جابر عصفور... أحد كبار التنويريين العرب في عصرنا

انخرط في هموم عصره وجمع بين النقد الأدبي والسياسي

هاشم صالح
هاشم صالح
TT

جابر عصفور... أحد كبار التنويريين العرب في عصرنا

هاشم صالح
هاشم صالح

أعرف أن كلمات من نوع «تنوير، وتنويري، وتنويريين عرب» أصبحت تزعج كثيرين؛ بل وتضرب على «نافوخهم» إذا جاز التعبير. ولكن ليعلموا أننا لن نتخلى عنها من الآن وحتى خمسين سنة قادمة. وحتى لو تخلينا عنها فهي لن تتخلى عنا لسبب بسيط: هو أنها تلبي حاجة تاريخية كبرى. وبالتالي فهي مستقلة عنا وتتجاوزنا كلياً. المرحلة التاريخية التي نعيشها هي التي تفرضها علينا وليس نحن. هذه ليست نزوة عابرة أو موضة سطحية رائجة. العصر القادم هو عصر التنوير العربي لا محالة شئنا أم أبينا. فإما أن نخرج من سباتنا الدوغمائي الطويل ومن عقليتنا المتحجرة، وإما أن نظل منغلقين على أنفسنا داخل قوقعة عقائدية صغيرة تكفر ثلاثة أرباع البشرية!
بعد كل هذه الديباجة المتفجرة أو التفجيرية، اسمحوا لي أن أقول ما يلي: إن الرجل الذي عنا رحل بالأمس القريب، كان أحد الأقطاب الكبار للتنوير العربي؛ إن لم يكن قطبه الأول. كلنا تلامذته بشكل أو بآخر. كلنا خرجنا من معطفه. فضله على الثقافة العربية لم تُستوعب أبعاده حتى الآن.
لم يكن جابر عصفور ناقداً أدبياً كبيراً فقط، وإنما كان أيضاً مفكراً كبيراً منخرطاً في هموم عصره وقضاياه. لقد جمع بين النقد الأدبي من جهة، والنقد الفكري والسياسي من جهة أخرى. كنت أتتبع مقالاته على صفحات مجلة «العربي» الكويتية. كنت أنتظر صدور كل عدد بفارغ الصبر؛ لكي أطِّلع على أفكاره وذكرياته فقط، لكي أسمع صوته الدفيء الحميمي الأخوي من خلال الكلمات، أو فيما وراء الكلمات. فهو ككل كاتب كبير له صوت خاص ونكهة خاصة.
من المعلوم أن موضوع التنوير كان هاجسه الأول. قبل أن نسمع بالتنوير مجرد سماع كان جابر عصفور يرسم خطوطه العريضة، ويبلور محاوره وإشكالياته على مدار عدة كتب متلاحقة. لنعدد بعض عناوينها من أجل الاستئناس فقط: التنوير يواجه الإظلام، دفاعاً عن التنوير، هوامش على دفتر التنوير، أنوار العقل، آفاق العصر، ضد التعصب، مواجهة الإرهاب، للتنوير والدولة المدنية، تحرير العقل، نقد ثقافة التخلف، عن الثقافة والحرية، دفاعاً عن العقلانية... إلخ. ماذا تريدون أكثر من ذلك؟ هل هناك انخراط في المعركة الفكرية الوجودية للعرب أكبر من هذا الانخراط؟
لقد كان جابر عصفور «أمة وحده» كما قالوا عن فولتير في فرنسا يوماً ما. يضاف إلى ذلك أنه لعب دوراً كبيراً في نقل أمهات الكتب الفرنسية والإنجليزية إلى اللغة العربية. ولهذا السبب أسس «المركز القومي للترجمة» في القاهرة. ثم نظَر للمشروع في كتاب كامل بعنوان: «قاطرة التقدم: الترجمة ومجتمع المعرفة». من هذه الناحية يمكن تشبيهه بالفيلسوف الفرنسي الكبير ديدرو الذي نقل إلى الفرنسيين الجهلة أنوار الإنجليز ومعارفهم الغزيرة، من خلال الموسوعة الشهيرة «الإنسيكلوبيديا». كان ديدرو حريصاً على تنوير الفرنسيين وإخراجهم من ظلمات التعصب والجهل إلى أنوار العلم والفلسفة، مثلما حرص جابر عصفور على تنوير العرب والمسلمين، وليس فقط المصريين. ولهذا السبب نقل ديدرو إلى اللغة الفرنسية كل معارف ذلك العصر، التي هي إنجليزية في معظمها؛ لأن الإنجليز كانوا سباقين نهضوياً وتنويرياً ومتفوقين على الفرنسيين.
لم يُتح لي الحظ أن التقيه إلا مرة واحدة، على هامش أحد المؤتمرات الكبرى التي نظمها «المركز القومي للترجمة»، بإيعاز منه تحت عنوان: «الترجمة وتحديات العصر». وقد دعا لهذا المؤتمر عشرات المترجمين والمثقفين العرب؛ مغرباً ومشرقاً ومن أرض الشتات (أنا شخصياً أتيت من باريس وقتها). وقد نشرت هنا في «الشرق الأوسط» مقالة عن هذا المؤتمر الكبير المهم بعنوان: الترجمة وتنوير العرب (16 أبريل «نيسان» 2010).
كان «المركز القومي للترجمة» في القاهرة، خلية نحل طيلة عدة أيام متتالية. وكانت المداخلات والمناقشات على مستوى رفيع في غالب الأحيان. وكانت النقاشات الحرة خارج قاعات المؤتمر تكمل النقاشات المحتدمة داخلها. لقد عشنا آنذاك لحظات ثقافية كثيفة، ذكرتنا بالعصر الذهبي للعرب أيام المأمون وبيت الحكمة في بغداد. ولا تزال ذكراها عالقة في نفسي حتى الآن.
ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني أن جابر عصفور كان يريد إحداث نهضة حقيقية في أرض العرب؛ انطلاقاً من القاهرة. وكان يعلم أن النهضة تقوم على الثقافة أولاً قبل السياسة. ذلك أن الفكر يسبق السياسة ويعلو عليها، وليس العكس. وكان يعلم أيضاً أن النهضات الكبرى تقوم على أكتاف الترجمات الكبرى. ولهذا السبب أسس «المركز القومي للترجمة». كلنا يعلم أن النهضة الأوروبية قامت على ترجمة النصوص العربية الكبرى، لابن سينا، وابن رشد، وابن باجة، والفارابي... إلخ. والنهضة اليابانية أيضاً قامت إبان القرن التاسع عشر على أكتاف الترجمات الكبرى للفكر الأوروبي، في عهد سلالة الميجي (أي الحكم المستنير!).
عدنا إلى التنوير مرة أخرى ولكن هذه المرة من بوابة اليابان واليابانيين. فهم لا يخجلون من كلمة «تنوير» ولا يستهزئون بها كما يفعل بعض المثقفين العرب أو أشباه المثقفين، ولا يأنفون من الأخذ عن الغرب بغية اللحاق به؛ بل وسبقه إذا أمكن. ليس عيباً أن تقلد الآخرين وتترجمهم وتستفيد منهم إذا كنت متخلفاً عنهم. العيب كل العيب هو أن تظل منغلقاً على نفسك جامداً متحجراً، تأبى الاستفادة بكل عنجهية فارغة.
لقد كان جابر عصفور استمرارية للجيل النهضوي الكبير الأول: جيل أحمد لطفي السيد، وجورجي زيدان، ومحمد حسنين هيكل، وطه حسين، وعباس محمود العقاد، وسلامة موسى، وغيرهم من أقطاب ذلك الرعيل الكبير. وهذا ما يعترف به هو شخصياً. ويمكن أن نضيف إليهم أسماء شبلي شميل، ويعقوب صروف، وفرح أنطون، وعشرات غيرهم. ولكن النهضة بحاجة إلى عدة أجيال، إلى عدة موجات متتالية، لكي تستطيع الانتصار على قوى العرقلة والنكوص التي تشد إلى الخلف باستمرار.
المسألة صعبة، معقدة، طويلة. المسألة ليست مزحة بسيطة. معركة التنوير في العالم العربي سوف تكون ضارية؛ بل وأكثر من ضارية. ونحن لا نزال في بداية البدايات. نحن لا نزال نصارع التنين حتى الآن. أقصد تنين الأصولية الظلامية الداعشية، الراسخة في العقلية الجماعية رسوخ الجبال.
وبالتالي فمهمة المثقف العربي هي إخراج مجتمعاتنا من هذه العقلية القروسطية الانغلاقية التي أكل عليها الدهر وشرب. ولكن المشكلة هي أن هذه العقلية على الرغم من تخلفها وانغلاقيتها واجتراريتها، لا تزال مهيمنة على الشارع العربي حتى الآن. وكل ذلك بسبب الجهل والأمية والفقر المدقع الذي يصيب شرائح واسعة من السكان. وأيضاً «خيانة المثقفين» وانبطاحهم أمام التيارات الأصولية الشعبوية.
في كتابه عن «التنوير والدولة المدنية» يدخل جابر عصفور في صميم الإشكالية التي تؤرق مجتمعاتنا العربية حالياً. نقصد إشكالية الصراع بين الدولة المدنية والدولة الدينية. ومعلوم أن حدة هذه الإشكالية ازدادت كثيراً وتفاقمت بعد وصول «الإخوان المسلمين» إلى سدة السلطة في مصر. ويرى المفكر الكبير الراحل أن هذه الجماعة كشفت عن وجهها الإقصائي النابذ للآخرين ما إن تسلمت السلطة. كما كشفت عن «أنياب التمكين المتوحشة» التي كادت أن تنهش الدولة والوطن والمواطنين. ومعلوم أن شعارهم هو: «تمسكنوا قبل أن تتمكنوا». ولهذا السبب يقول جابر عصفور ما معناه: نحن بحاجة ماسة إلى استعادة قيم التنوير الغائبة، والتأكيد على ضرورة وجود الدولة المدنية في حياتنا. نحن لسنا بحاجة إلى دولة لاهوتية ثيوقراطية متخلفة، تعيدنا قروناً إلى الوراء، وتثير الفتن الطائفية فيما بيننا، وتمزق نسيج المجتمع الواحد. باختصار شديد: نحن بحاجة إلى إسلام الأنوار؛ لا إلى إسلام الظلام والظلمات. ولكي نتوصل إلى ذلك، ينبغي تجديد برامج التعليم وتغييرها جذرياً.
ثم يهاجم تفكير «الإخوان» قائلاً: بحسب مفهومهم «أن تكون (إخوانياً) يعني أن تؤمن بالاستعلاء على بقية المسلمين؛ لأنك من (الفرقة الناجية)، ومن الإسلام الأنقى، والآخرون مجرد خزعبلات»! وهذا يؤدي مباشرة إلى التكفير والعنف والإقصاء.
هذا غيض من فيض عن هذا الرجل الذي حمل على كتفيه هم النهضة العربية كلها. وليس فقط النهضة المصرية. تحية إذن لجابر عصفور؛ أستاذاً كبيراً ومعلماً رائداً.الدكتور جابر عصفور



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.