ضربتان تؤذيان رأس بايدن: روسيا والصين

ضربتان تؤذيان رأس بايدن: روسيا والصين
TT

ضربتان تؤذيان رأس بايدن: روسيا والصين

ضربتان تؤذيان رأس بايدن: روسيا والصين

رأى منتقدو إدارة الأميركي جو بايدن، في الصيف الماضي، أن الانسحاب من أفغانستان من شأنه تدمير المصداقية الأميركية ويشجع منافسي الولايات المتحدة على اتخاذ إجراءات أجرأ تتحدى واشنطن وأصدقاءها.
فهل تراجُع المصداقية الأميركية هو السبب وراء التوترات الجديدة في أوكرانيا وتايوان؟ إجابتي المباشرة: كلا. فإذا كانت روسيا لا تغزو جيرانها إلا حين تكون واشنطن ضعيفة، فلماذا غزا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جورجيا عام 2008؟ لا أحد يمكن أن يقول إن أميركا كانت تتراجع آنذاك بعدما رفعنا من وجودنا العسكري في العراق، وكان جورج دبليو بوش رئيساً. لكن ما حدث بدلاً من ذلك أن روسيا كانت لها مصالح في الدول المجاورة مثل جورجيا وأوكرانيا لمئات السنين. وستمارس موسكو ضغوطاً على جيرانها بغضّ النظر عمّن يشغل المكتب البيضاوي. وستحدد موسكو أنواع الضغط المزمع استخدامها بعد النظر في ردود الفعل السياسية المحلية والدولية، لكنّ المصلحة الوطنية الروسية الأساسية في الدول المجاورة لا تتغير. وقد وعد بايدن بأنه لن يرسل جنوداً أميركيين إلى أوكرانيا. وفي الدول المجاورة يتعين علينا توقُّع أن يؤدي التدخل العسكري الأميركي، حتى ولو كان غير مباشر مثل إرسال الأسلحة، إلى تصعيد عسكري روسي رداً على ذلك.
تُرى هل تشكل أوكرانيا أهمية كافية بالنسبة للأمن القومي الأميركي لتبرير التصعيد الكبير رداً على تصرفات موسكو؟
كانت أوكرانيا جزءاً من الاتحاد السوفياتي طيلة 70 سنة، وعلى الرغم من السيطرة السوفياتية على أوكرانيا فإن الأمن القومي الأميركي كان آمناً. وعندما اقترح أحد أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين أن تستخدم واشنطن الأسلحة النووية في أوكرانيا، قوبل بصمت محرج من الجمهوريين الآخرين كافة. ويدرك بايدن عدم وجود دعم شعبي أميركي لتدخل كبير في حرب أوكرانيا، ومن ثم، فإنه يحاول توجيه بوتين إلى مسار دبلوماسي. وحتى الآن، وخلافاً لعام 2014 لم يُقْدم بوتين على الغزو، وفي الوقت نفسه لم يصدر عن بايدن أي تنازل بشأن المبادئ المتعلقة باستقلال أوكرانيا.

