ناتاليا نيكولايفنا وبوشكين... الجمال والموت على سرير واحد

هل كان ارتباطهما الزوجي هو الفخ الذي نصبه القيصر للإيقاع بالشاعر؟

بوشكين
بوشكين
TT

ناتاليا نيكولايفنا وبوشكين... الجمال والموت على سرير واحد

بوشكين
بوشكين

لم يكن الشاعر والكاتب الروسي ألكسندر بوشكين مجرد تفصيل عابر في تاريخ بلاده الأدبي، بل هو لا يزال يُعد منذ قرنين من الزمن وحتى اليوم تجسيداً ساطعاً لكل ما يرمز إلى العبقرية الروسية، كما إلى وحدة الشعب الروسي، تاريخاً وثقافةً وتطلعات. فمن شواطئ البلطيق غرباً إلى أقاصي سيبيريا في الشرق، ثمة شعور لدى الجميع بأن أياً من الشعراء والكتاب الروس لم يقيض له امتلاك الموهبة الاستثنائية التي امتلكها بوشكين، ولا أن ينقل الأدب واللغة الروسيين من طور إلى طور، أو يبلور الوجدان الروسي القومي في كتبه وأعماله، كما فعل صاحب كتاب «الغجر». ولعل أحداً من الذين عاصروا بوشكين أو تأخروا عنه، لم يستطع الإفلات من لغته وأسلوبه ومقارباته للوجود والأشياء، حتى لو كان الكاتب المعني من وزن غوغول وتولستوي وليرمانتوف وتورغينيف وديستويفسكي. كما لم تكن حدوس غوغول إراء رسوخ الشاعر الروسي في ذاكرة الأجيال المقبلة، ليجافي الحقيقة بشيء، حين وصف بوشكين بقوله: «إنه الإنسان الروسي في تطوره، وصولاً إلى الصورة التي سيكون فيها بعد مائتي عام. إن فيه الطبيعة الروسية واللغة الروسية والطباع الروسية، معكوسة بالنقاء نفسه والجمال المصفى إياه، كانعكاس المنظر الطبيعي على السطح المحدّب لعدسة مرئية».
والواقع أن بوشكين قد استطاع خلال حياته القصيرة التي لم تتجاوز الـ38 عاماً أن ينقل اللغة والأدب الروسيين من طور إلى طور موزعاً نفسه بين الشعر والرواية والقصة والمسرح وأدب الرحلات. وإذا كانت أعماله بمجملها تتسم بالجدة والرشاقة والليونة الأسلوبية، فهو في عمله الروائي المتميز «يفجيني أونيغين»، لا يكشف عن تفاعله الخلاق مع وجدان شعبه الجمعي فحسب، بل يستشرف في الوقت ذاته مصيره المأساوي من خلال الشاعر الحالم لينسكي الذي كان يعيش حياة هانئة في الريف الروسي مع زوجته الجميلة والمرحة أولغا، قبل أن يتعرف إلى أونيغين، الشاب الوسيم والثري القادم إلى الريف هرباً من صخب موسكو المضجر. وإذ يقوم لينسكي بترتيب لقاء للتعارف بين أونيغين وتتيانا، شقيقة أولغا الحالمة والمنطوية على نفسها، تجد هذه الأخيرة نفسها واقعة في غرام أونيغين، الذي لا يكتفي بصدها والأعراض عنها، بل يقوم بمغازلة أختها أولغا، الأمر الذي لم يترك لزوجها لينسكي خياراً للدفاع عن كرامته، سوى دعوة أونيغين إلى المبارزة، وفق التقاليد الروسية آنذاك. وكان من نتيجة المواجهة الظالمة تلك أن دفع لينسكي حياته ثمناً لشرفه المطعون في الصميم، بما بدا كأنه السيناريو الرؤيوي الذي استشرف من خلاله بوشكين مصيره اللاحق.
لم يغفر القيصر ألكسندر الأول لبوشكين وقوفه إلى جانب الأقنان والفلاحين والطبقات الشعبية الفقيرة، في مواجهة الأقطاع والنبلاء وكبار الملاك، الذين شكلوا رافعة النظام القيصري وركيزته الأصلب، في تلك الحقبة من التاريخ الروسي. والواقع أن قرب الشاعر من البلاط، بحكم كونه حفيد إبراهيم بانيبال، الرجل الأفريقي الذي أسر في تركيا وتم إهداؤه إلى بطرس الأكبر، قد أسهم إلى حد بعيد في إثارة حفيظة القيصر، الذي لم يغفر لبوشكين تمرده وانحيازه إلى صفوف الثوار. وكان من نتيجة ذلك أن أوعز ألكسندر الأول بنفي بوشكين إلى سيبيريا، قبل أن يقرر بفعل شفاعات بعض النافذين بتعديل وجهة النفي من سيبيريا إلى القفقاس، ومن ثم إلى القرم. ورغم أن الديسمبريين الجنوبيين رأوا في وجوده بينهم دعماً معنوياً عالياً لانتفاضتهم، فإنهم لم يشجعوه على الانخراط التنظيمي في صفوفهم، حماية له من مغبة الانكشاف، ومن الثمن الباهظ الذي يمكن أن يدفعه تبعاً لذلك.
