أفغانستان في قبضة «طالبان»... بماذا تختلف نسختها الثانية عن الأولى؟

الحركة تواجه تحدي التحوّل من تمرّد إلى حكومة... وحل إشكالية العلاقة مع «القاعدة»... وكبح «داعش»

أفغان ينتظرون الفرار عبر أي طائرة مغادرة بعد سيطرة «طالبان» على الحكم في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
أفغان ينتظرون الفرار عبر أي طائرة مغادرة بعد سيطرة «طالبان» على الحكم في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
TT

أفغانستان في قبضة «طالبان»... بماذا تختلف نسختها الثانية عن الأولى؟

أفغان ينتظرون الفرار عبر أي طائرة مغادرة بعد سيطرة «طالبان» على الحكم في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
أفغان ينتظرون الفرار عبر أي طائرة مغادرة بعد سيطرة «طالبان» على الحكم في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

كانت السنة 2021، أفغانياً، سنة «طالبان» بامتياز. عادت هذه الحركة إلى السلطة في كابل بعد غياب دام 20 عاماً. عادت على جثة حكومة الرئيس أشرف غني التي سقطت وسقط معها رهان الغرب على إقامة حكومة أفغانية مركزية تصل إلى السلطة، وترحل عنها، عبر صناديق الانتخابات. عودة «طالبان» مثّلت أيضاً هزيمة للولايات المتحدة التي حزمت حقائبها ورحلت عن بلاد استنزفتها، بشرياً ومادياً، على مدى عقدين من الزمن في «حرب لا تنتهي». لم تُهزم أميركا عسكرياً، لكن «نفس طالبان» كان أطول منها. كما أن الخروج من «مقبرة الإمبراطوريات» كان ضرورياً لتصويب البوصلة في اتجاه الخطر الحقيقي الذي يهدد استمرار الهيمنة الأميركية عالمياً. فهذا الخطر، كما يقول الأميركيون، لم يعد مصدره «الإرهاب الدولي» بقدر ما بات يأتي من خصوم كالصين وروسيا.
ماذا تعني عودة «طالبان» إلى السلطة؟ وهل هناك مخاوف حقيقية من تحوّل أفغانستان، في ظل حكمها، إلى نقطة جذب للجماعات المتشددة، كما كان الحال في نسخته الأولى قبل العام 2001؟
هذا التقرير يتناول بعض التحديات والتهديدات المتوقعة من أفغانستان الجديدة في ظل حكم «طالبان» بنسخته الثانية.

الطريق إلى كابل

تسلّمت حركة «طالبان» الحكم في العاصمة الأفغانية بعد السقوط الفوضوي لحكومة الرئيس أشرف غني في أغسطس (آب) الماضي. لم تحصل عملية تسلّم وتسليم، كما تصوّرها الأميركيون الذين راهنوا، في اتفاق الدوحة مع «طالبان» في 29 فبراير (شباط) 2020، على مفاوضات أفغانية - أفغانية تؤدي إلى تشكيل حكومة شراكة تضم الحركة وإدارة الرئيس غني. ضغط الأميركيون على غني للتنازل. تنازل، لكن ليس بالقدر الذي تريده «طالبان». ضغط الأميركيون أكثر. لم يستمع لهم. وفي الحقيقة، لم تكن «طالبان» مستعجلة لصيغة حكومة لا تشكل هي سوى جزء منها. فلماذا تنضم إلى حكومة مع غيرها ما دام في إمكانها أن تستحوذ عليها كلها؟ كان هذا الأمر واضحاً وضوح الشمس في الشهور التي سبقت فرار غني من كابل. فقوات الحكومة الأفغانية التي أنفق الأميركيون مليارات الدولارات على تدريبها وتجهيزها خلال السنوات العشرين الماضية، بدا فجأة كأنها فقدت الرغبة في القتال. كانت تسلّم مواقعها تباعاً أمام زحف «طالبان». ازدادت وتيرة الانهيار بعدما رفع الأميركيون الغطاء الجوي الذي كانوا يوفرونه لمواقع الجيش والشرطة الأفغانيين. والأرجح أن الجدل حول من يتحمل مسؤولية انهيار القوات الأفغانية سيستمر طويلاً. الأميركيون سيجادلون بأن الجنود الأفغان ألقوا أسلحتهم ولم يقاتلوا كما ينبغي. القادة الأفغان سيردون بأنهم ضحّوا بآلاف من جنودهم لكن الأميركيين تركوهم فريسة لأعدائهم بعدما بدأوا بإخلاء قواعدهم وتوقفوا عن تقديم الدعم للجيش الأفغاني، إلا في حالات محدودة جداً.
في منتصف أغسطس، كانت «طالبان» تطرق أبواب كابل. لم تهاجمها. فالتفاهم غير المعلن مع الأميركيين قضى بأن دخول العاصمة يتم باتفاق مع إدارتها. ما لم يتوقعه الأميركيون كان فرار غني، دون سابق إنذار ودون تنسيق معهم. كان غني يخشى، ربما، أن يلقى مصير الرئيس السابق نجيب الله الذي انتزعته قوات «طالبان» من مقر الأمم المتحدة في كابل عام 1996 وشنقته مع شقيقه على عمود إنارة في شارع عام. غني نفسه يبرر فراره بأنه أراد تجنيب العاصمة قتالاً دامياً في حال قرر البقاء والمقاومة.
تسبب فرار غني وسقوط حكومته في حالة هلع في أوساط آلاف الأفغان الذين عملوا على مدى سنوات ضمن إدارات الحكومة الأفغانية وأجهزتها الأمنية وباتوا الآن تحت رحمة خصومهم السابقين. كثير من الذين تجمعوا في العاصمة كانوا أصلاً من موظفي الحكومة وأفراد عائلاتهم ممن فروا من مناطق أخرى استولت عليها «طالبان». لم يكن أمام هؤلاء النازحين، وغيرهم من الخائفين من سكان كابل، أي وسيلة أخرى الآن للفرار بعدما سيطرت «طالبان» على معظم أرجاء البلاد وباتت تطوق كابل نفسها. المخرج الوحيد كان مطار حامد كرزاي الدولي. فتدفق هؤلاء إلى هناك بعشرات الآلاف، محاولين ركوب أي طائرة مغادرة عبر الجسر الجوي الذي أقامته الولايات المتحدة وحكومات أخرى لإجلاء الأجانب والمتعاونين معهم.
أعادت مشاهد الإجلاء الفوضوي للأجانب والأفغان من مطار كابل إلى الأذهان صور الانسحاب الأميركي من سايغون عام 1975 عندما تعلّق فيتناميون بطائرات وهي تُقلع من سطح السفارة الأميركية قبل سيطرة قوات «الفيتكونغ» على عاصمة ما كان يُعرف آنذاك بفيتنام الجنوبية. تكرر المشهد المحزن في كابل هذه المرة. حاول مواطنون أفغان التعلق بطائرات أميركية وهي تقلع من المطار، فسقطوا منها بعد قليل من إقلاعها. وستبقى، على الأرجح، صور الأفغان وهم يركضون وراء الطائرات المغادرة، رمزاً يذكّر الأميركيين، على مدى عقود مقبلة، بفشلهم في أفغانستان.

