لقاء عباس ـ غانتس محاولة «لاستعادة الثقة» بين القيادتين

المعارضتان الإسرائيلية والفلسطينية هاجمتا اجتماعهما

فلسطينيتان تحاولان منع الأمن الإسرائيلي من هدم منزلهما في المنطقة C بالضفة الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطينيتان تحاولان منع الأمن الإسرائيلي من هدم منزلهما في المنطقة C بالضفة الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

لقاء عباس ـ غانتس محاولة «لاستعادة الثقة» بين القيادتين

فلسطينيتان تحاولان منع الأمن الإسرائيلي من هدم منزلهما في المنطقة C بالضفة الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطينيتان تحاولان منع الأمن الإسرائيلي من هدم منزلهما في المنطقة C بالضفة الثلاثاء (أ.ف.ب)

شنت المعارضتان الفلسطينية والإسرائيلية، على السواء، أمس، هجوماً شديداً على اللقاء الذي جرى بين الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، ووزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، وتقررت فيه عدة خطوات وإجراءات، وصفت بأنها «جاءت لاستعادة الثقة بين القيادتين». ومع أن رئيس الوزراء، نفتالي بنيت، كان على علم مسبق باللقاء، وبسبب ذلك اتهمه حزب الليكود بإجهاض خطة الحكومة السابقة لطمس قضية الصراع، ذكر مصدر حكومي أن «بنيت غاضب على غانتس لأنه استضاف أبو مازن في بيته»، ويعد الأمر «زائداً على الحد».
وكان غانتس قد استقبل الرئيس الفلسطيني، في بيته بمدينة رأس العين، مساء الثلاثاء، في ثاني لقاء بينهما خلال أربعة أشهر. وتم إبقاء اللقاء سرياً، بدواعٍ أمنية وسياسية، ولم يكشف عنه إلى عند منتصف الليل، بعدما غادرت قافلة سيارات عباس ووصلت إلى رام الله. واستغرق اللقاء ساعتين ونصف الساعة، بضمنها ساعة للقاء منفرد بينهما. وشارك في اللقاء الموسع، من الجانب الفلسطيني، وزير الشؤون المدنية حسين الشيخ، ورئيس المخابرات ماجد فرج، ومن الجانب الإسرائيلي منسق أعمال الحكومة في المناطق المحتلة، الجنرال غسان عليان. واتفق الجانبان على عدم التقاط صور من الاجتماع.
واختلفت البيانات التي صدرت عن الطرفين حول تلخيص مضمونها. فبينما تحدث الجانب الإسرائيلي عن أنه «لقاء جاء لتعزيز الثقة بين القيادتين»، تحدث الجانب الفلسطيني عن «خلق أفق سياسي يؤدي إلى حل سياسي وفق قرارات الشرعية الدولية». وكتب عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح»، حسين الشيخ، على «تويتر» عند خروجه من اللقاء، أن الاجتماع «تناول أهمية خلق أفق سياسي يؤدي إلى حل سياسي وفق قرارات الشرعية الدولية، جرى التباحث فيه حول الأوضاع الميدانية المتوترة بسبب ممارسات المستوطنين، وكثير من القضايا الأمنية والاقتصادية والإنسانية»، دون أن يكشف عن مزيد من التفاصيل.
