التطبيقات الطبية على الهواتف الذكية.. نتائج غير مدعومة بأدلة موثوقة

أطباء أميركيون يحذرون من عدم دقتها ومخاطرها

التطبيقات الطبية على الهواتف الذكية.. نتائج غير مدعومة بأدلة موثوقة
TT

التطبيقات الطبية على الهواتف الذكية.. نتائج غير مدعومة بأدلة موثوقة

التطبيقات الطبية على الهواتف الذكية.. نتائج غير مدعومة بأدلة موثوقة

يضغط لاعب كمال أجسام على الكاميرا الموجودة في جهاز الـ«آيفون» ليظهر على الشاشة معدل دقات قلبه ومستوى الأوكسجين في الدم، فيما يقف رجل يرتدى بيجاما فوق الميزان ثم ينظر في هاتفه الذكي ليتنهد بعدها بحزن، وهناك عداءة تجري بالقرب من الممشى المطل على البحيرة وتحمل هاتفا ذكيا مثبتا على ذراعها برباط.. هذا هو عالم التطبيقات الصحية المنتشر في الهواتف الذكية.

* هواتف «صحية»
* لقد روجت الإعلانات التلفزيونية لهاتف «آيفون 5» لا باعتباره مجرد هاتف ذكي، بل أداة تساعد الإنسان على الحفاظ على صحته ولياقته. وهذا صحيح فهواتف «آيفون» والهواتف العاملة على أنظمة «أندرويد»، بل وساعات «أبل» التي ظهرت حديثا أيضا، تقدم عددا مهولا من التطبيقات، التي تحفز الإنسان، وتشجعه على تنظيم أمور حياته.
مع ذلك بعض هذه التطبيقات تقوم بوظائف أخرى، حيث تعمل بمثابة أجهزة طبية لقياس ضغط الدم، وعلاج حب الشباب، بل ولاختبار عينات البول. ووسط تزايد هذه التطبيقات بدرجة كبيرة، تتزايد معها تحذيرات الأطباء والمسؤولين الفيدراليين، الذين يقولون إن تلك البرامج، التي تزعم أنها قادرة على تشخيص أو علاج الأمراض، قد تكون غير دقيقة، بل وتشكل خطرا على صحة الإنسان.
ويقول ناثان كورتيز الخبيرة في قانون التكنولوجيا الطبية والتنظيم بكلية الحقوق، جامعة «ساوثرن ميثوديست» بمدينة دالاس: «لا يمكن لتلك التطبيقات أن تكون فعالة في المجال الطبي».
وحذر كورتيز في مقال كتبه في دورية «نيو إنغلاند للطب» في الصيف الماضي من خطر التطبيقات الصحية غير المقننة وغير مضمونة النتائج على صحة الإنسان. ويضيف كورتيز قائلا: «بالإضافة إلى إهدار المال، فإن هذه التطبيقات يمكن أن تسبب أضرارا صحية بالفعل، فإذا كنت تعاني من مرض السكري، وأخطأ تطبيق الهاتف في تحديد مستوى الغلوكوز لديك في الدم، يمكن أن تتناول جرعة أكبر مما تحتاجه بالفعل من الأنسولين وتدخل بعدها في غيبوبة السكري».
هناك أكثر من مائة ألف تطبيق صحي في متجري «آي تيونز» و«غوغل بلاي»، حسب شركة «ريسرتش تو غايدانس» المتخصصة في أبحاث سوق الهواتف الجوالة، التي تقول إنه بحلول عام 2017 سيصل حجم سوق هذه التطبيقات المعروفة باسم «إم هيلث» إلى 26 مليار دولار.
وأوضح كورتيز: «يمكننا القول إن هناك مئات الملايين من مستخدمي تطبيقات (إم هيلث). بالنسبة لبعض المستخدمين فإن التطبيقات، التي تساعد في عمل رسوم بيانية طبية، تعد تطبيقات مفيدة».
ويقوم كيث ويك، وهو فني أنظمة معلومات يعمل في كاليفورنيا ويبلغ من العمر 29 عاما ومصاب بمرض السكري من النوع الأول، بالاعتناء بنفسه باستخدام تطبيق لهاتف بنظام «أندرويد» يساعده في متابعة مستوى السكر في الدم عن طريق إدخال معلومات يتطلبها التطبيق 6 مرات يوميا.
ويضيف كورتيز قائلا: «أستخدم الهاتف طوال اليوم، لذا أجد من السهل أن أتابع (مستوى السكر في الدم) عبر وسيلة رقمية، فذلك أسهل كثيرا من الاحتفاظ بقصاصة ورق، وطيها، وفردها، وإخراجها، وإدخالها من وإلى جيبك طوال اليوم».
بالإضافة لكونها تعمل كدفتر افتراضي، تعمل بعض هذه التطبيقات باستخدام مستشعرات خارجية مثل تطبيق «ألايف كور» لمتابعة نبضات القلب، الذي حصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية، ويأتي مع حقيبة صغيرة مثبت فيها مستشعرات، ليوضع فيها هاتف «آي فون».