حكومة «طالبان»

دخلت «طالبان» كابل دخول المنتصرين. لم تلقَ أي مقاومة من القوات الحكومية السابقة التي خلع كثير من عناصرها زيهم العسكري وتجمعوا حول مطار العاصمة ينتظرون إجلاءهم، كعشرات الآلاف غيرهم من المحتشدين حول أسوار المطار أملاً بالفرار في أي طائرة مغادرة. والحقيقة أن «طالبان» لم تقم بما كان كثيرون يخشون قيامها به، وتحديداً ارتكاب فظاعات ضد خصومها السابقين. فقد أرسلت الحركة، عبر مسؤوليها الكبار الذين تسلموا مقاليد الحكم في كابل، رسائل طمأنة لجميع معارضيها بأنها لن تمسسهم بأذى وبأن صفحة جديدة فُتحت معهم وبأنها تريدهم أن يشكلوا جزءاً من مستقبل أفغانستان. والأكثر من ذلك، تحدثت الحركة عن رغبتها في تشكيل «حكومة جامعة»، وهو ما فُسّر بأنه يعني إشراك شخصيات محسوبة على الإدارة السابقة في السلطة الجديدة. والتقى مسؤولو «طالبان» بالفعل مع شخصيات بارزة من الحكم السابق ممن لم يغادروا كابل وبعضهم كان أصلاً جزءاً من مفاوضات الدوحة الفاشلة مع الحركة، مثل الرئيس السابق حامد كرزاي، ورئيس المجلس الأعلى للمصالحة عبد الله عبد الله. لكنّ هذه الاتصالات لم تسفر، كما يبدو، عن اتفاق على إشراك أيٍّ من هؤلاء في السلطة الجديدة. فقد أعلنت «طالبان» حكومتها الأولى من قياديين في الحركة من عرقية البشتون، مع تهميش واضح لمكونات أخرى في المجتمع الأفغاني، مثل الطاجيك والأوزبك والهزارة. والأكثر من ذلك، منحت «طالبان» مناصب بارزة في حكومتها لعناصر كانت سابقاً مدرجة على لوائح الإرهاب، مثل كبار قادة ما تُعرف بـ«شبكة حقاني»، أو لسجناء سابقين في غوانتانامو أو سجون الحكومة الأفغانية. أوحى ذلك بأن الحركة ربما تريد العودة إلى طريقة حكمها المتشدد بنسخته الأولى، علماً بأن هذه الخطوة يُمكن أيضاً أن تُفسّر بأنها نابعة من سعي «طالبان» إلى إرضاء شريحة من عناصرها ممن يرون أن «الانتصار» الذي تحقق إنما تم نتيجة تضحيات المقاتلين على الأرض وليس نتيجة مفاوضات القادة السياسيين مع الأميركيين في الدوحة.
في أي حال، وجدت حكومة «طالبان» الأولى نفسها فوراً أمام اختبار التحوّل من حركة تمرّد إلى سلطة مسؤولة عن توفير حاجات شعبها، وهي مهمة شاقة في بلد مثل أفغانستان، يفرّ منه أبناؤه المتعلمون، وتعاني مصارفه من خزائن فارغة، فيما ودائعه الخارجية مجمدة، واقتصاده منهار بعدما كان قائماً لسنوات طويلة على مساعدات تأتيه من الخارج لكنها جفّت الآن بعد سقوط الحكومة الأفغانية.
والأكثر من ذلك، وجدت حكومة «طالبان» نفسها أمام مخاوف وتحذيرات دولية من أزمة إنسانية بالغة الخطورة ستواجه ملايين الأفغان خلال فصل الشتاء القارس. وهذا الوضع الإنساني كان عاملاً أساسياً وراء تحرك دول إسلامية، بقيادة المملكة العربية السعودية وباكستان، لعقد اجتماع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، في ديسمبر (كانون الأول)، خُصص لمساعدة الشعب الأفغاني.

التحدي الإرهابي

لم تواجه حكومة «طالبان» الجديدة تحدياً يُذكر من بقايا النظام السابق الذي انهار بشكل سريع مع الانسحاب الأميركي. النواة الصلبة من هؤلاء انكفأت إلى معقلها التقليدي في وادي بنجشير، شمال كابل، والذي شكّل عقبة كأْداء أمام حكم «طالبان» الأول في تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة. لكنّ أحمد مسعود، نجل الزعيم الطاجيكي الشهير أحمد شاه مسعود، الذي صدّ «طالبان» في بنجشير ومنعها من إكمال سيطرتها على أفغانستان، فشل في تكرار إنجاز والده هذه المرة. فقد اقتحم مقاتلو الحركة معقله بعد معركة قصيرة وتمكنوا من إلحاق الهزيمة بأنصاره الذين فرّوا إلى دول أخرى أو انكفأوا للتحصن في جبال نائية. والحقيقة أن هؤلاء المعارضين لم يكن في إمكانهم صد الحركة رغم استفادتهم من صعوبة تضاريس منطقتهم. فقد كانوا معزولين عن العالم الخارجي، ولم يكن هناك طرف على استعداد لمدّهم بالسلاح في مواجهة الحكم الجديد في كابل (ناشد نجل مسعود الأميركيين دعمه لكنهم لم يستجيبوا لطلبه).
ولا يُعتقد أن هناك تهديداً جدياً يمكن أن يواجه حكم «طالبان» في السنة الجديدة على أيدي معارضيها المهمشين من إثنيات الطاجيك والأوزبك والهزارة.