واعتبر الشيخ اللقاء «تحدياً كبيراً وفرصة أخيرة قبل الانفجار والدخول في طريق مسدودة»، و«محاولة جدية جريئة لفتح مسار سياسي يرتكز على الشرعية الدولية، ويضع حداً للممارسات التصعيدية ضد الشعب الفلسطيني».
وفي تل أبيب، نشرت وزارة الدفاع بيانا قالت فيه إن غانتس بحث مع عباس «مختلف القضايا الأمنية والمدنية الراهنة»، وإنه «أبلغ عباس عزمه على مواصلة تعزيز إجراءات بناء الثقة بين الجانبين في المجالين الاقتصادي والمدني، كما تم الاتفاق عليه في اجتماعهما السابق»، الذي عقد في مقر الرئاسة الفلسطينية برام الله، في أغسطس (آب) الماضي. وشدد غانتس، وفق هذا البيان، «على المصلحة المشتركة في تعزيز التنسيق الأمني، والحفاظ على الاستقرار الأمني ومنع الإرهاب والعنف».
وبعد اللقاء، أعلن غانتس عن إقرار جملة من الإجراءات لتسهيل حياة المواطنين الفلسطينيين وتخفيف الأعباء عنهم، بينها: موافقة إسرائيل على تحديث بيانات 6000 فلسطيني في الضفة الغربية، مقابل 3500 فلسطيني من قطاع غزة ممن يعيشون حالياً في وضع غامض ولا يستطيعون التحرك بدعوى أنهم مقيمون غير شرعيين (قبل ثلاثة شهور وافقت إسرائيل على 4000 طلب كهذا). وتقديم مدفوعات ضريبية بقيمة 100 مليون شيقل (الدولار يساوي 3.1 شيقل)، وإضافة 600 تصريح دخول لإسرائيل تشمل كبار رجال الأعمال الفلسطينيين، بالإضافة إلى 500 تصريح مرخص لدخول إسرائيل بالسيارة، وإضافة العشرات من تصاريح لكبار الشخصيات والمسؤولين في السلطة الفلسطينية، وتخفيف الإجراءات البيروقراطية الإسرائيلية، في المعابر الحدودية مع الأردن وفي نقل النقود عبر البنوك، وإنشاء منصة رقمية لضريبة القيمة المضافة، وإنشاء منصة دفع على الإنترنت للعمال الفلسطينيين، وغيرها من الإجراءات قيد التنفيذ التي ستدر مئات الملايين من الشواقل لميزانية السلطة كل عام.
وأشار مكتب غانتس إلى أنهما تداولا في ضرورة موافقة إسرائيل على مخططات هيكلية فلسطينية إضافية، تتيح البناء وتوقف هدم البيوت المبنية بلا ترخيص. وكشفت مصادر في تل أبيب أن اجتماع عباس - غانتس، جاء في أعقاب اجتماع فلسطيني - أردني - مصري، أخير، شارك فيه حسين الشيخ، مع وزيري الخارجية المصري سامح شكري، والأردني أيمن الصفدي، بحث «جهود الإدارة الأميركية الهادفة إلى إنجاح بناء الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين والالتزام بالاتفاقيات الموقعة». وحسب قناة التلفزيون الرسمي «كان 11»، «حذر عباس، خلال اللقاء، من خطورة اعتداءات المستوطنين والجنود، وقال إنه يعارض ويكافح العنف والإرهاب واستخدام السلاح الناري ضد إسرائيليين، طالما أنه في الحكم، لكنه في الوقت نفسه متشائم من تبعات الاعتداءات على الفلسطينيين»، مشدداً على أن أجهزة أمن السلطة الفلسطينية ستستمر بالعمل في هذا السياق. وشكر غانتس، بدوره، عباس، على تخليص أجهزة أمن السلطة الفلسطينية لإسرائيليين من رام الله، بداية الشهر الحالي، كان مواطنون فلسطينيون قد سعوا لمهاجمتهما.