* تطبيقات معتمدة
* أفضل التطبيقات الطبية، التي يمكن الاعتماد عليها، تكون نتاج تعاون مشترك بين المبتكرين، والأطباء، والخبراء في مجال القوانين الصحية؛ فتطبيق «هيم موبايل» HemMobile، الذي أنتجته شركة «فايزر» للأدوية بهدف مساعدة مرضى نزف الدم (الهيموفيليا) في متابعة عملية النزف، أشرفت عليه لجنة مراجعة تابعة للشركة مكونة من طبيب، وخبير قانوني، وخبير في القواعد المنظمة للمنتجات الصحية. وكانت جميع تفاصيل مشروع ابتكار هذا التطبيق، بدءا بطريقة العرض ووصولا إلى المصطلحات الطبية، تتطلب موافقة تلك اللجنة.
وقال بارثولميو تورتيلا، المدير المشرف على الفريق الخاص بتطبيق الهيموفيليا في «فايزر»: «إنه نظام عالي الكفاءة، حيث نتفق على تنفيذ فكرة معينة، ثم نشرع في تنفيذها، وبعد التنفيذ نضعها محل الاختبار ثم يتم الموافقة عليها».
مع ذلك يتم تقديم تطبيقات صحية، لم يتم اختبارها، في بعض الأحيان كبديل للمعدات الطبية المعتمدة، مما أثار انتقادات مسؤولين حكوميين لتلك التطبيقات في بعض الأحيان.
وفرضت اللجنة الفيدرالية للتجارة عام 2011 غرامة على أحد مبتكري التطبيقات لزعمه أن برنامجه المسمى بـ«أكني أب» فعال في علاج حب الشباب عن طريق الضوء المنبعث من شاشة هاتف «آيفون». وقام نحو 12 ألف شخص بتنزيل التطبيق، وذلك قبل حذفه من على متجر «آي تيونز» الإلكتروني.
كذلك أرسلت إدارة الغذاء والدواء، التي تشرف أيضا على تقنين الأجهزة الطبية، خلال العام الماضي رسالة إلى شركة «بيوسنس تكنولوجيز» تستعلم فيها عن تطبيق «يوتشيك»، الذي صممته الشركة لمساعدة المستخدم على قراءة شرائط تحليل البول باستخدام كاميرا هاتف «آيفون»، وتم استبعاد التطبيق من على متجر «آي تيونز»، المخصص للمستخدمين الموجودين في الولايات المتحدة.
قال كورتيز: «يعتمد المرضى على هذه التطبيقات في الوقت الذي يتعين عليهم الاستعانة بطبيب متخصص، وهو ما قد يشكل خطرا على حياتهم».

