أفغانستان في قبضة «طالبان»... بماذا تختلف نسختها الثانية عن الأولى؟

الحركة تواجه تحدي التحوّل من تمرّد إلى حكومة... وحل إشكالية العلاقة مع «القاعدة»... وكبح «داعش»

أفغان ينتظرون الفرار عبر أي طائرة مغادرة بعد سيطرة «طالبان» على الحكم في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
أفغان ينتظرون الفرار عبر أي طائرة مغادرة بعد سيطرة «طالبان» على الحكم في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
TT

أفغانستان في قبضة «طالبان»... بماذا تختلف نسختها الثانية عن الأولى؟

أفغان ينتظرون الفرار عبر أي طائرة مغادرة بعد سيطرة «طالبان» على الحكم في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
أفغان ينتظرون الفرار عبر أي طائرة مغادرة بعد سيطرة «طالبان» على الحكم في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

كانت السنة 2021، أفغانياً، سنة «طالبان» بامتياز. عادت هذه الحركة إلى السلطة في كابل بعد غياب دام 20 عاماً. عادت على جثة حكومة الرئيس أشرف غني التي سقطت وسقط معها رهان الغرب على إقامة حكومة أفغانية مركزية تصل إلى السلطة، وترحل عنها، عبر صناديق الانتخابات. عودة «طالبان» مثّلت أيضاً هزيمة للولايات المتحدة التي حزمت حقائبها ورحلت عن بلاد استنزفتها، بشرياً ومادياً، على مدى عقدين من الزمن في «حرب لا تنتهي». لم تُهزم أميركا عسكرياً، لكن «نفس طالبان» كان أطول منها. كما أن الخروج من «مقبرة الإمبراطوريات» كان ضرورياً لتصويب البوصلة في اتجاه الخطر الحقيقي الذي يهدد استمرار الهيمنة الأميركية عالمياً. فهذا الخطر، كما يقول الأميركيون، لم يعد مصدره «الإرهاب الدولي» بقدر ما بات يأتي من خصوم كالصين وروسيا.
ماذا تعني عودة «طالبان» إلى السلطة؟ وهل هناك مخاوف حقيقية من تحوّل أفغانستان، في ظل حكمها، إلى نقطة جذب للجماعات المتشددة، كما كان الحال في نسخته الأولى قبل العام 2001؟
هذا التقرير يتناول بعض التحديات والتهديدات المتوقعة من أفغانستان الجديدة في ظل حكم «طالبان» بنسخته الثانية.

