المنافسة على حُكم ليبيا... عام آخر بانتظار الحل أو الصراع

تأجيل الانتخابات الرئاسية من دون حل المعوقات يُجدد النزاع

سيف الإسلام القذافي... ترشح في سبها بجنوب ليبيا (أ.ب)
سيف الإسلام القذافي... ترشح في سبها بجنوب ليبيا (أ.ب)
TT

المنافسة على حُكم ليبيا... عام آخر بانتظار الحل أو الصراع

سيف الإسلام القذافي... ترشح في سبها بجنوب ليبيا (أ.ب)
سيف الإسلام القذافي... ترشح في سبها بجنوب ليبيا (أ.ب)

في قصر الأمم المتحدة بمدينة جنيف، وقبل أكثر من عشرة أشهر، أثنى مشاركون في «ملتقى الحوار السياسي الليبي» على ستيفاني ويليامز، المبعوثة الأممية لدى ليبيا بـ«الإنابة» حينها، إلى حد وصفها بـ«السيدة الحديدية الصامدة الصابرة»، وبأنها «تستحق التقدير والاحترام».
وكان منبع الإشادة، آنذاك، أن «ملتقى الحوار» نجح مطلع فبراير (شباط) الماضي، برعاية المبعوثة الأممية، التي غادرت فيما بعد موقعها، في انتخاب سلطة تنفيذية مؤقتة، ممثلة في المجلس الرئاسي بقيادة السفير محمد المنفي، وحكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة رجل الأعمال الثري عبد الحميد الدبيبة، لتنفيذ مهام محددة: «تبدأ بـ(المصالحة الوطنية)، وتنتهي بإجراء (الانتخابات الرئاسية والنيابية) في الرابع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول)» 2021، وقتها استبشر الليبيون خيراً، ولسان حالهم يقول «آن لنا أن نستريح من عناء الاقتتال والانقسام».
غير أنه وقبل أن ينتهي العام بكل ما شهده من تجاذبات ومناكفات بين «الخصوم»، عادت ويليامز إلى البلاد بصلاحيات وظيفية أكبر كمستشارة للأمين العام للأمم المتحدة، بقصد إنقاذ «سفينة الانتخابات الجانحة»، لكن التحديات الجسام تكتلت في مواجهة مسار الاستحقاق الرئاسي، وقبل انتهاء الموعد المحدد لإجرائه بيومين أعلنت المفوضية العليا للانتخابات تأجيله، واقترحت على مجلس النواب تنظيمه في الرابع والعشرين من يناير (كانون الثاني)، ومن ثم تم ترحيل الأزمة بكل تعقيداتها إلى العام الجديد، وسط «قلق وخيبة أمل» عبر عنها المبعوث الخاص للولايات المتحدة وسفيرها إلى البلاد ريتشارد نورلاند، لعدم تمكن الليبيين من اختيار مستقبل بلدهم.
وفي عشرة أشهر تقريباً، هي عمر السلطة التنفيذية، شهدت ليبيا تفاصيل ومحطات كثيرة، ما بين بداية العام بانفراجته الكبيرة، ونهايته التي أصابت المواطنين بخيبة أمل أكبر، ما دفعهم إلى طرح أسئلة عدة بشأن المُتسببين في تعثر المسار السياسي، وإفشال الاستحقاق الانتخابي، وتحميل جانبٍ من المسؤولية لساستهم، وللبعثة الأممية - التي سبق وأن نالت ثناءً - لأنها لم تحاسب المُعرقلين.

مستقبل حكومة الدبيبة

فارق كبير الآن، بين الأجواء الإيجابية التي سادت ليبيا أثناء تسلم السلطة التنفيذية الجديدة مهام عملهما منتصف مارس (آذار) الماضي، في انتقال سلس بين إدارتين متحاربتين، وبين ما تشهده البلاد راهناً، بعد فشل السلطات المعنية في عقد الانتخابات وفق الإطار الزمني المتفق عليه في لقاءات جنيف التي رعتها الأمم المتحدة، وبات على 2.8 مليون ليبي تسلموا بطاقاتهم الانتخابية، الانتظار إلى موعد لاحق يحدده الأفرقاء المتشاكسون الطامحون في اعتلاء كرسي الحُكم.
وللإمساك مجدداً بخيوط اللعبة السياسية، شكل مجلس النواب لجنة من عشرة نواب أُنيط بها إعداد مقترح لخريطة طريق جديدة للمرحلة المقبلة، لكن ذلك لم يمنع تخوفات كثيرين من أن إرجاء الاستحقاق إلى موعد لاحق قريب، أو لمدة قد تطول لأشهر مقبلة، سيتبعه ترحيل جميع العقبات القانونية والاعتراضات الأمنية التي حالت دون إتمامه في المرة الأولى، فضلاً عن أن أي تأجيل سيصبح مقروناً بعزل حكومة الدبيبة، وتعيين أخرى بديلة عنها؛ وفق الخيار الذي تدعمه جبهة شرق ليبيا، ويلقى معارضة شديدة من مؤيدي السلطة التنفيذية في طرابلس العاصمة، وسط تحذيرات من عودة الانقسام المؤسسي، وما يتبعه من صراع مسلح مُحتمل. ويرى سياسيون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن «الأسباب التي أفشلت إجراء الانتخابات في ديسمبر (كانون الأول) ستفشله في أي شهر آخر، ما لم يتم التصدي لها وحلها»، ومن بينها وفق هؤلاء: قانون الانتخاب الصادر عن البرلمان، الذي صفوه بـ«المعيب». ويُجمل المحلل السياسي عيسي عبد القيوم، رأيه في أنه «ما لم تجر انتخابات تُثبت حقيقة التداول السلمي على السلطة فلا قيمة لفبراير»، في إشارة إلى «ثورة 17 فبراير (شباط)» التي أطاحت بالعقيد الراحل معمر القذافي عام 2011.

