نعيم صبري: عشت «كورونا» روائياً ووثقته عبر سيرة ذاتية

الروائي المصري يرى أن كتابة اليوميات في المحن تنسج ألفة القراءة

نعيم صبري مع نجيب محفوظ
نعيم صبري مع نجيب محفوظ
TT

نعيم صبري: عشت «كورونا» روائياً ووثقته عبر سيرة ذاتية

نعيم صبري مع نجيب محفوظ
نعيم صبري مع نجيب محفوظ

يستدعي الروائي المصري نعيم صبري في روايته (2020) الصادرة حديثا عن دار الشروق بالقاهرة تداعيات العام الأثقل المثير للرعب، والذي صار يعرف بعام «جائحة كورونا» ولا تزال توابعه مصدر قلق يواجه العالم. الرواية هي العمل الرابع عشر في مسيرته التي بدأها بكتابة الشعر عبر ديوانين، ثم تفرغ للرواية ومن أبرز أعماله «المهرج» و«تظل تحلم إيزيس» و«صافيني مرة»... هنا حوار معه حول روايته الجديدة وهموم الكتابة.

> روايتك «2020» مكتوبة بروح ولسان الكتابة الذاتية... حتى بدا أنها تقع بين السيرة والرواية... حدثنا عن تجربة هذا السرد...
- أريد أن أفرق بين «السيرة الذاتية» وبين لون «رواية السيرة الذاتية» التي تحمل قبساً من سيرة الكاتب، ولكن عبر تداخل للتخييل والتأملات والاستبصار، فتحمل بذلك الصفات الفنية للعمل الروائي بخلاف السيرة الذاتية الواقعية. فهناك في الأدب العالمي نوع أدبي اسمه «رواية السيرة الذاتية»، ومن نماذجه الشهيرة رواية الفرنسي مارسيل بروست «البحث عن الزمن المفقود» التي تعد واحدة من أشهر روايات السيرة الذاتية التي بدأت مع أوائل القرن العشرين، متزامنة مع تيار الوعي في الرواية، حيث تسود رواية المونولوج وليس رواية الراوي العليم التي اشتهر بها بلزاك وفلوبير، وتشارلز ديكنز، ومع القرن العشرين ظهرت الاتجاهات الجديدة المتمثلة في الاتجاه أكثر إلى المونولوج تزامنا مع المشكلات الإنسانية التي تفاقمت مع نشوب الحرب العالمية الأولى، حيث بدأت تظهر اتجاهات فنية وأدبية مثل السوريالية في فرنسا، واتجاهات تيار الوعي في السرد التي بدأها تقريبا في نفس الوقت مارسيل بروست وجيمس جويس في «عوليس»، وفيرجينا وولف في «مسز دولاويل»، وهي رواية تعتني أكثر بمشاعر الإنسان من الداخل أكثر من الحكاية الخارجية وحكايتها على لسان الراوي، كما سبق وقدم محمد شكري في «الخبز الحافي»، وهنري ميلر في «مدار السرطان».
> لماذا كتبت رواية «2020»؟
- لن ينسى العالم هذا الرقم «2020»، شعرت أن تجربة جائحة «كورونا» حدث جلل في تاريخ الإنسانية، غيرت في سياقاته بشكل مهول، لكنها مع ذلك، استطاعت توحيد مشاعر الرعب والهلع لدى الإنسان في كل الأرض، حتى في تاريخ الأوبئة لم يحدث أن خيم حدث واحد على العالم كله في ذات اللحظة، فقد كانت تحدث الأوبئة على نطاقات جغرافية مُحددة، ووجدت أن هذا الحدث يجب توثيقه أدبيا وفنيا للأجيال القادمة.
> رغم أن الرواية مكتوبة بصوت واحد فإن صوت الذاكرة يُعد بطلا هنا... حدثنا عن الذاكرة كثيمة حاضرة دوماً في أعمالك...
- وجدت أن هذا الصوت وطيد الصلة بأحداث «2020»، كما وجدت نفس الدافع عند اختيار تقنية استدعاء الذاكرة في رواية «المهرج» عام 2011 التي طعمت فيها السرد الروائي بجانب تسجيلي يبرز مانشيتات الصحف في تلك الفترة المتضاربة في التاريخ المصري والعربي، ربما في صورة تقارب ما فعله صنع الله إبراهيم في رواية «ذات»، أما في «2020» فكان صوت الذاكرة صدى لما يمر بصاحبها من مشاعر ومخاوف يختبرها لأول مرة، وكأن أصوات الذاكرة تُطور السرد وتدفعه وتلهمه. 
> هل يُفسح المكان المحدود في السرد مساحة أكبر لحركة الزمن الروائي؟  
