نعيم صبري: عشت «كورونا» روائياً ووثقته عبر سيرة ذاتية

الروائي المصري يرى أن كتابة اليوميات في المحن تنسج ألفة القراءة

نعيم صبري مع نجيب محفوظ
نعيم صبري مع نجيب محفوظ
TT

نعيم صبري: عشت «كورونا» روائياً ووثقته عبر سيرة ذاتية

نعيم صبري مع نجيب محفوظ
نعيم صبري مع نجيب محفوظ

يستدعي الروائي المصري نعيم صبري في روايته (2020) الصادرة حديثا عن دار الشروق بالقاهرة تداعيات العام الأثقل المثير للرعب، والذي صار يعرف بعام «جائحة كورونا» ولا تزال توابعه مصدر قلق يواجه العالم. الرواية هي العمل الرابع عشر في مسيرته التي بدأها بكتابة الشعر عبر ديوانين، ثم تفرغ للرواية ومن أبرز أعماله «المهرج» و«تظل تحلم إيزيس» و«صافيني مرة»... هنا حوار معه حول روايته الجديدة وهموم الكتابة.

> روايتك «2020» مكتوبة بروح ولسان الكتابة الذاتية... حتى بدا أنها تقع بين السيرة والرواية... حدثنا عن تجربة هذا السرد...
- أريد أن أفرق بين «السيرة الذاتية» وبين لون «رواية السيرة الذاتية» التي تحمل قبساً من سيرة الكاتب، ولكن عبر تداخل للتخييل والتأملات والاستبصار، فتحمل بذلك الصفات الفنية للعمل الروائي بخلاف السيرة الذاتية الواقعية. فهناك في الأدب العالمي نوع أدبي اسمه «رواية السيرة الذاتية»، ومن نماذجه الشهيرة رواية الفرنسي مارسيل بروست «البحث عن الزمن المفقود» التي تعد واحدة من أشهر روايات السيرة الذاتية التي بدأت مع أوائل القرن العشرين، متزامنة مع تيار الوعي في الرواية، حيث تسود رواية المونولوج وليس رواية الراوي العليم التي اشتهر بها بلزاك وفلوبير، وتشارلز ديكنز، ومع القرن العشرين ظهرت الاتجاهات الجديدة المتمثلة في الاتجاه أكثر إلى المونولوج تزامنا مع المشكلات الإنسانية التي تفاقمت مع نشوب الحرب العالمية الأولى، حيث بدأت تظهر اتجاهات فنية وأدبية مثل السوريالية في فرنسا، واتجاهات تيار الوعي في السرد التي بدأها تقريبا في نفس الوقت مارسيل بروست وجيمس جويس في «عوليس»، وفيرجينا وولف في «مسز دولاويل»، وهي رواية تعتني أكثر بمشاعر الإنسان من الداخل أكثر من الحكاية الخارجية وحكايتها على لسان الراوي، كما سبق وقدم محمد شكري في «الخبز الحافي»، وهنري ميلر في «مدار السرطان».
> لماذا كتبت رواية «2020»؟
- لن ينسى العالم هذا الرقم «2020»، شعرت أن تجربة جائحة «كورونا» حدث جلل في تاريخ الإنسانية، غيرت في سياقاته بشكل مهول، لكنها مع ذلك، استطاعت توحيد مشاعر الرعب والهلع لدى الإنسان في كل الأرض، حتى في تاريخ الأوبئة لم يحدث أن خيم حدث واحد على العالم كله في ذات اللحظة، فقد كانت تحدث الأوبئة على نطاقات جغرافية مُحددة، ووجدت أن هذا الحدث يجب توثيقه أدبيا وفنيا للأجيال القادمة.
> رغم أن الرواية مكتوبة بصوت واحد فإن صوت الذاكرة يُعد بطلا هنا... حدثنا عن الذاكرة كثيمة حاضرة دوماً في أعمالك...
- وجدت أن هذا الصوت وطيد الصلة بأحداث «2020»، كما وجدت نفس الدافع عند اختيار تقنية استدعاء الذاكرة في رواية «المهرج» عام 2011 التي طعمت فيها السرد الروائي بجانب تسجيلي يبرز مانشيتات الصحف في تلك الفترة المتضاربة في التاريخ المصري والعربي، ربما في صورة تقارب ما فعله صنع الله إبراهيم في رواية «ذات»، أما في «2020» فكان صوت الذاكرة صدى لما يمر بصاحبها من مشاعر ومخاوف يختبرها لأول مرة، وكأن أصوات الذاكرة تُطور السرد وتدفعه وتلهمه. 
> هل يُفسح المكان المحدود في السرد مساحة أكبر لحركة الزمن الروائي؟  
- في الرواية كان التخييل و«الفلاش باك» وسائل استدعاء للماضي كشذرات حية وسط مستقبل غامض، جميعها بنت الانفعال اللحظي بضائقة العزل والحجر المنزلي، أو المكان المحدود، وفكرة المكان المغلق ألهمت بروست في رائعته «البحث عن الزمن المفقود»، فقد كان مريضا لا يغادر بيته، وكتب هذا العمل متأملاً مكانه المغلق، ووصل بهذا العمل إلى سبعة أجزاء كاملة، انطلق فيها من ضيق المكان إلى فيض من الذكريات، بدأ وميضها يلمع لديه في لحظة كان يشرب فيها الشاي ويتناول كعكة اسمها «مادلين»، التي ما إن تناولها حتى اجترت لديه سنوات طفولته، وكانت تلك الكعكة واحدة من بهجاتها الصغيرة. 
> تظهر اليوميات البسيطة في وقت الحجر المنزلي في تسلسل وتأمل هادئ... كيف وظفت الاستدعاء التفصيلي لها في بناء الرواية؟
- تميل رواية ما بعد الحداثة إلى السرد الذاتي، والهوامش أكثر من المتون، فلم تعد الفكرة في كيفية تناول الأدب للأحداث الكبرى، بقدر كيفية تناوله صغائر مواقف الحياة والتفاصيل البسيطة، التي بالضرورة تتماس مع حياة الكثيرين كما حدث في رواية «2020»، فهناك مشهد على سبيل المثال يجمع بين الزوج والزوجة، وهما يضعان خططا مُحكمة لمواجهة النمل الذي هاجم البيت بتوحش، لاقى هذا المشهد مثلا صدى لافتا في انطباعات القراء، فسرد اليوميات وسط مشهد ضبابي مرعب مثل «كورونا»، ينسج حالة من ألفة القراءة وتأملها.
> في الرواية يبدو الفن بكل روافده من سينما وموسيقى وتشكيل شريكاً ملازماً في تلقي أخبار الموت وتصاعد الوباء... هل برأيك يُغير الفن من طرقنا في استقبال الأحزان؟ 
- الفن عالمي الخاص، أستمع إلى الموسيقى يومياً، خاصة الكلاسيكيات، منذ كنت شابا وحتى اليوم لا يخلو اليوم من باخ وبيتهوفن وتشايكوفسكي، فأنا من جيل عاصر في الستينات مكتبة الفن وغرفة استماع الأعمال الموسيقية، وحضور يومي الجمعة والسبت في  الأوبرا، وجولات بين مسارح الستينات، كالمسرح «القومي» و«اللامعقول» و«الجيب» و«بيكيت» و«توفيق الحكيم»، كانت لجيلنا وسائل وإمكانيات بسيطة تساعدنا في الاطلاع على الفنون، وما زالت علاقتي بها ممتدة إلى اليوم، ورصدت هذا الزخم في رواية «صافيني مرة» بشكل أكبر، وفي رواية «2020» ظهر هذا العالم الذي يسكنني في نسيج السرد، كظهور «مودلياني» ووجوهه في سياقها، أو إحالتي لوفاة فنان شهير لم أذكر اسمه في الرواية، لكنني كنت أحيل في الواقع لأحد أروع من رحل عن عالمنا في 2020 وهو النحات العالمي آدم حنين، لم أذكر اسمه لكنني انفعلت كثيراً بوفاته في ذلك العام، وهذا ما ظهر في الرواية.
> تميل أعمالك الروائية بشكل عام للتكثيف... لما هذا الاختيار؟
- كان تحدي الرواية الجديدة هنا أن يظل معمار الرواية مكثفاً لا تغلب فيه شحنات النوستالجيا والذكرى على الحدث المركزي لعالمها، وهو أثر «كورونا»، بشكل عام أنا أميل إلى التكثيف في أعمالي، هناك الكثير من الروائيين الذين يعتبرون أن الإطالة والإفاضة في العناصر، وإقحام شخصيات ثانوية هو في حد ذاته براعة فنية، وأرى أن ذلك يُفقد العمل الروائي كثيرا من فنياته، فما أسهل إطالة الأعمال. لو نظرنا ببساطة لأعمال نجيب محفوظ  مثل «اللص والكلاب»، و«السمان والخريف»، و«الطريق»، و«ميرامار»، و«رحلة ابن فطومة» يمكننا الوقوف وتعلم كيف يمكن أن تكون شاعرية التكثيف ودلالاته من أثر بليغ على الفن الروائي.
> مررت في الرواية على يوم رحيل نجيب محفوظ بوصفه يوماً مركزياً في حياتك... برأيك لِمَ تتجدد القراءات حوله إلى اليوم رغم الرحيل؟
- صحيح، فالمفارقة أن ذكرى وفاة نجيب محفوظ في 30 أغسطس (آب) هو نفس تاريخ وفاة والدتي وميلاد حفيدتي، أتذكره دائما ليس كصديق عادي، فعلاقتي به تميزت بالمودة والألفة الشديدة، وكما كنت أذكر عن كونه أستاذا في القدرة على التكثيف، فهو دون شك مؤسس الرواية العربية الحديثة، فما كُتب قبله كان إرهاصات لكتابة الرواية في بداياتها المتواضعة، أما هو فقد كتب الرواية الواقعية والتاريخية والفلسفية والفكرية ورواية الأجيال، كتب كل ألوان الرواية وسخر حياته من أجلها، لذلك فقد سعت له جائزة  «نوبل»، ورغم هذا النبوغ، دائما ما كنت أسمعه يقول إنه لا يسعى من وراء الكتابة لشيء، لا شهرة ولا غيرها، ومن هنا يمكن استبصار الكثير عن ظاهرة نجيب محفوظ.
> من ضمن الأسئلة التي أثارتها رواية «شبرا» كانت إذا كان الأدب يصلح أن يكون مادة للتأريخ تُجاور أهميته الوثيقة التاريخية... كيف ترى هذا الأمر؟
- التأريخ له مدرستان، مدرسة تأخذ بالوثيقة التاريخية، وأخرى تجد الاستعانة بالأعمال الأدبية كروافد للتوثيق، من بين المؤيدين لتلك المدرسة المؤرخ محمد عفيفي على سبيل المثال الذي اعتبر أن رواية «شبرا» وثيقة أدبية حول حالة التعايش السلمي في منتصف القرن العشرين في واحد من أكثر الأحياء المصرية الشهيرة بالتعايش بين المسلمين والمسيحيين، وكتبت تلك الرواية في خضم  أحداث التعصب والتفجيرات ومقتل فرج فودة في فترة التسعينات، لذلك فأنا مهتم جدا بالتوثيق المجتمعي في كل أعمالي، ورواية «صافيني مرة» كانت توثيقا لقصة هزيمة  جيل كامل وكأنها مرثية لجيل ثورة يوليو 1952.
> في «يوميات طفل قديم» كان البطل يطل بعين طفل وفي روايتك الأحدث البطل من كبار السن... حدثنا عن هذه المسافة... 
- في «يوميات طفل قديم» كنت أحاول استدعاء تلك الروح العفوية للإنسان التي يفقدها كل يوم أكثر في العصر الحديث، اخترت الطفولة لأكتب في عالمها، فالطفولة في رأيي واحدة لدى الجميع فيما تختلف تفاصيلها، وأتذكر أن هذا الكتاب أرهقني كثيرا أثناء كتابته، لأنني كنت أحاول استدعاء تفاصيل الكتابة من منظور مشاعري كطفل، وليس من منظور الكبار، وفي «2020» البطل من كبار السن، وكذلك عالمه الذي صارت مفرداته مدموغة بالهلع، خاصة لفئة كبار السن، وهذا ما صورته في الرواية، فدائما هم الأكثر تعرضا للخطر، والعدوى، والأكثر هلاكا، وفقدا للأرواح، وسط تلك المفردات الجديدة كانت الكتابة تجد منظورها في التعبير عن تلك الهواجس الجديدة.
> برأيك ماذا أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للكاتب؟ وماذا سلبت منه؟
- كل شيء في تقديري له جانب إيجابي وسلبي، الإنسان هو من يفلسف الأمور، أعتبر صفحتي على فيسبوك جريدة شخصية أعبر فيها عن نفسي، وسبق ونشرت عليها مقاطع من روايات قديمة مجزأة، وأكتب على جدارها القصائد التي أحب أن أكتبها أحيانا، فهذا يحقق للكاتب فكرة إيصال الكلمة بعيدا عن دوائر النشر التقليدية.
> هل الكتابة بالنسبة لك فعل يومي؟
- لا توجد لدي قاعدة ثابتة، كما أنني لا أؤمن أيضا بفكرة الإلهام في الكتابة، ربما يكون هناك إلهام في الشعر، أو كما نصفها بالخاطرة التي يعقبها تدفق، خاصة في القصائد القصيرة، أما الرواية فهي فكرة ينفعل بها الكاتب وتشغله، وغالبا أكتب نحو ساعة في اليوم، أحيانا أشعر بعدها بالإجهاد خاصة إذا كانت الكتابة بها استدعاء لمشاعر قديمة، أو متوارية بما يحتاج لتحريرها من جديد.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.