الطريق إلى كابل

تسلّمت حركة «طالبان» الحكم في العاصمة الأفغانية بعد السقوط الفوضوي لحكومة الرئيس أشرف غني في أغسطس (آب) الماضي. لم تحصل عملية تسلّم وتسليم، كما تصوّرها الأميركيون الذين راهنوا، في اتفاق الدوحة مع «طالبان» في 29 فبراير (شباط) 2020، على مفاوضات أفغانية - أفغانية تؤدي إلى تشكيل حكومة شراكة تضم الحركة وإدارة الرئيس غني. ضغط الأميركيون على غني للتنازل. تنازل، لكن ليس بالقدر الذي تريده «طالبان». ضغط الأميركيون أكثر. لم يستمع لهم. وفي الحقيقة، لم تكن «طالبان» مستعجلة لصيغة حكومة لا تشكل هي سوى جزء منها. فلماذا تنضم إلى حكومة مع غيرها ما دام في إمكانها أن تستحوذ عليها كلها؟ كان هذا الأمر واضحاً وضوح الشمس في الشهور التي سبقت فرار غني من كابل. فقوات الحكومة الأفغانية التي أنفق الأميركيون مليارات الدولارات على تدريبها وتجهيزها خلال السنوات العشرين الماضية، بدا فجأة كأنها فقدت الرغبة في القتال. كانت تسلّم مواقعها تباعاً أمام زحف «طالبان». ازدادت وتيرة الانهيار بعدما رفع الأميركيون الغطاء الجوي الذي كانوا يوفرونه لمواقع الجيش والشرطة الأفغانيين. والأرجح أن الجدل حول من يتحمل مسؤولية انهيار القوات الأفغانية سيستمر طويلاً. الأميركيون سيجادلون بأن الجنود الأفغان ألقوا أسلحتهم ولم يقاتلوا كما ينبغي. القادة الأفغان سيردون بأنهم ضحّوا بآلاف من جنودهم لكن الأميركيين تركوهم فريسة لأعدائهم بعدما بدأوا بإخلاء قواعدهم وتوقفوا عن تقديم الدعم للجيش الأفغاني، إلا في حالات محدودة جداً.
في منتصف أغسطس، كانت «طالبان» تطرق أبواب كابل. لم تهاجمها. فالتفاهم غير المعلن مع الأميركيين قضى بأن دخول العاصمة يتم باتفاق مع إدارتها. ما لم يتوقعه الأميركيون كان فرار غني، دون سابق إنذار ودون تنسيق معهم. كان غني يخشى، ربما، أن يلقى مصير الرئيس السابق نجيب الله الذي انتزعته قوات «طالبان» من مقر الأمم المتحدة في كابل عام 1996 وشنقته مع شقيقه على عمود إنارة في شارع عام. غني نفسه يبرر فراره بأنه أراد تجنيب العاصمة قتالاً دامياً في حال قرر البقاء والمقاومة.
تسبب فرار غني وسقوط حكومته في حالة هلع في أوساط آلاف الأفغان الذين عملوا على مدى سنوات ضمن إدارات الحكومة الأفغانية وأجهزتها الأمنية وباتوا الآن تحت رحمة خصومهم السابقين. كثير من الذين تجمعوا في العاصمة كانوا أصلاً من موظفي الحكومة وأفراد عائلاتهم ممن فروا من مناطق أخرى استولت عليها «طالبان». لم يكن أمام هؤلاء النازحين، وغيرهم من الخائفين من سكان كابل، أي وسيلة أخرى الآن للفرار بعدما سيطرت «طالبان» على معظم أرجاء البلاد وباتت تطوق كابل نفسها. المخرج الوحيد كان مطار حامد كرزاي الدولي. فتدفق هؤلاء إلى هناك بعشرات الآلاف، محاولين ركوب أي طائرة مغادرة عبر الجسر الجوي الذي أقامته الولايات المتحدة وحكومات أخرى لإجلاء الأجانب والمتعاونين معهم.
أعادت مشاهد الإجلاء الفوضوي للأجانب والأفغان من مطار كابل إلى الأذهان صور الانسحاب الأميركي من سايغون عام 1975 عندما تعلّق فيتناميون بطائرات وهي تُقلع من سطح السفارة الأميركية قبل سيطرة قوات «الفيتكونغ» على عاصمة ما كان يُعرف آنذاك بفيتنام الجنوبية. تكرر المشهد المحزن في كابل هذه المرة. حاول مواطنون أفغان التعلق بطائرات أميركية وهي تقلع من المطار، فسقطوا منها بعد قليل من إقلاعها. وستبقى، على الأرجح، صور الأفغان وهم يركضون وراء الطائرات المغادرة، رمزاً يذكّر الأميركيين، على مدى عقود مقبلة، بفشلهم في أفغانستان.

حكومة «طالبان»