التهديد «الداعشي»: «ولاية خراسان»

في مقابل غياب التهديد من فصائل النظام السابق والإثنيات المهمشة للحكم الجديد في كابل، تواجه «طالبان» تحدياً من نوع آخر. فهناك التهديد «الداعشي» الذي نشأ من نفس بيئة «طالبان» وبين قادتها المستائين من عدم تشددها بما فيه الكفاية. يتركز تهديد هؤلاء في ولايات شرق البلد، لا سيما في كونار وننغرهار حيث يتحصن مئات، وربما بضعة آلاف، من مقاتلي «ولاية خراسان»، فرع «داعش» في أفغانستان. وقد واجه هؤلاء قوات الأمن الأفغانية على مدى سنوات، مثلما تواجهوا مع مقاتلي «طالبان» الذين عجزوا عن إخضاعهم، رغم تلقيهم أحياناً دعماً جوياً من القوات الأميركية وقوات الحكومة الأفغانية السابقة. وقد برز خطر «الدواعش» بشكل خاص بعد سيطرة «طالبان» على الحكم وفتحها أبواب السجون التي كان يُحتجز خلفها عدد كبير من مقاتلي «ولاية خراسان» وقادتها. وسارع هذا التنظيم بالفعل إلى «عرض عضلاته» بسلسلة تفجيرات انتحارية. استهدف أولها القوات الأميركية المشرفة على الجسر الجوي في مطار كابل ما أدى إلى مقتل 13 عسكرياً أميركياً، فيما استهدف التفجيران الثاني والثالث مسجدين للشيعة الهزارة في قندوز وقندهار، ما أدى إلى سقوط عشرات الضحايا. ولم يكتفِ «ولاية خراسان» بهذه الهجمات بل لجأ أيضاً إلى شن عمليات خاطفة تمثلت على وجه الخصوص في زرع عبوات ناسفة استهدفت عناصر «طالبان» في شرق البلاد تحديداً. وردّت «طالبان»، كما يبدو، بعمليات قتل خارج نطاق القضاء في حق مقاتلي «داعش».
وليس واضحاً كيف سينتهي الصراع بين «طالبان» و«داعش»، لكن المؤشرات توحي بأن الطرف الأول لن يسمح للثاني بأن يشكل تهديداً لحكمه، ما ينذر بمواجهة أكبر بين الطرفين قد تشهدها السنة الجديدة.

التهديد الإرهابي الخارجي

لكنّ التهديد الإرهابي لا يقتصر في الواقع على «داعش»، إذ إن أفغانستان تواجه اليوم مخاطر التحول من جديد إلى ساحة اجتذاب من يُسمَّون «الجهاديين الأجانب»، كما كان عليه الحال في تسعينات القرن الماضي. آنذاك، خلال النسخة الأولى من حكم «طالبان»، كانت أفغانستان بمثابة «مصنع» لتفريخ المتشددين الذين كانوا يتدفقون إلى معسكرات أقامتها جماعات أجنبية عديدة لتدريب عناصرها قبل إرسالهم في عمليات خارجية. سرق تنظيم «القاعدة» الوهج من هؤلاء نتيجة قيامه بهجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 انطلاقاً من أفغانستان. لكن الحقيقة أن الساحة الأفغانية آنذاك كانت قاعدة خلفية لعدد كبير من الجماعات المحظورة في بلادها والتي انتقلت للإقامة في ظل حكم الملا عمر، زعيم «طالبان». ولم تمنع مبايعة «القاعدة» للملا عمر قيام هذا التنظيم بهجمات 11 سبتمبر، وقبلها هجمات إرهابية عديدة أخرى، رغم الجدل داخل تنظيم أسامة بن لادن حول شرعية شن اعتداءات من دون الحصول على إذن زعيم «طالبان».
ويُفترض الآن أن بيعة «القاعدة» لزعيم «طالبان» ما زالت مستمرة بعد تولي الدكتور أيمن الظواهري القيادة خلفاً لأسامة بن لادن، وبعد تولي الملا أخوندزادة قيادة «طالبان» خلفاً للملا أختر منصور (الذي تولى بدوره قيادة الحركة بعد وفاة الملا عمر). ويكرر قادة «طالبان» اليوم تعهدهم بعدم السماح لأي جماعة بأن تستغل أراضي أفغانستان لتهديد طرف خارجي، ما يعني أن تنظيم الظواهري، أو أي تنظيم آخر، لن يكون حراً في تكرار شن هجمات انطلاقاً من أفغانستان. ويُفترض أن ذلك سيشمل، مثلاً، الإيغور الصينيين والأوزبك والطاجيك وجماعات عربية كانت تنشط سابقاً انطلاقاً من أفغانستان.
وليس واضحاً في الواقع ما إذا كان الظواهري نفسه قد انتقل أو يخطط للانتقال الآن للإقامة في أفغانستان، خصوصاً أنه قد يكون أكثر حرية في موقع اختبائه الحالي لمواصلة التحريض على شن هجمات ضد الأميركيين، وهو أمر دأب عليه في إصداراته الإعلامية، لكن «طالبان» ربما لن تسمح به الآن.
والواقع أن «القاعدة» ليست بحاجة ماسّة لأفغانستان، تحديداً، للتحضير لمهاجمة الأميركيين. فلديها خلاياها داخل مناطق القبائل بباكستان. ولديها وجود داخل إيران نفسها، بالتنسيق أحياناً مع أجهزة استخباراتها. كما أن فروعها ناشطة في أكثر من بلد، سواء من خلال حركة «الشباب»، فرع «القاعدة» في شرق أفريقيا، أو من خلال «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» و«تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي» في شمال أفريقيا والساحل الأفريقي. كما أن لـ«القاعدة» فرعها في سوريا ممثلاً بتنظيم «حراس الدين» الذي حافظ على الولاء للظواهري بعدما فكت «جبهة النصرة» بحُلّتها الجديدة (هيئة تحرير الشام) بيعتها له.
ووجود كل هذه الفروع لـ«القاعدة» يخفّف الضغط على قيادة التنظيم لاستخدام أفغانستان من جديد منطلقاً للتخطيط لهجماته. ولكن، رغم ذلك، ثمة معلومات متداولة على نطاق ضيق تشير إلى انتقال عناصر من «القاعدة» بالفعل مع عائلاتهم إلى مناطق في جنوب أفغانستان حيث يعيشون حالياً في ظل حكم «طالبان». لكن ليس واضحاً حتى الآن ما إذا كان وجودهم يمكن أن يتحول لاحقاً إلى نسخة مشابهة لما كان عليه وجود «القاعدة» في السابق. وستحمل السنة الجديدة مؤشرات أكثر وضوحاً على الأرجح لنوع العلاقة التي ستنشأ بين «طالبان» وضيوفها الجدد.

