التطبيقات الطبية على الهواتف الذكية.. نتائج غير مدعومة بأدلة موثوقة

أطباء أميركيون يحذرون من عدم دقتها ومخاطرها

التطبيقات الطبية على الهواتف الذكية.. نتائج غير مدعومة بأدلة موثوقة
TT

التطبيقات الطبية على الهواتف الذكية.. نتائج غير مدعومة بأدلة موثوقة

التطبيقات الطبية على الهواتف الذكية.. نتائج غير مدعومة بأدلة موثوقة

يضغط لاعب كمال أجسام على الكاميرا الموجودة في جهاز الـ«آيفون» ليظهر على الشاشة معدل دقات قلبه ومستوى الأوكسجين في الدم، فيما يقف رجل يرتدى بيجاما فوق الميزان ثم ينظر في هاتفه الذكي ليتنهد بعدها بحزن، وهناك عداءة تجري بالقرب من الممشى المطل على البحيرة وتحمل هاتفا ذكيا مثبتا على ذراعها برباط.. هذا هو عالم التطبيقات الصحية المنتشر في الهواتف الذكية.

* هواتف «صحية»
* لقد روجت الإعلانات التلفزيونية لهاتف «آيفون 5» لا باعتباره مجرد هاتف ذكي، بل أداة تساعد الإنسان على الحفاظ على صحته ولياقته. وهذا صحيح فهواتف «آيفون» والهواتف العاملة على أنظمة «أندرويد»، بل وساعات «أبل» التي ظهرت حديثا أيضا، تقدم عددا مهولا من التطبيقات، التي تحفز الإنسان، وتشجعه على تنظيم أمور حياته.
مع ذلك بعض هذه التطبيقات تقوم بوظائف أخرى، حيث تعمل بمثابة أجهزة طبية لقياس ضغط الدم، وعلاج حب الشباب، بل ولاختبار عينات البول. ووسط تزايد هذه التطبيقات بدرجة كبيرة، تتزايد معها تحذيرات الأطباء والمسؤولين الفيدراليين، الذين يقولون إن تلك البرامج، التي تزعم أنها قادرة على تشخيص أو علاج الأمراض، قد تكون غير دقيقة، بل وتشكل خطرا على صحة الإنسان.
ويقول ناثان كورتيز الخبيرة في قانون التكنولوجيا الطبية والتنظيم بكلية الحقوق، جامعة «ساوثرن ميثوديست» بمدينة دالاس: «لا يمكن لتلك التطبيقات أن تكون فعالة في المجال الطبي».
وحذر كورتيز في مقال كتبه في دورية «نيو إنغلاند للطب» في الصيف الماضي من خطر التطبيقات الصحية غير المقننة وغير مضمونة النتائج على صحة الإنسان. ويضيف كورتيز قائلا: «بالإضافة إلى إهدار المال، فإن هذه التطبيقات يمكن أن تسبب أضرارا صحية بالفعل، فإذا كنت تعاني من مرض السكري، وأخطأ تطبيق الهاتف في تحديد مستوى الغلوكوز لديك في الدم، يمكن أن تتناول جرعة أكبر مما تحتاجه بالفعل من الأنسولين وتدخل بعدها في غيبوبة السكري».
هناك أكثر من مائة ألف تطبيق صحي في متجري «آي تيونز» و«غوغل بلاي»، حسب شركة «ريسرتش تو غايدانس» المتخصصة في أبحاث سوق الهواتف الجوالة، التي تقول إنه بحلول عام 2017 سيصل حجم سوق هذه التطبيقات المعروفة باسم «إم هيلث» إلى 26 مليار دولار.
وأوضح كورتيز: «يمكننا القول إن هناك مئات الملايين من مستخدمي تطبيقات (إم هيلث). بالنسبة لبعض المستخدمين فإن التطبيقات، التي تساعد في عمل رسوم بيانية طبية، تعد تطبيقات مفيدة».
ويقوم كيث ويك، وهو فني أنظمة معلومات يعمل في كاليفورنيا ويبلغ من العمر 29 عاما ومصاب بمرض السكري من النوع الأول، بالاعتناء بنفسه باستخدام تطبيق لهاتف بنظام «أندرويد» يساعده في متابعة مستوى السكر في الدم عن طريق إدخال معلومات يتطلبها التطبيق 6 مرات يوميا.
ويضيف كورتيز قائلا: «أستخدم الهاتف طوال اليوم، لذا أجد من السهل أن أتابع (مستوى السكر في الدم) عبر وسيلة رقمية، فذلك أسهل كثيرا من الاحتفاظ بقصاصة ورق، وطيها، وفردها، وإخراجها، وإدخالها من وإلى جيبك طوال اليوم».
بالإضافة لكونها تعمل كدفتر افتراضي، تعمل بعض هذه التطبيقات باستخدام مستشعرات خارجية مثل تطبيق «ألايف كور» لمتابعة نبضات القلب، الذي حصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية، ويأتي مع حقيبة صغيرة مثبت فيها مستشعرات، ليوضع فيها هاتف «آي فون».

