التطبيقات الطبية على الهواتف الذكية.. نتائج غير مدعومة بأدلة موثوقة

أطباء أميركيون يحذرون من عدم دقتها ومخاطرها

التطبيقات الطبية على الهواتف الذكية.. نتائج غير مدعومة بأدلة موثوقة
TT

التطبيقات الطبية على الهواتف الذكية.. نتائج غير مدعومة بأدلة موثوقة

التطبيقات الطبية على الهواتف الذكية.. نتائج غير مدعومة بأدلة موثوقة

يضغط لاعب كمال أجسام على الكاميرا الموجودة في جهاز الـ«آيفون» ليظهر على الشاشة معدل دقات قلبه ومستوى الأوكسجين في الدم، فيما يقف رجل يرتدى بيجاما فوق الميزان ثم ينظر في هاتفه الذكي ليتنهد بعدها بحزن، وهناك عداءة تجري بالقرب من الممشى المطل على البحيرة وتحمل هاتفا ذكيا مثبتا على ذراعها برباط.. هذا هو عالم التطبيقات الصحية المنتشر في الهواتف الذكية.

* هواتف «صحية»
* لقد روجت الإعلانات التلفزيونية لهاتف «آيفون 5» لا باعتباره مجرد هاتف ذكي، بل أداة تساعد الإنسان على الحفاظ على صحته ولياقته. وهذا صحيح فهواتف «آيفون» والهواتف العاملة على أنظمة «أندرويد»، بل وساعات «أبل» التي ظهرت حديثا أيضا، تقدم عددا مهولا من التطبيقات، التي تحفز الإنسان، وتشجعه على تنظيم أمور حياته.
مع ذلك بعض هذه التطبيقات تقوم بوظائف أخرى، حيث تعمل بمثابة أجهزة طبية لقياس ضغط الدم، وعلاج حب الشباب، بل ولاختبار عينات البول. ووسط تزايد هذه التطبيقات بدرجة كبيرة، تتزايد معها تحذيرات الأطباء والمسؤولين الفيدراليين، الذين يقولون إن تلك البرامج، التي تزعم أنها قادرة على تشخيص أو علاج الأمراض، قد تكون غير دقيقة، بل وتشكل خطرا على صحة الإنسان.
ويقول ناثان كورتيز الخبيرة في قانون التكنولوجيا الطبية والتنظيم بكلية الحقوق، جامعة «ساوثرن ميثوديست» بمدينة دالاس: «لا يمكن لتلك التطبيقات أن تكون فعالة في المجال الطبي».
وحذر كورتيز في مقال كتبه في دورية «نيو إنغلاند للطب» في الصيف الماضي من خطر التطبيقات الصحية غير المقننة وغير مضمونة النتائج على صحة الإنسان. ويضيف كورتيز قائلا: «بالإضافة إلى إهدار المال، فإن هذه التطبيقات يمكن أن تسبب أضرارا صحية بالفعل، فإذا كنت تعاني من مرض السكري، وأخطأ تطبيق الهاتف في تحديد مستوى الغلوكوز لديك في الدم، يمكن أن تتناول جرعة أكبر مما تحتاجه بالفعل من الأنسولين وتدخل بعدها في غيبوبة السكري».
هناك أكثر من مائة ألف تطبيق صحي في متجري «آي تيونز» و«غوغل بلاي»، حسب شركة «ريسرتش تو غايدانس» المتخصصة في أبحاث سوق الهواتف الجوالة، التي تقول إنه بحلول عام 2017 سيصل حجم سوق هذه التطبيقات المعروفة باسم «إم هيلث» إلى 26 مليار دولار.
وأوضح كورتيز: «يمكننا القول إن هناك مئات الملايين من مستخدمي تطبيقات (إم هيلث). بالنسبة لبعض المستخدمين فإن التطبيقات، التي تساعد في عمل رسوم بيانية طبية، تعد تطبيقات مفيدة».
ويقوم كيث ويك، وهو فني أنظمة معلومات يعمل في كاليفورنيا ويبلغ من العمر 29 عاما ومصاب بمرض السكري من النوع الأول، بالاعتناء بنفسه باستخدام تطبيق لهاتف بنظام «أندرويد» يساعده في متابعة مستوى السكر في الدم عن طريق إدخال معلومات يتطلبها التطبيق 6 مرات يوميا.
ويضيف كورتيز قائلا: «أستخدم الهاتف طوال اليوم، لذا أجد من السهل أن أتابع (مستوى السكر في الدم) عبر وسيلة رقمية، فذلك أسهل كثيرا من الاحتفاظ بقصاصة ورق، وطيها، وفردها، وإخراجها، وإدخالها من وإلى جيبك طوال اليوم».
بالإضافة لكونها تعمل كدفتر افتراضي، تعمل بعض هذه التطبيقات باستخدام مستشعرات خارجية مثل تطبيق «ألايف كور» لمتابعة نبضات القلب، الذي حصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية، ويأتي مع حقيبة صغيرة مثبت فيها مستشعرات، ليوضع فيها هاتف «آي فون».

