إثيوبيا وهاجسا الاستقلال والحداثة

أحلام الخديوي اسماعيل وعناد الأباطرة

إثيوبيا وهاجسا الاستقلال والحداثة
TT

إثيوبيا وهاجسا الاستقلال والحداثة

إثيوبيا وهاجسا الاستقلال والحداثة

على الرغم من القرب الجغرافي واللغوي بين شبه الجزيرة العربية والحبشة، ظلت العلاقات السياسية ضعيفة والتبادل الاقتصادي والثقافي ضئيلا ًبين الجانبين بعد نشوء الدول العربية – الاسلامية في القرن السابع الميلادي. ولم تشهد إثيوبيا فتحاً عربياً بفضل شعور المسلمين بالامتنان لإيواء ملك أكسوم النجاشي أصمحة (أو أشاما بحسب المصادر الإثيوبية) للمسلمين الأوائل. وفي سياق ذلك، اعتُبر الحديث الشريف «اتركوا الحبشة ما تركوكم» من محددات العلاقة بين العرب والحبشة، على الرغم من الخلاف بين المفسرين والمحدين في شأن مضمون الحديث وصحته.
حجم اثيوبيا، والتعداد الكبير لسكانها وثرواتها، وتنوعها الإثني واللغوي والديني، يجعلها دائمة الحضور في الاهتمامات العربية والدولية، فيما تعيق العوامل ذاتها، إضافة إلى الفقر والصراعات الدموية المتكررة، تبوُّأ إثيوبيا المكانة التي تستحق بين الدول. ومنذ الخلاف العميق مع مصر والسودان في شأن سد النهضة، ثم اندلاع الحرب بين جبهة تحرير شعب تيغراي والحكومة الاتحادية، ظهر أن الأحلام التي رافقت وصول رئيس الوزراء الحالي آبيي أحمد الى الحكم في 2018، تبخرت لتحل مكانها الحقائق المريرة لواقع الانقسامات.
وتتناول السطور التالية جانبا من سعي اثيوبيا بشعوبها المختلفة الى الحفاظ على استقلالها، في وجه عالم عات وعوامل ذاتية تشمل الصراعات بين الاقوام والشعوب الاثيوبية. بيد ان تركيزنا سيكون على العناصر الخارجية وهو قد يُفسر باعتماد الرواية الاثيوبية للأحداث. وليس هذا هو القصد.

هاجس الاستقلال

على مدى قرون كان الحفاظ على الاستقلال هاجس الممالك التي توالت على حكم الهضبة الاثيوبية. في القرن السادس عشر، شكّل ظهور الأمير أحمد بن ابراهيم – أحمد غران (الأعسر) في المصادر الإثيوبية- مصدر قلق كبير لملوك السلالة السليمانية التي استولت على الحكم سنة 1270 بعد الاطاحة بالأسرة الزغوية. وزعم افراد السلالة السليمانية تحدرهم من النبي سليمان وملكة سبأ واقاموا شرعيتهم على نسبهم هذا، إضافة الى تعزيزهم دور الكنيسة الارثوذكسية التي لا تقل أهمية في التاريخ الإثيوبي عن الممالك المختلفة.
فقد وصلت المسيحية الى مملكة أكسوم، الواقعة على البحر الأحمر والتي كانت تحتل أجزاءً من أريتريا واقليم امهرى الحاليين، على يد القديس فرونتيوس الآتي الى الحبشة من مدينة صور سنة 316 والذي أقنع عدداً من النبلاء باعتناق المسيحية، قبل أن يقيم الصلة بين كنيسته الجديدة وبين بطريركية الاسكندرية، التي أرسلت مبشرين لنشر المسيحية وحافظت على العلاقة مع الكنيسة الحبشية. بذلك اصبحت الحبشة الدولة الثانية التي تتبنى المسيحية ديناً رسمياً بعد أرمينيا.
وأدت المسيحية دوراً حاسماً في الحفاظ على تميز هويات ابناء المرتفعات الاثيوبية، على الرغم من انحسار الأهمية الاستراتيجية التي اكتسبتها الممالك الاثيوبية أثناء الصراع الروماني ثم البيزنطي مع الفرس، وكان اليمن وجنوب الجزيرة العربية ساحة من ساحاته المهمة، بعدما ظهر الاسلام وانتشر في تلك النواحي، إلا أنّ الكنيسة الاثيوبية ثابرت على علاقات غير منتظمة مع نظيرتها في الاسكندرية، واتخذتا مواقف متطابقة اثناء السجالات اللاهوتية، التي شهدتها المجامع المقدسة المسيحية في الشؤون العقدية وفرقت بين المسيحيين ووزعتهم بين الكنائس المتنافسة المختلفة. وثمة وجود قديم للكنيسة الحبشية في القدس. ويقول المؤرخ كمال الصليبي في كتابه «منطلق تاريخ لبنان» أنّ ديراً للأحباش اقيم في منطقة بشري شمالي لبنان، ويرجح أن وجود الاحباش هناك جاء نتيجة التنافس بين الموارنة واليعاقبة الذين بسطوا نفوذهم في المناطق المارونية وجاءوا برهبان من الحبشة ووطنوهم هناك.

أحمد الأعسر

الخطر الأكبر الذي واجهه استقلال الممالك الاثيوبية، التي شهدت العلاقات بين بعضها البعض تبدلات حيث تمدد جديدها على حساب القديم وتغيرات في ولاءات الاقاليم المختلفة، كان الدولة التي اقامها الامام أحمد بن ابراهيم كما سلفت الاشارة. وكان أحمد من الأسرة الجبرتية في الصومال والتي يقال إنّ أصولها تعود الى الجزيرة العربية. وأصبح ملكاً على مملكة عَدَل التي توسعت لتشمل أكثرية أراضي الحبشة بين العامين 1529 و1549 وكادت تقضي على المملكة الحبشية بعدما اصيبت بهزيمة قاسية في 1527. حصل ذلك في ذروة النفوذ التركي العثماني، حيث قدم الأتراك بعض قطع المدفعية التي أدت دوراً مهماً في معارك الامام أحمد ودوّن تفاصيلها المؤرخ اليمني شهاب الدين أحمد بن عبد القادر في كتابه «تحفة الزمان- فتوح الحبشة».
ولم يتأخر الصراع الصومالي- الاثيوبي أن تحول الى جزء من المعركة بين السلطنة العثمانية والبرتغال، التي كانت تتوسع جنوباً وشرقاً بعد اصطدامها بالعقبة الاسبانية عندما حاولت التوسع نحو العالم الجديد في الغرب. أثيوبيا كانت واحدة من الساحات التي تواجه فيها الأتراك والبرتغاليون وسقط في معركة وفلة سنة 1542 كريستوفاو دي غاما، ابن المستشكف الشهير فاسكو دي غاما. وكان دي غاما الابن نظّم جيشا صغيرا للقتال الى جانب الاثيوبيين، إلا أنه وقع في أسر القوات الصومالية التي أعدمته. وبعد عام، قُتل الامام احمد برصاص قناص برتغالي، فطُوي مشروع فتح الحبشة وانهارت مملكة عَدَل المسلمة وعاد الكثير من الاثيوبيين الذين اعتنقوا الاسلام بعد مجيء القوات الصومالية الى المسيحية.
واستعادت قوات الامبراطور غيلاوديوس (أو أصناف سَغَد الأول، بحسب اسمه الرسمي) القسم الاكبر من الأراضي التي احتلتها مملكة عدل الى ان تمكن الامام نور بن المجاهد، وهو ابن شقيق الامام احمد، من وقف الهجوم الاثيوبي سنة 1549. وبذلك بقي وجود للمسلمين في اثيوبيا التاريخية، في منطقة أوغادين، اضافة الى تبنيه من قبائل الاورومو في المناطق الغربية.

أحلام إسماعيل

مبدئيا، دُفِع التهديد عن الاستقلال الاثيوبي بانحسار مملكة عَدَل، ولم يعد للظهور سوى في القرن التاسع عشر، مع محاولة الخديوي اسماعيل انشاء امبراطورية أفريقية تشمل منابع النيل الأزرق وتضمن تحول مصر الى قطب عالمي، من ضمن مشاريع اسماعيل الكبيرة. يرى عدد من المؤرخين في مشاريع اسماعيل استئنافا لأحلام جده محمد علي باشا في مجالي التوسع الاقليمي والتحديث الصناعي والتعليمي. وبالفعل، يجوز القول إن اندفاعة اسماعيل في سبعينات القرن التاسع عشر تتشارك في العديد من السمات مع حملة جده على السودان التي قادها ابنه طوسون باشا في 1820 وكان من قادتها عابدين بك الارناؤوطي (الألباني) الذي بنى جزءاً من القصر المعروف باسمه حتى اليوم.
ووصل الجيش المصري الى أعماق الاراضي السودانية والحدود الاثيوبية وكانت من العلامات التي أظهرت القدرات اللافتة لباشا مصر، العامل حتى تلك الفترة في ظل العلم العثماني، قبل ان تنشب الحرب بين الجانبين في العقد التالي ويشن محمد علي حملته الشامية ضمن محاولته اسقاط الدولة العثمانية برمتها. بعد فشل حلم محمد علي هذا، بفعل التدخل الدولي لمصلحة السلطان العثماني، توسع الوجود المصري في القرن الأفريقي ليضم محطات تجارية وقواعد عسكرية في مصوع وعصب في اريتريا وهرار في اثيوبيا، اضافة الى بربرة الواقعة في جمهورية ارض الصومال الحالية. الجدير بالذكر ان اسماعيل استعان ايضا لبناء جيشه بضباط سابقين من الكونفدرالية الاميركية (الولايات الجنوبية) الذين خسروا الحرب الأهلية الاميركية وراحوا يبحثون عمن يشتري خبراتهم وخدماتهم. وقد عيّن أحدهم، الجنرال وليام وينغ لورينغ الذي عرف باسم «لورينغ باشا» رئيسا لاركان قواته المتجهة الى اثيوبيا.
ملوك الداخل الاثيوبي، الذين لم تخلُ علاقاتهم من تنافس وصراع، كانوا شعروا بما حمله الاستعمار الغربي الى أفريقيا من خطر على استقلالهم. يضاف الى ذلك أن الخديوي اسماعيل جدد المخاوف من الاختراق المصري الواسع. وعلى جاري العادة في الدول التي تبحث في السبيل الكفيلة بمواجهة التحديات الجديدة، بدأت افكار التحديث كطريق للحفاظ على الاستقلال تجد طريقها الى القصور، خصوصا ان القواعد المصرية عزلت الداخل عن الخطوط البحرية التجارية.
وتقول المصادر المصرية أن السبب في حملة اسماعيل كان احتجاج الامبراطور يوحنس الرابع (يوهانس او يوحنا) الذي أدرك الخطر الذي يمثله القصور الحضاري الاثيوبي عن العصر، على استمرار استقلال بلاده. وأوفد يوحنس الى القاهرة بعثة نقلت المطالب الاثيوبية بإلغاء الرسوم الجمركية على السلع العابرة للمرافئ الارتيرية الواقعة في قبضة القوات المصرية، نظرا الى الأعباء الكبيرة المترتبة على الاقتصاد الاثيوبي. مهما يكن من أمر، لم تؤد المفاوضات الى نتيجة واستعان يوحنس بالمغامر البريطاني تشارلز كيركهام لبناء جيش حديث وقيادته ضد المصريين الذين بدأوا ما يعرف بـ»حملة الحبشة» من مرافئ اريتريا. وانتهت الحملة في 1874 بهزيمة الخديوي اسماعيل وتعزيز نفوذ الامبراطور الاثيوبي. ما سيكون له عواقب سيئة على مستقبل اسماعيل وحكمه واخفاق مشاريعه.

حملة نابيير

الحضور البريطاني الذي سعى ملوك اثيوبيا الى استخدامه في مواجهة التمدد المصري، كان سابقا على ظهور كيركهام. إذ ان حرباً نشبت بين سلف يوحانس، الامبراطور تواضروس الثاني، والبريطانيين. ويُعتبر تواضروس مؤسس مشروع تحديث اثيوبيا، من خلال محاولته الغاء النظام الاقطاعي، وتعيين اصحاب الكفاءة في المناصب العليا، وبناء جيش قادر على التصدي للقوى الاستعمارية التي راحت ترسل مبعوثيها الى أفريقيا تمهيدا لغزوها. سعيُ تواضروس الى تثبيت مكانة دولية له مقابل تجاهل الغرب لجهوده، دفعه الى اعتقال عدد من المرسلين والمغامرين البريطانيين، لترد لندن بتجريد حملة «تأديبية» كبيرة بقيادة الجنرال روبرت نابيير قوامها الأساس قوات هندية، تمكنت من إلحاق الهزيمة بتواضروس بعدما تخلى عنه امراء المناطق، واحتل البريطانيون حصنه في مغدلا في 1868 لتجده وقد انتحر مفضلا الموت على الاستسلام للبريطانيين، ما اتاح المجال لمنافسه يوحنس الرابع تولي الحكم كإمبراطور على اثيوبيا.
أدت الأسلحة التي خلفتها حملة نابيير وراءها، وخصوصا قطع المدفعية، دورا في تدمير جيش الخديوي اسماعيل. وبعد اخفاق الحملة المصرية التي قادها اراغيل بيه الارمني والعقيد ادولف اهرنهوب الدنماركي في معركة غونديت، باءت المحاولة المصرية الثانية لاجتياح الهضبة الاثيوبية بالفشل ايضا بهزيمة كاملة في معركة سهل غورا، التي قاد القوات المصرية فيها راتب باشا سنة 1875. فيما تولى راس علولا انغيدا، القائد التيغراني اللامع، قيادة الاثيوبيين. ولقب «راس» يُطلق في اثيوبيا على الزعماء الذين يثبتون جدارة في الميدان حتى لو لم يمتوا بصلة الى العائلة المالكة.
نهاية حلم الخديوي بإمبراطورية أفريقية كان بداية حلم آخر بزغ في روما هذه المرة. إيطاليا الساعية الى اللحاق بنظيراتها الاوروبيات، بعدما جاءت متأخرة الى حفل تقاسم المستعمرات في أفريقيا وآسيا، منّت النفس بالحصول على مدخل الى القارة من اريتريا. وتحولت المستوطنتان الايطاليتان في عصب ومصوع الى منطلق للتوسع في الداخل الاثيوبي بعد قيام «اريتريا الايطالية». علة التأخر الإيطالي عن ركب الاستعمار الاوروبي، غياب الدولة الوطنية فيها حتى منتصف القرن التاسع عشر وتوزعها على دويلات متناحرة، واستطرادا تخلف البنى الرأسمالية المشابهة لتلك التي باتت راسخة في بريطانيا وفرنسا على سبيل المثال.

ثم جاءت إيطاليا

الحرب الايطالية الاولى في 1894 -1896 انتهت بهزيمة مشينة للقوات الايطالية على يدي راس علولا الذي أشرف على جيش يوحنس الرابع. وقعت الحرب نتيجة تمرير الايطاليين فقرة في معاهدة ثنائية اعقبت صدامات وقعت بين سنتي 1887 و1889 مع الاثيوبيين تنص على وضع بلاد هؤلاء في حماية ايطاليا. لكن نتيجة الحرب ضمنت الاستقلال الاثيوبي كحقيقة. وجاء الامبراطور ميلينك الثاني، الذي اختار اسما يُذكّر بأحد ابناء الملك سليمان من ملكة سبأ، ليعلن عودة السلالة السليمانية من طريقه وهو الذي يتحدر من اسرة نبيلة ونجح في تثبيت نفسه كامبراطور خلفا ليوحنس الذي مات متأثرا بجرح اصيب به خلال معركة ضد الأنصار السودانيين. ومع انتصار القائد راس علولا في مقلي وعدوى سنة 1896، اختتمت الحرب الايطالية -الاثيوبية الاولى بدخول مينيليك، ملك شيوا السابق، كشخصية أفريقية الى الساحة الدولية بعدما استطاع الحفاظ على استقلال بلده - مع بعض المساعدة الفرنسية والروسية في سياق التنافس التقليدي الاوروبي- في وجه الاستعمار الايطالي.
وسيبدأ مينيليك مرحلة جديدة من تحديث البلاد وتغيير حدود المقاطعات وتعيين حكام جدد ووسع حدود اثيوبيا، لتصبح على الرقعة الموجودة عليها اليوم تقريبا. ويُنسب الفضل اليه في انشاء الوزارات المتخصصة وادخال التعليم الحديث وبناء العاصمة الجديدة أديس أبابا. بعد وفاته في 1913، تولى راس تفاري، ابن عم مينيليك، السلطة كولي للعهد ومساعدا لزوديتو ابنة الامبراطور الراحل. فتابع مشروع التحديث وترسيخ اجهزة الدولة التي انضمت في 1923 الى عصبة الامم.
وتحسن اقتصاد اثيوبيا بفضل الارباح التي كان يدرها تصدير البن الاثيوبي الممتاز. وما زال هذا المنتج الزراعي المصدر الاول للعملة الصعبة الى اليوم. وفي 1928 سمّت زوديتو تفاري ملكا باسم هيلا سيلاسي الأول. لتبدأ مرحلة من التاريخ الاثيوبي ستشهد حربا ثانية تشنها ايطاليا، واحتلالا جديدا ينتهي بدخول هيلاسيلاسي اديس أبابا ظافرا بعد طرد الايطاليين بمساعدة الحلفاء سنة 1941 وصعودا في مطالب اريتريا الاستقلالية، ثم فشلا لمشاريع الاصلاح وتفاقم الفساد والحركات الطلابية المطالبة وصولا الى الانقلاب العسكري وحكم مجلس «الدريغ» بزعامة العقيد منغستو هيلا ميريام و»رعبه الاحمر» واطروحات الاشتراكية العلمية...
ما تقدم جوانب من الخلفية التي تدور عليها صراعات اليوم بين إثيوبيين لم يبرأوا من أوزار الماضي وتبعاته، وحيث تتقرر من جديد السبل التي ستمضي عليها تلك البلاد الغنية الى حد البذخ بالتاريخ والتنوع، والفقيرة الى درجة الجوع في إدارة الموارد وشح الطبيعة.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.