يشعر المحللون والمسؤولون في واشنطن بمزيد من القلق تجاه الصين. ففي برقيته الطويلة الشهيرة عام 1946 تنبأ الدبلوماسي الأميركي جورج كينان بانهيار الاتحاد السوفياتي، عاجلاً أم آجلاً، بسبب المشكلات الداخلية. لكن لا أحد في واشنطن يتوقع انهيار الصين. وخلافاً للاتحاد السوفياتي، فإن الصين تحظى باقتصاد كبير وعلاقات تجارية مهمة حول العالم، بما في ذلك مع الولايات المتحدة نفسها. وتدرك واشنطن أنها تحتاج إلى العمل مع بكين في قضايا مثل الاحتباس الحراري العالمي. وعليه، فهذه ليست حرباً باردة جديدة. بدلاً من ذلك، تهدف واشنطن إلى منافسة استراتيجية. وهي تعترف بأنه يتعين عليها التعايش مع بكين، ولكنها تهدف إلى ردعها عن تجاهل القواعد الخاصة بالتجارة والأمن الدوليين.
على سبيل المثال، يعمل فريق بايدن على بناء تحالفات اقتصادية من شأنها إعاقة وصول بكين إلى الأسواق ما لم تقبل بقواعد التجارة الدولية. وعلى الجانب العسكري، تهدف إدارة بايدن إلى خلق إطار عسكري من شأنه تأكيد توازن القوى في غرب المحيط الهادئ، ومنع الصين من محاولة بسط السيطرة على الممرات البحرية، أو مهاجمة حلفاء الولايات المتحدة. ولا يتسبب الانسحاب العسكري الأميركي من أفغانستان في مشكلات للجهود الأميركية الرامية إلى خلق ذلك الإطار العسكري. على سبيل المثال، تخلّت أستراليا عن الاتفاق لشراء الغواصات الفرنسية للحصول على الغواصات الأميركية. وربما الأهم من ذلك، في هذا النظام العالمي متعدد الأقطاب، يعني انتصار «طالبان» في أفغانستان أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى إقامة علاقات وثيقة بباكستان، منافس الهند الإقليمي منذ فترة طويلة.
يزيل ذلك عقبة رئيسية أمام توثيق العلاقات بين واشنطن ونيودلهي. فضلاً عن ذلك فإن الهجمات الصينية على الحدود الهندية في جبال الهيمالايا خلال الأعوام الماضية أقنعت الهند بأن التعاون مع الأميركيين مفيد للغاية. كما أن علاقات الرئيس بوتين مع «طالبان»، التي لا تثق بها الهند، وعلاقات بوتين مع الصين، أكبر خصم لها، تشجّعها على الاقتراب أكثر من الولايات المتحدة. وصرّح وزير الخارجية الهندي جايشانكار، لصحافي أسترالي في سبتمبر (أيلول)، بأن الولايات المتحدة عادت بقوة بعد الانسحاب من فيتنام في السبعينات، ويُتوقع أن تقوم بذلك مرة أخرى بعد الانسحاب من أفغانستان.
في العام الماضي انتقلت الهند بوضوح إلى تحالف يضم أستراليا واليابان والولايات المتحدة، والذي يطلَق عليه «الحوار الأمني الرباعي» لإرساء التوازن أمام القوة الصينية. وواشنطن سعيدة ببناء علاقات أوثق مع الهند. ويعقد وزير الخارجية بلينكن، ووزير الدفاع لويد أوستن، محادثات متكررة مع نظيريهما الهنديين. وبالإضافة إلى مسار الهند، تستضيف إدارة بايدن قمة البلدان الديمقراطية الهادفة لتشجيع الدول الديمقراطية مثل الهند، على التعاون ضد الدول الاستبدادية مثل روسيا والصين. وأشارت الانتقادات الصينية الغاضبة إلى إدراك بكين حقيقة مفادها أن ردود الفعل الدولية السيئة إزاء الدبلوماسية العدائية الصينية (الذئب المحارب) تساعد الأميركيين على بناء تجمعات دولية لمقاومتها.
السؤال الأكثر إلحاحاً الآن هو تايوان. وهنا يلزمني الاعتراف بأنني قلق للغاية. قبل انسحاب الأميركيين من أفغانستان بفترة طويلة، تعهد القادة الصينيون بإعادة توحيد تايوان مع البر الرئيسي. وشدد الرئيس شي جينبينغ على هذه السياسة في 9 أكتوبر (تشرين الأول). كما حذر مسؤولون صينيون، الأميركيين من تشجيع تايوان على السعي إلى الاستقلال، لكنّ بايدن وعد في أكتوبر بأن بلاده ستدافع عن تايوان ضد هجوم صيني. لا أتذكر أن رئيساً أميركياً صرح بذلك علناً من قبل. ثم صرح إيلي راتنر، مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون آسيا، أمام الكونغرس في 8 ديسمبر (كانون الأول) بأن تعزيز قوة جيش تايوان لردع الصين أمر حيوي للأمن القومي الأميركي. لذا، فإن التوترات تتصاعد. وكثيراً ما تُحلق الطائرات الحربية الصينية بالقرب من تايوان بهدف ترهيب الطائرات الحربية التايوانية التي تراقب باهتمام. ماذا لو أخطأ طيار من أحد الجانبين أو الآخر وفتح النار؟
كانت هناك أنظمة اتصالات خاصة بالأزمة بين موسكو وواشنطن خلال الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي. فقد توصل الزعماء الأميركيون والسوفيات بهدوء إلى سبل لمنع الانزلاق نحو المواجهة العسكرية في أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962. ومرة أخرى، في حالة التأهب النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي خلال حرب عام 1973 في الشرق الأوسط. لكن لا توجد آلية اتصال خاصة بين بكين وواشنطن. وتجدر الإشارة إلى أن وزير الدفاع أوستن صرح الصيف الماضي بأن نظيره الصيني رفض التحدث إليه. وبالتالي، كانت خطوة إيجابية أن يدعو كل من بايدن والرئيس الصيني شي في اجتماع عبر الفيديو في نوفمبر (تشرين الثاني) إلى استقرار العلاقات بين البلدين. واتفقا على أن يجتمع مسؤولو الدفاع لديهما قريباً، وبالإضافة إلى ذلك، وافق مجلس الشيوخ الأميركي الأسبوع الماضي على إرسال الدبلوماسي الأميركي المحنك نيكولاس بيرنز، إلى بكين كسفير جديد. وسوف أشاهد خلال الأسابيع المقبلة ما إذا كان بإمكان الحكومتين إقامة قنوات اتصالات خاصة من عدمه، وما إذا كان بإمكانهما البدء في محادثات حول ملفات صعبة مثل الأسلحة النووية.
إن خطوات تحسين العملية الدبلوماسية بين واشنطن وموسكو وبين واشنطن وبكين حيوية للغاية، عندما ندرك أنه يمكننا في عام 2022 أن نشهد أزمة كبيرة في تايوان أو أوكرانيا أو بالطبع في إيران.