تيارات «طالبانية»

ولا شك أن وجود «الجهاديين الأجانب» مرتبط أيضاً بملف أفغاني داخلي محض له علاقة بوجود تيارات داخل «طالبان» تمثل فكراً أكثر تشدداً من تيارات أخرى. وفي هذا الإطار، سيكون من المهم جلاء موقف ما يُعرف بـ«شبكة حقاني» الواسعة النفوذ داخل هيكل الحكم الجديد لـ«طالبان» في كابل. وكان قد تردد على نطاق واسع في الأيام الأولى التي أعقبت سيطرة «طالبان» على العاصمة الأفغانية، في أغسطس الماضي، أن خلافاً كبيراً وقع بين قادة الحركة الذين انقسموا بين تيار عسكري تهيمن عليه «شبكة حقاني» وبين الجناح السياسي الذي فاوض الأميركيين في الدوحة ومثّله على وجه الخصوص الملا عبد الغني برادار. وأشارت معلومات آنذاك إلى أن العسكريين جادلوا بأن الفضل في «النصر» يعود بجزء كبير منه إلى تضحياتهم وليس إلى السياسيين الذين كانوا يفاوضون في فنادق فارهة ويجولون على عواصم العالم. وأثار غياب الملا برادار عن كابل وقتها إشاعات بأنه ذهب إلى قندهار للشكوى عند الملا أخوندزادة. لكن «طالبان» نفت وجود خلافات في صفوفها، مؤكدة أن «شبكة حقاني» جزء لا يتجزأ منها. في مقابل هذا النفي، يصرّ متشككون على أن «شبكة حقاني» تضم فعلاً أطرافاً أكثر تشدداً من غيرهم داخل «طالبان»، معتبرين أن نشاط الجماعات المتشددة الأجنبية يمكن أن يحصل على الأرجح في مناطق سيطرة هذه الشبكة بجنوب شرقي البلاد على الحدود مع باكستان. ولا شك أن هذا الرأي يتقاطع مع حقيقة أن فرع «طالبان» الباكستاني، «تحريك باكستان طالبان»، لديه امتداد واضح داخل مناطق جنوب شرقي أفغانستان، حيث يتخذ منها مقاتلو الحركة منطلقاً لهجماتهم داخل باكستان وملجأ للاختباء من رد القوات الباكستانية. وانطلاقاً من حقيقة هذا الارتباط بين «طالبان» الأفغانية و«طالبان» الباكستانية، لم يكن غريباً أن تلعب الأولى دوراً في ترتيب المفاوضات التي جرت أخيراً بين حكومة رئيس الوزراء عمران خان وقادة «تحريك طالبان».
وسيكون محورياً على الأرجح موقف الزعيم الأعلى لـ«طالبان» الأفغانية الملا أخوندزادة سواء لجهة حسم الخلافات داخل «طالبان» نفسها، بين السياسيين والعسكريين، أو لجهة العلاقة مع الجماعات الأجنبية المتشددة كـ«القاعدة» أو «تحريك طالبان»، خصوصاً أن هذه الجماعات التي تعيش في ظل حمايته يُفترض أن تكون مبايعة له. لكن القليل فقط يُعرف عن أخوندزادة الذي يسير، على ما يبدو، على خطى الملا عمر. فليس هناك سوى صورة واحدة له تم توزيعها لدى توليه قيادة «طالبان» خلفاً للملا أختر منصور قبل أعوام. والفارق الوحيد بينها وبين الصورة اليتيمة للملا عمر أن هذه الأخيرة كانت من بعيد وغير واضحة، بينما صورة أخوندزادة كانت «رسمية» يظهر فيها بوضوح. ولم توزع «طالبان» أبداً أي صور أخرى يظهر فيها وجه أخوندزادة الذي يبدو أنه يعيش منعزلاً في قندهار تاركاً إدارة الحكم في كابل لقادة حركته، مكتفياً بتوجيهات عامة للسياسات التي يفترض أن تتبعها حكومته.



كأن الخطر النووي لا يكفي... العالم على أعتاب «حرب الخوارزميات»

هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
TT

كأن الخطر النووي لا يكفي... العالم على أعتاب «حرب الخوارزميات»

هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)

عندما انهار الاتحاد السوفياتي عام 1991 ساد اقتناع بأن العالم يدخل مرحلة جديدة من الاستقرار، وأن حقبة المواجهة -سواء «الباردة» أو العسكرية- بين القوى الكبرى انتهت. وتحدث السياسيون والباحثون آنذاك عن «عائد السلام» الذي سيتيح للدول توجيه الموارد المالية نحو التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، ومكافحة الفقر، والجهل، والأمراض، بدلاً من الإنفاق العسكري. غير أن هذه الآمال لم تعمّر طويلاً، إذ سرعان ما ظهرت تحديات جيوسياسية جديدة، وصراعات إقليمية متزايدة، ليعود التنافس العسكري إلى الواجهة على نحو أشد تعقيداً مما كان عليه خلال الحرب الباردة.

