السودان... سيناريوهات ما بعد استقالة حمدوك

رئيس الوزراء السوداني المستقيل عبد الله حمدوك (أ.ب)
رئيس الوزراء السوداني المستقيل عبد الله حمدوك (أ.ب)
TT

السودان... سيناريوهات ما بعد استقالة حمدوك

رئيس الوزراء السوداني المستقيل عبد الله حمدوك (أ.ب)
رئيس الوزراء السوداني المستقيل عبد الله حمدوك (أ.ب)

أعادت استقالة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، إلى الأذهان مجدداً حكاية استقالة رئيس الوزراء الانتقالي، سر الختم الخليفة، في حكومة ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1964، بسبب انقسام القوى السياسية إلى فئة تطالب بقيادة الأحزاب للمرحلة الانتقالية وفئة أخرى تطالب بإبعادها، مما أدى إلى اضطراب كبير وقتذاك، وهو السيناريو نفسه الحادث الآن مع بعض الفوارق نتجت بين الحالتين.
قال رئيس الوزراء حمدوك في تبرير استقالته، إنه فشل في تحقيق توافق سياسي بين مختلف مكونات الحكم وقوى الثورة، فيما استقال سر الختم الخليفة للسبب ذاته، إذ كانت هناك حينها جبهة الأحزاب وجبهة الهيئات، واليوم توجد أيضاً قوى تحالف «الحرية والتغيير» والحزب الشيوعي، وقوى «الميثاق الوطني»، وهو وضع يشبه أسباب خطاب استقالة حمدوك، ومراوحة الفكر السياسي السوداني مكانه منذ ستينات القرن الماضي.
استقال حمدوك وترك واقعاً سياسياً معقداً وعدم استقرار كبير في مختلف جوانب الحياة، أزمة اقتصادية طاحنة، وقوى سياسية متصارعة، وشارع ثائر يريد أن يلقي بالكل في نهر النيل المجاور للقصر الرئاسي، فما هي السيناريوهات المتوقعة التي يمكن أن تحدث؟

توازنات القوى
يمكن القول إن توازنات القوى المحلية والدولية هي التي ترسم السيناريوهات المتوقعة، فمحلياً يقف تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير الذي كان يمثل المرجعية السياسية لحكومة عبد الله حمدوك، وأيضاً حركات الكفاح المسلح في الجانب الآخر مع حلفائهم العسكريين الذين نفذوا الانقلاب الذي أطاح بالحكومة المدنية في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وفي الجانب الآخر تقف «لجان المقاومة الشعبية»، التي تقود الاحتجاجات والمواكب، ومن بعيد يقف الحزب الشيوعي رافضاً لكل شيء.
لم يفلح الانقلاب في تشكيل حكومة بديلة رغم مرور أكثر من شهرين على تسلم العسكريين وحلفائهم للسلطة، واضطروا لإعادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لممارسة مهام منصبه مجدداً، لكن حمدوك في مواجهة الرفض الشعبي لاتفاقه مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان الموقع في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لم يستطع هو الآخر تكوين حكومة، لأنه اشترط لتكوينها توافقاً عليها. فاستقال حمدوك وترك وضعاً في غاية الهشاشة، فالعسكريون غير قادرين على التحكم في احتجاجات الشارع، والسياسيون كل يغني ليلاه، بينما تعمل لجان المقاومة الشعبية على إبعاد الجميع من المشهد.
وفي ظل هذه السيولة تبرز سيناريوهات عديدة تتراوح بين انهيار الدولة وسيادة الفوضى، أو حدوث توافق اضطراري بين الفرقاء، أو سيطرة الجيش وقوات «الدعم السريع» على مقاليد الأمور والعودة مجدداً لعهود الديكتاتورية والقمع. والجيش بحكم التعبئة والتعبئة المضادة التي نظمت له، لا يمكن أن يظل هادئاً لأن هناك «ضابطا من ضباطه» يمكن أن يقلب المعادلة لصالح المدنيين، فيما يواجه ذهاب القيادة العسكرية الحالية صعوبات عملية عديدة، ليس أقلها أن الرجل القوي قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، قد لا يقبل العمل تحت قيادة ضابط سوى البرهان، في الوقت الذي يتململ فيه الجيش من وجوده بتلك الرتبة العالية والسيطرة شبه التامة على الأوضاع في البلاد.
وتقف الجهة العسكرية الأخرى وهي الحركات المسلحة التي وقعت اتفاق جوبا للسلام، بجيوشها تكتيكياً الآن إلى جانب البرهان، لكن الرجل وبحسب قراءة للواقع السياسي لا يملك أن يقدم لها أكثر مما حازت عليه، ما دفعها للبكاء على اللبن المسكوب، فتأسف رئيس «حركة العدل والمساواة» الذي يشغل منصب وزير المالية جبريل إبراهيم، في تغريدة على ذهاب حمدوك، ونسي أنه كان من أشد مؤيدي ذهابه. ومثله فعل رئيس «حركة تحرير السودان» مني أركو مناوي، فهو الآخر قد أرجع في تغريدة استقالة حمدوك إلى أزمة عدم التوافق، برغم أنه أحد كبار مشعليها.