دخلت «طالبان» كابل دخول المنتصرين. لم تلقَ أي مقاومة من القوات الحكومية السابقة التي خلع كثير من عناصرها زيهم العسكري وتجمعوا حول مطار العاصمة ينتظرون إجلاءهم، كعشرات الآلاف غيرهم من المحتشدين حول أسوار المطار أملاً بالفرار في أي طائرة مغادرة. والحقيقة أن «طالبان» لم تقم بما كان كثيرون يخشون قيامها به، وتحديداً ارتكاب فظاعات ضد خصومها السابقين. فقد أرسلت الحركة، عبر مسؤوليها الكبار الذين تسلموا مقاليد الحكم في كابل، رسائل طمأنة لجميع معارضيها بأنها لن تمسسهم بأذى وبأن صفحة جديدة فُتحت معهم وبأنها تريدهم أن يشكلوا جزءاً من مستقبل أفغانستان. والأكثر من ذلك، تحدثت الحركة عن رغبتها في تشكيل «حكومة جامعة»، وهو ما فُسّر بأنه يعني إشراك شخصيات محسوبة على الإدارة السابقة في السلطة الجديدة. والتقى مسؤولو «طالبان» بالفعل مع شخصيات بارزة من الحكم السابق ممن لم يغادروا كابل وبعضهم كان أصلاً جزءاً من مفاوضات الدوحة الفاشلة مع الحركة، مثل الرئيس السابق حامد كرزاي، ورئيس المجلس الأعلى للمصالحة عبد الله عبد الله. لكنّ هذه الاتصالات لم تسفر، كما يبدو، عن اتفاق على إشراك أيٍّ من هؤلاء في السلطة الجديدة. فقد أعلنت «طالبان» حكومتها الأولى من قياديين في الحركة من عرقية البشتون، مع تهميش واضح لمكونات أخرى في المجتمع الأفغاني، مثل الطاجيك والأوزبك والهزارة. والأكثر من ذلك، منحت «طالبان» مناصب بارزة في حكومتها لعناصر كانت سابقاً مدرجة على لوائح الإرهاب، مثل كبار قادة ما تُعرف بـ«شبكة حقاني»، أو لسجناء سابقين في غوانتانامو أو سجون الحكومة الأفغانية. أوحى ذلك بأن الحركة ربما تريد العودة إلى طريقة حكمها المتشدد بنسخته الأولى، علماً بأن هذه الخطوة يُمكن أيضاً أن تُفسّر بأنها نابعة من سعي «طالبان» إلى إرضاء شريحة من عناصرها ممن يرون أن «الانتصار» الذي تحقق إنما تم نتيجة تضحيات المقاتلين على الأرض وليس نتيجة مفاوضات القادة السياسيين مع الأميركيين في الدوحة.
في أي حال، وجدت حكومة «طالبان» الأولى نفسها فوراً أمام اختبار التحوّل من حركة تمرّد إلى سلطة مسؤولة عن توفير حاجات شعبها، وهي مهمة شاقة في بلد مثل أفغانستان، يفرّ منه أبناؤه المتعلمون، وتعاني مصارفه من خزائن فارغة، فيما ودائعه الخارجية مجمدة، واقتصاده منهار بعدما كان قائماً لسنوات طويلة على مساعدات تأتيه من الخارج لكنها جفّت الآن بعد سقوط الحكومة الأفغانية.
والأكثر من ذلك، وجدت حكومة «طالبان» نفسها أمام مخاوف وتحذيرات دولية من أزمة إنسانية بالغة الخطورة ستواجه ملايين الأفغان خلال فصل الشتاء القارس. وهذا الوضع الإنساني كان عاملاً أساسياً وراء تحرك دول إسلامية، بقيادة المملكة العربية السعودية وباكستان، لعقد اجتماع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، في ديسمبر (كانون الأول)، خُصص لمساعدة الشعب الأفغاني.

التحدي الإرهابي

لم تواجه حكومة «طالبان» الجديدة تحدياً يُذكر من بقايا النظام السابق الذي انهار بشكل سريع مع الانسحاب الأميركي. النواة الصلبة من هؤلاء انكفأت إلى معقلها التقليدي في وادي بنجشير، شمال كابل، والذي شكّل عقبة كأْداء أمام حكم «طالبان» الأول في تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة. لكنّ أحمد مسعود، نجل الزعيم الطاجيكي الشهير أحمد شاه مسعود، الذي صدّ «طالبان» في بنجشير ومنعها من إكمال سيطرتها على أفغانستان، فشل في تكرار إنجاز والده هذه المرة. فقد اقتحم مقاتلو الحركة معقله بعد معركة قصيرة وتمكنوا من إلحاق الهزيمة بأنصاره الذين فرّوا إلى دول أخرى أو انكفأوا للتحصن في جبال نائية. والحقيقة أن هؤلاء المعارضين لم يكن في إمكانهم صد الحركة رغم استفادتهم من صعوبة تضاريس منطقتهم. فقد كانوا معزولين عن العالم الخارجي، ولم يكن هناك طرف على استعداد لمدّهم بالسلاح في مواجهة الحكم الجديد في كابل (ناشد نجل مسعود الأميركيين دعمه لكنهم لم يستجيبوا لطلبه).
ولا يُعتقد أن هناك تهديداً جدياً يمكن أن يواجه حكم «طالبان» في السنة الجديدة على أيدي معارضيها المهمشين من إثنيات الطاجيك والأوزبك والهزارة.