* تطبيقات ملتبسة
* تشير بعض التطبيقات الصحية بحروف صغيرة إلى أن الغرض وراء التطبيق هو التسلية فقط، ولكن هذه الحروف الصغيرة لا تفلح في إثناء بعض المستخدمين.
دفع جيمس تومسون، البالغ من العمر 68 عاما، ويعمل خبير في عمل الاجتماع في فارمنغتون بولاية كونيتيكيت، في الصيف الماضي أربعة دولارات للحصول على تطبيق «بلس أوكسيمتر هارت أند أوكسجين مونيتور»، الذي صممته «ديجي دوك تكنولوجيز»، وكان تومسون، الذي يعاني من مرض انتفاخ الرئة، يأمل في أن يستخدم هاتف «آيفون» الخاص به لمتابعة معدل نبضات قلبه، ومستوى الأكسجين في الدم.
قال تومسون: «لا أفهم الطريقة العلمية التي تعمل بها هذه التطبيقات. في العادة أنا إنسان فضولي، ولكن عندما رأيت هذا التطبيق، أقنعت نفسي أنه يعمل عن طريق الضوء المنبعث من الهاتف، وأنه يكتشف معدل امتصاص الأكسجين». ويقول وصف تطبيق «بلس أوكسيمتر» على متجر «آي تيونز»، إنه ليس للاستخدام للأغراض الطبية. ويقول الدكتور دامون ناسي، رئيس شركة «ديجي دوك»: «نقول دوما إنه يتعين على الناس ألا يستخدموا التطبيق لمتابعة الأمراض التي يعانون منها. لا أريدهم أن يعتمدوا على التطبيق بأي بشكل من الأشكال».
ورغم أن تومسون كان مدركا للتحذير المنشور على صفحة التطبيق، تملكته الرغبة في تجربة التطبيق، حيث أضاف قائلا: «لقد كانت مجرد تجربة فلم يكن لدي شيء أخسره». مع ذلك بعدما اكتشف الفارق الكبير بين قراءة التطبيق، وقراءة الجهاز المعتمد من إدارة الغذاء والدواء، قرر التوقف عن استخدام التطبيق وقال: «لا أعتقد أنني سأعتمد على هذا التطبيق مرة أخرى. عندما رأيت سعره الرخيص قلت لنفسي: هذا أمر جيد، لمَ لا أجربه؟!».
وفي محاولة منها لمواجهة انتشار التطبيقات الصحية على الهواتف الجوالة، التي لم تخضع لأي اختبارات لضمان دقتها، قررت إدارة الغذاء والدواء إصدار توصيات لمبتكري التطبيقات، والموزعين. وتتضمن الإرشادات التحذير من أن الإدارة سوف تفرض المتطلبات القانونية على التطبيقات التي تصلح للعمل كأجهزة طبية فقط، وهي التطبيقات التي تستخدم في تشخيص، وعلاج، والوقاية من الأمراض.
وقال باكول باتيل، المدير المساعد لشؤون الصحة الرقمية في إدارة الغذاء والدواء، إنه ليس من المرجح أن تقبل الهيئة اختبار تطبيق مثل «بلس أوكسيمتر».
مع ذلك يمكن لتقارير الأطباء المستقلين عن الهيئات الحكومية أن تساعد المستهلكين في اختيار تطبيقات مطابقة لمعايير السلامة والدقة، مثل الطبيب التفات حسين، مؤسس ورئيس تحرير موقع «آي ميديكال أبس» iMedicalApps، الذي يستعرض التطبيقات الصحية المتاحة للمستهلك العادي، ويحثّ المستهلكين على قراءة الوصف الكامل للتطبيق قبل شرائه. ويقول حسين إن أفضل خطوة يمكن اتخاذها قبل شراء التطبيق هي مناقشة الطبيب المعالج حول التطبيق الذي قد يساعد في علاجه.
ويضيف حسين قائلا: «ازدادت معرفة الأطباء عن هذا المجال، لذا ستكون التطبيقات أكثر فعالية إذا استخدمها المريض بالتنسيق مع الطبيب المعالج له».

* خدمة «نيويورك تايمز»



تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية
TT

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

سواء رغبنا في ذلك أم لا، فقد تسلل الذكاء الاصطناعي إلى أماكن العمل، ويتعرض كل الموظفين لضغوط لاستخدامه. ومع ذلك، ووفقاً لدراسة جديدة، قد يكون من الأفضل تجنب طلب المساعدة من الذكاء الاصطناعي في إدارة شؤونك العاطفية، كما كتبت سارة بريغل(*).