اعتراض من الجانبين
أثار اللقاء بين غانتس وعباس، ردود فعل معارضة في الطرفين. وباستثناء قوى اليسار الإسرائيلي التي رحبت به، هاجمته معظم القوى السياسية، ففي إسرائيل هاجمته قوى اليمين في الحكومة من زملاء وحلفاء غانتس، بمن في ذلك رئيس الوزراء بنيت، الذي اطلع على اللقاء مسبقاً، ووافق عليه، لكنه انتقد عقده في منزل غانتس. وعبر عدد من الوزراء الإسرائيليين، عن رأيهم في أن تصرف غانتس لا يسهم في استقرار الحكومة الإسرائيلية. وقال وزير البناء والإسكان الإسرائيلي، زئيف إلكين: «ما كنت سأدعو إلى بيت أحد، من يدفع رواتب لقتلة الإسرائيليين».
وهاجم حزب الليكود المعارض اللقاء، وقال في بيان: «حكومة بنيت أثبتت أنها حكومة إسرائيلية - فلسطينية، تعيد أبو مازن والفلسطينيين إلى جدول العمل». وقالت إن «تنازلات خطيرة عن أمن إسرائيل، هي مسألة وقت وحسب. وحكومة بنيت - لبيد - ساعر خطيرة على إسرائيل».
وجاء في بيان حزب الصهيونية الدينية، أنه «بعد عشر سنوات، نجح اليمين خلالها في تحويل أبو مازن إلى غير ذي صلة بالواقع وشخصية غير مرغوب بها في العالم، وأزال خطاب تقسيم البلاد وإقامة دولة إرهاب في قلب أرض إسرائيل عن الأجندة، يعيد بنيت ويساره، (اتفاق) أوسلو، إلى الطاولة، وأبو مازن إلى مركز الحلبة. بنيت سيئ لليهود». وقال النائب ايتمار بن غفير، إن «غانتس الذي أدخل إلى بيته جاسوساً لإيران يدخل اليوم إرهابياً كبيراً يمول الإرهاب من الخزينة الفلسطينية».
وعلى مستوى الحلبة السياسية الفلسطينية، تعرض اللقاء للهجوم من عدة تنظيمات في منظمة التحرير، وكذلك من حركة «حماس». فقد عبر حزب الشعب الفلسطيني عن رفضه الشديد، واعتبره «تجاهلاً لاستمرار عمليات القتل والاستيطان وعربدة وإرهاب المستوطنين التي يقودها غانتس ضد أبناء شعبنا، ويحمل رسالة يفهم من خلالها العالم بأن العلاقات تمضي بشكل طبيعي مع دولة الاحتلال في وقت ترفض فيه حكومة (بنيت - لبيد - غانتس - منصور عباس»، أي بحث سياسي، وتصر على القتل اليومي والتوسع الاستيطاني والتطهير العرقي في القدس، وما يسمى إجراءات بناء الثقة والتحسينات الاقتصادية والتفاهمات في قطاع غزة، «الأمر الذي يعني التنفيذ الناعم لـ(صفقة القرن) التي رفضها شعبنا». وحذرت حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، من مخاطر الوقوع في فخ السياسة الإسرائيلية التي تعمل على حصر العلاقة مع الجانب الفلسطيني في القضايا الأمنية، والاقتصادية، والتنسيق الأمني، كبديل لإنهاء الاحتلال ومنظومة الأبرتهايد ونظام التمييز العنصري الإسرائيلي ولأي عملية سياسية، فيما يمثل تطبيقاً حرفياً لصفقة القرن وما طرحته من «سلام اقتصادي مزعوم».
واعتبرت حركة «حماس» أن اللقاء «مستنكر ومرفوض من الكل الوطني، وشاذ عن الروح الوطنية عند شعبنا الفلسطيني». واعتبرت الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، اللقاء «إمعاناً في الوهم والرهان على السراب، وتنكّراً لدماء الشهداء وعذابات الأسرى وكل ضحايا الاحتلال وقواته التي يقودها المجرم غانتس».
وفي قطاع غزة، عقدت فصائل العمل الوطني والإسلامي، أمس، اجتماعاً طارئاً بدعوة من حركة الجهاد الإسلامي حول لقاء أبو مازن مع غانتس، أكدت فيه استنكارها وإدانتها، لعقده، في هذا التوقيت الذي تشهد فيه مدن الضفة الغربية والقدس حالة ثورية تقلق كيان الاحتلال والمستوطنين، «وفي ظل الهجمة الشرسة من قبل ما تسمى إدارة مصلحة السجون والقمع المستمر للأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال».
وقال داوود شهاب باسم المجتمعين، إن «هذا اللقاء لن يضيف لشعبنا وقضيته الوطنية إلا مزيداً من التغطية الرسمية لحكومة الاحتلال، في الاستمرار بمزيد من الاستيطان ومصادرة الأراضي والاستمرار في سياسة القتل والاعتقالات التي يقوم بها جيش الاحتلال».