اليوم لا يشهد العالم مجرد عودة إلى منطق الردع النووي، بل يواجه سباق تسلح يمتد إلى مجالات متعددة تشمل -إضافة إلى الأسلحة النووية- الصواريخ فرط الصوتية، والذكاء الاصطناعي العسكري، والحروب السيبرانية، والفضاء الخارجي. ويصف بعض الباحثين هذا التحول بأنه بداية «حرب الخوارزميات» التي تصبح فيها البرمجيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من موازين القوة الدولية.

الذكاء الاصطناعي يطوّر القدرات العسكرية (رويترز)

وتؤكد الأرقام حجم هذا التحول، فقد بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.887 تريليون دولار عام 2025، بزيادة 2.9 في المائة عن العام 2024، وفق بيانات معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري). واستحوذت الولايات المتحدة والصين وروسيا وحدها على أكثر من نصف الإنفاق العسكري العالمي، الأمر الذي يعكس استمرار تركّز القوة العسكرية في أيدي القوى الكبرى.

*سباقات تسلّح

ورغم تراجع الإنفاق العسكري الأميركي إلى 954 مليار دولار عام 2025 نتيجة توقف إدارة الرئيس دونالد ترمب عن ضخ المساعدات العسكرية الجديدة لأوكرانيا، فإن هذا الانخفاض يبدو مؤقتاً. فقد واصلت واشنطن استثماراتها الضخمة في تحديث قواتها التقليدية، والنووية، بهدف الحفاظ على تفوقها العسكري، ومواجهة النفوذ الصيني المتصاعد في منطقة المحيطين الهندي، والهادئ. وتشير التوقعات إلى ارتفاع الإنفاق الدفاعي الأميركي مجدداً خلال السنوات المقبلة ليتجاوز 1.5 تريليون دولار سنوياً.

في المقابل، شهدت أوروبا أكبر زيادة في إنفاقها العسكري منذ انتهاء الحرب الباردة، مدفوعة بالحرب المستمرة في أوكرانيا، ومخاوف الدول الأوروبية من التهديدات الأمنية الروسية. وارتفع الإنفاق العسكري الأوروبي بنسبة 14 في المائة ليصل إلى 864 مليار دولار في 2026، فيما رفعت روسيا إنفاقها إلى 203 مليارات دولار في 2026 وفق «سيبري»، بينما خصصت أوكرانيا نحو 40 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، أي نحو 85 مليار دولار، في مؤشر واضح لحجم الاستنزاف الذي تفرضه الحرب.

مركز عسكري أميركي للرقابة السيبرانية في كولورادو (رويترز)

أما الصين، فقد واصلت برنامجها العسكري الطموح للعام الحادي والثلاثين على التوالي، لترفع إنفاقها الدفاعي إلى 336 مليار دولار. ويعكس هذا المسار استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز القدرات العسكرية الصينية، وتحديثها، بما يمكن بكين من فرض حضورها كقوة عالمية منافسة للولايات المتحدة.

ومن أبرز مظاهر سباق التسلح الجديد «التهافت» على تطوير الصواريخ فرط الصوتية. وتمثل هذه الأسلحة نقلة نوعية في موازين القوى العسكرية، إذ تستطيع التحليق بسرعات تفوق خمسة أضعاف سرعة الصوت، مع القدرة على المناورة أثناء الطيران، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة مقارنة بالصواريخ التقليدية. وتتصدر روسيا والصين والولايات المتحدة هذا السباق. فروسيا نشرت أنظمة مثل «أفانغارد»، و«كينجال» (الخنجر)، بينما طورت الصين منظومات مثل «دي إف-17» المصممة لاستهداف القطع البحرية والقواعد العسكرية بسرعة ودقة كبيرتين. أما الولايات المتحدة فتسعى إلى سد الفجوة التقنية مع غريميها من خلال برامج متقدمة لتطوير أسلحة فرط صوتية، وقدرات دفاعية جديدة قادرة على اكتشاف هذه التهديدات، والتعامل معها.

*الخوارزميات والذكاء الاصطناعي

لكن التحدي الأكبر قد لا يكون في سرعة الصواريخ، بل في سرعة الخوارزميات. فقد صار الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من التطور العسكري، مع دخول أنظمة قتالية قادرة على تحديد الأهداف، ومهاجمتها بدرجات متفاوتة من الاستقلال عن القرار البشري. وتشمل هذه الأنظمة أسراب الطائرات المسيّرة، والذخائر الجوالة (أسلحة تجول في الجو إلى أن تعثر على هدفها، وتنقضّ عليه)، وأنظمة المراقبة والقتال الذاتية. ويثير هذا التطور أسئلة أخلاقية وقانونية عميقة تتعلق بالمسؤولية عن القرارات القاتلة، واحتمالات وقوع أخطاء تؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة تبلغ أحياناً حد الفاجعة.

جندي أوكراني يحمل مسيّرة (رويترز)

ويحذر خبراء من أن انتشار الأسلحة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قد يجعل اللجوء إلى الحرب أكثر سهولة من الناحية السياسية. فكلما تراجع الاعتماد على الجنود في ساحات القتال، انخفضت الكلفة البشرية المباشرة للحروب، وبالتالي الضغط الشعبي على المنظومات الحاكمة، وهذا ما قد يضعف أحد أهم عوامل الردع التقليدية. كما أن تحويل أبحاث الذكاء الاصطناعي المدنية إلى مشاريع عسكرية قد يؤدي إلى تقييد التعاون العلمي الدولي، وفرض قيود على الباحثين، والمؤسسات الأكاديمية، على غرار ما حدث في مجالات الفيزياء النووية والصواريخ خلال الحرب الباردة.

*الميدان السيبراني

إلى جانب ذلك، أصبحت الحروب السيبرانية ساحة مواجهة رئيسة بين الدول. فبدلاً من استخدام الدبابات والطائرات فقط، باتت الدول تعتمد على البرمجيات الخبيثة، والهجمات الإلكترونية لتعطيل البنى التحتية الحيوية، وشبكات الاتصالات، وأنظمة الطاقة. وأظهر هجوم «ستاكسنت» Stuxnet (استهدفت البرمجية أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في تخصيب اليورانيوم داخل منشأة نطنز النووية الإيرانية) في العام 2009 أن الشيفرات البرمجية يمكن أن تتسبب في أضرار مادية مباشرة في المنشآت الصناعية. كما أصبحت سرقة البيانات والمعلومات الاستراتيجية من المؤسسات الحكومية والعسكرية والشركات الكبرى جزءاً أساسياً من الصراع الدولي الحديث.