التهديد «الداعشي»: «ولاية خراسان»

في مقابل غياب التهديد من فصائل النظام السابق والإثنيات المهمشة للحكم الجديد في كابل، تواجه «طالبان» تحدياً من نوع آخر. فهناك التهديد «الداعشي» الذي نشأ من نفس بيئة «طالبان» وبين قادتها المستائين من عدم تشددها بما فيه الكفاية. يتركز تهديد هؤلاء في ولايات شرق البلد، لا سيما في كونار وننغرهار حيث يتحصن مئات، وربما بضعة آلاف، من مقاتلي «ولاية خراسان»، فرع «داعش» في أفغانستان. وقد واجه هؤلاء قوات الأمن الأفغانية على مدى سنوات، مثلما تواجهوا مع مقاتلي «طالبان» الذين عجزوا عن إخضاعهم، رغم تلقيهم أحياناً دعماً جوياً من القوات الأميركية وقوات الحكومة الأفغانية السابقة. وقد برز خطر «الدواعش» بشكل خاص بعد سيطرة «طالبان» على الحكم وفتحها أبواب السجون التي كان يُحتجز خلفها عدد كبير من مقاتلي «ولاية خراسان» وقادتها. وسارع هذا التنظيم بالفعل إلى «عرض عضلاته» بسلسلة تفجيرات انتحارية. استهدف أولها القوات الأميركية المشرفة على الجسر الجوي في مطار كابل ما أدى إلى مقتل 13 عسكرياً أميركياً، فيما استهدف التفجيران الثاني والثالث مسجدين للشيعة الهزارة في قندوز وقندهار، ما أدى إلى سقوط عشرات الضحايا. ولم يكتفِ «ولاية خراسان» بهذه الهجمات بل لجأ أيضاً إلى شن عمليات خاطفة تمثلت على وجه الخصوص في زرع عبوات ناسفة استهدفت عناصر «طالبان» في شرق البلاد تحديداً. وردّت «طالبان»، كما يبدو، بعمليات قتل خارج نطاق القضاء في حق مقاتلي «داعش».
وليس واضحاً كيف سينتهي الصراع بين «طالبان» و«داعش»، لكن المؤشرات توحي بأن الطرف الأول لن يسمح للثاني بأن يشكل تهديداً لحكمه، ما ينذر بمواجهة أكبر بين الطرفين قد تشهدها السنة الجديدة.