بدعم سعودي... اليمن يرتب أوراقه لإنجاز التوافق جنوباً واستعادة الدولة شمالاً

أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال لقاء مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان (سبأ)
أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال لقاء مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان (سبأ)
TT

بدعم سعودي... اليمن يرتب أوراقه لإنجاز التوافق جنوباً واستعادة الدولة شمالاً

أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال لقاء مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان (سبأ)
أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال لقاء مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان (سبأ)

شهد يوم الخميس 15 يناير (كانون الثاني) 2026، تحولات يمنية بالغة الأهمية، حيث اتخذ مجلس القيادة الرئاسي اليمني قرارات مصيرية طالت عضويته وتكليف رئيس وزراء جديد لتشكيل الحكومة، في مسعى إلى إعادة رسم خريطة القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتعزيز وحدة القرار السيادي تحت مظلة الدعم السعودي المعلن.

ففي سلسلة متلاحقة من القرارات، أسقط المجلس عضوية فرج سالمين البحسني، وملأ الشواغر بتعيين الفريق الركن محمود الصبيحي والدكتور سالم الخنبشي، وقبل استقالة حكومة رئيس الوزراء سالم بن بريك، وكلف الدكتور شائع الزنداني بتشكيل الحكومة الجديدة.

هذه الخطوات، التي جاءت مدعومة بتأكيدات على الدور «الحاسم» للسعودية، تهدف إلى تطبيع الأوضاع في المحافظات الجنوبية، لا سيما حضرموت، وتمهيد الطريق أمام «حوار جنوبي - جنوبي» شامل تستضيفه الرياض.

ولم يكن قرار إسقاط عضوية فرج البحسني من مجلس القيادة الرئاسي اليمني، مجرد تغيير في التركيبة الشخصية؛ بل كان رسالة سياسية وقانونية حادة بالنظر إلى حيثيات القرار التي نشرتها وسائل الإعلام الرسمية، اتهمت البحسني بـ«الإخلال بمبدأ المسؤولية الجماعية» و«تحدي القرارات السيادية».

وجاء في القرار أن البحسني «استغل موقعه الدستوري لإضفاء غطاء سياسي وشرعي على تحركات عسكرية غير قانونية»، نفذها ما يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل، مشيراً إلى تبريره حشد قوات من خارج محافظة حضرموت للهجوم عليها.

كما وجهت له تهمة «تأييد الإجراءات الأحادية التي قادها المتهم عيدروس الزبيدي»، المحال إلى النائب العام بتهم الخيانة العظمى، مما «أسهم في تقويض وحدة الصف الوطني».

هذه اللغة القانونية الصارمة، التي تصف الأفعال بأنها «تمرد مسلح خارج إطار الدولة»، تُحوّل الصراع الداخلي بين فصائل الجنوب من خلاف سياسي إلى قضية ولاء للدولة ومؤسساتها الشرعية.

القرار يمثل ضربة موجعة لتيار «الانتقالي» المنحلّ وأتباع الزبيدي، ويعيد التأكيد على أن طريق المطالبة الجنوبية يجب أن يمر عبر القنوات الدستورية والقانونية وعبر التفاوض برعاية السعودية، وليس عبر الفعل العسكري المنفرد.

هندسة توازنات

جاء تعيين الدكتور سالم الخنبشي، محافظ حضرموت، عضواً في المجلس الرئاسي اليمني مع الاحتفاظ بمنصبه المحلي، ليعكس أولوية استقرار المحافظة الغنية بالنفط والحيوية. وفي حديث سابق لـ«الشرق الأوسط»، أكد الخنبشي أن «الموقف السعودي كان حاسماً» في إخراج قوات «الانتقالي» من حضرموت خلال وقت قياسي.

ويعدّ تعيينه في عضوية مجلس القيادة الرئاسي تتويجاً لجهوده في الأسابيع الماضية، حيث من المتوقع أن يشكل حضوره رافداً قوياً في معسكر الشرعية لضبط المشهد السياسي والأمني في حضرموت خاصة، وفي جنوب اليمن بشكل عام.

رئيس الوزراء اليمني الجديد شائع الزنداني المكلف بتشكيل الحكومة (رويترز)

أما تعيين الفريق الركن محمود الصبيحي، القائد العسكري المخضرم، فيعدّ تعزيزاً لتمثيل المؤسسة العسكرية المخضرمة في المجلس، حيث يرسل هذا التعيين رسالة تطمين للقوات التي تقاتل على الجبهات ضد الحوثيين، ويُفهم على أنه خطوة نحو توحيد التشكيلات العسكرية تحت قيادة وزارة الدفاع، وهو مطلب سعودي ودولي رئيسي.

وفيما يخص قبول استقالة حكومة سالم بن بريك، وتكليف الدكتور شائع الزنداني بتشكيل الحكومة الجديدة، فإن ذلك يهدف إلى تجديد الأداء الحكومي لمواكبة المرحلة الجديدة، حيث إن المهمة لم تعد مجرد «إدارة أزمة»؛ بل الانتقال إلى مرحلة إعادة إعمار المؤسسات وتحسين الخدمات، خصوصاً مع إعلان السعودية تقديم دعم مالي لصرف الرواتب بقيمة 90 مليون دولار، إضافة إلى تكفلها بدفع رواتب العسكريين ابتداء من يوم الأحد.