وفي الوقت نفسه، تحوّل الفضاء الخارجي إلى مجال تنافس عسكري متزايد الأهمية. فالجيوش الحديثة تعتمد بشكل كبير على الأقمار الاصطناعية في الملاحة، والاتصالات، والاستطلاع، والإنذار المبكر من الهجمات الصاروخية. ومن دون هذه الأنظمة ستتأثر بشكل كبير قدرة القوات المسلحة على تنفيذ العمليات الدقيقة، وإدارة المعارك. ولهذا السبب تعمل عدة دول على تطوير قدرات هجومية ودفاعية في الفضاء، تشمل أسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية، وهجمات إلكترونية، وأنظمة تشويش متقدمة. كما أنشأت بعض القوى الكبرى فروعاً عسكرية متخصصة لإدارة العمليات الفضائية، وحماية الأصول الاستراتيجية الموجودة في المدار.

«ميغ 31» روسية تحمل صاروخ «كينجال» (رويترز)

*لماذا قرقعة السلاح؟

تعود أسباب سباق التسلح الحالي إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، والحرب الروسية-الأوكرانية، والتوترات المتزايدة في منطقة المحيطين الهندي، والهادئ، ومنطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى تراجع فعالية اتفاقات الحد من التسلح التي أدت دوراً مهماً في ضبط التنافس العسكري خلال العقود الماضية.

ويرى كثير من الخبراء أن الوضع الراهن قد يكون أكثر خطورة من مرحلة الحرب الباردة نفسها. ففي تلك الحقبة كان التنافس يدور بشكل أساسي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ما جعل قواعد الردع أكثر وضوحاً وقابلية للتوقع. أما اليوم، فإن العالم يشهد تنافساً متعدد الأقطاب بين الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، إلى جانب أدوار متنامية لقوى إقليمية، وجهات غير حكومية تمتلك قدرات تكنولوجية متقدمة.

كما أن انهيار عدد من اتفاقات الحد من الأسلحة، وتآكل منظومة الرقابة الدولية يزيدان أخطار سوء التقدير. ويضاف إلى ذلك دخول تقنيات جديدة -مثل الذكاء الاصطناعي، والأسلحة السيبرانية، والصواريخ فرط الصوتية- إلى المعادلة العسكرية، ما يقلص الوقت المتاح لاتخاذ القرارات في الأزمات، ويزيد احتمالات التصعيد المتسرّع.

في ظل هذا المشهد، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«الحرب الخوارزمية»، حيث لن يكون الردع قائماً على التوازن النووي التقليدي فحسب، بل أيضاً على السيطرة المعلوماتية، والقدرة على إدارة الأخطار الناتجة عن الأنظمة الذكية، والشبكات الرقمية. فالصراع المستقبلي لن يُحسم بعدد الرؤوس النووية، أو الدبابات، والطائرات وحدها، بل بقدرة الدول على التحكم بالخوارزميات، والبيانات، والفضاء الإلكتروني، والفضاء الخارجي القريب. وهكذا يعود سباق التسلح إلى الواجهة، لكن بأدوات أكثر تعقيداً، وأسرع تطوراً مقابل قدرة أضعف على الضبط، والاحتواء.

 

 


استخدام المُسيرات خارج ساحات المعارك يعزز سوق تكنولوجيا التصدي لها

رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
TT

استخدام المُسيرات خارج ساحات المعارك يعزز سوق تكنولوجيا التصدي لها

رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)

تسببت وقائع اختراق من طائرات مسيرة بتعطيل مطارات في أوروبا ونفذت مسيّرات أخرى هجمات على حقول نفط في الشرق الأوسط، مما حفز نمواً سريعاً لسوق أجهزة الرادار والتشويش والمركبات الدفاعية لحماية المطارات والبنية التحتية من أي تهديدات جوية جديدة.

وصارت تكنولوجيا الطائرات المسيرة مصدراً للاضطراب في المطارات منذ سنوات. واضطر ​مطار غاتويك في لندن إلى تعليق الرحلات بسبب تحذيرات من الطائرات المسيرة قبل عام 2020. لكن موجة جديدة من وقائع الاختراق المرتبطة بالحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط زادت حدة هذه المخاوف بشكل كبير.

ومن ضمن التطورات التكنولوجية التي برزت في الآونة الأخيرة أداة على شكل مسدس من شركة «ديدرون» الأميركية قادرة على التشويش على هذه المُسيرات، وطائرة «وينغمان» ذاتية القيادة من شركة «بوينغ» تحلق برفقة طائرات مقاتلة وهي تحمل أجهزة تشويش مضادة للطائرات المسيرة وأسلحة في مقدمة قابلة للتبديل.

ويجذب هذا المجال استثمارات بمليارات الدولارات، ويتجاوز الاستخدام العسكري إلى قطاعات مثل الطاقة والشحن ومراكز البيانات والفنادق والمطارات.

مسيّرات عسكرية في معرض دفاعي قرب باريس (رويترز)

وتعد شركة «أفينور»، التي تمتلك وتدير 43 مطاراً في النرويج، إحدى الشركات التي ركبت نظاماً للكشف عن ‌الطائرات المسيرة في عملياتها ‌لمعالجة «الاضطرابات والتأخيرات» التي تسببها توغلات الطائرات المسيرة لحركة الطيران. وتحدثت «رويترز» إلى ستة ​مديرين ‌تنفيذيين ⁠لشركات في ​مجال ⁠التصدي للطائرات المسيرة، وقالوا إن هناك زيادة حادة في الطلب من الحكومات والمطارات وشركات تشغيل البنية التحتية المدنية.

وقال سيتي هامينغا، الرئيس التنفيذي لشركة «روبن رادار» للتصدي للطائرات المسيرة، ومقرها هولندا: «هناك تأثير مباشر؛ إذ يتصل بنا الكثيرون». وطورت الشركة هذه التكنولوجيا مستفيدة من أبحاث حول تعرض الطائرات للاصطدام بالطيور.

