلاط الرسمية. وإذا لم يكن ثمة من أدلة دامغة على اضطراب العلاقة بين الزوجين، فإن ذلك لا ينفي حقيقة التباين في اهتمامات كل منهما، حيث كانت علاقة الشاعر بالإبداع ترقى إلى حدود التنسك، فيما كانت ناتاليا أميَل إلى اللهو والترف الصاخب والشغف بالحياة.
أما المفارقة الأكثر إثارة للانتباه والأقرب إلى الكوميديا السوداء، فقد تمثلت في رفض الرقابة كثيراً من أعمال بوشكين الأدبية، بحجة تحريضها السافر على العصيان، في حين كان القيصر من جهته يوشّح الشاعر برتبة النبالة القيصرية، لا لشيء إلا لوضعه في موضع الشبهة من قبل جمهوره الواسع، ولجعل ناتاليا ضيفة دائمة على مناسبات البلاط. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى خصوصيات الشاعر الحميمة والاطلاع على الرسائل المتبادلة بينه وبين زوجته. وفي ذلك يكتب بوشكين: «قد أكون أحد رعايا القيصر أو حتى أحد عبيده، إلا أنني لن أكون أبداً تابعاً ذليلاً ولا مهرجاً. وكم هو أمر غير أخلاقي أن يطلع البوليس على الرسائل الموجهة من زوج إلى زوجته، ثم يحضرها إلى القيصر لكي يقرأها». ورغم غرق بوشكين في الديون وقد بات معيلاً لأربعة أطفال، فإنه قدم عام 1834 التماساً إلى القيصر لإنهاء خدماته، فبادره الأخير بالرفض الصارم، وهو ما جعله يكتب إلى زوجته: «لقد كانت ولادتي محفوفة بالنحس، ولم تكن موهبتي في روسيا، سوى خدعة من خدع الشيطان».
على أن الشاعر الذي قدّر له أن يواجه كل صنوف المتاعب والمكابدات، لم يكن يعلم أن الفصول الأسوأ من حياته لم تكن قد وقعت بعد، وأن القدر، متحالفاً مع القيصر، كان يهيئ له السبيل إلى مصيره المأساوي عبر الضابط الفرنسي دانتس، الذي يعمل في الحرس الإمبراطوري، والذي لم يتورع عن التحرش الوقح بناتاليا، زوجة الشاعر. ولم يكتفِ المتربصون ببوشكين بإطلاق الشائعات المغرضة حول علاقة زوجته بالضابط الوسيم والسادر في وقاحته، بل عمد بعضهم إلى أن يبعثوا له برسالة بريدية مغفلة التوقيع مفادها أنه «انتُخب بالإجماع أستاذاً عاملاً في سلك الأزواج ذوي القرون، ومؤرخاً لهذا السلك في الوقت ذاته». وإذ خشي السفير الهولندي في بطرسبورغ، وهو أب دانتس بالتبني، من أن يقوم بوشكين بدعوته إلى المبارزة، أوعز إلى دانتس بطلب يد كاترينا جونشاروفا شقيقة زوجة بوشكين. ومع أن الزواج قد تم بالفعل، فإنه لم يمنع الضابط المزهو بنفسه من متابعة تحرشه بناتاليا، الأمر الذي لم يترك للشاعر خياراً سوى دعوة دانتس إلى المبارزة إنقاذاً لشرفه الشخصي والعائلي.
لم تكن المواجهة بين بوشكين وغريمه مجرد مبارزة عادية بين ضابط متمرس بالقتل، وشاعر رقيق وبالغ الشفافية، بل بدت في بعدها الرمزي مواجهة بين جلاوزة الطغمة المتسلطة، وشعب روسيا الجائع والمقهور. أما الطلقتان اللتان تم تبادلهما لحظة المبارزة، فقد جسدت أولاهما كل ما أحاق بروسيا من تخلف وفساد وتعصب ظلامي، فيما جسدت الأخرى أكثر ما في تلك البلاد المترامية من عنفوان وشغف بالحرية وتطلع إلى المستقبل. وفيما كانت الطلقة التي سددها ممثل القيصر باتجاه بوشكين كافية للإجهاز عليه، كانت الطلقة التي سددها بوشكين باتجاه خصمه المتشاوف، أوهن من أن تصيبه في مقتل. أما وقد نزل الخبر المشؤوم نزول الصاعقة على الشعب الروسي، فإن السلطة الخائفة من حزن الملايين على شاعرها المغدور، لم تسمح بدفنه كما يليق بأعظم الشعراء الذين أنجبتهم البلاد عبر تاريخها الطويل، بل أمرت بأن يوارى جثمانه في جنح الظلام وتحت حراسة مشددة. لكن بوشكين وهو المدرك تمام الإدراك أن مصير شعره سيكون أفضل بكثير من مصير جثمانه، استبق رحيله الجسدي بقصيدة «نصب تذكاري» التي تحدس ببقاء اسمه راسخاً إلى الأبد في ذاكرة شعبه ووجدانه، والتي جاء فيها:
لن أموت بشكل كلّي
بل ستظل روحي بين أنغام القيثار
تحيا بلا جسد، وغير قابلة للفساد
وسأعرف الشهرة طالما هنالك شاعر واحد
لا يزال حياً تحت السماء
أما روسيا فستعرف اسمي
في كل لغة منتشرة في أرجاء زمامها العظيم



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.