المشهد الأوسع

لا يمكن فهم هذه التحركات اليمنية بمعزل عن الحاضنة الإقليمية التي تتمثل في السعودية، فبالتوازي مع هذه القرارات الداخلية، كانت الرياض تعلن عن حزمة مشاريع تنموية جديدة في اليمن بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (500 مليون دولار)، وتستعد لاستضافة «مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي» إلى جانب سعيها لإعادة توحيد القوات العسكرية.

وكما يظهر، فإن الاستراتيجية السعودية تقوم على دعم السلطة الشرعية لفرض سيطرتها وتوحيد قواتها، وإنهاء «المظاهر المسلحة» خارج الدولة، وتسهيل حوار شامل بين المكونات الجنوبية تحت رعايتها، للتوافق على رؤية موحدة تنزع الفتيل المستمر لـ«القضية الجنوبية» بناء على أسس راسخة تمثل صوت المواطنين في المحافظات الجنوبية والشرقية.

كما تواصل السعودية جهودها التنموية والإنسانية، إذ تربط الاستقرار السياسي في اليمن بتحسين الخدمات وتوفير فرص العيش، لاستعادة ثقة اليمنيين في مؤسسات الدولة.

هذه التطورات تأتي في وقت يحذر فيه المبعوث الأممي هانس غروندبرغ من هشاشة الهدنة، مؤكداً أن «مستقبل الجنوب لا يمكن فرضه بالقوة».

ويبدو أن هذه التغييرات الكبيرة تهدف إلى خلق قيادة يمنية في الجنوب أكثر تماسكاً وتوحداً، وقادرة على الدخول في مفاوضات مصيرية بشأن شكل الدولة اليمنية المقبلة، ومن ثم الالتفات للحسم المؤجل في الشمال، حيث لا يزال الحوثيون يعرقلون كل المساعي الإقليمية والدولية من أجل إنهاء الانقلاب والانخراط في مسار سلمي يعيد الاستقرار إلى اليمن الكبير.


سلطات عدن ولحج تشدد على القانون... وتحذر من استغلال المظاهرات

السلطات المحلية في عدن ترفض الفوضى وتكدير السكينة من خلال المظاهرات غير القانونية (رويترز)
السلطات المحلية في عدن ترفض الفوضى وتكدير السكينة من خلال المظاهرات غير القانونية (رويترز)
TT

سلطات عدن ولحج تشدد على القانون... وتحذر من استغلال المظاهرات

السلطات المحلية في عدن ترفض الفوضى وتكدير السكينة من خلال المظاهرات غير القانونية (رويترز)
السلطات المحلية في عدن ترفض الفوضى وتكدير السكينة من خلال المظاهرات غير القانونية (رويترز)

في وقت تمرُّ فيه المحافظات الجنوبية اليمنية بمرحلة دقيقة وحساسة، جدَّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، التزام الدولة بحلٍ منصفٍ وعادل للقضية الجنوبية، بالتوازي مع تشديد السلطات المحلية في عدن ولحج على رفض أي محاولات لتكدير السكينة العامة، أو استغلال حق التعبير لإثارة الفوضى، مؤكدة احترامها الكامل للحقوق الدستورية للمواطنين ضمن إطار القانون.

وأكدت السلطة المحلية في العاصمة المؤقتة عدن، في بيان رسمي، احترامها المبدئي لحق المواطنين في التعبير السلمي عن آرائهم والمطالبة بحقوقهم المشروعة، بوصفه حقاً يكفله الدستور والقانون، مشددة في الوقت ذاته على ضرورة الالتزام بالإجراءات القانونية المنظمة، وفي مقدمها التنسيق المسبق مع الجهات المختصة، والحصول على التصاريح الرسمية لإقامة أي فعاليات جماهيرية.

وأوضحت السلطة المحلية أن عدن تمر بمرحلة دقيقة تفرض على الجميع، سلطة ومواطنين ومكونات، التحلي بأعلى درجات المسؤولية الوطنية، وتغليب مصلحة المدينة واستقرارها فوق أي اعتبارات أخرى، والوقوف صفاً واحداً في مواجهة التحديات التي تستهدف الأمن والسكينة العامة.

