ضربتان تؤذيان رأس بايدن: روسيا والصين

ضربتان تؤذيان رأس بايدن: روسيا والصين
TT

ضربتان تؤذيان رأس بايدن: روسيا والصين

ضربتان تؤذيان رأس بايدن: روسيا والصين

رأى منتقدو إدارة الأميركي جو بايدن، في الصيف الماضي، أن الانسحاب من أفغانستان من شأنه تدمير المصداقية الأميركية ويشجع منافسي الولايات المتحدة على اتخاذ إجراءات أجرأ تتحدى واشنطن وأصدقاءها.
فهل تراجُع المصداقية الأميركية هو السبب وراء التوترات الجديدة في أوكرانيا وتايوان؟ إجابتي المباشرة: كلا. فإذا كانت روسيا لا تغزو جيرانها إلا حين تكون واشنطن ضعيفة، فلماذا غزا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جورجيا عام 2008؟ لا أحد يمكن أن يقول إن أميركا كانت تتراجع آنذاك بعدما رفعنا من وجودنا العسكري في العراق، وكان جورج دبليو بوش رئيساً. لكن ما حدث بدلاً من ذلك أن روسيا كانت لها مصالح في الدول المجاورة مثل جورجيا وأوكرانيا لمئات السنين. وستمارس موسكو ضغوطاً على جيرانها بغضّ النظر عمّن يشغل المكتب البيضاوي. وستحدد موسكو أنواع الضغط المزمع استخدامها بعد النظر في ردود الفعل السياسية المحلية والدولية، لكنّ المصلحة الوطنية الروسية الأساسية في الدول المجاورة لا تتغير. وقد وعد بايدن بأنه لن يرسل جنوداً أميركيين إلى أوكرانيا. وفي الدول المجاورة يتعين علينا توقُّع أن يؤدي التدخل العسكري الأميركي، حتى ولو كان غير مباشر مثل إرسال الأسلحة، إلى تصعيد عسكري روسي رداً على ذلك.
تُرى هل تشكل أوكرانيا أهمية كافية بالنسبة للأمن القومي الأميركي لتبرير التصعيد الكبير رداً على تصرفات موسكو؟
كانت أوكرانيا جزءاً من الاتحاد السوفياتي طيلة 70 سنة، وعلى الرغم من السيطرة السوفياتية على أوكرانيا فإن الأمن القومي الأميركي كان آمناً. وعندما اقترح أحد أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين أن تستخدم واشنطن الأسلحة النووية في أوكرانيا، قوبل بصمت محرج من الجمهوريين الآخرين كافة. ويدرك بايدن عدم وجود دعم شعبي أميركي لتدخل كبير في حرب أوكرانيا، ومن ثم، فإنه يحاول توجيه بوتين إلى مسار دبلوماسي. وحتى الآن، وخلافاً لعام 2014 لم يُقْدم بوتين على الغزو، وفي الوقت نفسه لم يصدر عن بايدن أي تنازل بشأن المبادئ المتعلقة باستقلال أوكرانيا.