ذكاء اصطناعي «متملق»

نُشرت الدراسة المكونة من جزأين، بعنوان «الذكاء الاصطناعي المتملق يقلل من النيّات الاجتماعية الإيجابية ويعزز الاعتماد»، أخيراً في مجلة «ساينس». وأظهرت التجربة أن استخدام روبوتات الدردشة للحصول على نصائح شخصية والتعامل مع المواقف العاطفية قد يكون ضاراً، لأن النظام مصمَّم ليقول للناس ما يريدون سماعه. كما قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم، والاعتذار.

عدم تحمل المسؤولية... وعدم الاعتذار

قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم والاعتذار.

استطلاعات ودراسات

وأظهر استطلاع رأي أجرته شركة «Cognitive FX» أخيراً أن نحو 38 في المائة من الأميركيين يستخدمون روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أسبوعياً للحصول على الدعم النفسي، فيما وجدت دراسة حديثة أجراها مركز «بيو» للأبحاث أن 12 في المائة من المراهقين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة. ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «كايزر فاميلي فاونديشن (KFF)»، فإن عدم وجود تأمين صحي يُعدّ أيضاً عاملاً مُحفزاً للاستخدام، حيث إن البالغين غير المُؤمّنين صحياً ​​أكثر استخداماً له من أولئك المُؤمّنين ​​(30 في المائة مقابل 14 في المائة).

رصد انتشار «التملّق»

في الدراسة الأخيرة، بحث الباحثون مدى انتشار التملق -الذي يُعرَّف بأنه «ميل نماذج اللغة الكبيرة القائمة على الذكاء الاصطناعي إلى الموافقة المفرطة على آراء المستخدمين، أو التملق لهم، أو إضفاء الشرعية عليهم»- عبر 11 نموذجاً رائداً للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك «جي بي تي 40» و«كلود» و«جيميناي».

أجرى الباحثون ثلاث تجارب شملت 2405 مشاركين.

* في الدراسة الأولى، زوّد الباحثون نظام الذكاء الاصطناعي بسلسلة من الأسئلة لطلب المشورة، ومنشورات من منتدى «هل أنا المخطئ AITA؟» على موقع «ريديت»، وسلسلة من الأوصاف حول الرغبة في إيذاء الآخرين أو النفس، ثم قارنوا ردود الذكاء الاصطناعي، بالأحكام البشرية. وبشكل عام، كانت النماذج أكثر ترجيحاً بنسبة 49 في المائة من الإنسان لتأييد تصرفات المستخدم، حتى لو كانت ضارة أو غير قانونية.

* في الدراسة الثانية، تخيّل المشاركون أنهم في سيناريو موصوف في منشور «AITA»، حيث حُكم على تصرفاتهم بأنها خاطئة. ثم قرأوا رداً كتبه إنسان يقول إنهم مخطئون، أو رداً كتبه الذكاء الاصطناعي يقول إنهم على صواب.

* في الدراسة الثالثة، ناقش المشاركون صراعاً حقيقياً في حياتهم مع ذكاء اصطناعي أو إنسان.

ثقة أكثر بردود الذكاء الاصطناعي

المثير للقلق أن المشاركين وثقوا وفضّلوا ردود الذكاء الاصطناعي المتملقة التي أكدت تصرفاتهم. كما ازداد اقتناعهم بصحة تصرفاتهم الأصلية، مؤكدين بذلك معتقداتهم السابقة بدلاً من أن يتحدى برنامج الدردشة الآلي تفكيرهم في الموقف بشكل مختلف. وأشارت الدراسة إلى أن تأكيد معتقداتهم جعلهم أقل ميلاً للاعتذار بعد التحدث مع برنامج الدردشة الآلي.

وأوضحت الدراسة: «في تجاربنا على البشر، فإن تفاعلاً واحداً فقط مع ذكاء اصطناعي متملق، قلَّل من رغبة المشاركين في تحمل المسؤولية وإصلاح النزاعات الشخصية، فيما زاد من قناعتهم بصواب موقفهم».

مدى الضرر

مع أن تلقي النصائح من الذكاء الاصطناعي ليس بالأمر الجديد، إلا أن هذه الدراسة تُظهر مدى ضرره. فبينما تُحفز خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التفاعل من خلال إثارة غضب المستخدمين، يُضعف الذكاء الاصطناعي قدرتنا على الاعتذار وتحمل مسؤولية إيذاء الآخرين. وكما أشار مؤلفو الدراسة، فإن هذا يعني أن «الخاصية التي تُسبب الضرر هي نفسها التي تُحفز التفاعل».