سوق تنمو 20 في المائة سنوياً

وسلّطت أساليب الحرب الهجينة في أوروبا والشرق الأوسط الضوء على الحاجة إلى حماية المنشآت الاقتصادية والمدنية، مثل الموانئ وحقول النفط والمطارات. وعلى مدار عام حتى الآن حدثت اضطرابات بسبب هجمات بطائرات مسيرة على مطار دبي وتوغلات في دول البلطيق، وحرائق ناجمة عن حطام مسيرات تم اعتراضها ⁠في منطقة الفجيرة للصناعة البترولية (فوز) وإنذارات للاشتباه في وجود طائرات مسيرة بمطاري ميونيخ ‌وكوبنهاغن. وصرحت سلطات بعض المطارات الأوروبية لـ«رويترز» بأنها تتطلع إلى زيادة استخدام التقنيات ‌المضادة للطائرات المسيرة.

مسيّرة للبحرية الكورية الجنوبية (رويترز)

وقال آش ألكسندر كوبر، الذي كان يشغل منصباً تنفيذياً ​في شركة «ديدرون» حتى يونيو (حزيران) الحالي وتحدث إلى ‌«رويترز» قبل ترك المنصب، إن الاتصالات لطلب حلول يمكن تركيبها «في أسرع وقت ممكن» بدأت فور اندلاع الحرب على إيران ‌في 28 فبراير (شباط). وأضاف: «أعتقد أننا واحدة من شركات كثيرة تتلقى هذه الطلبات، بعد أن أدرك الآن عدد أكبر كثيراً من الدول ليس فقط في الشرق الأوسط، مدى الخطر الذي يواجهها مع تطور نطاق وطبيعة التهديد الفوري للطائرات المسيرة».

وتشير تقديرات المحللين إلى أن حجم سوق التصدي للطائرات المسيرة عالمياً يتراوح بين ثلاثة وسبعة مليارات دولار، وتنمو السوق بنسبة 20 في المائة تقريباً كل عام. ‌وذكرت شركة «ماركتس آند ماركتس» في تقرير أن هذه القيمة ستصل إلى 14.5 مليار دولار بحلول عام 2030 من 4.5 مليار دولار حالياً.

وقال إيبين فرانكنبرغ، الرئيس التنفيذي ⁠لشركة «إيكوداين» المصنعة لأجهزة رادار تكتشف ⁠الطائرات المسيرة، إن الاستثمار في مصنع جديد ستفتتحه الشركة هذا العام سيضاعف طاقتها الإنتاجية السنوية إلى ما يزيد على 30 ألف وحدة.

وأضاف: «من حيث الطلب على أجهزة الرادار التي ننتجها، شهدنا نمواً تجاوز 100 في المائة بكثير على مدار عام حتى الآن، وهذا النمو لا يتباطأ».

لكن على الرغم من الاهتمام الكبير بهذه التقنيات، لا تزال التحديات التنظيمية والتساؤلات حول السلامة تحد من نشر تكنولوجيا التصدي للطائرات المسيرة خارج المجال العسكري.

وتطبق المطارات المدنية قواعد صارمة بشأن اختيار التكنولوجيا التي يمكن أن تستخدمها ضد الطائرات المسيرة، ولا تزال تركز بشكل كبير على أدوات الكشف.

فقد تؤدي مشكلات، مثل التشويش والتداخل مع نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس»، إلى تعطيل الاتصالات والملاحة مما يجعل هذه الأنظمة غير مناسبة في مناطق المطارات. ولا يمكن أيضاً استخدام الأسلحة لإسقاط طائرات مسيرة في بيئة مدنية.

وقال متحدث باسم شركة «هينسولدت» الألمانية المصنعة لأجهزة الرادار: «لا يمكنك ببساطة استخدام ما يسمى الوسائل الحركية الفعالة، مثل المدافع الرشاشة أو ما شابه، بالقرب من بنية تحتية مدنية».

ويعود ​الكثير من الأمور إلى السلطات الوطنية فيما ​يتعلق بتحديد سبل استخدام الأنظمة التي تعمل في ساحات المعركة بشكل قانوني وآمن في السيناريوهات المدنية.

وقالت ستيفاني لينجيمان، رئيسة القسم الجوي في شركة «هيلسينغ» الألمانية للطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي: «المسموح به هو مسألة تنظيمية بأيدي الحكومات... لا يمكننا اتخاذ القرار».


لماذا يتقارب الحوثيون و«حركة الشباب»؟

التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
TT

لماذا يتقارب الحوثيون و«حركة الشباب»؟

التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)

مع تراجع الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن، تتطلع الجماعة عبر البحر الأحمر إلى الجماعة الإرهابية الأوسع شهرة في الصومال «حركة الشباب»، وذلك وفقاً للمحللة السياسية إميلي ميليكين، نائبة مدير مؤسسة «إن7» الفكرية والكاتبة المختصة في شؤون الخليج العربي واليمن وليبيا.

وقالت ميليكين، في تحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إنه على مدى سنوات كانت العلاقة المتنامية بين الحوثيين في اليمن و«حركة الشباب» الصومالية تعدّ أمراً ثانوياً، حيث طغت عليها الحروب في قطاع غزة ولبنان والبحر الأحمر. ولكن مع ازدياد الضغوط على إيران وشبكتها الإقليمية، يبرز هذا التحالف بوصفه علامة تحذيرية من أمر أكبر؛ هو أن الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي قد تتكيف إذا لم تعد طهران قادرة على دعم وكلائها كما كانت تفعل سابقاً.

مقاتلون من «حركة الشباب» (أرشيفية - أ.ب)

وأشارت إلى أن الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن «يعملون على تعميق علاقاتهم بـ(حركة الشباب)؛ فرع تنظيم (القاعدة) في الصومال، بطرق قد تزعزع استقرار منطقة القرن الأفريقي بشكل دائم، وتعرض للخطر أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وربما الأمر الأهم من ذلك، هو أن هذه الشراكة المتنامية قد تعكس تحولاً أوسع نطاقاً داخل ما يسمى (محور المقاومة الإيراني)».