حشد سابق في عدن دعا له المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل (رويترز)

وحذَّر البيان من محاولات مشبوهة قد تسعى لاستغلال التجمعات الجماهيرية لإثارة الفوضى أو الإضرار بالمصالح العامة والخاصة، مؤكداً أن التنظيم القانوني للمظاهرات يهدف بالأساس إلى حماية المشاركين وصون أمن المدينة.

ودعت السلطة المحلية في عدن مختلف الجهات والمكونات والمنظمين إلى تغليب لغة العقل، وتأجيل أي فعاليات جماهيرية في الوقت الراهن، إلى حين استقرار الأوضاع الأمنية وضمان التنسيق الكامل مع الجهات المختصة، بما يحقِّق المصلحة العامة، ويحافظ على أمن واستقرار العاصمة المؤقتة.

وأكدت أنها لن تدخر جهداً في سبيل تعزيز الأمن وخدمة المواطنين، معوّلة على وعي أبناء عدن وحرصهم على حماية مدينتهم من أي انزلاقات تهدد استقرارها.

موقف مماثل في لحج

أكدت السلطة المحلية في محافظة لحج أن ممارسة حق التعبير السلمي تتطلب الالتزام الصارم بالإجراءات القانونية والضوابط المنظمة، وعلى رأسها التنسيق المسبق مع الجهات المعنية، والحصول على التصاريح الرسمية؛ لضمان سلامة الفعاليات والمشاركين فيها، ومنع استغلالها في إثارة الفوضى أو الإضرار بالمصالح العامة والخاصة.

وأشارت السلطة المحلية، في بيان رسمي، إلى أن محافظة لحج تمر بمرحلة دقيقة تستدعي من الجميع، سلطة ومواطنين ومكونات، التحلي بروح المسؤولية الوطنية، وتغليب مصلحة المحافظة واستقرارها، والوقوف صفاً واحداً في مواجهة التحديات التي تستهدف السكينة العامة.

تقوم القوات الحكومية اليمنية بدورية في أحد شوارع مدينة عدن الساحلية الجنوبية (إ.ب.أ)

وجدَّدت تأكيدها أنها لن تألو جهداً في سبيل استتباب الأمن وخدمة المواطنين، معبّرة عن ثقتها في وعي أبناء لحج وحرصهم على حماية محافظتهم من أي محاولات تهدِّد أمنها واستقرارها.

وشدَّد البيان على احترام السلطة المحلية الكامل لحق المواطنين في التعبير السلمي عن آرائهم والمطالبة بحقوقهم المشروعة، مؤكداً إيمانها بأهمية الصوت الشعبي في مسار البناء والتصحيح، وداعياً في الوقت ذاته إلى تأجيل أي مظاهرات أو فعاليات جماهيرية في المرحلة الراهنة، إلى أن تستقر الأوضاع الأمنية ويتحقَّق التنسيق الكامل الذي يصون أمن واستقرار المحافظة.

تشديد رئاسي

أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، الخميس، اتصالات هاتفية بمحافظي شبوة عوض بن الوزير، وأبين أبو بكر حسين، ولحج أحمد تركي؛ للاطلاع على أوضاع المواطنين، وجهود تطبيع الأوضاع، وتحسين الخدمات، وتعزيز الأمن والاستقرار في محافظاتهم.

واستمع العليمي - بحسب الإعلام الرسمي - إلى تقارير موجزة حول الإجراءات المتخذة لتأمين المنشآت الحيوية والمصالح العامة، وصون مقدرات الدولة، ومنع أي محاولات للإخلال بالأمن والسكينة العامة أو تعطيل الخدمات.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأشاد رئيس مجلس القيادة الرئاسي بالدور الوطني لأبناء محافظات شبوة وأبين ولحج، ومواقفهم الداعمة للدولة ومؤسساتها الشرعية، مؤكداً ثقته بوعي أبناء هذه المحافظات وحسهم الوطني، والتفافهم حول السلطات المحلية بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار والتنمية وصون السلم الأهلي.