* مجلة «فاست كومباني».


كيف تحوّل بيضةَ دجاجة مصنعاً للأدوية؟

عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج
عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج
TT

كيف تحوّل بيضةَ دجاجة مصنعاً للأدوية؟

عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج
عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج

توجد أمام الباحثة إستر أولواغبينغا، بيضةٌ على حامل ثلاثي أزرق، وقد قُطعت نافذة مثلثة صغيرة في قشرتها. وعندما وضعت أولواغبينغا الفتحة تحت المجهر، كشفت عن جنين الدجاجة في الداخل.

أجنة الدجاج المختبرية

في يومه الثالث، تطوّر الجنين إلى سحابة ضبابية، بقلب نابض بحجم رأس الدبوس.

وتتدفق الخلايا عبر شرايين قرمزية اللون بشكل متقطع، كحركة المرور في ساعة الذروة.

إستر أولواغبينغا Esther Oluwagbenga، عالمة في شركة ناشئة للتكنولوجيا الحيوية تُدعى «نيون بايو» (Neion Bio)، وهي واحدة من العلماء القلائل في العالم الذين يمتلكون مهارة الحقن في شريان جنين الدجاجة. تقول أولواغبينغا: «عندما رأيت أحدهم يفعل ذلك لأول مرة، اندهشت. أردت حقاً أن أتعلم كيف أفعل ذلك. لكن الأمر كان أكثر تعقيداً مما كنت أتصور. أتدرب (على ذلك) مرتين على الأقل أسبوعياً».

حقنة في شريان الجنين

لإثبات هذه العملية الاستثنائية، تأخذ أنبوباً بلاستيكياً طويلاً من خطاف رف وتضع أحد طرفيه في فمها. أما الطرف الآخر، فيحتوي على إبرة محملة بصبغة زرقاء.

وبينما تنظر الباحثة إلى الجنين على شاشة الكمبيوتر، تُدخل الإبرة عبر نافذة قشرة البيضة، إلى داخل الجنين، ثم إلى شريان. وبنفخة خفيفة، تدفع الصبغة إلى الوعاء الدموي. وما أن ينبض لب الكتكوت، حتى يتحول جهازه الدوري لوحةً زرقاء.

الباحثة فستر أولواغبينغا

بيض الدجاج مصانع للأدوية

تُوظّف أولواغبينغا هذه المهارة الجديدة في مهمة شركة «نيون بايو»، وهي: تحويل بيض الدجاج مصانعَ للأدوية. فهي وزملاؤها يُجرون هندسة وراثية على الطيور لإنتاج مركبات طبية.

محاولات علمية دؤوبة

حاول العلماء على مدى ثلاثة عقود إنتاج الأدوية في البيض، ولكن النتائج كانت ضئيلة حتى الآن. ولم تُجز إدارة الغذاء والدواء الأميركية سوى دواء واحد مُنتَج من الدجاج للاستخدام في الولايات المتحدة، هو دواء «كانوما» Kanuma لعلاج اضطراب كبدي نادر، حصل على الموافقة في عام 2016، بتكلفة سنوية للمريض الواحد تبلغ 310000 دولار.

3 مركبات طبية

ولكن منذ ذلك الحين، سهّلت سلسلة من الاكتشافات عملية هندسة الدجاج. يقول كين-إيتشي نيشيجيما، عالم الأحياء بجامعة ناغويا في اليابان: «لقد تحسّن الوضع بشكل كبير».

وخرجت شركة «نيون بايو»، التي تأسست عام 2024، من مرحلة التأسيس السري يوم الخميس لتعلن عن اتفاقية لتطوير ثلاثة مركبات مع شركة أدوية كبرى. ولم تُحدّد الشركة في إعلانها الأدوية التي ستعمل عليها.