استراتيجية الرئيس ترمب التكنولوجية: تعزيز الجيش وردع الصين وتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي

استراتيجية الرئيس ترمب التكنولوجية: تعزيز الجيش وردع الصين وتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي
TT

استراتيجية الرئيس ترمب التكنولوجية: تعزيز الجيش وردع الصين وتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي

استراتيجية الرئيس ترمب التكنولوجية: تعزيز الجيش وردع الصين وتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي

تدفع أحدث استراتيجية تكنولوجية للبيت الأبيض نحو تسريع تطوير التقنيات الناشئة للاستخدام العسكري، وتمنح المبتكرين في مجال الدفاع مساحة أكبر للتجريب، كما ستوسع السوق الفيدرالية أمام الشركات الناشئة الواعدة في مجال تكنولوجيا الدفاع. لكنها في الوقت نفسه تكرس نهجاً محدداً لتطوير الذكاء الاصطناعي؛ نهجاً يحابي حفنة من شركات التكنولوجيا الأميركية ذات العلاقات القوية على حساب أساليب مبتكرة أخرى. وقد يصب هذا في مصلحة الصين ويعيق حصول الجيش الأميركي على الأدوات التي يرغب القادة فعلياً في امتلاكها.

وفيما يلي استعراض للأطراف الرابحة والخاسرة:

الرابحون: أسراب الطائرات المسيّرة وأنظمة الذكاء الاصطناعي الميدانية والتقنيات العسكرية الأسرع تطوراً

تضع الاستراتيجية تركيزاً كبيراً على أساليب جديدة للحرب تعتمد على التكنولوجيا، ولا سيما استخدام الطائرات المسيرة (الدرونز) - وحتى أسراب منها - جنباً إلى جنب مع النظم المأهولة والأنظمة التقليدية القائمة. وتدعو الاستراتيجية تحديداً، إلى «مزيج أمثل من المنصات منخفضة التكلفة (التي قد تكون أحياناً أقل تعقيداً من الناحية التقنية أو قابلة للاستنزاف/الخسارة في المعارك)، بحيث يمكن نشرها بأعداد كبيرة لتتكامل مع أعداد أقل من المنصات المتطورة».

على مدى العقد الماضي، اتسمت الجهود الرامية لنشر طائرات ذاتية القيادة إلى جانب الطائرات المقاتلة أو السفن - على سبيل المثال - بالتفاوت وعدم الاتساق في أحسن الأحوال، إذ اصطدمت تلك الجهود - حتى عندما غيّر البنتاغون خطابه حول ضرورة امتلاك أعداد كبيرة من المسيرات منخفضة التكلفة - بقيود ناجمة عن سياسات الشراء الداخلية للبرامج والالتزامات السابقة باستثمارات في برامج أخرى. ويُعد برنامج «ريبليكاتور» (Replicator) مثالاً بارزاً على ذلك؛ فقد أُشيد به بوصفه مبادرة رائدة وأساسية، لكنه لم يحصل سوى على تمويل بقيمة مليار دولار.

