أفغانستان في قبضة «طالبان»... بماذا تختلف نسختها الثانية عن الأولى؟

الحركة تواجه تحدي التحوّل من تمرّد إلى حكومة... وحل إشكالية العلاقة مع «القاعدة»... وكبح «داعش»

أفغان ينتظرون الفرار عبر أي طائرة مغادرة بعد سيطرة «طالبان» على الحكم في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
أفغان ينتظرون الفرار عبر أي طائرة مغادرة بعد سيطرة «طالبان» على الحكم في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
TT

أفغانستان في قبضة «طالبان»... بماذا تختلف نسختها الثانية عن الأولى؟

أفغان ينتظرون الفرار عبر أي طائرة مغادرة بعد سيطرة «طالبان» على الحكم في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
أفغان ينتظرون الفرار عبر أي طائرة مغادرة بعد سيطرة «طالبان» على الحكم في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

كانت السنة 2021، أفغانياً، سنة «طالبان» بامتياز. عادت هذه الحركة إلى السلطة في كابل بعد غياب دام 20 عاماً. عادت على جثة حكومة الرئيس أشرف غني التي سقطت وسقط معها رهان الغرب على إقامة حكومة أفغانية مركزية تصل إلى السلطة، وترحل عنها، عبر صناديق الانتخابات. عودة «طالبان» مثّلت أيضاً هزيمة للولايات المتحدة التي حزمت حقائبها ورحلت عن بلاد استنزفتها، بشرياً ومادياً، على مدى عقدين من الزمن في «حرب لا تنتهي». لم تُهزم أميركا عسكرياً، لكن «نفس طالبان» كان أطول منها. كما أن الخروج من «مقبرة الإمبراطوريات» كان ضرورياً لتصويب البوصلة في اتجاه الخطر الحقيقي الذي يهدد استمرار الهيمنة الأميركية عالمياً. فهذا الخطر، كما يقول الأميركيون، لم يعد مصدره «الإرهاب الدولي» بقدر ما بات يأتي من خصوم كالصين وروسيا.
ماذا تعني عودة «طالبان» إلى السلطة؟ وهل هناك مخاوف حقيقية من تحوّل أفغانستان، في ظل حكمها، إلى نقطة جذب للجماعات المتشددة، كما كان الحال في نسخته الأولى قبل العام 2001؟
هذا التقرير يتناول بعض التحديات والتهديدات المتوقعة من أفغانستان الجديدة في ظل حكم «طالبان» بنسخته الثانية.