تكلفة علاج متدنية

وقال سام ليفين، أحد مؤسسي الشركة، إن استخدام البيض في صناعة الأدوية قد يُخفّض تكلفتها إلى عُشر أو حتى جزء من مائة من تكلفتها الحالية.

وأضاف: «إنها سلسلة إمداد طبي تعتمد على الحبوب الزراعية والماء».

حيوانات لإنتاج الأدوية

أما العديد من الأدوية الأكثر مبيعاً في العالم، مثل دواء السرطان كيترودا ودواء التهاب المفاصل هيوميرا، فهي عبارة عن بروتينات كبيرة ومعقدة، ولا يستطيع العلماء تصنيعها بالتفاعلات الكيميائية؛ لذا يقومون بهندسة خلايا من مبيض الهامستر الصيني لإنتاج هذه الأدوية.

الهامستر الصيني

كان اختيار مبيض الهامستر الصيني محض صدفة تاريخية. ففي أوائل القرن العشرين، رغب علماء في جامعات بكين في الحصول على حيوانات للدراسة. ولعدم تمكنهم من الحصول على فئران المختبر من الغرب، قاموا باصطياد الهامستر من الحقول المحيطة بالمدينة.

وفي نهاية المطاف، أثبت الهامستر فائدته الكبيرة لدرجة أن العلماء الأميركيين تمكنوا من الحصول عليه. وفي خمسينات القرن الماضي، اكتشف عالم الوراثة ثيودور باك أن خلايا مبيضه تقوم بأمر نادر الحدوث بين خلايا الثدييات (اللبائن): سهولة إنمائها مختبرياً.

واستخدم العلماء خلايا المبيض لدراسة الحمض النووي، وفي ثمانينات القرن الماضي، اكتشفوا كيفية هندستها بإضافة جينات أخرى، ثم استخلاص البروتينات المُصنّعة من تلك الجينات.

واليوم، تُزرع خلايا الهامستر الصيني في خزانات فولاذية ضخمة، لإنتاج دواء كيترودا والعديد من الأدوية الأخرى. لكن إنتاج الأدوية من هذه الخلايا ليس بالأمر الهين.

للحفاظ على نمو الخلايا في خزاناتها؛ يتعين على الفنيين إضافة مزيج معقد من المكونات والتخلص من النفايات الناتجة. قد تصل تكلفة تصنيع غرام واحد من الدواء إلى مئات أو آلاف الدولارات. وحتى المرافق اللازمة لزراعة الخلايا باهظة الثمن. في العام الماضي، بدأت شركة «ميرك» في بناء مصنع في ولاية ديلاوير لإنتاج دواء «كيترودا»، وستنفق الشركة مليار دولار على بنائه.

تهيئة حقنة الشريان الجنيني

التوجه إلى بيض الدجاج

في تسعينات القرن الماضي، تساءل بعض العلماء عما إذا كان بيض الدجاج قد يوفر طريقة أفضل لإنتاج بعض هذه الأدوية. على عكس خلايا مبيض الهامستر الصيني، يُعدّ بيض الدجاج مصدراً غنياً بالبروتين؛ إذ يحتوي بياض البيضة الواحدة على 6 غرامات من البروتين. يقول جاي يونغ هان، عالم الأحياء في جامعة سيول الوطنية: «يمكن للبيض أن يعمل كمفاعلات حيوية مكتفية ذاتياً».

لكن تحويل البيض مصانعَ للأدوية لم يكن بالأمر السهل؛ إذ كانت التقنية معقدة للغاية.

وقال مايكل ماكغرو، عالم الأحياء في معهد روزلين بإدنبره، اسكوتلندا، والعضو في المجلس الاستشاري لشركة «نيون بايو»: «كانت التقنية بالغة الصعوبة». في معظم الأحيان، فشلت هذه التقنية في هندسة الحمض النووي للدجاج بشكل صحيح؛ ما أدى إلى سنوات من التجربة والخطأ لإنتاج طيور قادرة على إنتاج دواء بكفاءة.

وأسهم ماكغرو في تطوير أساليب أفضل. فقد استغل حقيقة أن الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية والبويضات تدور في مجرى الدم في المراحل المبكرة من نمو جنين الطائر، ولا تهاجر إلى أعضائه التناسلية إلا لاحقاً. وقد ابتكر ماكغرو طرقاً لاستخلاص هذه الخلايا الجرثومية الأولية من أجنة الدجاج، ثم تنميتها بالملايين.

