نقاط ساخنة تطلق شرارات قد تنفجر حروباً في الأشهر الـ12 المقبلة

جندي أوكراني على أحد خطوط التماس مع الانفصاليين في شرق أوكرانيا (أ.ب)
جندي أوكراني على أحد خطوط التماس مع الانفصاليين في شرق أوكرانيا (أ.ب)
TT

نقاط ساخنة تطلق شرارات قد تنفجر حروباً في الأشهر الـ12 المقبلة

جندي أوكراني على أحد خطوط التماس مع الانفصاليين في شرق أوكرانيا (أ.ب)
جندي أوكراني على أحد خطوط التماس مع الانفصاليين في شرق أوكرانيا (أ.ب)

بعد نهاية عام وبداية آخر لا بد من التفكير في العام الماضي وما حمله من تطورات سلبية وإيجابية، وفي العام الجديد وما يأتي به. وليس من المغالاة في شيء القول إن كفة السلبيات كانت أثقل بكثير من الكفة المقابلة في ميزان العام 2021، إلى درجة إلى أن تفكيرنا يجنح إلى السلبيات فوراً عندما نفكر في الأشهر الإثني عشر المقبلة التي لا بد أن تكون بدرجة كبيرة امتداداً لسابقاتها.
كان عام 2021 حافلا بالأحداث، وفي طليعتها طبعاً استمرار جائحة «كوفيد – 19» ومتحوراتها، وما أدت إليه من صعاب اقتصادية وتغيرات في حياة البشر على امتداد الكرة الأرضية، تليها العلاقات التصادمية بين الولايات المتحدة والصين وتجليات ذلك في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي، ومثلها بين الولايات المتحدة وروسيا مع ما يجري حول أوكرانيا وعلى الحدود البولندية – البيلاروسية وعلى الحدود الأذربيجانية – الأرمينية، والنهاية الفوضوية للوجود العسكري الأميركي والأطلسي في أفغانستان، ومشكلة الهجرة غير الشرعية خصوصاً في اتجاه أوروبا، واقتحام مناصري الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب مبنى الكونغرس في مشهد أذهل العالم، وسوى ذلك كثير...
لكن لعلّ أبرز ملامح العام المنصرم كان الحديث المتكرر عن احتمالات اندلاع حرب عالمية، أو حروب إقليمية بين قوى عالمية، وتحديداً بين المعسكر الغربي من جهة وروسيا و/أو الصين من جهة أخرى، وهو كلام خاله الناس قد انطوى نهائياً مع وضع الحرب العالمية الثانية أوزارها. لكن يبدو أن الطبع التصادمي بين الشعوب يغلب التطبع، والطمع الاقتصادي لا يزال في طليعة محركات العلاقات بين الدول، وحتى الرعب النووي المتبادل لا يشكل رادعاً كافياً لاستبعاد حروب الكبار.
نلقي في السطور الآتية الضوء على أبرز القضايا الشائكة والنقاط الساخنة التي يُحتمل أن تتطور إلى حروب قد لا تكون شاملة لكنها حتماً ستكون كبيرة.
1- أوكرانيا:
ينسى العالم أن في شرق أوكرانيا حرباً تدور منذ العام 2014 بين القوات الأوكرانية وانفصاليين تدعمهم روسيا أقاموا «جمهوريتين» في دونيتسك ولوغانسك، سقط فيها حتى الآن أكثر من 13 ألف قتيل.
بدأ النزاع بعد إطاحة فيكتور يانوكوفيتش، الرئيس الأوكراني الموالي لموسكو، بدعم من الغرب. فردّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على ذلك بضم شبه جزيرة القرم ودعم الانفصاليين في منطقة شرق أوكرانيا (دونباس). وخوفاً من مواجهة هزيمة عسكرية، وقعت أوكرانيا اتفاقَي سلام (اتفاقا مينسك) لم يتحقق بشكل كامل في الدونباس.
انهارت الهدنة التي وافق عليها بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي تولى السلطة عام 2019 واعدًا بإحلال السلام. في ربيع 2021، حشد بوتين أكثر من 100 ألف جندي قرب الحدود الأوكرانية، ثم سحب العديد منهم بعد أسابيع بعد لقاء مع الرئيس الأميركي جو بايدن. لكن روسيا عاودت حشد قوات لاحقاً وطالبت بضمانات أمنية غربية أهمها عدم قبول أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي (ناتو) لأن ذلك يهدد أمن العمق الروسي، علماً أن التعاون العسكري قائم بين كييف ودول أعضاء في «الناتو».
وما يقلق الأوكرانيين أن الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة لم تملك في مقابل التهديد الروسي الواضح سوى التلويح بعصا العقوبات الاقتصادية والقيام ببعض المناورات والتدريبات العسكرية في البحر الأسود، وهذان أمران يزعجان بوتين بالتأكيد لكنهما لن يوقفاه عن القيام بمغامرة عسكرية واسعة إذا رأى أن نتائجها ستعيد الجارة الكبرى إلى حضن موسكو. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الروسي قد يحجم عن غزو أوكرانيا في مستقبل قريب، لكنه مستعد في اي لحظة لتعزيز دعمه للانفصاليين في شرقها وبالتالي تصعيد الصراع هناك إلى مستوى الحرب الحقيقية بغية نيل ما يريده من كييف ورعاتها.