التهديد الإرهابي الخارجي

لكنّ التهديد الإرهابي لا يقتصر في الواقع على «داعش»، إذ إن أفغانستان تواجه اليوم مخاطر التحول من جديد إلى ساحة اجتذاب من يُسمَّون «الجهاديين الأجانب»، كما كان عليه الحال في تسعينات القرن الماضي. آنذاك، خلال النسخة الأولى من حكم «طالبان»، كانت أفغانستان بمثابة «مصنع» لتفريخ المتشددين الذين كانوا يتدفقون إلى معسكرات أقامتها جماعات أجنبية عديدة لتدريب عناصرها قبل إرسالهم في عمليات خارجية. سرق تنظيم «القاعدة» الوهج من هؤلاء نتيجة قيامه بهجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 انطلاقاً من أفغانستان. لكن الحقيقة أن الساحة الأفغانية آنذاك كانت قاعدة خلفية لعدد كبير من الجماعات المحظورة في بلادها والتي انتقلت للإقامة في ظل حكم الملا عمر، زعيم «طالبان». ولم تمنع مبايعة «القاعدة» للملا عمر قيام هذا التنظيم بهجمات 11 سبتمبر، وقبلها هجمات إرهابية عديدة أخرى، رغم الجدل داخل تنظيم أسامة بن لادن حول شرعية شن اعتداءات من دون الحصول على إذن زعيم «طالبان».
ويُفترض الآن أن بيعة «القاعدة» لزعيم «طالبان» ما زالت مستمرة بعد تولي الدكتور أيمن الظواهري القيادة خلفاً لأسامة بن لادن، وبعد تولي الملا أخوندزادة قيادة «طالبان» خلفاً للملا أختر منصور (الذي تولى بدوره قيادة الحركة بعد وفاة الملا عمر). ويكرر قادة «طالبان» اليوم تعهدهم بعدم السماح لأي جماعة بأن تستغل أراضي أفغانستان لتهديد طرف خارجي، ما يعني أن تنظيم الظواهري، أو أي تنظيم آخر، لن يكون حراً في تكرار شن هجمات انطلاقاً من أفغانستان. ويُفترض أن ذلك سيشمل، مثلاً، الإيغور الصينيين والأوزبك والطاجيك وجماعات عربية كانت تنشط سابقاً انطلاقاً من أفغانستان.
وليس واضحاً في الواقع ما إذا كان الظواهري نفسه قد انتقل أو يخطط للانتقال الآن للإقامة في أفغانستان، خصوصاً أنه قد يكون أكثر حرية في موقع اختبائه الحالي لمواصلة التحريض على شن هجمات ضد الأميركيين، وهو أمر دأب عليه في إصداراته الإعلامية، لكن «طالبان» ربما لن تسمح به الآن.
والواقع أن «القاعدة» ليست بحاجة ماسّة لأفغانستان، تحديداً، للتحضير لمهاجمة الأميركيين. فلديها خلاياها داخل مناطق القبائل بباكستان. ولديها وجود داخل إيران نفسها، بالتنسيق أحياناً مع أجهزة استخباراتها. كما أن فروعها ناشطة في أكثر من بلد، سواء من خلال حركة «الشباب»، فرع «القاعدة» في شرق أفريقيا، أو من خلال «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» و«تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي» في شمال أفريقيا والساحل الأفريقي. كما أن لـ«القاعدة» فرعها في سوريا ممثلاً بتنظيم «حراس الدين» الذي حافظ على الولاء للظواهري بعدما فكت «جبهة النصرة» بحُلّتها الجديدة (هيئة تحرير الشام) بيعتها له.
ووجود كل هذه الفروع لـ«القاعدة» يخفّف الضغط على قيادة التنظيم لاستخدام أفغانستان من جديد منطلقاً للتخطيط لهجماته. ولكن، رغم ذلك، ثمة معلومات متداولة على نطاق ضيق تشير إلى انتقال عناصر من «القاعدة» بالفعل مع عائلاتهم إلى مناطق في جنوب أفغانستان حيث يعيشون حالياً في ظل حكم «طالبان». لكن ليس واضحاً حتى الآن ما إذا كان وجودهم يمكن أن يتحول لاحقاً إلى نسخة مشابهة لما كان عليه وجود «القاعدة» في السابق. وستحمل السنة الجديدة مؤشرات أكثر وضوحاً على الأرجح لنوع العلاقة التي ستنشأ بين «طالبان» وضيوفها الجدد.

تيارات «طالبانية»