دجاج معدل وراثياً

سمح هذا التقدم للعلماء بإجراء تعديلات دقيقة على الحمض النووي للخلايا الجرثومية الأولية. في السنوات الأخيرة، أسس عدد من العلماء شركات للاستفادة من هذه التقنيات الجديدة، من بينها شركة «أفينوجين»، التي أسسها هان، وشركة «نيون بايو».

أخيراً... فقست الكتاكيت الأولى

لإنتاج أول قطيع من الدجاج المعدل وراثياً، أدخل فريق «نيون بايو»، جينات في الخلايا الجرثومية الأولية لإنتاج دواء في بياض البيض. وحقنت أولواغبينغا وزملاؤها الخلايا المعدلة في مجرى دم أجنة الدجاج. ثم أغلقوا قشرة البيض بإحكام وانتظروا حتى تنقر الكتاكيت طريقها للخروج.

فقست الكتاكيت الأولى في سبتمبر (أيلول) الماضي. والآن، يمتلك فريق «نيون» قطيعاً من 50 ديكاً من سلالة ليغورن المعدلة وراثياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»


هل يكشف صوتك مرضك؟

حين يصبح الصوت مرآة للصحة
حين يصبح الصوت مرآة للصحة
TT

هل يكشف صوتك مرضك؟

حين يصبح الصوت مرآة للصحة
حين يصبح الصوت مرآة للصحة

قد لا يكون الصوت مجرد وسيلة للتعبير، بل نافذة بيولوجية دقيقة تحمل إشارات خفية عن حالة الإنسان الصحية. فاهتزاز الأحبال الصوتية، وتغيّر الإيقاع، وحتى الترددات غير المسموعة للأذن البشرية قد تعكس تغيرات فسيولوجية معقدة داخل الجسم، لا يلاحظها الإنسان، لكنها تترك أثراً يمكن رصده، وتحليله.

وفي هذا السياق، بدأ الذكاء الاصطناعي يقترب من الصوت بوصفه «بياناً طبياً» جديداً، حيث تعمل الخوارزميات على تحليل نبرة الكلام بدقة غير مسبوقة، بحثاً عن أنماط دقيقة قد ترتبط بأمراض عصبية، أو تنفسية، أو حتى نفسية، في تحول يفتح باباً مختلفاً تماماً لفهم العلاقة بين الصوت والصحة.

حين يصبح الصوت بصمة صحية للجسد

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في أحدث ما توصلت إليه الأبحاث، أظهرت دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine)، قادها الباحث تشن زيي (Ziyi Chen) من كلية الطب بجامعة هارفارد (Harvard Medical School)، أن تحليل الكلام العفوي يمكن أن يتحول إلى مؤشر رقمي دقيق لتقييم القدرات الإدراكية. وقد نجحت الخوارزميات في ربط خصائص الصوت بوظائف الدماغ، مع قدرة ملحوظة على اكتشاف التدهور المعرفي في مراحله المبكرة.

ويأتي هذا التطور امتداداً لنتائج سابقة، إذ أشارت دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) التابعة لمجموعة «نتشر» (Nature)، أعدّها باحثون من جامعة ستانفورد (Stanford University) الأميركية، إلى أن تحليل تسجيلات صوتية قصيرة يمكن أن يكشف مؤشرات على اضطرابات عصبية ونفسية، اعتماداً على أنماط دقيقة في الترددات الصوتية، وسرعة الكلام، والتغيرات في النبرة.

وتكشف هذه النتائج مجتمعة عن تحول نوعي في فهم الصوت البشري؛ إذ لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح أداة تحليل يمكن أن تعكس الحالة العصبية، والوظائف الإدراكية للإنسان.