من برلين إلى باريس

ويلقي منتقدون باللائمة على الدبيبة كونه، في نظرهم، أضاع «فرصة ذهبية» بتغاضيه عن التحضير للانتخابات، و«تكريس أموال الدولة لدعم المبادرات الشبابية بقصد توسيع قاعدته الشعبية»، بالنظر إلى حجم إنفاق حكومته في الشهور العشرة الماضية، الذي تجاوز أكثر من 90 مليار دولار، وفقاً لبيانات البرلمان؛ لكن الدبيبة، الذي تسبب ترشحه للرئاسة في حالة من اللغط والرفض معاً من قبل مناوئيه، رأى أن حكومته تعاطت بنجاح مع الأزمات الموروثة والمتراكمة طوال عقد مضى. وأمام الجمود الذي اعترى المسار الانتخابي، سارعت ألمانيا إلى تنظيم مؤتمر «برلين 2» برعاية أممية، في الثالث والعشرين من يونيو (حزيران) 2021، وبمشاركة كافة القوى الدولية المعنية بالملف الليبي، وأبرز أطراف النزاع الليبي المحلية.
والمؤتمر، الذي حضرته الحكومة المؤقتة، جاء بعد عام ونصف العام من الاجتماع الأول «برلين 1»، وهدف بشكل رئيسي إلى ضرورة «انسحاب (المرتزقة) والقوات الأجنبية من ليبيا»، والتأكيد على إجراء الانتخابات في موعدها، وهي النقاط ذاتها التي ركز عليها «مؤتمر باريس» أيضاً في الثاني عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
والدبيبة، الذي حضر المؤتمر أكد «التزامه» بتنظيم هذه الانتخابات، إلا أن معارضيه رأوا أنه ذهب بالبلاد إلى حيث يريد «مستغلاً إنفاق الأموال في مشاريع لم يُكلف بها، بهدف ترسيخ وجود في السلطة»، وهو التبرير الذي قدمه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح في إقدام مجلسه على سحب الثقة من الحكومة في الخامس والعشرين من سبتمبر (أيلول) الماضي.

حفتر... ومنافسوه

وكاد العام 2021 وهو يوشك على الرحيل أن يترك أثراً طيباً لدى الليبيين، الذين تحسموا لانتخاب أول رئيس لهم في تاريخ البلاد، إلا أن المناكفات السياسية، وطبيعة بعض المرشحين المثيرة للجدل، وتدخل أطراف دولية لجهة دعم مرشحين على حساب آخرين، ساهمت في إرجاء هذا المسار.
فالمنافسة على كرسي الحُكم في ليبيا، اتسعت لضم 96 مرشحاً، وفتحت المجال لمعركة واسعة من الطعون الانتخابية، في ظل صراع احتدم بوجود أسماء بارزة، لكن وقبيل الإعلان عن تأجيل الانتخابات بثلاثة أيام، استضاف المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، للمرة الأولى، في مدينة بنغازي، بعض منافسيه بالانتخابات الرئاسية، ليس من بينهم عقيلة صالح رئيس مجلس النواب أو سيف الإسلام القذافي. واعتبر هذا اللقاء، الذي ضم فتحي باشاغا، وأحمد معيتيق، والعارف النايض، وعبد المجيد سيف النصر، ومحمد المنتصر، خطوة نحو طريق المصالحة بين شرق ليبيا وغربها، تستبق أي رد فعل سلبي على تأجيل الاستحقاق. ومع الانتظار لما ستكشف عنه الأشهر الأولى من العام الجديد من مخاض عسير، ينظر البعض إلى إقدام سيف القذافي على الترشح بأنه تسبب في إرباك وخلط أوراق المتنافسين، فضلاً عن أنه بات هدفاً فعلياً لغالبية المجموعات المسلحة الموالية لمناوئيه، إلى جانب مطالبة منظمة العفو الدولية السلطات الليبية بتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية، في وقت أظهرت استطلاعات رأي (غير رسمية) نجل حاكم ليبيا السابق كمنافس قوي للشخصيات البارزة على الساحة راهناً.
والحاصل أن المفوضية العليا للانتخابات والقضاء ومجلس النواب ألقى كل منهم بالكرة في ملعب الآخر بشأن ترشح سيف؛ لكن موسكو أبدت تمسكها بدعمه في مواجهة رفض واشنطن الذي عبر عنه سامويل وربيرغ، الناطق الإقليمي باسم وزارة الخارجية الأميركية، بالقول: «من الصعب تخيل وجود سيف في أي حكومة ليبية مستقبلية، والأمر سيمثل تحدياً أمام المجتمع الدولي».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».