ولا شك أن وجود «الجهاديين الأجانب» مرتبط أيضاً بملف أفغاني داخلي محض له علاقة بوجود تيارات داخل «طالبان» تمثل فكراً أكثر تشدداً من تيارات أخرى. وفي هذا الإطار، سيكون من المهم جلاء موقف ما يُعرف بـ«شبكة حقاني» الواسعة النفوذ داخل هيكل الحكم الجديد لـ«طالبان» في كابل. وكان قد تردد على نطاق واسع في الأيام الأولى التي أعقبت سيطرة «طالبان» على العاصمة الأفغانية، في أغسطس الماضي، أن خلافاً كبيراً وقع بين قادة الحركة الذين انقسموا بين تيار عسكري تهيمن عليه «شبكة حقاني» وبين الجناح السياسي الذي فاوض الأميركيين في الدوحة ومثّله على وجه الخصوص الملا عبد الغني برادار. وأشارت معلومات آنذاك إلى أن العسكريين جادلوا بأن الفضل في «النصر» يعود بجزء كبير منه إلى تضحياتهم وليس إلى السياسيين الذين كانوا يفاوضون في فنادق فارهة ويجولون على عواصم العالم. وأثار غياب الملا برادار عن كابل وقتها إشاعات بأنه ذهب إلى قندهار للشكوى عند الملا أخوندزادة. لكن «طالبان» نفت وجود خلافات في صفوفها، مؤكدة أن «شبكة حقاني» جزء لا يتجزأ منها. في مقابل هذا النفي، يصرّ متشككون على أن «شبكة حقاني» تضم فعلاً أطرافاً أكثر تشدداً من غيرهم داخل «طالبان»، معتبرين أن نشاط الجماعات المتشددة الأجنبية يمكن أن يحصل على الأرجح في مناطق سيطرة هذه الشبكة بجنوب شرقي البلاد على الحدود مع باكستان. ولا شك أن هذا الرأي يتقاطع مع حقيقة أن فرع «طالبان» الباكستاني، «تحريك باكستان طالبان»، لديه امتداد واضح داخل مناطق جنوب شرقي أفغانستان، حيث يتخذ منها مقاتلو الحركة منطلقاً لهجماتهم داخل باكستان وملجأ للاختباء من رد القوات الباكستانية. وانطلاقاً من حقيقة هذا الارتباط بين «طالبان» الأفغانية و«طالبان» الباكستانية، لم يكن غريباً أن تلعب الأولى دوراً في ترتيب المفاوضات التي جرت أخيراً بين حكومة رئيس الوزراء عمران خان وقادة «تحريك طالبان».
وسيكون محورياً على الأرجح موقف الزعيم الأعلى لـ«طالبان» الأفغانية الملا أخوندزادة سواء لجهة حسم الخلافات داخل «طالبان» نفسها، بين السياسيين والعسكريين، أو لجهة العلاقة مع الجماعات الأجنبية المتشددة كـ«القاعدة» أو «تحريك طالبان»، خصوصاً أن هذه الجماعات التي تعيش في ظل حمايته يُفترض أن تكون مبايعة له. لكن القليل فقط يُعرف عن أخوندزادة الذي يسير، على ما يبدو، على خطى الملا عمر. فليس هناك سوى صورة واحدة له تم توزيعها لدى توليه قيادة «طالبان» خلفاً للملا أختر منصور قبل أعوام. والفارق الوحيد بينها وبين الصورة اليتيمة للملا عمر أن هذه الأخيرة كانت من بعيد وغير واضحة، بينما صورة أخوندزادة كانت «رسمية» يظهر فيها بوضوح. ولم توزع «طالبان» أبداً أي صور أخرى يظهر فيها وجه أخوندزادة الذي يبدو أنه يعيش منعزلاً في قندهار تاركاً إدارة الحكم في كابل لقادة حركته، مكتفياً بتوجيهات عامة للسياسات التي يفترض أن تتبعها حكومته.



مجلس الأمن يدرس السماح باستخدام «كل الوسائل اللازمة» لضمان الملاحة في هرمز

خلال جلسة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بمقر المنظمة في نيويورك يوم 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)
خلال جلسة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بمقر المنظمة في نيويورك يوم 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

مجلس الأمن يدرس السماح باستخدام «كل الوسائل اللازمة» لضمان الملاحة في هرمز

خلال جلسة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بمقر المنظمة في نيويورك يوم 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)
خلال جلسة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بمقر المنظمة في نيويورك يوم 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)

بدأ مجلس الأمن الدولي مفاوضات محورها مشروع قرار تقدمت به البحرين، يسمح لأي دولة باستخدام «كل الوسائل اللازمة» لضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.

ويهدف مشروع القرار الذي اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، ومن المتوقع تعديله خلال المناقشات، إلى منح الدول الأعضاء الضوء الأخضر لـ«استخدام (كل الوسائل اللازمة)، في مضيق هرمز وحوله، بما في ذلك في المياه الإقليمية» للدول الساحلية لـ«تأمين المرور وضبط وتحييد ومنع أي محاولة لإغلاق أو عرقلة أو تدخل في الملاحة الدولية» عبر هذا الممر التجاري الحيوي.

ويطالب النص أيضاً إيران بـ«التوقف فوراً عن كل الهجمات ضد السفن التجارية وأي محاولة لعرقلة» حرية الملاحة. كما يشير إلى إمكان فرض عقوبات على أولئك الذين ينتهكون حرية الملاحة عبر المضيق.