كيف يمكن للصوت أن يكشف المرض؟

يرتبط الصوت البشري ارتباطاً وثيقاً بالجهاز العصبي الذي يتحكم بدقة في حركة عضلات الحنجرة، ونمط التنفس، وتنسيق اللسان والشفتين أثناء الكلام. وعندما تتأثر هذه الأنظمة نتيجة اضطراب عصبي أو مرض عضوي، تظهر تغيرات دقيقة في خصائص الصوت، غالباً ما تكون خفية، ولا يمكن ملاحظتها بسهولة بالسمع البشري.

غير أن ما لا تلتقطه الأذن تستطيع الخوارزميات تحليله. إذ تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بفحص آلاف السمات الصوتية داخل تسجيل واحد، من ترددات دقيقة إلى اختلافات طفيفة في الإيقاع والتنفس، لتحديد أنماط قد تعكس تغيرات بيولوجية داخل الجسم.

وبذلك يتحول الصوت من مجرد وسيلة للتواصل إلى إشارة فسيولوجية قابلة للتحليل، وتحمل في طياتها معلومات قد تساعد على الكشف المبكر عن اضطرابات صحية قبل أن تظهر أعراضها بوضوح.

حين يتحول الهاتف إلى طبيب صامت

هل يصبح الهاتف أداة تشخيص؟

مع التقدم المتسارع في تقنيات تحليل الصوت، لم يعد هذا التصور مجرد احتمال نظري، بل يقترب تدريجياً من التطبيق العملي. فقد يتحول الهاتف الذكي إلى نقطة مراقبة صحية أولية قادرة على التقاط إشارات صوتية دقيقة خلال المكالمات، أو أثناء قراءة نص بسيط.

وفي هذا السياق، يمكن لتطبيق صحي مدعوم بالذكاء الاصطناعي أن يحلل صوت المستخدم في الخلفية، ويرصد تغيرات طفيفة في النبرة أو الإيقاع قد لا يلاحظها الشخص نفسه، ثم يرسل تنبيهاً مبكراً بوجود مؤشرات تستدعي المتابعة الطبية.

ولا تكمن أهمية هذا النموذج في دقته التقنية فحسب، بل في قدرته على نقل التشخيص المبكر من العيادة إلى الحياة اليومية، بحيث يصبح الاكتشاف جزءاً من الروتين، ولا يكون حدثاً متأخراً بعد ظهور الأعراض.

لكن هل يمكن الوثوق بالصوت؟

رغم هذا التقدم، يطرح استخدام الصوت كأداة تشخيص تحديات مهمة. فالصوت يتأثر بعوامل متعددة لا ترتبط بالمرض وحده، مثل الحالة النفسية، والبيئة المحيطة، وحتى ثقافة الكلام وطبيعته لدى كل فرد. كما أن الاعتماد المفرط على التحليل الصوتي قد يحمل خطر تفسير الإشارات خارج سياقها السريري.

وهنا لا يكمن التحدي في دقة الخوارزمية فقط، بل في قدرتها على فهم الإنسان في تعقيده الكامل، وهو ما يظل حتى اليوم خارج نطاق أي نموذج حسابي.

ماذا يعني ذلك للطب؟

رغم أن هذه الأبحاث لا تزال في مراحلها المبكرة، فإنها تشير بوضوح إلى اتجاه جديد في الطب يقوم على تحليل الإشارات الحيوية التي ينتجها الجسم بشكل يومي دون تدخل مباشر، في انتقال تدريجي من الفحوصات المتقطعة إلى المراقبة المستمرة.

وفي هذا الإطار قد لا يبقى التشخيص معتمداً فقط على اختبارات تُجرى داخل المختبرات، بل يمتد ليشمل بيانات تُجمع من حياة الإنسان اليومية، مثل صوته، وحركته، ونمط تنفسه، ضمن منظومة تحليل ذكية تعمل في الخلفية.

وقد يأتي وقت يصبح فيه الصوت أحد المؤشرات الحيوية المعتمدة للصحة، إلى جانب تحاليل الدم، والفحوصات التقليدية، وليس بديلاً عنها، بل يكون مكملاً لها، ويضيف بعداً جديداً لفهم الإنسان في مراحله المبكرة.

لكن السؤال الأعمق ليس ما إذا كان الصوت يستطيع كشف المرض...

بل ما إذا كنا مستعدين للإصغاء لما يقوله الجسد قبل أن يصرخ بالألم.