الطريق إلى كابل

تسلّمت حركة «طالبان» الحكم في العاصمة الأفغانية بعد السقوط الفوضوي لحكومة الرئيس أشرف غني في أغسطس (آب) الماضي. لم تحصل عملية تسلّم وتسليم، كما تصوّرها الأميركيون الذين راهنوا، في اتفاق الدوحة مع «طالبان» في 29 فبراير (شباط) 2020، على مفاوضات أفغانية - أفغانية تؤدي إلى تشكيل حكومة شراكة تضم الحركة وإدارة الرئيس غني. ضغط الأميركيون على غني للتنازل. تنازل، لكن ليس بالقدر الذي تريده «طالبان». ضغط الأميركيون أكثر. لم يستمع لهم. وفي الحقيقة، لم تكن «طالبان» مستعجلة لصيغة حكومة لا تشكل هي سوى جزء منها. فلماذا تنضم إلى حكومة مع غيرها ما دام في إمكانها أن تستحوذ عليها كلها؟ كان هذا الأمر واضحاً وضوح الشمس في الشهور التي سبقت فرار غني من كابل. فقوات الحكومة الأفغانية التي أنفق الأميركيون مليارات الدولارات على تدريبها وتجهيزها خلال السنوات العشرين الماضية، بدا فجأة كأنها فقدت الرغبة في القتال. كانت تسلّم مواقعها تباعاً أمام زحف «طالبان». ازدادت وتيرة الانهيار بعدما رفع الأميركيون الغطاء الجوي الذي كانوا يوفرونه لمواقع الجيش والشرطة الأفغانيين. والأرجح أن الجدل حول من يتحمل مسؤولية انهيار القوات الأفغانية سيستمر طويلاً. الأميركيون سيجادلون بأن الجنود الأفغان ألقوا أسلحتهم ولم يقاتلوا كما ينبغي. القادة الأفغان سيردون بأنهم ضحّوا بآلاف من جنودهم لكن الأميركيين تركوهم فريسة لأعدائهم بعدما بدأوا بإخلاء قواعدهم وتوقفوا عن تقديم الدعم للجيش الأفغاني، إلا في حالات محدودة جداً.
في منتصف أغسطس، كانت «طالبان» تطرق أبواب كابل. لم تهاجمها. فالتفاهم غير المعلن مع الأميركيين قضى بأن دخول العاصمة يتم باتفاق مع إدارتها. ما لم يتوقعه الأميركيون كان فرار غني، دون سابق إنذار ودون تنسيق معهم. كان غني يخشى، ربما، أن يلقى مصير الرئيس السابق نجيب الله الذي انتزعته قوات «طالبان» من مقر الأمم المتحدة في كابل عام 1996 وشنقته مع شقيقه على عمود إنارة في شارع عام. غني نفسه يبرر فراره بأنه أراد تجنيب العاصمة قتالاً دامياً في حال قرر البقاء والمقاومة.
تسبب فرار غني وسقوط حكومته في حالة هلع في أوساط آلاف الأفغان الذين عملوا على مدى سنوات ضمن إدارات الحكومة الأفغانية وأجهزتها الأمنية وباتوا الآن تحت رحمة خصومهم السابقين. كثير من الذين تجمعوا في العاصمة كانوا أصلاً من موظفي الحكومة وأفراد عائلاتهم ممن فروا من مناطق أخرى استولت عليها «طالبان». لم يكن أمام هؤلاء النازحين، وغيرهم من الخائفين من سكان كابل، أي وسيلة أخرى الآن للفرار بعدما سيطرت «طالبان» على معظم أرجاء البلاد وباتت تطوق كابل نفسها. المخرج الوحيد كان مطار حامد كرزاي الدولي. فتدفق هؤلاء إلى هناك بعشرات الآلاف، محاولين ركوب أي طائرة مغادرة عبر الجسر الجوي الذي أقامته الولايات المتحدة وحكومات أخرى لإجلاء الأجانب والمتعاونين معهم.
أعادت مشاهد الإجلاء الفوضوي للأجانب والأفغان من مطار كابل إلى الأذهان صور الانسحاب الأميركي من سايغون عام 1975 عندما تعلّق فيتناميون بطائرات وهي تُقلع من سطح السفارة الأميركية قبل سيطرة قوات «الفيتكونغ» على عاصمة ما كان يُعرف آنذاك بفيتنام الجنوبية. تكرر المشهد المحزن في كابل هذه المرة. حاول مواطنون أفغان التعلق بطائرات أميركية وهي تقلع من المطار، فسقطوا منها بعد قليل من إقلاعها. وستبقى، على الأرجح، صور الأفغان وهم يركضون وراء الطائرات المغادرة، رمزاً يذكّر الأميركيين، على مدى عقود مقبلة، بفشلهم في أفغانستان.