ولم يتمكن سوى عدد قليل من سفن الشحن وناقلات النفط، ومعظمها إيراني، من المرور عبر مضيق هرمز منذ أغلقت القوات الإيرانية هذا الممر التجاري الحيوي، في إطار الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط، في أعقاب هجوم أميركي إسرائيلي على طهران في 28 فبراير (شباط).

وقال دبلوماسيان أوروبيان ودبلوماسي غربي إن احتمالات موافقة مجلس الأمن على القرار ضئيلة، إذ من المرجح أن تستخدم روسيا ‌والصين، المقرّبتان من إيران، حق النقض (فيتو). ويحتاج مشروع القرار إلى ما لا يقل عن 9 أصوات مؤيدة، وعدم استخدام روسيا ⁠والصين والولايات المتحدة ⁠وبريطانيا وفرنسا حق النقض، حتى يعتمده المجلس المكون من 15 عضواً. ولم يتسنَّ التواصل مع بعثتي روسيا والصين لدى الأمم المتحدة للحصول على تعليق.

وكانت البحرين تقدمت، نيابة عن دول الخليج، بمشروع قرار تبناه مجلس الأمن منتصف مارس (آذار)، طالب بـ«الوقف الفوري» للهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن. وقال الدبلوماسيون إن فرنسا تعمل أيضاً على صياغة مشروع قرار بديل يسعى للحصول على تفويض من الأمم المتحدة بمجرد أن تهدأ الأوضاع. وقال 3 مسؤولين أميركيين لوكالة «رويترز» للأنباء، إن 2500 جندي من مشاة البحرية سيتم نشرهم في المنطقة، إلى جانب السفينة الحربية الأميركية «بوكسر»، وهي سفينة هجومية برمائية، وسفن حربية مرافقة. ولم يذكر المسؤولون تفاصيل عن دور هذه القوات والقطع البحرية. وقال مسؤولان إنه لم يتم بعد اتخاذ أي قرار بشأن ما ​إن كانت القوات ستدخل إيران. وأبلغت ​مصادر «رويترز»، في وقت سابق، أن الأهداف المحتملة ربما تشمل الساحل الإيراني أو مركز تصدير النفط في جزيرة خرج.


20 دولة تؤكّد استعدادها للمساهمة في جهود تأمين مضيق هرمز

زورق تابع لقوات خفر السواحل العُمانية يراقب المنطقة في ظل تراجع الملاحة في مضيق هرمز يوم 12 مارس الحالي (رويترز)
زورق تابع لقوات خفر السواحل العُمانية يراقب المنطقة في ظل تراجع الملاحة في مضيق هرمز يوم 12 مارس الحالي (رويترز)
TT

20 دولة تؤكّد استعدادها للمساهمة في جهود تأمين مضيق هرمز

زورق تابع لقوات خفر السواحل العُمانية يراقب المنطقة في ظل تراجع الملاحة في مضيق هرمز يوم 12 مارس الحالي (رويترز)
زورق تابع لقوات خفر السواحل العُمانية يراقب المنطقة في ظل تراجع الملاحة في مضيق هرمز يوم 12 مارس الحالي (رويترز)

أبدت 20 دولة رغبتها، السبت، في المساهمة في الجهود الرامية لتأمين مضيق هرمز، مُندّدة في الوقت ذاته بإغلاق إيران للممر الاستراتيجي.

وقالت كل من المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا واليابان وكندا وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا والدنمارك ولاتفيا وسلوفينيا وإستونيا والنرويج والسويد وفنلندا وتشيكيا ورومانيا والبحرين وليتوانيا، في البيان المشترك: «نُعرب عن استعدادنا للمساهمة في الجهود المناسبة لضمان المرور الآمن عبر المضيق»، مضيفةً: «نرحّب بالتزام الدول المشاركة في التخطيط التحضيري».

وتابعت: «ندين بأشد العبارات الهجمات الإيرانية الأخيرة على سفن تجارية غير مسلّحة في الخليج، والهجمات على البنية التحتية المدنية بما فيها منشآت النفط والغاز، والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من قبل القوات الإيرانية».

ومنذ بدء الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، تشنّ طهران ضربات على مواقع في دول الخليج وعلى سفن شحن أثناء عبورها في المضيق.