- في الرواية كان التخييل و«الفلاش باك» وسائل استدعاء للماضي كشذرات حية وسط مستقبل غامض، جميعها بنت الانفعال اللحظي بضائقة العزل والحجر المنزلي، أو المكان المحدود، وفكرة المكان المغلق ألهمت بروست في رائعته «البحث عن الزمن المفقود»، فقد كان مريضا لا يغادر بيته، وكتب هذا العمل متأملاً مكانه المغلق، ووصل بهذا العمل إلى سبعة أجزاء كاملة، انطلق فيها من ضيق المكان إلى فيض من الذكريات، بدأ وميضها يلمع لديه في لحظة كان يشرب فيها الشاي ويتناول كعكة اسمها «مادلين»، التي ما إن تناولها حتى اجترت لديه سنوات طفولته، وكانت تلك الكعكة واحدة من بهجاتها الصغيرة. 
> تظهر اليوميات البسيطة في وقت الحجر المنزلي في تسلسل وتأمل هادئ... كيف وظفت الاستدعاء التفصيلي لها في بناء الرواية؟
- تميل رواية ما بعد الحداثة إلى السرد الذاتي، والهوامش أكثر من المتون، فلم تعد الفكرة في كيفية تناول الأدب للأحداث الكبرى، بقدر كيفية تناوله صغائر مواقف الحياة والتفاصيل البسيطة، التي بالضرورة تتماس مع حياة الكثيرين كما حدث في رواية «2020»، فهناك مشهد على سبيل المثال يجمع بين الزوج والزوجة، وهما يضعان خططا مُحكمة لمواجهة النمل الذي هاجم البيت بتوحش، لاقى هذا المشهد مثلا صدى لافتا في انطباعات القراء، فسرد اليوميات وسط مشهد ضبابي مرعب مثل «كورونا»، ينسج حالة من ألفة القراءة وتأملها.
> في الرواية يبدو الفن بكل روافده من سينما وموسيقى وتشكيل شريكاً ملازماً في تلقي أخبار الموت وتصاعد الوباء... هل برأيك يُغير الفن من طرقنا في استقبال الأحزان؟ 
- الفن عالمي الخاص، أستمع إلى الموسيقى يومياً، خاصة الكلاسيكيات، منذ كنت شابا وحتى اليوم لا يخلو اليوم من باخ وبيتهوفن وتشايكوفسكي، فأنا من جيل عاصر في الستينات مكتبة الفن وغرفة استماع الأعمال الموسيقية، وحضور يومي الجمعة والسبت في  الأوبرا، وجولات بين مسارح الستينات، كالمسرح «القومي» و«اللامعقول» و«الجيب» و«بيكيت» و«توفيق الحكيم»، كانت لجيلنا وسائل وإمكانيات بسيطة تساعدنا في الاطلاع على الفنون، وما زالت علاقتي بها ممتدة إلى اليوم، ورصدت هذا الزخم في رواية «صافيني مرة» بشكل أكبر، وفي رواية «2020» ظهر هذا العالم الذي يسكنني في نسيج السرد، كظهور «مودلياني» ووجوهه في سياقها، أو إحالتي لوفاة فنان شهير لم أذكر اسمه في الرواية، لكنني كنت أحيل في الواقع لأحد أروع من رحل عن عالمنا في 2020 وهو النحات العالمي آدم حنين، لم أذكر اسمه لكنني انفعلت كثيراً بوفاته في ذلك العام، وهذا ما ظهر في الرواية.
> تميل أعمالك الروائية بشكل عام للتكثيف... لما هذا الاختيار؟
- كان تحدي الرواية الجديدة هنا أن يظل معمار الرواية مكثفاً لا تغلب فيه شحنات النوستالجيا والذكرى على الحدث المركزي لعالمها، وهو أثر «كورونا»، بشكل عام أنا أميل إلى التكثيف في أعمالي، هناك الكثير من الروائيين الذين يعتبرون أن الإطالة والإفاضة في العناصر، وإقحام شخصيات ثانوية هو في حد ذاته براعة فنية، وأرى أن ذلك يُفقد العمل الروائي كثيرا من فنياته، فما أسهل إطالة الأعمال. لو نظرنا ببساطة لأعمال نجيب محفوظ  مثل «اللص والكلاب»، و«السمان والخريف»، و«الطريق»، و«ميرامار»، و«رحلة ابن فطومة» يمكننا الوقوف وتعلم كيف يمكن أن تكون شاعرية التكثيف ودلالاته من أثر بليغ على الفن الروائي.
> مررت في الرواية على يوم رحيل نجيب محفوظ بوصفه يوماً مركزياً في حياتك... برأيك لِمَ تتجدد القراءات حوله إلى اليوم رغم الرحيل؟