على أن فرحة بوشكين بوفاة ألكسندر الأول واندلاع ثورة الديسمبريين المسلحة ضد النظام القيصري، لم يقدّر لها أن تدوم طويلاً، بسبب تمكّن القيصر الجديد نقولا الأول من القضاء على الثورة وإلقاء القبض على كثير من قادتها. لكن الألم المعتمل في الشاعر نفسه، ما لبث أن حول قصائده اللاحقة إلى عاصفة عاتية من الغضب والعصف الروحي في وجه نظام الحكم. وحيث لم يتردد القيصر في إعدام قادة الثورة، وبينهم الشاعر الثائر ريلييف، أطلق بوشكين عبر قصيدته «النبي» دعوة غير مواربة للإطاحة بنظام الاستبداد الدموي:
ألا انهض يا رسول روسيا
والتفّ بهذه الحلة المنسوجة من العار
وتقدّمْ، والحبْل يشد على عنقك
أمام القاتل الكريه
وسط كل ذلك المشهد القاتم، تراءى لبوشكين أن الأمل بتحسين ظروف حياته قد حان، إثر الرسالة المؤثرة التي وجهها إلى القيصر بخصوص الرقابة الصارمة المفروضة عليه، وقيام هذا الأخير بدعوته للقائه. إلا أن قرار نقولا الأول بوضع الشاعر تحت رقابته المباشرة، لم يفضِ إلى جعل حياة الأخير أكثر سهولة، بل حوّلها إلى جحيم حقيقي من التربص اليومي والمراقبة المتواصلة من قبل الشرطة وأجهزة المخابرات. وحين ضاق صاحب «الفارس البرونزي» ذرعاً بحصاره الخانق، التمس من القيصر السماح له بالسفر إلى أوروبا أو الصين فلم يُسمح له، بذريعة الخوف من تأليب الرأي العام في الخارج ضد نظام الحكم.
في ظل تلك الظروف الشخصية القاسية، التقى بوشكين في موسكو بالشابة الحسناء ناتاليا نيكولايفنا، وعرض عليها الزواج فلم توافق. إلا أن الشاعر المفتون بجمال ناتاليا الآسر، لم يكف عن ملاحقتها طيلة عام كامل، إلى أن وافقت في النهاية على الاقتران به. وإذ أقطعه أبوه جزءاً من ممتلكاته الريفية في بولدينو، لم يتأخر من جهته في الذهاب إلى هناك لترتيب أمور الزواج وتوفير استحقاقاته المادية الداهمة. لكن انتشار وباء الكوليرا في تلك المنطقة قطع عليه طريق العودة إلى موسكو لفترة طويلة. حتى إذا تم الزواج وتذليل كثير من المصاعب، وشعر بوشكين أخيراً بأن القدر قد بدأ يبتسم له، كتب إلى أحد أصدقائه قائلاً: «إنني متزوج وسعيد، وأمنيتي الوحيدة هي ألا يتغير في حياتي أي شيء. إنني أشعر كأنني وُلدت من جديد».
لكن بوشكين الذي ظفر بواحدة من أجمل نساء روسيا، لم يكن ليُسمح له بأن يحظى بحياة هانئة، وهو الشاعر العصي على التدجين، والذي ترتعد لمواقفه المناهضة للطغيان فرائص القيصر الروسي وأتباعه. وما زاد الطين بلة هو السلوك العدائي الذي أظهرته تجاهه والدة زوجته، المصابة بنوع من الاختلال العقلي، الأمر الذي اضطره لنقل مسكنه إلى بطرسبورغ، دون أن يكف البوليس السري عن مراقبته وتتبع خطواته. أما مبادرة القيصر إلى تعيينه في سلك الخدمة الحكومية فلم تكن، وفق الناقد الروسي كيربوتين، سوى الشرك الذي أعده نقولا الأول لاستدراج الشاعر إلى زيارة البلاط مصحوباً بزوجته الفاتنة التي كان جمالها قد أثار انتباه القيصر، بعد أن شاهدها غير مرة في مناسبات البلاط الرسمية. وإذا لم يكن ثمة من أدلة دامغة على اضطراب العلاقة بين الزوجين، فإن ذلك لا ينفي حقيقة التباين في اهتمامات كل منهما، حيث كانت علاقة الشاعر بالإبداع ترقى إلى حدود التنسك، فيما كانت ناتاليا أميَل إلى اللهو والترف الصاخب والشغف بالحياة.