وجدَّد العليمي - وفق الإعلام الرسمي - التزام الدولة بحل منصف للقضية الجنوبية، بوصفها قضيةً عادلةً ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، على أن يتم ذلك وفق خيارات تقررها الإرادة الشعبية الحرة في ظروف طبيعية.

وثمّن في هذا السياق استجابة السعودية لطلب استضافة ورعاية مؤتمر الحوار الجنوبي، بوصفه خطوةً مهمةً لبحث الحلول العادلة للقضية الجنوبية ضمن إطار الحل السياسي الشامل في اليمن.


حراك رئاسي يمني يربط جوهر الأزمة بالتهديد الحوثي محلياً ودولياً

مسلحون حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا له زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا له زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

حراك رئاسي يمني يربط جوهر الأزمة بالتهديد الحوثي محلياً ودولياً

مسلحون حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا له زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا له زعيمهم (أ.ف.ب)

بالتزامن مع القرارات السيادية الأخيرة لمجلس القيادة الرئاسي اليمني، بما في ذلك ملء شواغر عضوية المجلس بعضوين جديدين، وتعيين رئيس وزراء جديد وتكليفه تشكيل حكومة جديدة، برز حراك دبلوماسي لافت للمجلس، عكس سعياً واضحاً لإعادة تعريف اليمن كـ«قضية دولة» لا كملف أزمة إنسانية فقط، مع التشديد على أن المشكلة الجوهرية تكمن في التهديد الحوثي محلياً وإقليمياً.

جاء ذلك خلال لقاءات أجراها أعضاء المجلس في الرياض مع سفراء: الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وألمانيا، والنرويج، حيث حملت اللقاءات رسائل سياسية وأمنية واقتصادية، أكدت أن استقرار اليمن لم يعد شأناً داخلياً، بل ركيزة لأمن المنطقة والعالم، وأن أي مقاربة تتجاوز جذور الأزمة المتمثلة في الجماعة الحوثية، لن تقود إلا إلى سلام هش يعيد إنتاج الفوضى.

هذا الحراك رافقه تأكيد متجدد على محورية الدور السعودي، وطرح القضية الجنوبية ضمن مسار حوار جامع، يعكس محاولة جادة لإعادة بناء الثقة الدولية بالدولة اليمنية ومؤسساتها، وربط الدعم الخارجي بإصلاحات حقيقية، وتوحيد القرار، وحصر السلاح بيد الدولة.

وفي هذا السياق، استقبل رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في الرياض، رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، ما عكس بوضوح توجه القيادة اليمنية نحو تعزيز الشراكة مع أوروبا على قاعدة المصالح المشتركة.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي مستقبِلاً سفير الاتحاد الأوروبي (سبأ)

وذكر الإعلام الرسمي أن العليمي ثمّن الدعم الأوروبي السياسي والإنساني والتنموي، خصوصاً إسهامه في خطة الاستجابة الإنسانية التي تمثل شريان حياة لملايين اليمنيين، لكنه في الوقت ذاته وضع هذا الدعم في سياقه الأوسع، حيث بناء القدرات وتحسين الخدمات واستعادة الثقة بالمؤسسات التمويلية الدولية.

الحوثيون جذر الخراب

شدد العليمي خلال اللقاء مع سفير الاتحاد الأوروبي على أن التحولات الأخيرة في الداخل اليمني، وفي مقدمها جهود استعادة مؤسسات الدولة وتعزيز وحدة القرار السيادي، تمثل مدخلاً حقيقياً لأي استقرار مستدام، مشيراً إلى أن الميليشيات الحوثية لا تزال جذر الخراب ومصدر تهديد مباشر للأمن الإقليمي والدولي، بما في ذلك خطوط التجارة العالمية.

ورأى رئيس مجلس القيادة اليمني أن أي مقاربة دولية تساوي بين الدولة والميليشيا، أو تتجاهل هذه الحقيقة، لن تقود إلى سلام، بل إلى إعادة إنتاج الأزمة.

كما جدّد العليمي التأكيد على عدالة القضية الجنوبية، ورفض حسمها بالقوة أو التمثيل الأحادي، لافتاً إلى الترتيبات الجارية لعقد حوار جنوبي – جنوبي شامل برعاية السعودية، باعتباره مساراً مسؤولاً لمعالجة واحدة من أعقد القضايا الوطنية.