- صحيح، فالمفارقة أن ذكرى وفاة نجيب محفوظ في 30 أغسطس (آب) هو نفس تاريخ وفاة والدتي وميلاد حفيدتي، أتذكره دائما ليس كصديق عادي، فعلاقتي به تميزت بالمودة والألفة الشديدة، وكما كنت أذكر عن كونه أستاذا في القدرة على التكثيف، فهو دون شك مؤسس الرواية العربية الحديثة، فما كُتب قبله كان إرهاصات لكتابة الرواية في بداياتها المتواضعة، أما هو فقد كتب الرواية الواقعية والتاريخية والفلسفية والفكرية ورواية الأجيال، كتب كل ألوان الرواية وسخر حياته من أجلها، لذلك فقد سعت له جائزة  «نوبل»، ورغم هذا النبوغ، دائما ما كنت أسمعه يقول إنه لا يسعى من وراء الكتابة لشيء، لا شهرة ولا غيرها، ومن هنا يمكن استبصار الكثير عن ظاهرة نجيب محفوظ.
> من ضمن الأسئلة التي أثارتها رواية «شبرا» كانت إذا كان الأدب يصلح أن يكون مادة للتأريخ تُجاور أهميته الوثيقة التاريخية... كيف ترى هذا الأمر؟
- التأريخ له مدرستان، مدرسة تأخذ بالوثيقة التاريخية، وأخرى تجد الاستعانة بالأعمال الأدبية كروافد للتوثيق، من بين المؤيدين لتلك المدرسة المؤرخ محمد عفيفي على سبيل المثال الذي اعتبر أن رواية «شبرا» وثيقة أدبية حول حالة التعايش السلمي في منتصف القرن العشرين في واحد من أكثر الأحياء المصرية الشهيرة بالتعايش بين المسلمين والمسيحيين، وكتبت تلك الرواية في خضم  أحداث التعصب والتفجيرات ومقتل فرج فودة في فترة التسعينات، لذلك فأنا مهتم جدا بالتوثيق المجتمعي في كل أعمالي، ورواية «صافيني مرة» كانت توثيقا لقصة هزيمة  جيل كامل وكأنها مرثية لجيل ثورة يوليو 1952.
> في «يوميات طفل قديم» كان البطل يطل بعين طفل وفي روايتك الأحدث البطل من كبار السن... حدثنا عن هذه المسافة... 
- في «يوميات طفل قديم» كنت أحاول استدعاء تلك الروح العفوية للإنسان التي يفقدها كل يوم أكثر في العصر الحديث، اخترت الطفولة لأكتب في عالمها، فالطفولة في رأيي واحدة لدى الجميع فيما تختلف تفاصيلها، وأتذكر أن هذا الكتاب أرهقني كثيرا أثناء كتابته، لأنني كنت أحاول استدعاء تفاصيل الكتابة من منظور مشاعري كطفل، وليس من منظور الكبار، وفي «2020» البطل من كبار السن، وكذلك عالمه الذي صارت مفرداته مدموغة بالهلع، خاصة لفئة كبار السن، وهذا ما صورته في الرواية، فدائما هم الأكثر تعرضا للخطر، والعدوى، والأكثر هلاكا، وفقدا للأرواح، وسط تلك المفردات الجديدة كانت الكتابة تجد منظورها في التعبير عن تلك الهواجس الجديدة.
> برأيك ماذا أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للكاتب؟ وماذا سلبت منه؟
- كل شيء في تقديري له جانب إيجابي وسلبي، الإنسان هو من يفلسف الأمور، أعتبر صفحتي على فيسبوك جريدة شخصية أعبر فيها عن نفسي، وسبق ونشرت عليها مقاطع من روايات قديمة مجزأة، وأكتب على جدارها القصائد التي أحب أن أكتبها أحيانا، فهذا يحقق للكاتب فكرة إيصال الكلمة بعيدا عن دوائر النشر التقليدية.
> هل الكتابة بالنسبة لك فعل يومي؟
- لا توجد لدي قاعدة ثابتة، كما أنني لا أؤمن أيضا بفكرة الإلهام في الكتابة، ربما يكون هناك إلهام في الشعر، أو كما نصفها بالخاطرة التي يعقبها تدفق، خاصة في القصائد القصيرة، أما الرواية فهي فكرة ينفعل بها الكاتب وتشغله، وغالبا أكتب نحو ساعة في اليوم، أحيانا أشعر بعدها بالإجهاد خاصة إذا كانت الكتابة بها استدعاء لمشاعر قديمة، أو متوارية بما يحتاج لتحريرها من جديد.



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي