سوريا... 3 «دويلات» و«جحيم» بدرجات

2021 سنة ثبات {الحدود» واستمرار غارات إسرائيل... ودول عربية اختبرت التطبيع مع دمشق

فتى وسط السيول في مخيم للنازحين بإدلب شمال غربي سوريا 20 ديسمبر (رويترز)
فتى وسط السيول في مخيم للنازحين بإدلب شمال غربي سوريا 20 ديسمبر (رويترز)
TT

سوريا... 3 «دويلات» و«جحيم» بدرجات

فتى وسط السيول في مخيم للنازحين بإدلب شمال غربي سوريا 20 ديسمبر (رويترز)
فتى وسط السيول في مخيم للنازحين بإدلب شمال غربي سوريا 20 ديسمبر (رويترز)

خمسة عناصر مفتاحية خيّمت بظلِّها على سوريا وأهلها، حيثما كانوا، في السنة المنصرمة. جميع الخيوط، ليست بذات الأهمية، لكنّ تشابكها ومآلاتها ستترك أثراً في مستقبل البلاد والعباد خلال السنة المقبلة أو السنوات اللاحقة، كما أنها ستترك آثارها في قرارات «اللاعبين» الخارجيين والجيوش الخمسة (روسيا، وإيران، وتركيا، وأميركا، وإسرائيل) والتأرجح بين التسويات والصدامات على أرض الشام.

دولة و «دويلات»

للسنة الثانية، بقيت خطوط التماس ثابتة في الدولة السورية بين مناطق النفوذ الثلاث أو «الدويلات السورية»: واحدة تحت سيطرة الحكومة بدعم روسي وإيراني، وتشكّل تقريباً ثلثي مساحة سوريا البالغة إجمالاً 185 ألف كلم مربع، وسط البلاد وغربها وجنوبها، كانت قبل سنوات تسمى «سوريا المفيدة»، إلى أن تم اكتشاف أن سوريا المفيدة حقاً تقع في الضفة الأخرى من نهر الفرات، وهي تشكل المنطقة الثانية من حيث الثروات والمكونات والجيوسياسيات التي تختزن معظمها، وتمثل من حيث الجغرافيا أقل من ربع مساحة البلاد، وتقع هذه المنطقة تحت سيطرة التحالف الدولي بقيادة أميركا وحلفائها في «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية، وتقع عموماً شرق نهر الفرات، مع جيبين في منبح بريف حلب شمالاً وفي التنف جنوب شرقي البلاد، قرب حدود الأردن والعراق.
في اللعبة الكبرى، يقع «الجيب الكبير» في زاوية الحدود السورية - التركية - العراقية. ولهذا معنى كبير. يضاف إليه جيب جيوسياسي آخر، يقع في الزاوية السورية - العراقية - الأردنية، في قاعدة التنف. يضاف إليه عنصر آخر، وهو أن هذه القاعدة هي «العين الساهرة»، التي تستفيد من طاقاتها إسرائيل في الإطلالة استخباراتياً على سوريا والعراق... و«معاقل إيران».
أما منطقة النفوذ الثالثة فهي تقع تحت سيطرة فصائل سورية أو «مهاجِرة» مختلفة، مدعومة بدرجات متفاوتة من الجيش التركي، وتضم ثلاثة جيوب: واحد بين رأس العين وتل أبيض شرق الفرات، وثانٍ في عفرين وجرابلس والباب بريف حلب شمال سوريا، والثالث في إدلب وأقسام من أرياف حماة واللاذقية وحلب، في شمال غربي البلاد.
وتشكل هذه الجيوب نحو عشرين ألف كيلومتر، أي ضِعف مساحة لبنان. وتضم بشرياً نحو 3.5 مليون شخص، يضاف إليهم عدد مماثل يقيمون لاجئين في تركيا، التي «تحتضن» أكبر عدد من المقترعين السوريين في حال أُتيحت لهم ذات يوم فرصة الاقتراع. إنهم حقاً «خزان بشري».
ومع لمسة مبالغة، يذكّر واقع «الدويلات الثلاث» تحت المظلة الروسية منذ 2015 بـ«دويلات سوريا» خلال فترة الانتداب الفرنسي في العقود الأولى من القرن الماضي، إذ منذ الاتفاق بين الرئيسين الروس فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان في موسكو في 5 مارس (آذار) من عام 2020 لم يطرأ تغيير كبير على هذه الخطوط بين «الدويلات». وقد سعت دمشق، بل وعد موالون للسلطات، بشن حملة عسكرية للتقدم نحو إدلب، لكن الجانب الروسي كان ينصح ثم يردع هذه الرغبات، التزاماً بتفاهماته مع تركيا. وهي التزامات مرتبطة بلعبة أكبر بين بوتين وإردوغان تخص ليبيا وناغورنو قره باغ وأوكرانيا ومصير «حلف شمال الأطلسي»، وصفقات اقتصادية وعسكرية وجيوسياسية بين أنقرة وموسكو. في ظرف كهذا، مسكينة دمشق وإدلب عندما ترتميان على طاولة «القيصر» بوتين و«السلطان» إردوغان.
الجروح ليست أقل عمقاً عندما تشرَّح الخريطة السورية على طاولة البيت الأبيض والكرملين. إذ تعززت خطوط التماس في السنة الماضية لدى تسلم الرئيس جو بايدن الحكم، والانسحاب الكارثي من أفغانستان، حيث اتخذت واشنطن قراراً بعدم الانسحاب العسكري من شمال شرقي سوريا، وأبلغت ذلك إلى الروس وحلفائها الأكراد السوريين، بحيث بدا أن الوجود العسكري الأميركي باقٍ على حاله، على الأقل إلى نهاية ولاية بايدن بعد ثلاث سنوات.
هذا الثبات الأميركي، لم يعد رهن تغريدة من «المغرد الكبير» دونالد ترمب، إذ يعود ثبات الخطوط أيضاً إلى تفاهمات عسكرية روسية - أميركية تضبط العمليات بين الجيشين منذ منتصف 2017، وجرى تأكيدها في نهاية 2019 بعد الانسحاب الجزئي الأميركي بقرار أو تغريدة من ترمب، ودخول قوات روسية وسورية وتركية إلى منطقة النفوذ الأميركية.
أمام الثبات في الخطوط، فقد حصل تغيير وحيد في جنوب غربي سوريا، إذ إن الجانب الروسي قاد أو فرض عملية مصالحات، تضمنت «انقلاباً» على تفاهمات سابقة أميركية - أردنية - روسية في منتصف 2018، وقضت وقتذاك بعودة قوات الحكومة مقابل خروج إيران وتخلي المعارضة عن السلاح الثقيل. التسويات الجديدة قضت بتخلي المقاتلين المعارضين عن جميع أنواع السلاح، بما فيه الشخصي، وعودة كاملة لدمشق إلى درعا «مهد الثورة» التي انطلقت في ربيع 2011، ذاك الربيع الذي لا يحبه بوتين، واكتوى بنيرانه في دول الكتلة الشرقية قبل عقود.
قَبِلت قوى إقليمية، تقدم العربات الروسية إلى جنوب سوريا، على أمل، أو رهان، بأن يؤدي ذلك إلى إبعاد إيران عن حدود الأردن وخط فصل الاشتباك في الجولان مع إسرائيل. لم لا، ما دام أنه ليست هناك ضمانة أخرى لـ«حماية أمن الحلفاء» جنوب سوريا، غير الجرأة الروسية؟

