فتح دورة استثنائية للبرلمان اللبناني يشعل المواجهة بين عون وبري

TT

فتح دورة استثنائية للبرلمان اللبناني يشعل المواجهة بين عون وبري

يستعد البرلمان اللبناني للدخول في مواجهة مع رئيس الجمهورية ميشال عون، على خلفية امتناعه عن التوقيع على مرسوم فتح دورة استثنائية يمتد تاريخها حتى بدء العقد العادي الأول في أول ثلاثاء بعد الخامس عشر من مارس (آذار) المقبل، أي في العشرين منه، وهذا ما اضطر النواب للمباشرة بالتوقيع على عريضة نيابية بموافقة الغالبية النيابية المطلقة التي باتت مضمونة، وسيُصار إلى رفعها لعون الذي لن يكون أمامه من خيار سوى الاستجابة لطلب النواب التزاماً منه بحقهم الدستوري بطلب فتح الدورة، خصوصاً أن هناك استحالة في تأمين النصاب لاستمرارية البرلمان في التشريع في العقد العادي لاضطرار المرشحين منهم لخوض الانتخابات النيابية للوجود في دوائرهم الانتخابية.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية بأنه لا مشكلة في تأمين العدد الوافر من النواب للتوقيع على العريضة النيابية التي ستحمل حُكماً توقيعات لأكثر من نصف عدد أعضاء البرلمان زائداً واحداً، أي ما يزيد عددهم على 65 نائباً، ما يقطع الطريق على عون للتذرُّع باحتساب النصاب بـ59 نائباً، يوم أقر البرلمان التعديلات المقترحة على قانون الانتخاب ولم يأخذ المجلس الدستوري بالطعن فيها المقدّم من «تكتل لبنان القوي» برئاسة رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، رغم أن لا صلاحية له بتفسير الدستور التي تبقى من اختصاص البرلمان.
وكشفت المصادر النيابية أن العريضة النيابية المطالبة بفتح دورة استثنائية ليست موجّهة ضد أي كتلة نيابية، وقالت إنها معروضة على جميع أعضاء الهيئة العامة للتوقيع عليها لمنع البرلمان، في حال لم تُفتح الدورة، من الدخول في عطلة قسرية مديدة تنتهي مع انتخاب برلمان جديد في مايو (أيار) المقبل، من أولوياته انتخاب رئيس جمهورية جديد خلفاً للحالي الذي تنتهي ولايته في 31 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
ولفتت إلى أن النواب الأعضاء في الكتل النيابية المنتمية إلى «تيار المستقبل» و«اللقاء الديمقراطي» والثنائي الشيعي («حركة أمل» و«حزب الله») و«تيار المردة» و«كتلة الوسط» برئاسة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي و«الحزب السوري القومي الاجتماعي»، إضافة إلى عدد لا بأس به من النواب المستقلين، سيوقّعون، بدءاً من اليوم، على العريضة النيابية بعد أن تعذّر على ميقاتي إقناع عون بفتح دورة استثنائية، مع انتهاء العقد العادي الثاني للبرلمان فور بدء العام الجديد.
وقالت المصادر نفسها إن سريان المفاعيل الدستورية لفتح الدورة الاستثنائية، بالتوقيع على العريضة النيابية، سيؤدي إلى اختبار مدى جدّية باسيل في طلبه، ومعه عدد من النواب الأعضاء في كتلته النيابية، من رئيس المجلس النيابي بدعوته لعقد جلسة نيابية لمساءلة الحكومة، ورئيسها حول الأسباب الكامنة وراء استمرار تعطيل انعقاد مجلس الوزراء.
ورأت أن امتناعه عن التوقيع على العريضة يعني أن مطالبته تبقى في حدود المزايدات الشعبوية التي لا تعفيه من ابتزاز الحكومة والتهويل على رئيسها لجرّه للدخول في مقايضات، أبرزها الاستجابة لرغبته في إصدار دفعة من التعيينات الإدارية يكون له فيها الحصة الكبرى، لعله يعيد تعويم نفسه ويستعيد حضوره الفاعل في الشارع المسيحي مع دخول لبنان في حمى الانتخابات النيابية.
واعتبرت أن تأمين النصاب النيابي المطلوب لرفع العريضة إلى عون سيقود حتماً إلى إحراجه لأنه لن ينفك عن توجيه الانتقادات للمجلس النيابي، واتهامه بالتقصير في إقرار مشروعات واقتراحات القوانين المتعلقة بالإصلاحات المالية والإدارية كشرط لتأمين الانتقال بلبنان إلى مرحلة التعافي المالي، وقالت إن شكوى عون ليست في محلها، وكان يُفترض فيه التوقيع على رزمة لا بأس بها من المشروعات والقوانين سبق للبرلمان أن أقرّها، لكنها لم ترَ النور لاستمرار احتجازها لدى الدوائر المعنية في بعبدا.
ودعت المصادر عون إلى إعطاء الضوء الأخضر لتنفيذ ما أُقر من مشروعات إصلاحية قبل أن يحمل على البرلمان، مع أن ما يطالب به لا يزال يُدرس في اللجان النيابية التي يرأسها النواب الأعضاء في «تكتل لبنان القوي»، برئاسة باسيل، وقالت إن هناك ضرورة لفتح الدورة لإقرار الإصلاحات التي يطالب بها المجتمع الدولي، ويُدرجها «صندوق النقد الدولي» في دفتر الشروط، الذي أعده كأساس للتفاوض مع الحكومة لوقف الانهيار ومساعدة لبنان لتطبيق خطة التعافي المالي.
وغمزت من قناة باسيل واتهمته بأنه يهوى التعطيل ويُقحم نفسه في اشتباكات لم توفر حليفه «حزب الله» بعد أن أوصل علاقاته مع الآخرين إلى طريق مسدود، وقالت إن تحديد جدول أعمال الدورة الاستثنائية يعود لتفاهم عون مع ميقاتي بالتعاون مع بري، وإن كل ما يتعلق بانفجار مرفأ بيروت ليس مطروحاً للبحث من قريب أو بعيد، لأنه سيؤدي إلى كهربة الأجواء السياسية حتى بين الأطراف التي ستوقّع على العريضة النيابية.
وسألت المصادر النيابية عن صوابية ما يتردد في الوسط السياسي حول أن علاقة عون بميقاتي لم تعد كما كانت عليه في الأسابيع الأولى من تشكيل الحكومة، وقبل أن تتعطّل جلسات مجلس الوزراء التي يسعى ميقاتي للإفراج عنها «سلمياً» بعيداً عن تحدّيه للثنائي الشيعي، لمنع انفجار الحكومة من الداخل، وقالت إن العلاقة بينهما الآن هي أسيرة حالة من البرود أخذت تظهر بعد تلقّي ميقاتي اتصالين من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان، أثناء اجتماعهما في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، من دون أن يحظى عون باتصال من ماكرون كما وعد، واستعاض عنه بإيفاد سفيرة فرنسا لدى لبنان، آن غريو، لوضعه في أجواء محادثاته في السعودية؟
كما سألت ما إذا كان طلب عون من الأمانة العامة لمجلس الوزراء إيداعه المحاضر المتعلقة بالمفاوضات الجارية مع «صندوق النقد»، برئاسة نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي، وبإشراف مباشر من ميقاتي، يأتي في سياق الفتور المسيطر على العلاقة بين الرئاستين الأولى والثالثة التي تربطها علاقة وثيقة ببري بخلاف علاقة الأخير بعون التي تزداد تأزُّماً يوماً بعد يوم؟
لذلك فإن الفريق السياسي المحسوب على عون ووريثه باسيل سيبادر إلى التعامل مع طلب النواب فتح دورة استثنائية على أنها تهدف للنيل من صلاحيات رئيس الجمهورية، والالتفاف عليها، في محاولة مكشوفة لشد العصب المسيحي من جهة، ولإحراج حزب القوات اللبنانية الذي يتموضع حالياً في الموقع السياسي بمنأى عن التجاذبات السياسية الدائرة بين قوى المنظومة الحاكمة.
وعليه، يُفترض أن يحدد حزب «القوات» اليوم موقفه من التوقيع على العريضة النيابية، وإن كانت مصادره تتعامل مع هذه الطروحات على أنها مطلوبة لصرف الأنظار عن التحضير للانتخابات النيابية، وتعتبرها جاءت متأخرة، وربما تندرج في سياق تبادل تسجيل المواقف، من خلال محاولة هذا الطرف في المنظومة السياسية أن يرمي المسؤولية على الطرف الآخر، بهدف تجميل صورته في شارعه، بعد أن أوصل جميع هؤلاء البلد إلى شلل كامل، وبالتالي لا علاقة لنا، كما تقول لـ«الشرق الأوسط»، بمعارك يُراد منها تأزيم الوضع.
ويبقى السؤال: كيف سيكون حال العريضة النيابية في حال امتنع نواب كتلة القوات عن التوقيع عليها؟ وهل يمكن لباسيل استخدامها للتشكيك بميثاقية الجلسة، إذا ما قرر تكتله النيابي الاصطفاف وراء عون الرافض لفتح دورة استثنائية، مع أن المطروح على جدول أعمالها لا يشكل إحراجاً للقوات بمقدار ما أنه يتيح لبري أن يسجّل مجدداً نقطة لمصلحته في مواجهته المفتوحة مع عون، الذي يحاول استدراجه من وقت لآخر إلى ملعبه، من دون أن يتناغم معه، وهذا ما برز بامتناعه عن الرد على حملته التي استهدفت البرلمان ورئيسه.
وهكذا يطل العام الجديد على اللبنانيين بغياب أي بوادر انفراج تدعو للتفاؤل بإخراج لبنان من أزماته المتراكمة، خصوصاً أنه يقف حالياً أمام اشتعال المواجهة بين عون وبري التي تتجاوز الخلاف حول فتح الدورة الاستثنائية إلى انعدام الثقة بينهما، من دون أن ينجح حليفهما «حزب الله» في توفير الشروط التي تسمح لهما بالدخول في مهادنة، ما دامت الكيمياء السياسية بينهما ما زالت مفقودة.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.