2- الولايات المتحدة والصين:
تتجه الأنظار حتماً إلى العلاقات المتوترة على الدوام بين صاحبي أكبر اقتصادين في العالم: الولايات المتحدة والصين. وينعكس التنافر والتنافس في الروابط التجارية سباقاً في المجال الجيو-اقتصادي لا بد أن يتخذ أبعاداً أمنية وربما عسكرية.
في هذا السياق، تُقرأ مسارعة واشنطن بعد الإنسحاب من أفغانستان إلى إبرام اتفاق «أوكوس» الاستراتيجي مع أستراليا وبريطانيا، وهدفه السيطرة على الطرق البحرية جنوب الصين، ولذلك سيجري تزويد أستراليا غواصات نووية لتعزيز الحضور العسكري المناهض للطموحات الصينية في تلك المنطقة من العالم.
ويعكس ذلك تركيز واشنطن على مواجهة القفزات الصينية الكثيرة في العالم والتي تأخذ راهناً الشكل الاقتصادي، سواء عبر استمرار تدفق المنتجات الصينية إلى الأسواق، أو عبر مبادرة «الحزام والطريق» لتنفيذ مشاريع البنى التحتية في أنحاء عدة من الكرة الأرضية. وإذا نظرنا إلى العمل الصيني الدؤوب على تعزيز القدرات العسكرية المتطورة للجيوش البرية والبحرية والجوية، ندرك أن القفزات المذكورة يمكن أن تتحول بسرعة إلى حضور عسكري وازن في منطقة آسيا – المحيط الهادئ وربما سواها.
ويظل الميدانان «التقليديان» للاحتكاكات والتحديات الأميركية – الصينية بحر الصين الجنوبي حيث تملك بكين طموحات واسعة انطلاقاً مما تعتبره «حقوقاً» طبيعية لها، في مقابل عمل واشنطن على تعزيز روابطها – العسكرية خصوصاً – مع الدول الأخرى المشاطئة لهذا البحر. وكذلك يتبادل الجانبان التحدي في مضيق تايوان التي لا تنفك الصين عن اعتبارها جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، فيما تواصل الولايات المتحدة تعزيز القدرات العسكرية للجزيرة التي تقف في مواجهة العملاق الذي اختارت الانشقاق عنه مع بدايات الحكم الشيوعي في أربعينات القرن الماضي.
خلافاً للاعتقاد الذي ساد مع تولي جو بايدن الرئاسة الأميركية، يبدو أن الصين ستواجه صعاباً أكبر مما واجهته مع دونالد ترمب، وستجهد لضمان أمن خطوط الملاحة البحرية الحيوية بالنسبة إليها، والممتدة من جزر الكوريل إلى بحر الصين الجنوبي.
في ظل هذا الجو قد يتحول أي احتكاك في المنطقة إلى اشتباك عسكري مفتوح على احتمالات التصعيد.