* تطبيقات معتمدة
* أفضل التطبيقات الطبية، التي يمكن الاعتماد عليها، تكون نتاج تعاون مشترك بين المبتكرين، والأطباء، والخبراء في مجال القوانين الصحية؛ فتطبيق «هيم موبايل» HemMobile، الذي أنتجته شركة «فايزر» للأدوية بهدف مساعدة مرضى نزف الدم (الهيموفيليا) في متابعة عملية النزف، أشرفت عليه لجنة مراجعة تابعة للشركة مكونة من طبيب، وخبير قانوني، وخبير في القواعد المنظمة للمنتجات الصحية. وكانت جميع تفاصيل مشروع ابتكار هذا التطبيق، بدءا بطريقة العرض ووصولا إلى المصطلحات الطبية، تتطلب موافقة تلك اللجنة.
وقال بارثولميو تورتيلا، المدير المشرف على الفريق الخاص بتطبيق الهيموفيليا في «فايزر»: «إنه نظام عالي الكفاءة، حيث نتفق على تنفيذ فكرة معينة، ثم نشرع في تنفيذها، وبعد التنفيذ نضعها محل الاختبار ثم يتم الموافقة عليها».
مع ذلك يتم تقديم تطبيقات صحية، لم يتم اختبارها، في بعض الأحيان كبديل للمعدات الطبية المعتمدة، مما أثار انتقادات مسؤولين حكوميين لتلك التطبيقات في بعض الأحيان.
وفرضت اللجنة الفيدرالية للتجارة عام 2011 غرامة على أحد مبتكري التطبيقات لزعمه أن برنامجه المسمى بـ«أكني أب» فعال في علاج حب الشباب عن طريق الضوء المنبعث من شاشة هاتف «آيفون». وقام نحو 12 ألف شخص بتنزيل التطبيق، وذلك قبل حذفه من على متجر «آي تيونز» الإلكتروني.
كذلك أرسلت إدارة الغذاء والدواء، التي تشرف أيضا على تقنين الأجهزة الطبية، خلال العام الماضي رسالة إلى شركة «بيوسنس تكنولوجيز» تستعلم فيها عن تطبيق «يوتشيك»، الذي صممته الشركة لمساعدة المستخدم على قراءة شرائط تحليل البول باستخدام كاميرا هاتف «آيفون»، وتم استبعاد التطبيق من على متجر «آي تيونز»، المخصص للمستخدمين الموجودين في الولايات المتحدة.
قال كورتيز: «يعتمد المرضى على هذه التطبيقات في الوقت الذي يتعين عليهم الاستعانة بطبيب متخصص، وهو ما قد يشكل خطرا على حياتهم».