عضو مجلس القيادة اليمني طارق صالح مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

في موازاة ذلك، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع سفيرة المملكة المتحدة، ومبعوثة النرويج، وأكد أن ملف اليمن بات مرتبطاً بشكل مباشر بأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، مشيراً إلى أن تأمين الممرات المائية الدولية مرهون بإنهاء سيطرة أدوات إيران، ممثلة في الحوثيين، على العاصمة صنعاء.

وأكد صالح أن استمرار سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يضع المنطقة والعالم أمام مخاطر متزايدة، وهو ما يفسر تنامي الاهتمام الدولي بما يجري على الساحة اليمنية.

ونقل الإعلام الرسمي أن سفيرتَي المملكة المتحدة والنرويج جددتا التزامهما بدعم مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، ومساندة الجهود السعودية الرامية إلى تحقيق الاستقرار.

إدارة متزنة للتحديات

من جهته، عقد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الله باوزير لقاءين مع سفيرَي الولايات المتحدة وألمانيا، وأكد أن المرحلة الراهنة تتطلب إدارة متزنة للتحديات، تقوم على تعزيز مؤسسات الدولة، ومنع الفراغات السياسية والأمنية، ومعالجة القضايا الوطنية بالحوار والمسؤولية، محذراً من الانزلاق إلى صراعات داخلية جديدة.

وأوضح باوزير أن ما تشهده بعض المحافظات الجنوبية ليس انتصاراً لطرف على آخر، بل تصويب للمسار، وإعادة اعتبار للدولة ومؤسساتها، وحماية للاستقرار العام. كما شدد على أهمية مؤتمر الحوار الجنوبي الذي سترعاه السعودية، باعتباره مظلة جامعة لا تقصي أحداً، وصولاً إلى رؤية عادلة تُطرح ضمن مسار الحل السياسي الشامل.

عضو مجلس القيادة اليمني عبد الله باوزير مجتمِعاً مع السفير الأميركي ستيفن فاجن (سبأ)

ونقلت المصادر الرسمية أن السفير الأميركي ستيفن فاجن جدد التزام بلاده بدعم مجلس القيادة والحكومة اليمنية، وتعزيز التعاون في حماية الملاحة الدولية، ومكافحة الإرهاب، والتنسيق لمواجهة التحديات المشتركة، في حين جدد السفير الألماني دعم بلاده لوحدة اليمن وسيادته، ومساندة جهود السلام والعمل الإنساني والتنموي.

جوهر الأزمة

في سياق الحراك الرئاسي اليمني، أكد عضو مجلس القيادة عثمان مجلي أن جوهر الأزمة اليمنية يتمثل في استمرار انقلاب الحوثيين المدعومين من النظام الإيراني، محذراً من أن أي تساهل مع تقويض سلطة الدولة لا يخدم السلام، بل يغذي الإرهاب، ويكرّس الفوضى، ويمدّد أمد الصراع بما يهدد أمن اليمن ودول الجوار معاً.

وشدد مجلي خلال لقائه سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن عبده شريف، على أن الدعم الذي تقدمه السعودية لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية كان عاملاً حاسماً في توحيد مختلف القوى الوطنية ضمن إطار واحد وقرار سيادي موحد، انطلاقاً من إدراك مشترك بأن المعركة الأساسية هي استعادة الدولة ومواجهة المشروع الحوثي.

عضو مجلس القيادة اليمني عثمان مجلي مع السفيرة البريطانية (سبأ)

وأوضح أن مجلس القيادة يعمل، بدعم إقليمي، على ترسيخ نموذج «عدن المدنية» بعيداً عن عسكرة المدن، من خلال إخلائها من المعسكرات، ونقلها إلى الجبهات أو ثكنتها العسكرية، باعتبار ذلك خطوة أساسية لبناء دولة مستقرة وآمنة.

كما لفت مجلي إلى أن الجماعة الحوثية لا تزال تتلقى دعماً عسكرياً ومالياً وتقنياً من إيران، التي تحاول تعويض تراجع نفوذها الإقليمي عبر استخدام الحوثيين كأداة منخفضة التكلفة لتهديد أمن اليمن والممرات البحرية الحيوية، داعياً المجتمع الدولي إلى موقف أكثر وضوحاً في دعم سلطة الدولة، والاستثمار في الأمن ومكافحة الإرهاب، وبناء مستقبل أفضل لليمنيين.