أولويات محددة في الإنفاق على البحوث

تحدد الاستراتيجية الجديدة «مجالات ذات أولوية» محددة للبحوث والإنفاق العسكري الجديد، وهي:

* العمليات تحت سطح البحر، والفضاء، والذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية القيادة. وتُعد هذه الأولويات الأكثر ارتباطاً بمسألة «الردع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ» - أي منع الصين من إشعال صراع واسع النطاق.

وضمن هذه المجالات ذات الأولوية، تصنّف الاستراتيجية «الأنظمة متعددة الوكلاء» (multi-agent systems) وذكاء الأسراب (swarm intelligence)، إلى جانب الاستخدامات المتنوعة للأنظمة ذاتية القيادة - بدءاً من الروبوتات ووصولاً إلى أنظمة القيادة والسيطرة - بصفتها عناصر «حاسمة».

* تسريع أعمال الشراء العسكري. كما تستهدف الاستراتيجية بشكل مباشر السياسات والممارسات التي تبطئ عمليات الشراء العسكري للتقنيات الجديدة. ولعل الأهم من ذلك أنها تتخذ خطوات لتنمية السوق فعلياً أمام الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الدفاعية، لتتجاوز النطاق العسكري البحت؛ إذ تستهدف الاستراتيجية قواعد المبيعات العسكرية الأجنبية وضوابط التصدير التي تعيق بيع كثير من التقنيات الدفاعية للحلفاء.

الخاسرون: النماذج مفتوحة الأوزان وتقنيات الذكاء الاصطناعي الصغيرة

* انحياز في مجال الذكاء الاصطناعي. في حين تدعم الاستراتيجية الشركات الصغيرة والأكثر ابتكاراً في قطاع الدفاع، فإنها تتدخل أيضاً في الجدل الدائر حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، منحازةً إلى شركات التكنولوجيا الكبرى التي تروج لمستقبل محدد للذكاء الاصطناعي - الذي يتسم باستهلاك كثيف للطاقة ويواجه معارضة واسعة - على حساب الاستراتيجيات الناشئة التي تحظى بتأييد كبير بين الباحثين.

* التقنيات الحيوية. وفي القسم المخصص للتقنيات الحيوية التي تتطلب الدعم، تدرج الاستراتيجية «النماذج التأسيسية (Foundation models)، بما في ذلك النماذج اللغوية الكبيرة، والنماذج متعددة الوسائط (multimodal)، ونماذج أنظمة العالم (world systems)». كما يشمل القسم مجالات تقنية متخصصة مثل واجهات الدماغ والحاسوب، ولكنه يغفل تماماً النماذج مفتوحة الأوزان (open-weight models) وتطوير البرمجيات مفتوحة المصدر.

النماذج التأسيسية

تُعد «النماذج التأسيسية» مثل النماذج اللغوية الكبيرة الحالية التي تطورها شركات مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» مجرد أسلوب واحد محتمل لبناء أدوات الذكاء الاصطناعي. وهو أسلوب يعتمد بشكل كبير على معالجة أكبر قدر ممكن من البيانات باستخدام أضخم بنية تحتية حاسوبية متاحة، وذلك بهدف تحقيق نتائج تحاكي «الاستدلال المنطقي»، في حين أنها في الواقع لا تعدو كونها مجرد عمليات حسابية احتمالية تقليدية.

وقد أسهم داريو أمودي، الشريك المؤسس لشركة «أنثروبيك»، في تحويل هذا المفهوم من مجرد مسعى بحثي إلى مشروع ضخم يهدف إلى حشد الموارد الحاسوبية والبيانات بأقصى سرعة ممكنة. وقد أوضح أمودي ذلك ببساطة خلال نقاش أجراه عام 2023 مع دواركيش باتيل، قائلاً: «لقد تبين أن الحجم الهائل - أي توفير مزيد من القدرات الحاسوبية ومزيد من البيانات - هو المحرك الأقوى للقدرات التقنية، مقارنةً بالابتكارات الخوارزمية المعقدة أو التعديلات الهيكلية المصممة يدوياً».