* تطبيقات ملتبسة
* تشير بعض التطبيقات الصحية بحروف صغيرة إلى أن الغرض وراء التطبيق هو التسلية فقط، ولكن هذه الحروف الصغيرة لا تفلح في إثناء بعض المستخدمين.
دفع جيمس تومسون، البالغ من العمر 68 عاما، ويعمل خبير في عمل الاجتماع في فارمنغتون بولاية كونيتيكيت، في الصيف الماضي أربعة دولارات للحصول على تطبيق «بلس أوكسيمتر هارت أند أوكسجين مونيتور»، الذي صممته «ديجي دوك تكنولوجيز»، وكان تومسون، الذي يعاني من مرض انتفاخ الرئة، يأمل في أن يستخدم هاتف «آيفون» الخاص به لمتابعة معدل نبضات قلبه، ومستوى الأكسجين في الدم.
قال تومسون: «لا أفهم الطريقة العلمية التي تعمل بها هذه التطبيقات. في العادة أنا إنسان فضولي، ولكن عندما رأيت هذا التطبيق، أقنعت نفسي أنه يعمل عن طريق الضوء المنبعث من الهاتف، وأنه يكتشف معدل امتصاص الأكسجين». ويقول وصف تطبيق «بلس أوكسيمتر» على متجر «آي تيونز»، إنه ليس للاستخدام للأغراض الطبية. ويقول الدكتور دامون ناسي، رئيس شركة «ديجي دوك»: «نقول دوما إنه يتعين على الناس ألا يستخدموا التطبيق لمتابعة الأمراض التي يعانون منها. لا أريدهم أن يعتمدوا على التطبيق بأي بشكل من الأشكال».
ورغم أن تومسون كان مدركا للتحذير المنشور على صفحة التطبيق، تملكته الرغبة في تجربة التطبيق، حيث أضاف قائلا: «لقد كانت مجرد تجربة فلم يكن لدي شيء أخسره». مع ذلك بعدما اكتشف الفارق الكبير بين قراءة التطبيق، وقراءة الجهاز المعتمد من إدارة الغذاء والدواء، قرر التوقف عن استخدام التطبيق وقال: «لا أعتقد أنني سأعتمد على هذا التطبيق مرة أخرى. عندما رأيت سعره الرخيص قلت لنفسي: هذا أمر جيد، لمَ لا أجربه؟!».
وفي محاولة منها لمواجهة انتشار التطبيقات الصحية على الهواتف الجوالة، التي لم تخضع لأي اختبارات لضمان دقتها، قررت إدارة الغذاء والدواء إصدار توصيات لمبتكري التطبيقات، والموزعين. وتتضمن الإرشادات التحذير من أن الإدارة سوف تفرض المتطلبات القانونية على التطبيقات التي تصلح للعمل كأجهزة طبية فقط، وهي التطبيقات التي تستخدم في تشخيص، وعلاج، والوقاية من الأمراض.
وقال باكول باتيل، المدير المساعد لشؤون الصحة الرقمية في إدارة الغذاء والدواء، إنه ليس من المرجح أن تقبل الهيئة اختبار تطبيق مثل «بلس أوكسيمتر».
مع ذلك يمكن لتقارير الأطباء المستقلين عن الهيئات الحكومية أن تساعد المستهلكين في اختيار تطبيقات مطابقة لمعايير السلامة والدقة، مثل الطبيب التفات حسين، مؤسس ورئيس تحرير موقع «آي ميديكال أبس» iMedicalApps، الذي يستعرض التطبيقات الصحية المتاحة للمستهلك العادي، ويحثّ المستهلكين على قراءة الوصف الكامل للتطبيق قبل شرائه. ويقول حسين إن أفضل خطوة يمكن اتخاذها قبل شراء التطبيق هي مناقشة الطبيب المعالج حول التطبيق الذي قد يساعد في علاجه.
ويضيف حسين قائلا: «ازدادت معرفة الأطباء عن هذا المجال، لذا ستكون التطبيقات أكثر فعالية إذا استخدمها المريض بالتنسيق مع الطبيب المعالج له».

* خدمة «نيويورك تايمز»



لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.