* تطبيقات معتمدة
* أفضل التطبيقات الطبية، التي يمكن الاعتماد عليها، تكون نتاج تعاون مشترك بين المبتكرين، والأطباء، والخبراء في مجال القوانين الصحية؛ فتطبيق «هيم موبايل» HemMobile، الذي أنتجته شركة «فايزر» للأدوية بهدف مساعدة مرضى نزف الدم (الهيموفيليا) في متابعة عملية النزف، أشرفت عليه لجنة مراجعة تابعة للشركة مكونة من طبيب، وخبير قانوني، وخبير في القواعد المنظمة للمنتجات الصحية. وكانت جميع تفاصيل مشروع ابتكار هذا التطبيق، بدءا بطريقة العرض ووصولا إلى المصطلحات الطبية، تتطلب موافقة تلك اللجنة.
وقال بارثولميو تورتيلا، المدير المشرف على الفريق الخاص بتطبيق الهيموفيليا في «فايزر»: «إنه نظام عالي الكفاءة، حيث نتفق على تنفيذ فكرة معينة، ثم نشرع في تنفيذها، وبعد التنفيذ نضعها محل الاختبار ثم يتم الموافقة عليها».
مع ذلك يتم تقديم تطبيقات صحية، لم يتم اختبارها، في بعض الأحيان كبديل للمعدات الطبية المعتمدة، مما أثار انتقادات مسؤولين حكوميين لتلك التطبيقات في بعض الأحيان.
وفرضت اللجنة الفيدرالية للتجارة عام 2011 غرامة على أحد مبتكري التطبيقات لزعمه أن برنامجه المسمى بـ«أكني أب» فعال في علاج حب الشباب عن طريق الضوء المنبعث من شاشة هاتف «آيفون». وقام نحو 12 ألف شخص بتنزيل التطبيق، وذلك قبل حذفه من على متجر «آي تيونز» الإلكتروني.
كذلك أرسلت إدارة الغذاء والدواء، التي تشرف أيضا على تقنين الأجهزة الطبية، خلال العام الماضي رسالة إلى شركة «بيوسنس تكنولوجيز» تستعلم فيها عن تطبيق «يوتشيك»، الذي صممته الشركة لمساعدة المستخدم على قراءة شرائط تحليل البول باستخدام كاميرا هاتف «آيفون»، وتم استبعاد التطبيق من على متجر «آي تيونز»، المخصص للمستخدمين الموجودين في الولايات المتحدة.
قال كورتيز: «يعتمد المرضى على هذه التطبيقات في الوقت الذي يتعين عليهم الاستعانة بطبيب متخصص، وهو ما قد يشكل خطرا على حياتهم».

* تطبيقات ملتبسة
* تشير بعض التطبيقات الصحية بحروف صغيرة إلى أن الغرض وراء التطبيق هو التسلية فقط، ولكن هذه الحروف الصغيرة لا تفلح في إثناء بعض المستخدمين.
دفع جيمس تومسون، البالغ من العمر 68 عاما، ويعمل خبير في عمل الاجتماع في فارمنغتون بولاية كونيتيكيت، في الصيف الماضي أربعة دولارات للحصول على تطبيق «بلس أوكسيمتر هارت أند أوكسجين مونيتور»، الذي صممته «ديجي دوك تكنولوجيز»، وكان تومسون، الذي يعاني من مرض انتفاخ الرئة، يأمل في أن يستخدم هاتف «آيفون» الخاص به لمتابعة معدل نبضات قلبه، ومستوى الأكسجين في الدم.
قال تومسون: «لا أفهم الطريقة العلمية التي تعمل بها هذه التطبيقات. في العادة أنا إنسان فضولي، ولكن عندما رأيت هذا التطبيق، أقنعت نفسي أنه يعمل عن طريق الضوء المنبعث من الهاتف، وأنه يكتشف معدل امتصاص الأكسجين». ويقول وصف تطبيق «بلس أوكسيمتر» على متجر «آي تيونز»، إنه ليس للاستخدام للأغراض الطبية. ويقول الدكتور دامون ناسي، رئيس شركة «ديجي دوك»: «نقول دوما إنه يتعين على الناس ألا يستخدموا التطبيق لمتابعة الأمراض التي يعانون منها. لا أريدهم أن يعتمدوا على التطبيق بأي بشكل من الأشكال».
ورغم أن تومسون كان مدركا للتحذير المنشور على صفحة التطبيق، تملكته الرغبة في تجربة التطبيق، حيث أضاف قائلا: «لقد كانت مجرد تجربة فلم يكن لدي شيء أخسره». مع ذلك بعدما اكتشف الفارق الكبير بين قراءة التطبيق، وقراءة الجهاز المعتمد من إدارة الغذاء والدواء، قرر التوقف عن استخدام التطبيق وقال: «لا أعتقد أنني سأعتمد على هذا التطبيق مرة أخرى. عندما رأيت سعره الرخيص قلت لنفسي: هذا أمر جيد، لمَ لا أجربه؟!».
وفي محاولة منها لمواجهة انتشار التطبيقات الصحية على الهواتف الجوالة، التي لم تخضع لأي اختبارات لضمان دقتها، قررت إدارة الغذاء والدواء إصدار توصيات لمبتكري التطبيقات، والموزعين. وتتضمن الإرشادات التحذير من أن الإدارة سوف تفرض المتطلبات القانونية على التطبيقات التي تصلح للعمل كأجهزة طبية فقط، وهي التطبيقات التي تستخدم في تشخيص، وعلاج، والوقاية من الأمراض.
وقال باكول باتيل، المدير المساعد لشؤون الصحة الرقمية في إدارة الغذاء والدواء، إنه ليس من المرجح أن تقبل الهيئة اختبار تطبيق مثل «بلس أوكسيمتر».
مع ذلك يمكن لتقارير الأطباء المستقلين عن الهيئات الحكومية أن تساعد المستهلكين في اختيار تطبيقات مطابقة لمعايير السلامة والدقة، مثل الطبيب التفات حسين، مؤسس ورئيس تحرير موقع «آي ميديكال أبس» iMedicalApps، الذي يستعرض التطبيقات الصحية المتاحة للمستهلك العادي، ويحثّ المستهلكين على قراءة الوصف الكامل للتطبيق قبل شرائه. ويقول حسين إن أفضل خطوة يمكن اتخاذها قبل شراء التطبيق هي مناقشة الطبيب المعالج حول التطبيق الذي قد يساعد في علاجه.
ويضيف حسين قائلا: «ازدادت معرفة الأطباء عن هذا المجال، لذا ستكون التطبيقات أكثر فعالية إذا استخدمها المريض بالتنسيق مع الطبيب المعالج له».

* خدمة «نيويورك تايمز»



اختراق علمي: تحديد السبب الجيني لربع مرضى العصبون الحركي

العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
TT

اختراق علمي: تحديد السبب الجيني لربع مرضى العصبون الحركي

العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير

في تطور علمي بارز كشف باحثون دوليون عن دور أكبر مما كان يُعتقد سابقاً للعوامل الجينية في الإصابة بمرض العصبون الحركي، وهو مرض عصبي خطير يسبب ضعفاً تدريجياً في العضلات، ويؤدي في النهاية إلى الشلل.

وتُعد الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature Genetics» في 31 مارس (آذار) 2026 هي الأكبر من نوعها حتى الآن، حيث أظهرت أن سبباً جينياً يمكن تحديده لدى نحو واحد من كل أربعة مرضى. وهذه النسبة تمثل ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالتقديرات السابقة التي كانت تشير إلى حالة واحدة فقط من كل خمسة.