ورسمت التقارير الأخيرة صورة مثيرة للقلق، فقد قالت مصادر للجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن إن «عشرات من مقاتلي (حركة الشباب)، بينهم قادة بارزون، سافروا إلى اليمن، وتحديداً إلى محافظتي شبوة ومأرب، ويسهّلون عمل شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات إلى الصومال. وربما تكون هناك عناصر من الحوثيين داخل الصومال، حيث يدربون مقاتلي (حركة الشباب) على حرب الطائرات المسيّرة والمتفجرات، وغيرها من أساليب القتال التي أتقنوها على مدى سنوات من التدرّب على أيدي مستشارين من إيران و(حزب الله)» اللبناني.

عناصر من «حركة الشباب» الإرهابية الصومالية (أ.ب)

تدريبات

وترى ميليكين أن هذا التطور يأتي في لحظة حاسمة بالنسبة إلى الحوثيين؛ «حيث تعرضت شبكة حلفاء إيران ووكلائها إلى نكسات متتالية منذ عام 2024، وتراجعت قوة (حزب الله) بشكل كبير، وأطيح نظام بشار الأسد في سوريا، وتواجه الميليشيات العراقية قيوداً داخلية وسياسية متصاعدة، وأصبحت حركة (حماس) شبه مدمرة. وفي الوقت نفسه، تواجه طهران ضغوطاً عسكرية واقتصادية متنامية من الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين».

ومع ذلك، فقد خرج الحوثيون من هذه الفترة أجرأ. ورغم الضربات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية المتواصلة، فإن الجماعة واصلت إظهار قدرتها على تعطيل الملاحة الدولية، وضرب إسرائيل، وترسيخ مكانتها لاعباً رئيسياً في انعدام الأمن بالبحر الأحمر. علاوة على ذلك، وعلى عكس كثير من حلفائهم، لا تزال القيادة العليا للحوثيين سليمة.

بالنسبة إلى الحوثيين، «توفر العلاقات بشبكات التهريب والمسلحين الصومالية الفرصةَ والنفوذ في خليج عدن. ويتيح التعاون مع (حركة الشباب) والجهات الإجرامية المرتبطة بها الوصولَ إلى طرق الملاحة البحرية غير المشروعة وشبكات الاستخبارات، وممرات تهريب الأسلحة، والبنية التحتية اللوجستية، على الجانب الأفريقي من مضيق باب المندب». وفي الوقت الذي يتعرض فيه داعموهم الرئيسيون لضغط دولي مكثف، فإن تنويع الشراكات يسمح للحوثيين بتقليل اعتمادهم على طهران مع توسيع نطاق عملياتهم في عمق المحيط الهندي الغربي.

أنظمة صاروخية حديثة لدى الحوثيين (وسائل إعلام)

وبالنسبة إلى «حركة الشباب»، تعني الشراكة مع الحوثيين الوصولَ إلى أنظمة أسلحة أعلى تطوراً، وخبرات في مجال الطائرات المسيرة، وقدرات بحرية، وأهمية إقليمية أكبر. ويُعتقد أن الحوثيين قد نقلوا بالفعل طائرات مسيّرة مسلحة، كما يتردد أن «حركة الشباب» طلبت في يوم ما إضافة صواريخ موجهة. ويمكن أن يكون عدم الاستقرار البحري المرتبط بهذا التحالف مربحاً لها من حيث ممارسة القرصنة والتهريب، فضلاً عن فرض الضرائب على الموانئ وابتزاز التجار وشركات الشحن.

وقالت ميليكين إن عواقب هذه العلاقة تتجاوز حدود اليمن والصومال. وأشارت إلى أن «هذا التعاون المتنامي بين الحوثيين و(حركة الشباب) يهدد بازدياد هشاشة الاقتصاد العالمي الهش بالفعل»... فقد أجبرت هجمات الحوثيين، التي بدأت أواخر عام 2023، كثيراً من شركات الشحن الكبرى على تغيير مسارها إلى «رأس الرجاء الصالح» لتجنب عبور البحر الأحمر. ويعني هذا القرار حدوث تأخيرات طويلة في سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع تكاليف الوقود، وتضخم أقساط التأمين... والنتيجة هي ارتفاع الأسعار على المستهلكين في كل مكان، إلا إن أسواق الطاقة تظل الأكبر اضطراباً. لكن هذه العلاقة تشير أيضاً إلى تحول أوسع في علاقة إيران بالمتمردين.

ومع ضعف شبكة إيران الإقليمية، انتهز الحوثيون الفرصة لتأكيد أنهم كيان مستقل. كما أن تواصلهم مع جهات فاعلة، مثل روسيا والصين، إضافة إلى فروع تنظيم «القاعدة»، مثل «حركة الشباب»، و«تنظيم القاعدة في جزيرة العرب»، وحتى مع قراصنة الصومال، يعكس جهداً لتنويع العلاقات، وتقليل الاعتماد على طهران، وبناء نفوذ يتجاوز حدود اليمن. وقد يكون تحالفهم مع «حركة الشباب» مؤشراً مبكراً على كيفية تطور شبكة وكلاء إيران تحت الضغط.

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة للمرشد الإيراني علي خامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

ومع استمرار إيران في مواجهة ضغوط عسكرية واقتصادية وداخلية، فقد يضطر بعض شركائها - خصوصاً أولئك الذين يتعافون من فقدان القيادة ومخازن الأسلحة - إلى البحث عن مصادر تمويل وأسلحة ونفوذ إقليمي بديلة، بدلاً من الاعتماد فقط على طهران. ولهذا الغرض؛ فقد تبدأ هذه الجماعات تبني استراتيجيات أكبرَ عملية وواقعية والعمل خارج الخطوط الآيديولوجية التقليدية، مثلما يفعل الحوثيون.

واختتمت ميليكين تحليلها بالقول إن «هذه نتيجة ينبغي أن تُقلق صانعي السياسات أكثر بكثير مما كانت عليه الحال مع نموذج الوكالة التقليدي. فالضغط المطول على إيران وشبكتها الإقليمية قد يؤدي إلى أنظمة مسلحة أوسعَ تشرذماً، وأكبرَ استقلالية، ولا يمكن التنبؤ بها، في جميع أنحاء الشرق الأوسط».