غارات إسرائيل

هذه «الجرأة» بدت في الغطاء الذي قدمه بوتين لإسرائيل في ملاحقة إيران عسكرياً في سوريا. فعلاً، شيء لافت أن يسمح بوتين لإسرائيل بقصف مكثف للإيرانيين، حلفائه في سوريا وغيرها.
في العام المنصرم، حصلت في سوريا بعض المناوشات هنا أو هناك. فقبل قمة الرئيسين بوتين وإردوغان في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، قامت طائرات روسية بقصف فصائل محسوبة على تركيا في ريفي إدلب وحلب، كما استمر القصف المدفعي عبر «الجبهات»، لكن لم يحصل تغيير جوهري على مكان الخطوط.
التغيير الوحيد، أو ربما الثابت الوحيد عسكرياً، هو استمرار القصف الإسرائيلي في جنوب سوريا وشمالها وشرقها ووسطها وغربها. قد يكون هذا بين الأمور القليلة التي تحظى بدعم الكرملين والبيت الأبيض: أمن إسرائيل. استمرت الغارات الإسرائيلية على «مواقع إيرانية» امتداداً لـ«حرب الظل» الإيرانية - الإسرائيلية في البر والبحر والجو في منطقة الشرق الأوسط. ومنذ تدخل روسيا في سوريا نهاية 2015، حصل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو، على «حرية الحركة ضد إيران في سوريا» من الرئيس فلاديمير بوتين. ورغم حصول بعض التوترات، لكن قاعدة حميميم بقيت ملتزمة بعدم الرد وعدم تشغيل منظومات الصواريخ المتطورة من «إس 400» و«إس 300» ضد الطائرات الإسرائيلية لدى استهدافها «مواقع لـ(حزب الله) في الجولان، وقواعد عسكرية إيرانية، ومصانع أو مخازن صواريخ باليستية».
خضعت هذه التفاهمات لاختبار لدى تسلم نفتالي بنيت موقعه رئيساً للوزراء في يونيو (حزيران) الماضي. وبالفعل، سعت روسيا إلى «تقييد» حركته في سوريا، إلى أن التقى الرئيس بوتين في سوتشي في 22 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وقبل اللقاء، استهدفت مسيرات إيرانية قاعدة التنف الأميركية جنوب شرقي سوريا، «رداً» على قصف إسرائيل قاعدة إيرانية في ريف حمص، ضمن مساعي طهران للضغط على موسكو قبل لقاء بنيت - بوتين. لكنّ هذا اللقاء استمر لخمس ساعات، وكان «حاراً وسرياً ودافئاً»، وعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد إلى تل أبيب بـ«أفضل مما كان في جعبة نتنياهو». جرى تفعيل آلية التنسيق العسكرية بين قاعدة حميميم وتل أبيب، وصعّدت إسرائيل من غاراتها في سوريا، بل إنها استخدمت صواريخ أرض - أرض لقصف ريف دمشق في أكتوبر، ثم قصفت للمرة الأولى ميناء اللاذقية على البحر المتوسط.
وقبل أن يطوي العام أيامه الأخيرة، كشفت مصادر إسرائيلية عن استهداف عشرات الأهداف لـ«حزب الله» في جنوب سوريا خلال السنوات الثلاث الماضية من دون رد إيراني أو من «حزب الله». وكان آخرها أمس، عندما استهدفت إسرائيل مطار اللاذقية على بُعد عشرين كيلومتراً من قاعدة حميميم الروسية، وذلك للمرة الثانية في أقل من شهر.

المساعدات الإنسانية

منذ وصول بايدن إلى الحكم، تراجعت أولوية الملف السوري في أجندته، بشكل أكبر من تراجع ملفات الشرق الأوسط الأخرى. واكتفت الإدارة الأميركية بتحديد ثلاثة أهداف: تقديم مساعدات إنسانية إلى كل السوريين، ومنع عودة «داعش»، والحفاظ على وقف النار وثبات خطوط التماس.
وضمن الصورة الأوسع ثنائياً ودولياً، أبلغ بايدن بوتين لدى لقائهما في جنيف في يونيو الماضي، أن تمديد قرار مجلس الأمن للمساعدات الإنسانية «عبر الحدود» قبل انتهاء ولاية القرار في يوليو (تموز)، هو «الاختبار» لإمكانية التعاون حول ملفات أخرى تخص سوريا. وبالفعل، اتفق مبعوثو الرئيسين خلال لقاء سري في جنيف بداية يوليو على مسودة قرار جديد، تضمن مقايضة: روسيا توافق على تمديد قرار المساعدات «عبر الحدود»، مقابل موافقة أميركا على تقديم المساعدات «عبر خطوط التماس» وعبر دمشق، إضافةً إلى تمويل مشاريع «التعافي المبكر». الهدف الروسي من هذين البندين: توسيع الاعتراف بسلطة دمشق والالتفاف على «الخط الأحمر» الأميركي - الغربي - العربي بـ«عدم تمويل مشاريع الإعمار قبل تحقيق تقدم لا رجعة عنه في العملية السياسية وفق القرار 2254».
عُقد لاحقاً لقاءان آخران بين الروس والأميركيين في جنيف، لبحث تمديد القرار لستة أشهر أخرى في بداية العام المقبل وتوسيع المساعدات «عبر الخطوط» و«التعافي المبكر»، إضافة إلى تساهل واشنطن بتقديم استثناءات من العقوبات لدعم المشاريع الإنسانية ومواجهة «كورونا».
وبقي الملف الإنساني رئيسياً في جدول المحادثات من دون العبور إلى قضايا سياسية أعمق وأكبر، حتى إن المبعوث الأممي غير بيدرسن نجح بالكاد في عقد اجتماعات بسيطة للجنة الدستورية. لكنّ موقف إدارة بايدن هذا، وعدم اهتمامها بالملف السياسي، فتحا المجال للعنصر الرابع الأساسي في سوريا، الذي يتعلق بالتطبيع مع دمشق، خصوصاً في ضوء إلحاح وإصرار الجانب الروسي على العرب لإعادة دمشق إلى «الحضن العربي»، والاعتراف بـ«الأمر الواقع» وإعادة «الشرعية إلى الحكومة الشرعية»، وضخ الأموال لإعمار سوريا، و«عدم تكرار التجارب الغربية الفاشلة في تغيير الأنظمة في العراق وليبيا وغيرها».