وأفادت شركة «كيبلر» للتحليل، بأنّه بين الأول والتاسع عشر من مارس (آذار)، عبرت 116 ناقلة بضائع فقط المضيق، في انخفاض بنسبة 95 في المائة عن المعدل الذي تمّ تسجيله قبل الحرب. وأدّى التعطيل الفعلي لمضيق هرمز، الذي يمُرّ عبره عادة 20 في المائة من النفط والغاز العالميَّين، والهجمات على منشآت النفط والغاز في الشرق الأوسط، إلى ارتفاع كبير في الأسعار.

وقالت الدول الموقّعة على البيان: «ندعو إلى وقف فوري وشامل للهجمات على البنية التحتية المدنية، بما فيها منشآت النفط والغاز».


محتجون بمسجد أسترالي ينتقدون رئيس الوزراء بسبب موقفه من إسرائيل

ألبانيزي جالساً وسط الأئمة أثناء زيارته لأكبر مسجد في أستراليا خلال صلاة عيد الفطر (رويترز)
ألبانيزي جالساً وسط الأئمة أثناء زيارته لأكبر مسجد في أستراليا خلال صلاة عيد الفطر (رويترز)
TT

محتجون بمسجد أسترالي ينتقدون رئيس الوزراء بسبب موقفه من إسرائيل

ألبانيزي جالساً وسط الأئمة أثناء زيارته لأكبر مسجد في أستراليا خلال صلاة عيد الفطر (رويترز)
ألبانيزي جالساً وسط الأئمة أثناء زيارته لأكبر مسجد في أستراليا خلال صلاة عيد الفطر (رويترز)

قام محتجون اليوم الجمعة بمقاطعة رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي وأطلقوا صيحات استهجان أثناء زيارته لأكبر مسجد في أستراليا خلال صلاة عيد الفطر، وعبروا عن غضبهم من موقفه تجاه هجوم إسرائيل حليفة بلاده على غزة.

ويشعر أفراد من المجتمعين المسلم واليهودي في أستراليا بالغضب إزاء الموقف الحذر الذي اتخذته الحكومة المنتمية ليسار الوسط منذ اندلاع حرب غزة، فهي عبرت عن قلقها تجاه الفلسطينيين، وحثت مرارا على وقف إطلاق النار، ودعمت حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.

وأظهرت لقطات فيديو محتجين وهم يقاطعون أداء الصلوات بعد نحو 15 دقيقة من انضمام ألبانيزي ووزير الشؤون الداخلية توني بيرك إلى المصلين في مسجد لاكيمبا بغرب سيدني. وأطلق المحتجون صيحات الاستهجان وطالبوا ألبانيزي وبيرك بالمغادرة ووصفوهما «بداعمي الإبادة الجماعية».

وقال أحد القيادات الدينية «إخوتي وأخواتي الأعزاء، حافظوا على هدوئكم قليلا»، وحث الحضور على الجلوس والتوقف عن تصوير ما يحدث. وقال «إنه عيد. إنه يوم سعيد». وشوهد حارس أمن وهو يطرح أحد مثيري الشغب أرضا قبل أن يرافقه بعيدا.

وغادر ألبانيزي وبيرك المكان بعد ذلك بوقت قصير، وتبعهم المحتجون الذين كانوا يصرخون «عار عليكم!». وفي وقت لاحق وصف ألبانيزي زيارة المسجد بأنها كانت «إيجابية للغاية» رغم ما حدث. وقال للصحفيين «إذا كان هناك شخصان يثيران شغبا في حشد من 30 ألف شخص، فيجب النظر إلى الأمر في نصابه».

وأضاف أن بعض الاستياء نابع من تصنيف الحكومة هذا الشهر لحزب التحرير الإسلامي كجماعة كراهية محظورة، استنادا إلى قوانين صدرت عقب حادثة إطلاق النار الجماعي الدامية في شاطئ بونداي بسيدني في 14 ديسمبر (كانون الأول).

وخرجت أعداد كبيرة من المتظاهرين عندما زار رئيس إسرائيل إسحاق هرتسوغ البلاد الشهر الماضي بدعوة من ألبانيزي بعد واقعة بونداي التي استهدفت المجتمع اليهودي ونفذها شخصان استلهما أفكارا من تنظيم داعش.