قوات «الدعم السريع»
وتقف بين كل هؤلاء «قوات الدعم السريع»، فهي وإن كانت قد خلقت توازناً بين العسكريين الإسلاميين والثورة في وقت ما، فإن تطور الأحداث قد جعل منها أحد أسباب اختلال التوازن، فقائدها «حميدتي» قال في إحدى تغريداته: «فلتمطر حصى». وكان الرجل قد انتزع لنفسه موقع الرجل الثاني في الدولة، ولن يقبل بأي سيناريو يبقيه بعيداً عن السلطة، فيما ترتفع نغمة إبعاده وسط العسكريين الإسلاميين الذين يرون أنه صنيعتهم «الخائنة».
أما «الشارع السياسي» فيرفض الجميع، ويطالب بشكل صريح بذهاب البرهان ومكونه العسكري دفعة واحدة، ويواصل مواكبه المليونية التي تنظمها لجان المقاومة بشكل شبه يومي وترفع شعار: «لا شراكة، لا تفاوض، لا شرعية» للعسكر. وبعد أن أفلحت في الوصول للقصر الرئاسي، وواجهت عنفاً مفرطاً أدى لمقتل 56 شهيداً بعد الانقلاب لم تتوقف بل تتزايد مواكبها السلمية، وسط محاولات استخبارية لجرها لمنطقة العنف، وفقدان القوة الناعمة التي تعد مصدر قوتها الحقيقية. أما تحالف «الحرية والتغيير» الذي كان يمثل الحاضنة السياسية للانتقال، فقد انقسم على نفسه، جزء منها سمى نفسه «جماعة الإعلان السياسي» انحازت للاتفاق السياسي مع الجيش، فيما بقي الجسم الرئيس منها «المجلس المركزي» ليواجه اتهامات الشارع والثوار بأنهم أضاعوا الثورة بصراعات تقاسم كيكة السلطة، فيما يقف الحزب الشيوعي وحده بمواجهة الكل، يرفض كل شيء، ويصر على «حكومة مدنية كاملة»، دون أن يقدم سيناريو للوصول إليها سوى الرهان على مقاومة الشارع السياسي.

نزاعات الأقاليم
محلياً، يشهد إقليم دارفور المضطرب أصلاً، عودة الاضطراب مجدداً، فقد شهد هجمات وهجمات مضادة أدت لمقتل المئات خلال الفترة الماضية، ولم تفلح الحكومة في وضع حد لها، واكتفى قادة الفصائل التي كانت تقاتل باسم الإقليم، بـ«الوظائف» التي نالوها في الخرطوم، بل تحولت قواتها لمصدر للفوضى، بلغت حد الاعتداء على منشآت تابعة لبعثة حفظ السلام، وصندوق الغذاء العالمي أخيراً، ووقف حاكم الإقليم مناشداً.
اقتصادياً، تتفاقم الأزمة باضطراد وسط مخاطر تهديد المجاعة لأكثر من 14 مليون سوداني، وفقاً لتقارير مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية «أوتشا» الصادرة ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وتشهد أسعار السلع الرئيسية ارتفاعاً يفوق قدرات الناس الشرائية، ويتراجع سعر العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، وارتفاع معدلات التضخم، بدون أفق حلول بعد، خاصة بعد تجميد المساعدات والمنح والقروض التي وعد بها المجتمع الدولي حمدوك لإصحاح الأوضاع الاقتصادية بعد انقلاب البرهان.
الواقع السائد ينتج «ثلاثة سيناريوهات» أولها و«أقربها» سيناريو «الفوضى وانهيار الدولة»، وهو احتمال ترجحه معظم الدوائر، ولأنه لن يقف عند حدود البلاد، فقد يضطر المجتمع الدولي للضغط على الفرقاء السودانيين للوصول للسيناريو الثاني، بتوافق قوى إعلان الحرية والتغيير وقوى الكفاح المسلح، ولجان المقاومة الشعبية والعسكريين، على فترة انتقالية وأسس جديدة. أما السيناريو الأفضل، أن تتواصل الاحتجاجات لتنهك المؤسسة العسكرية، فتنقلب على قيادتها أو أن تستسلم للضغط الشعبي. وصدق رئيس الوزراء حين قال في خطاب استقالته: «ما أشبه الليلة بالبارحة».



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».