التطبيع العربي

منذ نهاية 2011 اتخذ مجلس الجامعة العربية قراراً بـ«تجميد» عضوية سوريا فيه. وبقي الوضع على حاله سنوات، بل إن ممثلي «الائتلاف الوطني السوري» المعارض حضروا مؤتمرات للقمة العربية، وحظي باعتراف دول واسعة في الجمعية للعامة للأمم المتحدةـ. لكن الحكومة بقيت ممثلة في مؤسسات الأمم المتحدة، لأن مجلس الأمن لم يتخذ قراراً بتجميد العضوية.
ومع تغير الظروف في سوريا وتدخل إيران وتركيا وتغيير ظروف الإقليم والعالم خلال عقد، بدأت بعض الدول تدريجاً بإعادة فتح أبواب مع دمشق، حيث عادت سفارة الإمارات والبحرين للعمل جزئياً في نهاية 2018، وجرت زيارات أو اتصالات أمنية وسياسية، علنية وسرية، من مسؤولين عرب مع الحكومة السورية. لكن لم يكن هناك إجماع على عودتها إلى الجامعة وحضور القمم العربية.
ومع تسلم إدارة بايدن وغياب الدور القيادي الأميركي في الملف السوري وتخليها بوضوح عن سياسة «الضغط الأقصى» التي اتّبعتها إدارة دونالد ترمب ضد دمشق وطهران، ومع «تغييرات في الواقع»، إضافةً إلى إعلان إدارة بايدن بوضوح القطيعة مع مبدأ «بناء الأمم» و«تغيير الأنظمة» بعد فشل تجربة أفغانستان عقب عقدين، والعراق وليبيا بعد سنوات، مضت دول عربية بخطوات انفرادية أوسع نحو التطبيع، حيث تلقى العاهل الأردني الملك عبد الله في بداية أكتوبر اتصالاً من الأسد، الذي استقبل في نوفمبر (تشرين الثاني) وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد. وهاتان الخطوتان كانتا الأبرز في مجال التطبيع العربي منذ 2011، وإن كانت سبقتهما خطوات أخرى، تضمنت اتصالات من قادة عرب بالأسد بعد الانتخابات الرئاسية التي جرت في مايو (أيار) ولدى أداء القسم في يوليو.
لكن، بعد مرور أشهر على تلك الخطوات، لوحظ جمود في مسار التطبيع العربي، وانخفض سقف التوقعات باحتمال حضور سوريا القمة العربية المقررة في الجزائر نهاية مارس المقبل. وقيل إن السبب هو أن دمشق لم تقم بتقديم تنازلات للدول العربية فيما يتعلق بالعملية السياسية الداخلية، أو «خروجها من الأجندة الإيرانية»، أو محاربة تهريب المخدرات وتفكيك شبكاتها، أو محاربة الإرهاب وتبادل معلومات عنه.
وعليه، تلاشت آمال سوريين في تحسين الأوضاع الاقتصادية. وهذا هو العنصر الخامس البارز في سوريا في 2021.