حكومة «طالبان»

دخلت «طالبان» كابل دخول المنتصرين. لم تلقَ أي مقاومة من القوات الحكومية السابقة التي خلع كثير من عناصرها زيهم العسكري وتجمعوا حول مطار العاصمة ينتظرون إجلاءهم، كعشرات الآلاف غيرهم من المحتشدين حول أسوار المطار أملاً بالفرار في أي طائرة مغادرة. والحقيقة أن «طالبان» لم تقم بما كان كثيرون يخشون قيامها به، وتحديداً ارتكاب فظاعات ضد خصومها السابقين. فقد أرسلت الحركة، عبر مسؤوليها الكبار الذين تسلموا مقاليد الحكم في كابل، رسائل طمأنة لجميع معارضيها بأنها لن تمسسهم بأذى وبأن صفحة جديدة فُتحت معهم وبأنها تريدهم أن يشكلوا جزءاً من مستقبل أفغانستان. والأكثر من ذلك، تحدثت الحركة عن رغبتها في تشكيل «حكومة جامعة»، وهو ما فُسّر بأنه يعني إشراك شخصيات محسوبة على الإدارة السابقة في السلطة الجديدة. والتقى مسؤولو «طالبان» بالفعل مع شخصيات بارزة من الحكم السابق ممن لم يغادروا كابل وبعضهم كان أصلاً جزءاً من مفاوضات الدوحة الفاشلة مع الحركة، مثل الرئيس السابق حامد كرزاي، ورئيس المجلس الأعلى للمصالحة عبد الله عبد الله. لكنّ هذه الاتصالات لم تسفر، كما يبدو، عن اتفاق على إشراك أيٍّ من هؤلاء في السلطة الجديدة. فقد أعلنت «طالبان» حكومتها الأولى من قياديين في الحركة من عرقية البشتون، مع تهميش واضح لمكونات أخرى في المجتمع الأفغاني، مثل الطاجيك والأوزبك والهزارة. والأكثر من ذلك، منحت «طالبان» مناصب بارزة في حكومتها لعناصر كانت سابقاً مدرجة على لوائح الإرهاب، مثل كبار قادة ما تُعرف بـ«شبكة حقاني»، أو لسجناء سابقين في غوانتانامو أو سجون الحكومة الأفغانية. أوحى ذلك بأن الحركة ربما تريد العودة إلى طريقة حكمها المتشدد بنسخته الأولى، علماً بأن هذه الخطوة يُمكن أيضاً أن تُفسّر بأنها نابعة من سعي «طالبان» إلى إرضاء شريحة من عناصرها ممن يرون أن «الانتصار» الذي تحقق إنما تم نتيجة تضحيات المقاتلين على الأرض وليس نتيجة مفاوضات القادة السياسيين مع الأميركيين في الدوحة.
في أي حال، وجدت حكومة «طالبان» الأولى نفسها فوراً أمام اختبار التحوّل من حركة تمرّد إلى سلطة مسؤولة عن توفير حاجات شعبها، وهي مهمة شاقة في بلد مثل أفغانستان، يفرّ منه أبناؤه المتعلمون، وتعاني مصارفه من خزائن فارغة، فيما ودائعه الخارجية مجمدة، واقتصاده منهار بعدما كان قائماً لسنوات طويلة على مساعدات تأتيه من الخارج لكنها جفّت الآن بعد سقوط الحكومة الأفغانية.
والأكثر من ذلك، وجدت حكومة «طالبان» نفسها أمام مخاوف وتحذيرات دولية من أزمة إنسانية بالغة الخطورة ستواجه ملايين الأفغان خلال فصل الشتاء القارس. وهذا الوضع الإنساني كان عاملاً أساسياً وراء تحرك دول إسلامية، بقيادة المملكة العربية السعودية وباكستان، لعقد اجتماع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، في ديسمبر (كانون الأول)، خُصص لمساعدة الشعب الأفغاني.