تعاون دولي واسع

أُجريت الدراسة ضمن مشروع Project MinE، وهو تحالف بحثي عالمي يهدف إلى فهم الأساس الجيني لمرض العصبون الحركي. وشارك في قيادة هذا الجهد باحثون من جامعة كينغز كوليدج لندن King's College London وإشراف مشترك من كيفن كينا ويان فيلدينك من قسم علم الأعصاب الانتقالي مركز الدماغ المركز الطبي الجامعي جامعة أوتريخت الهولندية.

قام الفريق بتحليل الحمض النووي «دي إن إيه» لأكثر من 18 ألف مريض، من بينهم نحو 2000 عينة من بنك الحمض النووي البريطاني الخاص بالمرض UK MND DNA Bank الذي يُدار بالتعاون مع مستشفى كينغز كوليدج التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية.

مرض سريع التقدم

يُعد مرض العصبون الحركي المعروف اختصاراً بـMND motor neuron disease من الأمراض التنكسية التي تصيب الخلايا العصبية المسؤولة عن التحكم في الحركة. ومع مرور الوقت يفقد المرضى القدرة على الحركة، والكلام، والتنفس، وغالباً ما يؤدي المرض إلى الوفاة خلال نحو عامين من التشخيص.

ورغم أن نحو 10 في المائه فقط من الحالات لديها تاريخ عائلي واضح، فإن النتائج الجديدة تشير إلى أن العوامل الجينية قد تكون أكثر انتشاراً مما كان يُعتقد.

اكتشاف طفرات نادرة

ما يميز هذه الدراسة هو حجمها الكبير الذي أتاح للباحثين اكتشاف طفرات جينية نادرة لم تكن معروفة سابقاً. ففي حين ركزت الدراسات السابقة على الطفرات الشائعة، أو الموروثة داخل العائلات، سمح هذا التحليل الواسع برصد تغيرات جينية نادرة عبر مجموعة كبيرة من المرضى.

وتُظهر النتائج أن 25 في المائه من المرضى يحملون تغيرات جينية مرتبطة بالمرض، سواء كان لديهم تاريخ عائلي أم لا، ما يعزز فكرة أن الجينات تلعب دوراً محورياً في تطور الحالة.

تأثير مباشر على العلاج

ولا تقتصر أهمية هذه الاكتشافات على الفهم العلمي فقط، بل تمتد إلى الممارسة الطبية، إذ إن معرفة الطفرات الجينية لدى المريض يمكن أن تساعد الأطباء في تحديد مسار المرض، والتنبؤ بتطوره، بل وقد تؤثر في اختيار العلاج. كما أن بعض هذه الطفرات قد تكون موروثة، ما يجعلها ذات أهمية لأفراد العائلة، إذ يمكن أن تساعد الفحوصات الجينية في الكشف المبكر عن خطر الإصابة.

وفي هذا السياق قال أحد المشاركين في الدراسة الدكتور عمار الجلبي من قسم العلوم العصبية الأساسية والسريرية معهد موريس وول للعلوم العصبية السريرية في كينغز كوليدج إن هذه الدراسة توسّع بشكل كبير فهمنا لأسباب المرض، وتُظهر أن للعوامل الجينية دوراً مهماً لدى نحو ربع المرضى، بغض النظر عن وجود تاريخ عائلي. وهذا يعني أنه ينبغي عرض الفحص الجيني على جميع المرضى.

أمل لعلاجات موجهة

ولا يزال علاج مرض العصبون الحركي حتى الآن محدوداً للغاية. ومع ذلك شهد عام 2022 تطوراً مهماً مع ظهور دواء يستهدف طفرة محددة في جين يُعرف باسم SOD1، وهو ما يُعد أول علاج موجه لسبب جيني محدد للمرض. لكن هذا العلاج لا يفيد سوى نسبة صغيرة من المرضى تُقدّر بنحو 2 في المائه في المملكة المتحدة.