أزمة وهجرة

مشهد السوريين يركبون «قوارب الموت» للهروب من الحرب عبر البحار إلى أوروبا، كان صادماً في 2015، وساد اعتقاد أنه انتهى، خصوصاً مع ثبات «خطوط التماس» وبعض الإشارات التطبيعية العربية والتغيير في مواقف دول غربية وعربية. لكن الأسابيع الأخيرة قدمت صورة مختلفة، حيث وصل السوريون إلى حدود بيلاروسيا مع بولندا «هرباً من الجحيم» في سوريا للوصول إلى «الحلم الأوروبي». كما تناقلت وسائل تواصل اجتماعي صور سوريين بالآلاف أمام مؤسسات الهجرة للحصول على جوازات سفر.
المحرك الرئيسي لموسم الهجرة في 2015 كان الحرب والأمان. والدافع الأساسي للموسم الجديد من الهجرة كان اقتصادياً، وغياب الأمل لدى فئة واسعة من السوريين، خصوصاً في منطقة سيطرة الحكومة. وظهر انطباع بأن «النصر العسكري» لم يُترجم إلى ملاءة اقتصادية ومكاسب معيشية وأخرى تتعلق بالأمان والعيش اليومي.
كان الرهان على رفع العقوبات بعد التطبيع العربي، وعودة الكهرباء والنور إلى دمشق وأخواتها، بعد إشارات وخطوات التطبيع وبيانات الدعم وإشارات الصمت ودعم إدارة بايدن لموافقة مصر على مد «أنبوب الغاز العربي» إلى سوريا ولبنان عبر الأردن. لكن سيف عقوبات «قانون قيصر» بقي مسلطاً ومتحالفاً مع شبكات الفساد في سوريا والترهل الإداري وغياب الخبراء، فبقيت دمشق في الظلمة، يعاني أهلها الفقر والجوع، أو يبحثون عن حلم وراء الحدود، وبقي أهلها وشبابها يطاردون الأحلام والأنوار في جغرافيا وضفاف أخرى.

مآلات وأسئلة

لا شك أن عام 2021 كان محطة في الصراع السوري بعد عِقد على اندلاعه، فتح عيون السوريين. فثبات خطوط التماس لم يُنهِ المعاناة، بل إن المعاناة عنوان يجمع السوريين حيثما كانوا، داخلاً أم خارجاً. فمن هو في الداخل يريد الهجرة، والمهاجر يريد توفير ظروف العودة. وعليه، سيكون العام المقبل محطة أساسية أخرى لفحص هذه التطورات التي تبلورت في السنة المنصرمة، والحصول على إجابات لأسئلة رئيسية: هل تبقى خطوط التماس ثابتة؟ وإلى متى؟ وهل مصير سوريا التقسيم أم اللامركزية أم العودة إلى «السيادة الكاملة»؟ هل ينعكس أي توتر في أوكرانيا على التفاهمات الأميركية - الروسية شرق الفرات من جهة، أو الترتيبات الروسية - التركية في إدلب من جهة أخرى، ويغيِّر حجم وحدود «الدويلات»؟ هل يبقى الضوء الروسي أخضر أمام إسرائيل في ملاحقة إيران في سوريا؟ وكيف سينعكس مصير مفاوضات الملف النووي الإيراني، اتفاقاً أم انهياراً في سوريا؟ هل تبقى «حرب الظل» الإسرائيلية - الإيرانية مضبوطة أم تفلت من أيدي «الساحر» بوتين؟ ما مصير التطبيع العربي وحدوده وبرنامجه الزمني؟ وهل تحضر سوريا القمة العربية في الجزائر؟ وكيف سيكون مسار التطبيع العربي وموقف واشنطن منه في حال فاز الجمهوريون بالانتخابات النصفية المقبلة؟ وأين سوريا في الحوار الروسي - الأميركي؟ هل ينجح المبعوث الأممي في مقاربة «خطوة مقابل خطوة» وتشكيل «مجموعة اتصال جديدة»؟ بين هذا وذاك، أين سيكون السوريون؟ هل يعود الموجودون في الخارج أم يغادرون «الكابوس»؟ أم بالفعل، يسمع الخارج نصيحة أهل الداخل، عندما قالوا: «لاتعودوا، نحن نريد الخروج من الجحيم»؟



«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.