التحدي الإرهابي

لم تواجه حكومة «طالبان» الجديدة تحدياً يُذكر من بقايا النظام السابق الذي انهار بشكل سريع مع الانسحاب الأميركي. النواة الصلبة من هؤلاء انكفأت إلى معقلها التقليدي في وادي بنجشير، شمال كابل، والذي شكّل عقبة كأْداء أمام حكم «طالبان» الأول في تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة. لكنّ أحمد مسعود، نجل الزعيم الطاجيكي الشهير أحمد شاه مسعود، الذي صدّ «طالبان» في بنجشير ومنعها من إكمال سيطرتها على أفغانستان، فشل في تكرار إنجاز والده هذه المرة. فقد اقتحم مقاتلو الحركة معقله بعد معركة قصيرة وتمكنوا من إلحاق الهزيمة بأنصاره الذين فرّوا إلى دول أخرى أو انكفأوا للتحصن في جبال نائية. والحقيقة أن هؤلاء المعارضين لم يكن في إمكانهم صد الحركة رغم استفادتهم من صعوبة تضاريس منطقتهم. فقد كانوا معزولين عن العالم الخارجي، ولم يكن هناك طرف على استعداد لمدّهم بالسلاح في مواجهة الحكم الجديد في كابل (ناشد نجل مسعود الأميركيين دعمه لكنهم لم يستجيبوا لطلبه).
ولا يُعتقد أن هناك تهديداً جدياً يمكن أن يواجه حكم «طالبان» في السنة الجديدة على أيدي معارضيها المهمشين من إثنيات الطاجيك والأوزبك والهزارة.

التهديد «الداعشي»: «ولاية خراسان»

في مقابل غياب التهديد من فصائل النظام السابق والإثنيات المهمشة للحكم الجديد في كابل، تواجه «طالبان» تحدياً من نوع آخر. فهناك التهديد «الداعشي» الذي نشأ من نفس بيئة «طالبان» وبين قادتها المستائين من عدم تشددها بما فيه الكفاية. يتركز تهديد هؤلاء في ولايات شرق البلد، لا سيما في كونار وننغرهار حيث يتحصن مئات، وربما بضعة آلاف، من مقاتلي «ولاية خراسان»، فرع «داعش» في أفغانستان. وقد واجه هؤلاء قوات الأمن الأفغانية على مدى سنوات، مثلما تواجهوا مع مقاتلي «طالبان» الذين عجزوا عن إخضاعهم، رغم تلقيهم أحياناً دعماً جوياً من القوات الأميركية وقوات الحكومة الأفغانية السابقة. وقد برز خطر «الدواعش» بشكل خاص بعد سيطرة «طالبان» على الحكم وفتحها أبواب السجون التي كان يُحتجز خلفها عدد كبير من مقاتلي «ولاية خراسان» وقادتها. وسارع هذا التنظيم بالفعل إلى «عرض عضلاته» بسلسلة تفجيرات انتحارية. استهدف أولها القوات الأميركية المشرفة على الجسر الجوي في مطار كابل ما أدى إلى مقتل 13 عسكرياً أميركياً، فيما استهدف التفجيران الثاني والثالث مسجدين للشيعة الهزارة في قندوز وقندهار، ما أدى إلى سقوط عشرات الضحايا. ولم يكتفِ «ولاية خراسان» بهذه الهجمات بل لجأ أيضاً إلى شن عمليات خاطفة تمثلت على وجه الخصوص في زرع عبوات ناسفة استهدفت عناصر «طالبان» في شرق البلاد تحديداً. وردّت «طالبان»، كما يبدو، بعمليات قتل خارج نطاق القضاء في حق مقاتلي «داعش».
وليس واضحاً كيف سينتهي الصراع بين «طالبان» و«داعش»، لكن المؤشرات توحي بأن الطرف الأول لن يسمح للثاني بأن يشكل تهديداً لحكمه، ما ينذر بمواجهة أكبر بين الطرفين قد تشهدها السنة الجديدة.

التهديد الإرهابي الخارجي

لكنّ التهديد الإرهابي لا يقتصر في الواقع على «داعش»، إذ إن أفغانستان تواجه اليوم مخاطر التحول من جديد إلى ساحة اجتذاب من يُسمَّون «الجهاديين الأجانب»، كما كان عليه الحال في تسعينات القرن الماضي. آنذاك، خلال النسخة الأولى من حكم «طالبان»، كانت أفغانستان بمثابة «مصنع» لتفريخ المتشددين الذين كانوا يتدفقون إلى معسكرات أقامتها جماعات أجنبية عديدة لتدريب عناصرها قبل إرسالهم في عمليات خارجية. سرق تنظيم «القاعدة» الوهج من هؤلاء نتيجة قيامه بهجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 انطلاقاً من أفغانستان. لكن الحقيقة أن الساحة الأفغانية آنذاك كانت قاعدة خلفية لعدد كبير من الجماعات المحظورة في بلادها والتي انتقلت للإقامة في ظل حكم الملا عمر، زعيم «طالبان». ولم تمنع مبايعة «القاعدة» للملا عمر قيام هذا التنظيم بهجمات 11 سبتمبر، وقبلها هجمات إرهابية عديدة أخرى، رغم الجدل داخل تنظيم أسامة بن لادن حول شرعية شن اعتداءات من دون الحصول على إذن زعيم «طالبان».
ويُفترض الآن أن بيعة «القاعدة» لزعيم «طالبان» ما زالت مستمرة بعد تولي الدكتور أيمن الظواهري القيادة خلفاً لأسامة بن لادن، وبعد تولي الملا أخوندزادة قيادة «طالبان» خلفاً للملا أختر منصور (الذي تولى بدوره قيادة الحركة بعد وفاة الملا عمر). ويكرر قادة «طالبان» اليوم تعهدهم بعدم السماح لأي جماعة بأن تستغل أراضي أفغانستان لتهديد طرف خارجي، ما يعني أن تنظيم الظواهري، أو أي تنظيم آخر، لن يكون حراً في تكرار شن هجمات انطلاقاً من أفغانستان. ويُفترض أن ذلك سيشمل، مثلاً، الإيغور الصينيين والأوزبك والطاجيك وجماعات عربية كانت تنشط سابقاً انطلاقاً من أفغانستان.
وليس واضحاً في الواقع ما إذا كان الظواهري نفسه قد انتقل أو يخطط للانتقال الآن للإقامة في أفغانستان، خصوصاً أنه قد يكون أكثر حرية في موقع اختبائه الحالي لمواصلة التحريض على شن هجمات ضد الأميركيين، وهو أمر دأب عليه في إصداراته الإعلامية، لكن «طالبان» ربما لن تسمح به الآن.
والواقع أن «القاعدة» ليست بحاجة ماسّة لأفغانستان، تحديداً، للتحضير لمهاجمة الأميركيين. فلديها خلاياها داخل مناطق القبائل بباكستان. ولديها وجود داخل إيران نفسها، بالتنسيق أحياناً مع أجهزة استخباراتها. كما أن فروعها ناشطة في أكثر من بلد، سواء من خلال حركة «الشباب»، فرع «القاعدة» في شرق أفريقيا، أو من خلال «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» و«تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي» في شمال أفريقيا والساحل الأفريقي. كما أن لـ«القاعدة» فرعها في سوريا ممثلاً بتنظيم «حراس الدين» الذي حافظ على الولاء للظواهري بعدما فكت «جبهة النصرة» بحُلّتها الجديدة (هيئة تحرير الشام) بيعتها له.
ووجود كل هذه الفروع لـ«القاعدة» يخفّف الضغط على قيادة التنظيم لاستخدام أفغانستان من جديد منطلقاً للتخطيط لهجماته. ولكن، رغم ذلك، ثمة معلومات متداولة على نطاق ضيق تشير إلى انتقال عناصر من «القاعدة» بالفعل مع عائلاتهم إلى مناطق في جنوب أفغانستان حيث يعيشون حالياً في ظل حكم «طالبان». لكن ليس واضحاً حتى الآن ما إذا كان وجودهم يمكن أن يتحول لاحقاً إلى نسخة مشابهة لما كان عليه وجود «القاعدة» في السابق. وستحمل السنة الجديدة مؤشرات أكثر وضوحاً على الأرجح لنوع العلاقة التي ستنشأ بين «طالبان» وضيوفها الجدد.