أما المفارقة الأكثر إثارة للانتباه والأقرب إلى الكوميديا السوداء، فقد تمثلت في رفض الرقابة كثيراً من أعمال بوشكين الأدبية، بحجة تحريضها السافر على العصيان، في حين كان القيصر من جهته يوشّح الشاعر برتبة النبالة القيصرية، لا لشيء إلا لوضعه في موضع الشبهة من قبل جمهوره الواسع، ولجعل ناتاليا ضيفة دائمة على مناسبات البلاط. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى خصوصيات الشاعر الحميمة والاطلاع على الرسائل المتبادلة بينه وبين زوجته. وفي ذلك يكتب بوشكين: «قد أكون أحد رعايا القيصر أو حتى أحد عبيده، إلا أنني لن أكون أبداً تابعاً ذليلاً ولا مهرجاً. وكم هو أمر غير أخلاقي أن يطلع البوليس على الرسائل الموجهة من زوج إلى زوجته، ثم يحضرها إلى القيصر لكي يقرأها». ورغم غرق بوشكين في الديون وقد بات معيلاً لأربعة أطفال، فإنه قدم عام 1834 التماساً إلى القيصر لإنهاء خدماته، فبادره الأخير بالرفض الصارم، وهو ما جعله يكتب إلى زوجته: «لقد كانت ولادتي محفوفة بالنحس، ولم تكن موهبتي في روسيا، سوى خدعة من خدع الشيطان».
على أن الشاعر الذي قدّر له أن يواجه كل صنوف المتاعب والمكابدات، لم يكن يعلم أن الفصول الأسوأ من حياته لم تكن قد وقعت بعد، وأن القدر، متحالفاً مع القيصر، كان يهيئ له السبيل إلى مصيره المأساوي عبر الضابط الفرنسي دانتس، الذي يعمل في الحرس الإمبراطوري، والذي لم يتورع عن التحرش الوقح بناتاليا، زوجة الشاعر. ولم يكتفِ المتربصون ببوشكين بإطلاق الشائعات المغرضة حول علاقة زوجته بالضابط الوسيم والسادر في وقاحته، بل عمد بعضهم إلى أن يبعثوا له برسالة بريدية مغفلة التوقيع مفادها أنه «انتُخب بالإجماع أستاذاً عاملاً في سلك الأزواج ذوي القرون، ومؤرخاً لهذا السلك في الوقت ذاته». وإذ خشي السفير الهولندي في بطرسبورغ، وهو أب دانتس بالتبني، من أن يقوم بوشكين بدعوته إلى المبارزة، أوعز إلى دانتس بطلب يد كاترينا جونشاروفا شقيقة زوجة بوشكين. ومع أن الزواج قد تم بالفعل، فإنه لم يمنع الضابط المزهو بنفسه من متابعة تحرشه بناتاليا، الأمر الذي لم يترك للشاعر خياراً سوى دعوة دانتس إلى المبارزة إنقاذاً لشرفه الشخصي والعائلي.
لم تكن المواجهة بين بوشكين وغريمه مجرد مبارزة عادية بين ضابط متمرس بالقتل، وشاعر رقيق وبالغ الشفافية، بل بدت في بعدها الرمزي مواجهة بين جلاوزة الطغمة المتسلطة، وشعب روسيا الجائع والمقهور. أما الطلقتان اللتان تم تبادلهما لحظة المبارزة، فقد جسدت أولاهما كل ما أحاق بروسيا من تخلف وفساد وتعصب ظلامي، فيما جسدت الأخرى أكثر ما في تلك البلاد المترامية من عنفوان وشغف بالحرية وتطلع إلى المستقبل. وفيما كانت الطلقة التي سددها ممثل القيصر باتجاه بوشكين كافية للإجهاز عليه، كانت الطلقة التي سددها بوشكين باتجاه خصمه المتشاوف، أوهن من أن تصيبه في مقتل. أما وقد نزل الخبر المشؤوم نزول الصاعقة على الشعب الروسي، فإن السلطة الخائفة من حزن الملايين على شاعرها المغدور، لم تسمح بدفنه كما يليق بأعظم الشعراء الذين أنجبتهم البلاد عبر تاريخها الطويل، بل أمرت بأن يوارى جثمانه في جنح الظلام وتحت حراسة مشددة. لكن بوشكين وهو المدرك تمام الإدراك أن مصير شعره سيكون أفضل بكثير من مصير جثمانه، استبق رحيله الجسدي بقصيدة «نصب تذكاري» التي تحدس ببقاء اسمه راسخاً إلى الأبد في ذاكرة شعبه ووجدانه، والتي جاء فيها:
لن أموت بشكل كلّي
بل ستظل روحي بين أنغام القيثار
تحيا بلا جسد، وغير قابلة للفساد
وسأعرف الشهرة طالما هنالك شاعر واحد
لا يزال حياً تحت السماء
أما روسيا فستعرف اسمي
في كل لغة منتشرة في أرجاء زمامها العظيم



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended