فتح دورة استثنائية للبرلمان اللبناني يشعل المواجهة بين عون وبري

TT

فتح دورة استثنائية للبرلمان اللبناني يشعل المواجهة بين عون وبري

يستعد البرلمان اللبناني للدخول في مواجهة مع رئيس الجمهورية ميشال عون، على خلفية امتناعه عن التوقيع على مرسوم فتح دورة استثنائية يمتد تاريخها حتى بدء العقد العادي الأول في أول ثلاثاء بعد الخامس عشر من مارس (آذار) المقبل، أي في العشرين منه، وهذا ما اضطر النواب للمباشرة بالتوقيع على عريضة نيابية بموافقة الغالبية النيابية المطلقة التي باتت مضمونة، وسيُصار إلى رفعها لعون الذي لن يكون أمامه من خيار سوى الاستجابة لطلب النواب التزاماً منه بحقهم الدستوري بطلب فتح الدورة، خصوصاً أن هناك استحالة في تأمين النصاب لاستمرارية البرلمان في التشريع في العقد العادي لاضطرار المرشحين منهم لخوض الانتخابات النيابية للوجود في دوائرهم الانتخابية.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية بأنه لا مشكلة في تأمين العدد الوافر من النواب للتوقيع على العريضة النيابية التي ستحمل حُكماً توقيعات لأكثر من نصف عدد أعضاء البرلمان زائداً واحداً، أي ما يزيد عددهم على 65 نائباً، ما يقطع الطريق على عون للتذرُّع باحتساب النصاب بـ59 نائباً، يوم أقر البرلمان التعديلات المقترحة على قانون الانتخاب ولم يأخذ المجلس الدستوري بالطعن فيها المقدّم من «تكتل لبنان القوي» برئاسة رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، رغم أن لا صلاحية له بتفسير الدستور التي تبقى من اختصاص البرلمان.
وكشفت المصادر النيابية أن العريضة النيابية المطالبة بفتح دورة استثنائية ليست موجّهة ضد أي كتلة نيابية، وقالت إنها معروضة على جميع أعضاء الهيئة العامة للتوقيع عليها لمنع البرلمان، في حال لم تُفتح الدورة، من الدخول في عطلة قسرية مديدة تنتهي مع انتخاب برلمان جديد في مايو (أيار) المقبل، من أولوياته انتخاب رئيس جمهورية جديد خلفاً للحالي الذي تنتهي ولايته في 31 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
ولفتت إلى أن النواب الأعضاء في الكتل النيابية المنتمية إلى «تيار المستقبل» و«اللقاء الديمقراطي» والثنائي الشيعي («حركة أمل» و«حزب الله») و«تيار المردة» و«كتلة الوسط» برئاسة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي و«الحزب السوري القومي الاجتماعي»، إضافة إلى عدد لا بأس به من النواب المستقلين، سيوقّعون، بدءاً من اليوم، على العريضة النيابية بعد أن تعذّر على ميقاتي إقناع عون بفتح دورة استثنائية، مع انتهاء العقد العادي الثاني للبرلمان فور بدء العام الجديد.
وقالت المصادر نفسها إن سريان المفاعيل الدستورية لفتح الدورة الاستثنائية، بالتوقيع على العريضة النيابية، سيؤدي إلى اختبار مدى جدّية باسيل في طلبه، ومعه عدد من النواب الأعضاء في كتلته النيابية، من رئيس المجلس النيابي بدعوته لعقد جلسة نيابية لمساءلة الحكومة، ورئيسها حول الأسباب الكامنة وراء استمرار تعطيل انعقاد مجلس الوزراء.
ورأت أن امتناعه عن التوقيع على العريضة يعني أن مطالبته تبقى في حدود المزايدات الشعبوية التي لا تعفيه من ابتزاز الحكومة والتهويل على رئيسها لجرّه للدخول في مقايضات، أبرزها الاستجابة لرغبته في إصدار دفعة من التعيينات الإدارية يكون له فيها الحصة الكبرى، لعله يعيد تعويم نفسه ويستعيد حضوره الفاعل في الشارع المسيحي مع دخول لبنان في حمى الانتخابات النيابية.
واعتبرت أن تأمين النصاب النيابي المطلوب لرفع العريضة إلى عون سيقود حتماً إلى إحراجه لأنه لن ينفك عن توجيه الانتقادات للمجلس النيابي، واتهامه بالتقصير في إقرار مشروعات واقتراحات القوانين المتعلقة بالإصلاحات المالية والإدارية كشرط لتأمين الانتقال بلبنان إلى مرحلة التعافي المالي، وقالت إن شكوى عون ليست في محلها، وكان يُفترض فيه التوقيع على رزمة لا بأس بها من المشروعات والقوانين سبق للبرلمان أن أقرّها، لكنها لم ترَ النور لاستمرار احتجازها لدى الدوائر المعنية في بعبدا.
ودعت المصادر عون إلى إعطاء الضوء الأخضر لتنفيذ ما أُقر من مشروعات إصلاحية قبل أن يحمل على البرلمان، مع أن ما يطالب به لا يزال يُدرس في اللجان النيابية التي يرأسها النواب الأعضاء في «تكتل لبنان القوي»، برئاسة باسيل، وقالت إن هناك ضرورة لفتح الدورة لإقرار الإصلاحات التي يطالب بها المجتمع الدولي، ويُدرجها «صندوق النقد الدولي» في دفتر الشروط، الذي أعده كأساس للتفاوض مع الحكومة لوقف الانهيار ومساعدة لبنان لتطبيق خطة التعافي المالي.
وغمزت من قناة باسيل واتهمته بأنه يهوى التعطيل ويُقحم نفسه في اشتباكات لم توفر حليفه «حزب الله» بعد أن أوصل علاقاته مع الآخرين إلى طريق مسدود، وقالت إن تحديد جدول أعمال الدورة الاستثنائية يعود لتفاهم عون مع ميقاتي بالتعاون مع بري، وإن كل ما يتعلق بانفجار مرفأ بيروت ليس مطروحاً للبحث من قريب أو بعيد، لأنه سيؤدي إلى كهربة الأجواء السياسية حتى بين الأطراف التي ستوقّع على العريضة النيابية.
وسألت المصادر النيابية عن صوابية ما يتردد في الوسط السياسي حول أن علاقة عون بميقاتي لم تعد كما كانت عليه في الأسابيع الأولى من تشكيل الحكومة، وقبل أن تتعطّل جلسات مجلس الوزراء التي يسعى ميقاتي للإفراج عنها «سلمياً» بعيداً عن تحدّيه للثنائي الشيعي، لمنع انفجار الحكومة من الداخل، وقالت إن العلاقة بينهما الآن هي أسيرة حالة من البرود أخذت تظهر بعد تلقّي ميقاتي اتصالين من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان، أثناء اجتماعهما في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، من دون أن يحظى عون باتصال من ماكرون كما وعد، واستعاض عنه بإيفاد سفيرة فرنسا لدى لبنان، آن غريو، لوضعه في أجواء محادثاته في السعودية؟
كما سألت ما إذا كان طلب عون من الأمانة العامة لمجلس الوزراء إيداعه المحاضر المتعلقة بالمفاوضات الجارية مع «صندوق النقد»، برئاسة نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي، وبإشراف مباشر من ميقاتي، يأتي في سياق الفتور المسيطر على العلاقة بين الرئاستين الأولى والثالثة التي تربطها علاقة وثيقة ببري بخلاف علاقة الأخير بعون التي تزداد تأزُّماً يوماً بعد يوم؟
لذلك فإن الفريق السياسي المحسوب على عون ووريثه باسيل سيبادر إلى التعامل مع طلب النواب فتح دورة استثنائية على أنها تهدف للنيل من صلاحيات رئيس الجمهورية، والالتفاف عليها، في محاولة مكشوفة لشد العصب المسيحي من جهة، ولإحراج حزب القوات اللبنانية الذي يتموضع حالياً في الموقع السياسي بمنأى عن التجاذبات السياسية الدائرة بين قوى المنظومة الحاكمة.
وعليه، يُفترض أن يحدد حزب «القوات» اليوم موقفه من التوقيع على العريضة النيابية، وإن كانت مصادره تتعامل مع هذه الطروحات على أنها مطلوبة لصرف الأنظار عن التحضير للانتخابات النيابية، وتعتبرها جاءت متأخرة، وربما تندرج في سياق تبادل تسجيل المواقف، من خلال محاولة هذا الطرف في المنظومة السياسية أن يرمي المسؤولية على الطرف الآخر، بهدف تجميل صورته في شارعه، بعد أن أوصل جميع هؤلاء البلد إلى شلل كامل، وبالتالي لا علاقة لنا، كما تقول لـ«الشرق الأوسط»، بمعارك يُراد منها تأزيم الوضع.
ويبقى السؤال: كيف سيكون حال العريضة النيابية في حال امتنع نواب كتلة القوات عن التوقيع عليها؟ وهل يمكن لباسيل استخدامها للتشكيك بميثاقية الجلسة، إذا ما قرر تكتله النيابي الاصطفاف وراء عون الرافض لفتح دورة استثنائية، مع أن المطروح على جدول أعمالها لا يشكل إحراجاً للقوات بمقدار ما أنه يتيح لبري أن يسجّل مجدداً نقطة لمصلحته في مواجهته المفتوحة مع عون، الذي يحاول استدراجه من وقت لآخر إلى ملعبه، من دون أن يتناغم معه، وهذا ما برز بامتناعه عن الرد على حملته التي استهدفت البرلمان ورئيسه.
وهكذا يطل العام الجديد على اللبنانيين بغياب أي بوادر انفراج تدعو للتفاؤل بإخراج لبنان من أزماته المتراكمة، خصوصاً أنه يقف حالياً أمام اشتعال المواجهة بين عون وبري التي تتجاوز الخلاف حول فتح الدورة الاستثنائية إلى انعدام الثقة بينهما، من دون أن ينجح حليفهما «حزب الله» في توفير الشروط التي تسمح لهما بالدخول في مهادنة، ما دامت الكيمياء السياسية بينهما ما زالت مفقودة.



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.