تيارات «طالبانية»

ولا شك أن وجود «الجهاديين الأجانب» مرتبط أيضاً بملف أفغاني داخلي محض له علاقة بوجود تيارات داخل «طالبان» تمثل فكراً أكثر تشدداً من تيارات أخرى. وفي هذا الإطار، سيكون من المهم جلاء موقف ما يُعرف بـ«شبكة حقاني» الواسعة النفوذ داخل هيكل الحكم الجديد لـ«طالبان» في كابل. وكان قد تردد على نطاق واسع في الأيام الأولى التي أعقبت سيطرة «طالبان» على العاصمة الأفغانية، في أغسطس الماضي، أن خلافاً كبيراً وقع بين قادة الحركة الذين انقسموا بين تيار عسكري تهيمن عليه «شبكة حقاني» وبين الجناح السياسي الذي فاوض الأميركيين في الدوحة ومثّله على وجه الخصوص الملا عبد الغني برادار. وأشارت معلومات آنذاك إلى أن العسكريين جادلوا بأن الفضل في «النصر» يعود بجزء كبير منه إلى تضحياتهم وليس إلى السياسيين الذين كانوا يفاوضون في فنادق فارهة ويجولون على عواصم العالم. وأثار غياب الملا برادار عن كابل وقتها إشاعات بأنه ذهب إلى قندهار للشكوى عند الملا أخوندزادة. لكن «طالبان» نفت وجود خلافات في صفوفها، مؤكدة أن «شبكة حقاني» جزء لا يتجزأ منها. في مقابل هذا النفي، يصرّ متشككون على أن «شبكة حقاني» تضم فعلاً أطرافاً أكثر تشدداً من غيرهم داخل «طالبان»، معتبرين أن نشاط الجماعات المتشددة الأجنبية يمكن أن يحصل على الأرجح في مناطق سيطرة هذه الشبكة بجنوب شرقي البلاد على الحدود مع باكستان. ولا شك أن هذا الرأي يتقاطع مع حقيقة أن فرع «طالبان» الباكستاني، «تحريك باكستان طالبان»، لديه امتداد واضح داخل مناطق جنوب شرقي أفغانستان، حيث يتخذ منها مقاتلو الحركة منطلقاً لهجماتهم داخل باكستان وملجأ للاختباء من رد القوات الباكستانية. وانطلاقاً من حقيقة هذا الارتباط بين «طالبان» الأفغانية و«طالبان» الباكستانية، لم يكن غريباً أن تلعب الأولى دوراً في ترتيب المفاوضات التي جرت أخيراً بين حكومة رئيس الوزراء عمران خان وقادة «تحريك طالبان».
وسيكون محورياً على الأرجح موقف الزعيم الأعلى لـ«طالبان» الأفغانية الملا أخوندزادة سواء لجهة حسم الخلافات داخل «طالبان» نفسها، بين السياسيين والعسكريين، أو لجهة العلاقة مع الجماعات الأجنبية المتشددة كـ«القاعدة» أو «تحريك طالبان»، خصوصاً أن هذه الجماعات التي تعيش في ظل حمايته يُفترض أن تكون مبايعة له. لكن القليل فقط يُعرف عن أخوندزادة الذي يسير، على ما يبدو، على خطى الملا عمر. فليس هناك سوى صورة واحدة له تم توزيعها لدى توليه قيادة «طالبان» خلفاً للملا أختر منصور قبل أعوام. والفارق الوحيد بينها وبين الصورة اليتيمة للملا عمر أن هذه الأخيرة كانت من بعيد وغير واضحة، بينما صورة أخوندزادة كانت «رسمية» يظهر فيها بوضوح. ولم توزع «طالبان» أبداً أي صور أخرى يظهر فيها وجه أخوندزادة الذي يبدو أنه يعيش منعزلاً في قندهار تاركاً إدارة الحكم في كابل لقادة حركته، مكتفياً بتوجيهات عامة للسياسات التي يفترض أن تتبعها حكومته.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».