تركيز الثروة والسلطة

تخوض مجموعة صغيرة من مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة - مدعومةً بشركات كبرى توفر خدمات الحوسبة السحابية - سباقاً فعلياً من أجل البقاء؛ نظراً لمحدودية موارد الطاقة والرقائق الإلكترونية اللازمة لمواصلة السعي نحو تحقيق هذا «الحجم الهائل». فإذا كان مجرد توفير «مزيد من القدرات الحاسوبية» و«مزيد من البيانات» - كما يرى أمودي - كفيلاً بإنتاج نماذج ذات أداء فائق، فإن الجهة التي تمتلك أكبر قدر من هذه الموارد ستكون قادرة على إقصاء أي منافس لها.

الجمهور: الذكاء الاصطناعي ليس قوة إيجابية

ولا عجب أن سباق الذكاء الاصطناعي قد أدى إلى تركز الثروة والسلطة في أيدي عدد قليل من المختبرات وداعميها من شركات الحوسبة السحابية الكبرى. كما لا عجب أيضاً في تراجع النظرة العامة للجمهور تجاه الذكاء الاصطناعي؛ إذ أظهر استطلاع جديد للرأي أن 18 في المائة فقط من الأميركيين يعتقدون أنه سيشكل قوة إيجابية للولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن نهج النماذج التأسيسية يحظى بمؤيدين، وهم مقدمو خدمات الحوسبة السحابية الأميركيون الكبار الذين استثمروا المليارات في المختبرات المطورة لهذه النماذج.

إن الطريقة التي تؤطر بها هذه الاستراتيجيةُ المسألةَ تعزز فكرة أن للذكاء الاصطناعي مستقبلاً واحداً، وأن الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي أو تحقيق الهيمنة فيه يعني بالضرورة تفضيل عدد قليل من اللاعبين الرئيسيين. وهي فكرة تتجلى أيضاً في كثير من سياسات البيت الأبيض والأوامر التنفيذية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.

مناهج بديلة

وفي الوقت نفسه، بدأت تظهر مناهج بديلة لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ فبدلاً من التسابق لبناء مزيد من مراكز البيانات وجمع مزيد من البيانات لتغذية أنظمة الذكاء الاصطناعي، تعتمد هذه المناهج على استخدام «المعاملات» (parameters) الموجودة والمتاحة مجاناً - فيما يُعرف بـ«نماذج الأوزان المفتوحة» (open weight models) - وذلك على النقيض من «نماذج الأوزان المغلقة» التي تُعد ملكية فكرية محمية. وتستخدم هذه التقنيات بالتزامن مع هياكل بديلة تجعل استخدام تلك النماذج أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة. ويُقدم كثير من هذه الأساليب البديلة لبناء الذكاء الاصطناعي أداءً يضاهي تقريباً ما توفره شركتا «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، مع إمكانية تحقيق ذلك بتكلفة طاقة أقل بكثير.

لماذا تعد هذه الأمور مهمة للجيش؟

قد تتحول الموارد المحدودة - من قدرات حوسبة وبيانات ودعم عام - المتعلقة بالذكاء الاصطناعي إلى مشكلة استراتيجية تواجه الجيش الأميركي. ويخشى المسؤولون أنه في حال أدى الرأي العام إلى تقويض الدعم المالي والبرلماني (من الكونغرس) لأنشطة البحث والتطوير في هذا المجال، فقد تفقد البلاد تفوقها في مجال الذكاء الاصطناعي لصالح الصين، التي أعلنت صراحةً عن عزمها تصدّر هذا المضمار.

وفي الوقت نفسه، تفرض نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة (الرائدة) تحديات تكتيكية وتشغيلية على الجيوش التي تستخدمها؛ إذ لا يمكن للقوات والوحدات العسكرية الميدانية الاعتماد على استمرارية الاتصال التي تتطلبها الأدوات القائمة على النماذج الضخمة. وفي تقرير جديد أعدّه لصالح «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي»، يكتب جيك ستيكلر: «البنية التحتية الحوسبية في أوكرانيا - التي تتألف من خدمات سحابية غربية، ومراكز بيانات محلية، وعُقد حوسبة منتشرة في الخطوط الأمامية - بدأت تعاني بالفعل من ضغوط كثيرة مع دمج مزيد من تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات تحديد الأهداف والتنسيق».

هدية محتملة للصين

ورغم أن الاستراتيجية الجديدة تُصنّف مفاهيم متخصصة أو بعيدة المنال - مثل واجهات الدماغ والحاسوب - بوصفها تقنيات «حاسمة»، إلا أنها تغفل تماماً ذكر النماذج ذات الأوزان المفتوحة. ويرى شيفر أن هذا الإغفال يمثل خطأً جسيماً وهدية محتملة للصين.

ويقول شيفر: «لقد كشف التقدم الذي أحرزته الصين في مجال الذكاء الاصطناعي ذي الأوزان المفتوحة عن حدود الاستراتيجية الأميركية التي تعتمد بشكل مفرط على فكرة حرمان الصين من الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق الأميركية».

* مجلة «ديفنس وان» خدمات «تريبيون ميديا»


أكثر من نصفهم بغزة... الأمم المتحدة تحصي 350 قتيلاً بين عمّال الإغاثة خلال 2025

موظفون تابعون لـ«الأونروا» في جنوب غزة (أ.ف.ب)
موظفون تابعون لـ«الأونروا» في جنوب غزة (أ.ف.ب)
TT

أكثر من نصفهم بغزة... الأمم المتحدة تحصي 350 قتيلاً بين عمّال الإغاثة خلال 2025

موظفون تابعون لـ«الأونروا» في جنوب غزة (أ.ف.ب)
موظفون تابعون لـ«الأونروا» في جنوب غزة (أ.ف.ب)

قالت الأمم المتحدة اليوم (الأربعاء) إن العاملين في مجال الإغاثة تعرَّضوا لعدد غير مسبوق من الهجمات العام الماضي، عازية ذلك لأسباب، منها ازدياد استخدام الطائرات المسيّرة المسلحة، ووصفت هذا الوضع بأنه «مروِّع».

وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تشير قاعدة بيانات أمن عمال الإغاثة (وهي منصة تمولها كندا وأستراليا وتجمع الحوادث الأمنية الكبرى التي تؤثر على العاملين في هذا المجال) إلى أن نحو 907 من العاملين في الإغاثة الإنسانية قُتلوا أو أصيبوا أو خُطفوا خلال عام 2025، مقارنة مع 833 في العام السابق.

وبلغ عدد القتلى منهم 350، أكثر من نصفهم في قطاع غزة، وبانخفاض طفيف عن العدد القياسي البالغ 387 قتيلاً في 2024.

ووصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مستوى العنف بأنه مروِّع، وحث الدول على احترام قوانين الحرب ومحاسبة المسؤولين.

وقال: «أصبح العمل في خدمة الآخرين أخطر من أي وقت مضى».

جاء ذلك قبيل مراسم تعتزم الأمم المتحدة تنظيمها بمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني، مع تنكيس الأعلام في نيويورك وجنيف، تكريماً لمن لقوا حتفهم.

وقال توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، إن انتشار الطائرات المُسيَّرة ذات التكلفة المنخفضة، والاستخدام المرن في النزاعات، زاد من حجم المخاطر.

ففي مارس (آذار)، أصابت هجمات بطائرات مُسيَّرة مدينة غوما في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، ما أسفر عن مقتل 3 أشخاص على الأقل، بينهم عامل إغاثة فرنسي، بينما تعرضت قوافل مساعدات في السودان وأوكرانيا لضربات متكررة.

وأظهرت قاعدة البيانات أن غزة تصدَّرت وبفارق كبير قائمة المناطق الأكثر خطورة على العاملين في المجال الإنساني خلال عام 2025، بعدما قُتل فيها 186 من موظفي الإغاثة، بينما جاء السودان في المرتبة التالية.

وقالت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إن ما لا يقل عن 393 من موظفيها قُتلوا هناك منذ بدء الحرب بين إسرائيل وغزة، في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ودعت بشرى الخالدي، مسؤولة السياسات الإنسانية العالمية في منظمة «أوكسفام»، إلى توفير حماية أكبر للعاملين في مجال الإغاثة، قائلة: «نشهد اعتداء على العمل الإنساني نفسه».


ترمب يلمّح إلى تواصل مع كيم بعد تقليص المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية

لقاء سابق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون (أرشيفية - أ.ف.ب)
لقاء سابق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ترمب يلمّح إلى تواصل مع كيم بعد تقليص المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية

لقاء سابق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون (أرشيفية - أ.ف.ب)
لقاء سابق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، إن كيم جونغ أون استجاب لمبادراته الأخيرة، وذلك غداة تقليص سيّد البيت الأبيض المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية وإشادته بعلاقته مع الزعيم الكوري الشمالي.

وقال ترمب إنه يجعل الوضع «أكثر أماناً بكثير» من خلال علاقاته مع كيم الذي التقاه ثلاث مرات خلال ولايته الرئاسية الأولى، إلا أن أي لقاء بينهما لم يُعقد في ولايته الثانية غير المتتالية.

وإذ أشاد بزعيم كوريا الشمالية التي تتمتع بقدرات عسكرية نووية، وجّه ترمب انتقادات لحليفته سيول على خلفية عدم مؤازرتها واشنطن في الحرب ضد إيران، والتي يقول الملياردير الجمهوري إنها ترمي إلى منع طهران من حيازة قنبلة ذرية.

ولدى سؤاله عن سبب عدم تجاوب كيم مع طلباته لإجراء محادثات منذ عودته إلى البيت الأبيض العام الماضي، قال ترمب لصحافيين في المكتب البيضوي: «كيف تعرفون أنه لم يرد؟»، وعندما أُلحّ عليه بالسؤال عمّا إذا كان كيم قد ردّ بالفعل، قال ترمب: «نعم، فعل».

ولدى سؤاله عن المرحلة التي وصلت إليها المحادثات مع كيم، قال ترمب: «إنها إيجابية للغاية»، من دون الخوض في أي تفاصيل.

ثم أشاد بكيم، قائلاً إن علاقاتهما خفّضت منسوب التوتر. وقال ترمب: «أنا في الواقع أجعل الأمور أكثر أماناً بكثير. كيم جونغ أون عاملني دائماً باحترام كبير»، وأضاف: «أنا أفهمه. وهو يفهمني»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

«إنه لأمر غريب»

كان ترمب وجّه انتقادات إلى سيول في منشور على منصته «تروث سوشيال»، الأحد، أعلن فيه على نحو مفاجئ أنه أمر وزارة الحرب بتقليص حجم المناورات العسكرية السنوية مع كوريا الجنوبية.

ووصف ترمب المناورات المشتركة السنوية التي تحاكي التصدي لهجوم من بيونغ يانغ على كوريا الجنوبية، بأنها «غير ملائمة وعدائية».

وربط القرار برفض كوريا الجنوبية تقدم المساعدة في الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران.

وقال ترمب: «لدينا 39 ألف جندي هناك، يحمونكم من جاركم كيم جونغ أون، وأنتم لن تساعدونا في عملية عسكرية سهلة جداً في إيران. إنه لأمر غريب».

وشكّك ترمب مجدداً في جدوى دعم الولايات المتحدة لكوريا الجنوبية والشركاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو) الذين رفضوا الانخراط في الحرب في إيران. وقال: «لا يمكننا أن نجوب العالم ونحمي كل هذه الدول، خصوصاً عندما لا تساعدنا».

وقال مسؤولون كوريون جنوبيون إن المناورات بدأت وفقاً لما كان مقرراً، وأعربوا عن أملهم بأن «تقود العلاقة الودية بين زعيمي الولايات المتحدة وكوريا الشمالية إلى حوار بنّاء».

ولم تصدر كوريا الشمالية أي تعليق علني، علماً بأنها عادة ما تعبّر عن غضبها حيال المناورات الأميركية - الكورية الجنوبية.

ووصف جاك ريد كبير الديمقراطيين في مجلس الأميركي للشؤون العسكرية أمر ترمب بأنّه «سخيف»، مؤكداً أنّ الصين وروسيا «تراقبان مدى سهولة تخلّي هذا الرئيس عن حلفاء أميركا».