وقد تغيّر الاكتشافات الجديدة هذا الواقع، إذ توفر أهدافاً جينية جديدة يمكن تطوير علاجات موجهة لها في المستقبل على غرار ما حدث مع جين SOD1.

أهمية الفحص الجيني

تعكس هذه النتائج تحولاً متزايداً نحو الطب الشخصي، حيث يتم تصميم العلاج بناءً على الخصائص الجينية لكل مريض. ومع تقدم الأبحاث قد يصبح من الممكن في المستقبل تطوير علاجات تستهدف الطفرات الجينية المحددة لكل حالة، ما يزيد من فعالية العلاج، ويحسن جودة الحياة.

وتشير الدراسة إلى أن توسيع نطاق الفحوصات الجينية قد يكون خطوة ضرورية في إدارة المرض. فمع توفر معلومات أكثر دقة عن الأسباب الجينية يمكن تحسين التشخيص، وتقديم استشارات وراثية للعائلات، وربما الوقاية في بعض الحالات.

وفي ظل غياب علاج شافٍ حتى الآن، تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة نحو فهم أعمق لمرض العصبون الحركي. وبينما لا يزال الطريق طويلاً، فإن تحديد المزيد من الأسباب الجينية يفتح آفاقاً جديدة للأمل، لا للمرضى فحسب، بل أيضاً لعائلاتهم، وللعلماء الساعين إلى تحويل هذه الاكتشافات إلى علاجات تنقذ الأرواح.


هل يملأ الذكاء الاصطناعي فجوة نقص المعلمين عالمياً؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي تبرزحديثا كأداة واعدة لدعم العملية التعليمية (جامعة كاليفورنيا)
تقنيات الذكاء الاصطناعي تبرزحديثا كأداة واعدة لدعم العملية التعليمية (جامعة كاليفورنيا)
TT

هل يملأ الذكاء الاصطناعي فجوة نقص المعلمين عالمياً؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي تبرزحديثا كأداة واعدة لدعم العملية التعليمية (جامعة كاليفورنيا)
تقنيات الذكاء الاصطناعي تبرزحديثا كأداة واعدة لدعم العملية التعليمية (جامعة كاليفورنيا)

تواجه أنظمة التعليم حول العالم تحديات متزايدة، أبرزها نقص المعلمين المؤهلين، وما يترتب على ذلك من تأثير سلبي على جودة التعليم وتوسيع الفجوات التعليمية بين الطلاب في مختلف المناطق.

وتقدّر منظمة «اليونسكو» أن العالم بحاجة إلى 44 مليون معلم إضافي لتحقيق التعليم الابتدائي والثانوي الشامل بحلول عام 2030، بالتزامن مع وجود 244 مليون طفل خارج المدارس عالمياً.

ومع التقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، برزت نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) كأداة واعدة لدعم العملية التعليمية، من خلال تقديم شروحات وإجابات عن أسئلة الطلاب بشكل شخصي وتفاعلي. لكن استخدام هذه النماذج يواجه تحدياً مهماً يتعلق بقدرتها على توليد محتوى مناسب لمستوى فهم كل طالب؛ فعلى الرغم من قدرتها على إنتاج نصوص دقيقة ومفصلة، غالباً ما تتجاوز صعوبة اللغة والمفاهيم مستوى الطلاب في المراحل التعليمية المبكرة، ما يقلل من فاعلية التعلم.

ولتجاوز هذه الفجوة، كشف فريق بحثي أميركي عن إطار عمل مبتكر يعتمد على النماذج اللغوية الكبيرة لتعمل كـ«معلمين افتراضيين» متخصصين لكل مرحلة عمرية. وقد أُطلق على هذا الابتكار اسم «Classroom AI»، ويهدف إلى تقديم محتوى تعليمي دقيق علمياً ومبسط لغوياً، بما يتناسب مع قدرات الأطفال الاستيعابية، بدءاً من المرحلة الابتدائية وصولاً إلى التعليم الجامعي، ونُشرت النتائج في عدد 9 مارس (آذار) 2026 من دورية (npj Artificial Intelligence).

تقييم النصوص

واعتمد الباحثون في تقييم مستوى صعوبة النصوص على دمج سبعة مقاييس علمية معروفة لقياس قابلية القراءة، إضافة إلى مؤشرات أخرى تتعلق بطول الجمل وصعوبة الكلمات والتركيب اللغوي. ومن خلال خوارزمية خاصة، تم دمج نتائج هذه المقاييس لتحديد المستوى الدراسي الأنسب لكل نص تعليمي.

ولإنشاء قاعدة بيانات تدريبية واسعة، استخدم الباحثون تقنيات توليد البيانات عبر نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها، حيث تم إعداد آلاف الأسئلة في 54 موضوعاً تعليمياً ضمن ثمانية مجالات تشمل العلوم، والأدب، والصحة، والذكاء الاصطناعي، والفنون، والموسيقى، والرياضة، والعلوم الاجتماعية. ثم طُلب من النماذج تقديم إجابات متنوعة للسؤال نفسه، بما يتناسب مع مستويات دراسية مختلفة.

وأظهرت نتائج الاختبارات أن النماذج المدربة وفق هذا الإطار الجديد حققت تحسناً كبيراً في قدرتها على إنتاج إجابات تتوافق مع المستوى الدراسي المطلوب؛ إذ ارتفعت نسبة التوافق مع مستوى الطلاب بنحو 35.6 نقطة مئوية مقارنة بالطرق التقليدية التي تعتمد فقط على توجيهات نصية داخل السؤال.

كما شارك 208 مشاركين في تقييمات بشرية للتحقق من مدى ملاءمة الشروحات للمستويات التعليمية المختلفة، وأكدت النتائج أن مخرجات النماذج المدربة تتوافق بدرجة كبيرة مع تقديرات البشر لصعوبة النصوص ومناسبتها للطلاب.

وكشفت التحليلات أيضاً أن النماذج الموجهة لمستويات دراسية مختلفة تطور أساليب تفسير مميزة؛ فالنماذج المخصصة للمرحلة الابتدائية تستخدم كلمات أبسط وجملاً أقصر، بينما تقدم النماذج المخصصة للطلاب الأكبر سناً شروحات أكثر تفصيلاً ومصطلحات علمية متقدمة.

تحديات متزايدة

يقول الدكتور جيندونغ وانغ، أستاذ بكلية ويليام وماري للحوسبة وعلوم البيانات والباحث الرئيسي للدراسة، إن نقص المعلمين يمثل تحدياً عالمياً متزايداً، لا سيما في المناطق الريفية والمحرومة اقتصادياً. ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن محدودية الوصول إلى المعلمين المؤهلين تزيد من الفجوات التعليمية، مشيراً إلى أن أكثر من 70 في المائة من المعلمين في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء غير مؤهلين بالشكل الكافي.

ويشير وانغ إلى أنه مع توفر الإنترنت لنسبة كبيرة من سكان العالم، تمتلك نماذج اللغة الكبيرة القدرة على أن تكون أداة تعليمية داعمة، قادرة على خدمة ملايين الطلاب بغض النظر عن موقعهم الجغرافي.

ويوضح أن إطار الدراسة يقدم حلاً مبتكراً لهذه المشكلة، من خلال تطوير شروحات تعليمية تتوافق مع مستوى الطالب الفعلي في الصف، بدلاً من تقديم إجابات موحدة لجميع الطلاب.

ويؤكد أن هذا الإطار يمكن أن يوسع الوصول إلى التعليم للطلاب في مستويات صفية مختلفة بمجرد توفر الإنترنت، ما يسهم في تعزيز الإنصاف التعليمي عالمياً.

وعن تطبيق هذا الإطار في الصفوف الدراسية الواقعية، يوضح أنه يمكن استخدامه كمكمل للتعليم التقليدي وليس كبديل للمعلمين؛ ففي الصفوف الحقيقية غالباً ما يطرح الطلاب أسئلة مفتوحة تختلف صعوبتها بحسب خلفيتهم وسرعة تعلمهم واهتماماتهم؛ وهكذا يمكن للطلاب استخدام نموذج اللغة الكبير المتوافق مع مستوى صفهم لفهم ما لم يستوعبوه خلال الحصة، أو لاستكشاف الموضوع بعمق أكبر، أو لطرح أسئلة إضافية.

ويشير وانغ إلى أن هذا الأسلوب لا يعالج نقص المعلمين فحسب، بل يوفر أيضاً دعماً فردياً للطلاب؛ ما يزيد من تفاعلهم ويسهم في تخصيص التعليم وفق مستوياتهم المختلفة.

نظام تعليمي متكيّف

وعن التأثير البعيد المدى للتعلم المعتمد على الذكاء الاصطناعي والمخصص للمستويات الصفية، يرى وانغ أنه يمكن أن يحوّل نظام التعليم من نهج «واحد للجميع» إلى نظام أكثر تكيفاً وتخصيصاً، حيث يحصل كل طالب على الشرح المناسب لمستوى فهمه، ما يقلل من عدد الطلاب المتأخرين فقط بسبب صعوبة الشرح أو عدم توافقه مع مستواهم، كما يمكن لهذه النماذج المخصصة أن تجعل التدريس الفردي عالي الجودة أكثر قابلية للتوسع، وهو ما يمثل فرصة كبيرة للوصول إلى تعليم شخصي غالباً ما يكون مكلفاً.

لكن في الوقت نفسه، يحذر وانغ من أن التصميم غير المدروس لهذه الأنظمة قد يقيّد الطلاب ضمن مستويات ثابتة، أو يؤدي إلى تحيزات اجتماعية غير متوقعة، أو يثير مخاوف تتعلق بالخصوصية؛ لذلك يؤكد ضرورة التصميم الدقيق والمراعي للاحتياجات التعليمية لضمان تطبيق واسع وفعال لهذه التكنولوجيا.

ويشير أيضاً إلى أن تبسيط اللغة لا يعني بالضرورة تبسيط المفاهيم نفسها؛ إذ قد تبقى بعض الأفكار المعقدة صعبة الفهم للأطفال بسبب محدودية خبراتهم الحياتية، لذلك يقترح في الدراسات المستقبلية دمج هذه النماذج مع قواعد معرفية أو خرائط مفاهيمية تساعد على شرح الأفكار المعقدة خطوة بخطوة.


حين يرى الدماغ من دون عين... هل يتغيّر معنى الرؤية؟

حين يضيء الدماغ  تبدأ الرؤية من الداخل
حين يضيء الدماغ تبدأ الرؤية من الداخل
TT

حين يرى الدماغ من دون عين... هل يتغيّر معنى الرؤية؟

حين يضيء الدماغ  تبدأ الرؤية من الداخل
حين يضيء الدماغ تبدأ الرؤية من الداخل

قد لا يكون فقدان البصر هو نهاية الرؤية... بل بداية إعادة تعريفها؛ إذ إن ما كان يُعدّ لعقود حقيقة بديهية في الطب - أن الرؤية تبدأ من العين - أصبح اليوم موضع مراجعة.

ولم يعد السؤال كيف نعالج العين، بل ما إذا كانت العين شرطاً للرؤية أصلاً.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل من تطور تقنيات قادرة على التواصل المباشر مع الدماغ... ومع تقدم أبحاث واجهات الدماغ والحاسوب، يقترب الطب من مرحلة قد لا تكون فيها العين أكثر من وسيط، يمكن تجاوزه.

الدماغ بوابة للرؤية

• هل يصبح الدماغ بوابة للرؤية؟ في الطب التقليدي، يُنظر إلى العين بوصفها مركز الرؤية. لكن علوم الأعصاب تُظهر أن دورها يقتصر على نقل الإشارات، بينما تتم عملية الرؤية الحقيقية داخل الدماغ. فالقشرة البصرية لا تكتفي باستقبال الضوء، بل تفسّره وتربطه بالذاكرة والسياق، لتشكّل صورة ذات معنى. ومن هنا يبرز سؤال مختلف: إذا كانت الرؤية تبدأ وتنتهي في الدماغ، فهل يمكن استعادتها دون المرور عبر العين؟

لم يعد هذا السؤال افتراضاً نظرياً، بل أصبح محور أبحاث متقدمة. فالتقنيات الحديثة لم تعد تركز على إصلاح العين، بل على تجاوزها. أو لفكرة تقوم على إرسال إشارات مباشرة إلى القشرة البصرية، بحيث يتعامل الدماغ معها كما لو كانت قادمة من العين.

• مشروع يتجاوز الطب التقليدي. في هذا السياق، يبرز مشروع «نيورالينك» Neuralink بوصفه نموذجاً لاتجاه جديد في الطب لا يكتفي بعلاج الأعضاء، بل يسعى إلى تجاوزها.

وبدلاً من التركيز على إصلاح العين، يعمل المشروع على تطوير شرائح دماغية تُزرع داخل الدماغ، وتستطيع التواصل مباشرة مع الخلايا العصبية. وتقوم هذه المقاربة على إرسال إشارات كهربائية إلى القشرة البصرية، بحيث يتعامل الدماغ معها كما لو كانت قادمة من العين، حتى في حال غيابها أو تعطلها.

وبذلك، لا تعود الرؤية مرتبطة بوظيفة عضو محدد، بل تصبح عملية يمكن - من حيث المبدأ - توليدها داخل الدماغ نفسه.

أبحاث حديثة

• ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟ تشير أبحاث حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر لعلم الأعصاب» Nature Neuroscience إلى إمكانية توليد أنماط بصرية أولية عبر تحفيز القشرة البصرية باستخدام إشارات كهربائية دقيقة. غير أن هذه النتائج لا تزال محدودة؛ إذ تقتصر على إشارات أو أشكال بسيطة، ولا ترقى إلى مستوى الرؤية المكتملة.

وفي هذا السياق، يرى باحثون في كلية لندن الجامعية (University College London) أن التحدي لا يتمثل في إيصال الإشارة فحسب، بل في قدرتها على أن تتحول إلى تجربة بصرية مفهومة، يستطيع الدماغ تفسيرها وربطها بالسياق الطبيعي.

هل سنرى، أم سنستقبل بيانات؟ الرؤية ليست مجرد استقبال صورة، بل عملية تفسير معقدة. لكن عندما تصل الإشارات مباشرة إلى الدماغ، يبرز تساؤل أساسي: هل تبقى هذه العملية رؤية، أم تتحول إلى شكل من أشكال استقبال البيانات؟

• خطر الرؤية المصنّعة. مع تطور هذه التقنيات، لم يعد الهدف مقتصراً على استعادة البصر، بل أصبح من الممكن - نظرياً - التأثير فيما يراه الإنسان. فالإشارات التي تُرسل إلى الدماغ لا تنقل الواقع بشكل مباشر، بل تعيد بناءه داخل الدماغ، وهو ما يفتح المجال أمام تشكيل الإدراك البصري نفسه. وهنا يتحول السؤال من تقني إلى علمي وأخلاقي: هل نعيد ما فُقد... أم نعيد صياغته؟

وتمثل هذه التقنيات أملاً كبيراً لفاقدي البصر، لكنها في الوقت نفسه تضع الطب أمام مسؤولية جديدة. فلم يعد التحدي في إمكانية استعادة الرؤية فقط، بل في ضمان دقتها وحدودها. فالإشارة التي تُرسل إلى الدماغ قد تُعيد الإبصار، لكنها قد تُعيد أيضاً تفسيراً غير دقيق للواقع، وهو ما يجعل الخطأ هنا ليس تقنياً فقط، بل إدراكياً.

ما الذي نراه حقاً؟ قد لا يكون السؤال هو: هل يمكن إعادة البصر؟

بل: ما الذي نعيده فعلاً؟ فهل الرؤية مجرد إشارات كهربائية يمكن نقلها إلى الدماغ؟ أم أنها تجربة إنسانية تتشكل من الذاكرة والسياق والفهم؟

وهنا، لا يصبح التحدي الحقيقي في نقل الصورة، بل في استعادة معناها.

وقد يتمكن الإنسان مستقبلاً من إدراك الصور دون الاعتماد على العين، لكن التحدي الحقيقي لن يكون في تحقيق ذلك تقنياً، بل في فهم ما يعنيه هذا التحول للإنسان نفسه. فحين تتغير طريقة الإدراك، لا يتغير ما نراه فقط، بل تتغير الطريقة التي نفهم بها العالم من حولنا. وهنا، يصبح السؤال الأهم: كيف نحافظ على المعنى الإنساني للرؤية، في زمن يمكن فيه توليدها صناعياً؟