3- أفغانستان:
شهد العام 2021 طيّ صفحة أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة عبر انسحاب سريع ضمن انتصاراً أسرع لحركة «طالبان» على حكومة الرئيس أشرف غني، وسيطرة على البلاد التي سرعان ما وقعت في متاعب اقتصادية تهدد الملايين بالجوع.
لم تكن عودة الحركة المتشددة إلى السلطة مفاجئة، فقد عقدت معها واشنطن أوائل عام 2020 اتفاقاً لا يهم من بنوده سوى أن القوات الأميركية – ومعها قوات من بلدان حليفة - ستنسحب من البلاد بعد 21 عاماً من الوجود فيها. وفي موازاة التسليم الغربي بالأمر الواقع، جرى التضييق على الأفغان جميعاً عبر تجميد أصول للدولة موجودة في الخارج وتعليق المساعدات الحيوية التي ترفد الأفغان بالحد الأدنى من متطلبات الحياة.
«طالبان» تسيطر على أفغانستان الآن، لكن هذه البلاد المعقدة بتركيبتها الإتنية والحساسة بموقعها الجغرافي، والمهددة بوجود لتنظيم «داعش»، تبقى عرضة لاحتمالات اندلاع حرب أهلية سرعان ما ستحوّلها صفيحة مغنطيسية تستجلب التدخلات الخارجية...

4- إثيوبيا:
ظن كثر أن حصول رئيس الوزراء الإثيوبي آبيي أحمد على جائزة نوبل للسلام عام 2019 ليس مجرد تكريم له على جهوده في توحيد البلاد الشاسعة وضمان استقرارها، بل رأوا في ذلك تأكيداً لأن الدولة الأفريقية ستمضي قدماً في طريق التنمية والتخلص من الفقر المزمن. إلا أن الوقائع خيّبت الآمال، فالقتال مستمر منذ أكثر من سنة بين القوات الحكومية و«جبهة تحرير شعب تيغراي»، مهدداً بتمزيق إثيوبيا قبل أن تستفيد من مشروع سد النهضة الذي يسمم بدوره علاقاتها مع السودان ومصر.
في الوقت الحالي، تبدو اليد العليا في المعركة للقوات الحكومية (التي تتلقى دعماً من القوات الأريترية، وهو أمر يعقّد النزاع)، إلا أن موازين القوى يمكن أن تنقلب بسرعة لأن الطرفين يملكان دعماً شعبياً ويمكنهما حشد الكثير من المقاتلين، وبالتالي فإن الحسم العسكري مستبعد. والثابت الوحيد أن هذه الحرب تترك ندوباً في جسد المجتمع الإثيوبي ليس من السهل أن تزول، وبالتالي يجدر التساؤل عن فرص بقاء البلاد التي تبلغ مساحتها مليوناً و104 آلاف كيلومتر مربع وتضم 117 مليون نسمة موحّدة...

5- متطرفون في أفريقيا:
بدأ ظهور تنظيم «داعش» بقوة في أفريقيا منذ العام 2017، يساعده في ذلك ضعف الأجهزة الإدارية والأمنية والسياسية في بعض الدول، والأراضي الصحراوية الشاسعة التي تصعب السيطرة عليها. وتمظهر العنف خصوصاً في منطقة الساحل وتحديداً في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
ولا ننسى «بوكو حرام» في نيجيريا، و«الشباب» في الصومال، والظهور الحديث لمتطرفين في موزمبيق والكونغو وأوغندا.
غير أن أكثر ما يثير القلق هو ما يجري في الساحل، حيث لم يفلح الوجود العسكري الفرنسي في ضبط الوضع المفتوح على كل الاحتمالات والتدخلات في منطقة شعوبها ودولها فقيرة، وأراضيها غنية بثروات طبيعية تُسيل لعاب كل القوى الكبرى الطامعة...
عام انطوى وآخر هلّ، والنزاعات - التي كان يمكن أن نطيل لائحتها – لا تنتهي. شعوب وثروات وأطماع وقوى كبرى وأخرى ضعيفة مغلوب على أمرها... لعبة قاتلة مستمرة منذ كان الاجتماع البشري الذي لم يفلح بعد في الوصول إلى برّ السلام.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.