يشعر المحللون والمسؤولون في واشنطن بمزيد من القلق تجاه الصين. ففي برقيته الطويلة الشهيرة عام 1946 تنبأ الدبلوماسي الأميركي جورج كينان بانهيار الاتحاد السوفياتي، عاجلاً أم آجلاً، بسبب المشكلات الداخلية. لكن لا أحد في واشنطن يتوقع انهيار الصين. وخلافاً للاتحاد السوفياتي، فإن الصين تحظى باقتصاد كبير وعلاقات تجارية مهمة حول العالم، بما في ذلك مع الولايات المتحدة نفسها. وتدرك واشنطن أنها تحتاج إلى العمل مع بكين في قضايا مثل الاحتباس الحراري العالمي. وعليه، فهذه ليست حرباً باردة جديدة. بدلاً من ذلك، تهدف واشنطن إلى منافسة استراتيجية. وهي تعترف بأنه يتعين عليها التعايش مع بكين، ولكنها تهدف إلى ردعها عن تجاهل القواعد الخاصة بالتجارة والأمن الدوليين.
على سبيل المثال، يعمل فريق بايدن على بناء تحالفات اقتصادية من شأنها إعاقة وصول بكين إلى الأسواق ما لم تقبل بقواعد التجارة الدولية. وعلى الجانب العسكري، تهدف إدارة بايدن إلى خلق إطار عسكري من شأنه تأكيد توازن القوى في غرب المحيط الهادئ، ومنع الصين من محاولة بسط السيطرة على الممرات البحرية، أو مهاجمة حلفاء الولايات المتحدة. ولا يتسبب الانسحاب العسكري الأميركي من أفغانستان في مشكلات للجهود الأميركية الرامية إلى خلق ذلك الإطار العسكري. على سبيل المثال، تخلّت أستراليا عن الاتفاق لشراء الغواصات الفرنسية للحصول على الغواصات الأميركية. وربما الأهم من ذلك، في هذا النظام العالمي متعدد الأقطاب، يعني انتصار «طالبان» في أفغانستان أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى إقامة علاقات وثيقة بباكستان، منافس الهند الإقليمي منذ فترة طويلة.
يزيل ذلك عقبة رئيسية أمام توثيق العلاقات بين واشنطن ونيودلهي. فضلاً عن ذلك فإن الهجمات الصينية على الحدود الهندية في جبال الهيمالايا خلال الأعوام الماضية أقنعت الهند بأن التعاون مع الأميركيين مفيد للغاية. كما أن علاقات الرئيس بوتين مع «طالبان»، التي لا تثق بها الهند، وعلاقات بوتين مع الصين، أكبر خصم لها، تشجّعها على الاقتراب أكثر من الولايات المتحدة. وصرّح وزير الخارجية الهندي جايشانكار، لصحافي أسترالي في سبتمبر (أيلول)، بأن الولايات المتحدة عادت بقوة بعد الانسحاب من فيتنام في السبعينات، ويُتوقع أن تقوم بذلك مرة أخرى بعد الانسحاب من أفغانستان.
في العام الماضي انتقلت الهند بوضوح إلى تحالف يضم أستراليا واليابان والولايات المتحدة، والذي يطلَق عليه «الحوار الأمني الرباعي» لإرساء التوازن أمام القوة الصينية. وواشنطن سعيدة ببناء علاقات أوثق مع الهند. ويعقد وزير الخارجية بلينكن، ووزير الدفاع لويد أوستن، محادثات متكررة مع نظيريهما الهنديين. وبالإضافة إلى مسار الهند، تستضيف إدارة بايدن قمة البلدان الديمقراطية الهادفة لتشجيع الدول الديمقراطية مثل الهند، على التعاون ضد الدول الاستبدادية مثل روسيا والصين. وأشارت الانتقادات الصينية الغاضبة إلى إدراك بكين حقيقة مفادها أن ردود الفعل الدولية السيئة إزاء الدبلوماسية العدائية الصينية (الذئب المحارب) تساعد الأميركيين على بناء تجمعات دولية لمقاومتها.
السؤال الأكثر إلحاحاً الآن هو تايوان. وهنا يلزمني الاعتراف بأنني قلق للغاية. قبل انسحاب الأميركيين من أفغانستان بفترة طويلة، تعهد القادة الصينيون بإعادة توحيد تايوان مع البر الرئيسي. وشدد الرئيس شي جينبينغ على هذه السياسة في 9 أكتوبر (تشرين الأول). كما حذر مسؤولون صينيون، الأميركيين من تشجيع تايوان على السعي إلى الاستقلال، لكنّ بايدن وعد في أكتوبر بأن بلاده ستدافع عن تايوان ضد هجوم صيني. لا أتذكر أن رئيساً أميركياً صرح بذلك علناً من قبل. ثم صرح إيلي راتنر، مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون آسيا، أمام الكونغرس في 8 ديسمبر (كانون الأول) بأن تعزيز قوة جيش تايوان لردع الصين أمر حيوي للأمن القومي الأميركي. لذا، فإن التوترات تتصاعد. وكثيراً ما تُحلق الطائرات الحربية الصينية بالقرب من تايوان بهدف ترهيب الطائرات الحربية التايوانية التي تراقب باهتمام. ماذا لو أخطأ طيار من أحد الجانبين أو الآخر وفتح النار؟
كانت هناك أنظمة اتصالات خاصة بالأزمة بين موسكو وواشنطن خلال الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي. فقد توصل الزعماء الأميركيون والسوفيات بهدوء إلى سبل لمنع الانزلاق نحو المواجهة العسكرية في أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962. ومرة أخرى، في حالة التأهب النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي خلال حرب عام 1973 في الشرق الأوسط. لكن لا توجد آلية اتصال خاصة بين بكين وواشنطن. وتجدر الإشارة إلى أن وزير الدفاع أوستن صرح الصيف الماضي بأن نظيره الصيني رفض التحدث إليه. وبالتالي، كانت خطوة إيجابية أن يدعو كل من بايدن والرئيس الصيني شي في اجتماع عبر الفيديو في نوفمبر (تشرين الثاني) إلى استقرار العلاقات بين البلدين. واتفقا على أن يجتمع مسؤولو الدفاع لديهما قريباً، وبالإضافة إلى ذلك، وافق مجلس الشيوخ الأميركي الأسبوع الماضي على إرسال الدبلوماسي الأميركي المحنك نيكولاس بيرنز، إلى بكين كسفير جديد. وسوف أشاهد خلال الأسابيع المقبلة ما إذا كان بإمكان الحكومتين إقامة قنوات اتصالات خاصة من عدمه، وما إذا كان بإمكانهما البدء في محادثات حول ملفات صعبة مثل الأسلحة النووية.
إن خطوات تحسين العملية الدبلوماسية بين واشنطن وموسكو وبين واشنطن وبكين حيوية للغاية، عندما ندرك أنه يمكننا في عام 2022 أن نشهد أزمة كبيرة في تايوان أو أوكرانيا أو بالطبع في إيران.



رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أوضح رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، الثلاثاء، أن شعبه لا يرغب مطلقاً في أن يصبح جزءاً من الولايات المتحدة تحت أي ظرف.

وقال نيلسن في مؤتمر صحافي مع رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في كوبنهاغن: «إذا كان لا بد لنا أن نختار بين الولايات المتحدة الأميركية والدنمارك، فسنختار الدنمارك».

رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن متحدثاً من مكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وشددت فريدريكسن على أنه ليس من السهل أن يتم تحمّل «الضغط غير المقبول تماماً من أقرب حلفائنا».

وأضافت أنه لا يمكن للمرء أن يحرّك الحدود بالقوة أو أن يشتري شعباً، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وحذّرت من أن «الجزء الأصعب لم يأتِ بعد».

ومن المقرر أن يلتقي وزير خارجية الدنمارك، لارس لوك راسموسين مع جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي ووزير الخارجية ماركو روبيو في واشنطن غداً الأربعاء، لبحث النزاع حول مزاعم الولايات المتحدة الخاصة بغرينلاند.

يشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعرب مراراً عن رغبته في امتلاك غرينلاند، ولم تستبعد إدارته استخدام القوة العسكرية لبسط السيطرة، مستشهدة بالمصالح الأمنية وما تعتبره تهديداً صينياً وروسياً في المنطقة.

وانضم قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة إلى رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن في الدفاع عن سيادة غرينلاند.

وزادت المخاوف من الاستيلاء على الجزيرة عقب غزو الولايات المتحدة لفنزويلا مؤخراً والقبض على رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادهما إلى الولايات المتحدة، حيث تجري محاكمته بتهم التآمر على «ارتكاب إرهاب مرتبط بالمخدرات».


الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

يُصنّف الخبراء الجيوش الحديثة بناء على حجم استعمال هذه الجيوش للذكاء الاصطناعيّ في عمليّاتها العسكريّة، كما بناء على حجم تصنيع منظومات بما يُسمّى «التحكّم الذاتي»، وفي كل الأبعاد (Autonomous).

كذلك يُقاس مستوى فاعليّة الجيوش بمقدار ما تنخرط هذه الجيوش في قتال مشترك (Combined) بين كل الأسلحة والاختصاصات؛ من قوى برّ، وبحر، وجوّ، وسيبرانيّة وغيرها. يُطلق على هذه المنظومة القتاليّة اسم «العمليات المشتركة والمتكاملة» (Integrated joint operations). فما المقصود بهذه التسميّة؟

حسب التقرير الأخير لـ«البنتاغون» حول استعدادات الجيش الصيني لعام 2027، العام الذي حدّده الرئيس الصيني للهجوم على جزيرة تايوان وضمّها للوطن الأم، كما يقول، فإن الأمر يُحتّم توافر 3 إمكانيّات استراتيجيّة؛ هي: القدرة على تحقيق الانتصار بتكلفة معقولة؛ وردع أميركا، أو تقييد قدرتها على التدخّل في النزاع حول تايوان، مع التلويح بالنووي إذا لزم الأمر؛ كما منع إمكانيّة فتح جبهات إضافية من قبل حلفاء أميركا. وعليه قد تتعدّد سيناريوهات الحرب الصينيّة على تايوان، بدءاً من الإكراه (Coercion) للاستسلام من دون حرب فعليّة تيمناً بما قاله المفكر الصيني، صان تسو، بمهاجمة استراتيجية العدو والانتصار دون حرب، وذلك وصولاً إلى الاجتياح الكامل للجزيرة، عبر القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل التايوانيّة، مع عملية إنزال بحريّة ضخمة لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ «إنزال النورماندي» في الحرب العالميّة الثانية.

لكن السؤال يبقى: هل أخذت الصين الدروس من الحرب الروسيّة على أوكرانيا؟ وماذا عن السلوك وردّة الفعل الأميركيّة؟ هل فعلاً سيلتزم الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بنصف الكرة الغربيّ بوصفه منطقة نفوذ أميركيّة؟ أم سيتدخّل على الأقلّ عبر مساعدة الحلفاء وعلى رأسهم اليابان؟

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

 

إلى الذكاء الاصطناعي في الحرب

لا تشذّ الصين عن سلوك القوى العظمى خصوصاً الولايات المتحدة، في اعتمادها على استراتيجيّة القتال المشتركة والمتكاملة. ترتكز هذه الاستراتيجيّة في جوهرها على ربط كلّ الأسلحة (بر، وبحر، وجو، وفضاء وسيبراني) بعضها ببعض، لتعطي صورة ثلاثيّة الأبعاد عن حقل الحرب - المعركة (Battlespace). فما المقصود بحقل المعركة؟ إنها بيئة العمليات العسكريّة (Operational). تربط كلّ الأسلحة بعضها ببعض، آخذة في الحسبان كل ما يمتّ بصلة لمسرح الحرب؛ من تضاريس، وطقس، وبنى تحتيّة، وأسلحة مستعملة، وأجهزة استشعار (Sensors)، ومسيّرات، وحرب إلكترونيّة (EW)، وأقمار اصطناعيّة، وكل ما هو قادر على توفير «داتا» عن العدو بهدف تحقيق النصر. والهدف دائماً، هو تقصير عملية اتخاذ القرار للقيادة البشريّة (حتى الآن) كي تحتفظ بحريّة المناورة واستباق ردّة فعل العدو.

لكن الربط بين كل هذه الوسائل في أرض المعركة، سيؤدّي إلى فائض من «الداتا» (Overwhelming) لا يستطيع العنصر البشري التعامل معها بسرعة، عبر تحليلها، وتحويلها إلى معرفة، واتخاذ القرار وتوزيعها على القوى العسكريّة للتنفيذ. هنا يأتي الحل عبر استعمال الذكاء الاصطناعي (AI). لكن الحلّ بطبيعته ينتج مشاكله الخاصة. ألم يقل الفيلسوف الإنجليزي، كارل بوبر، إن «الحياة عبارة عن عملية مستدامة لحل المشاكل؟ فإذا كان الحل عبر الذكاء الاصطناعي لتحليل (الداتا)، فهو بحد ذاته وبطبيعته سوف ينتج كثيراً من المشاكل». فما هي باختصار؟

من المعروف أن الذكاء الاصطناعي يستعمل خوارزميّات (Algorithm) قادرة على إعطاء أجوبة عما يُقارب 500 مليون سؤال من المُستعمل وأكثر. لكن الأجوبة لا تأتي من الفراغ، فهي، أي الخوارزميات، تُدرّب على كميّة كبيرة من «الداتا» قد تصل إلى كثير من «البيتا بايت» (Petabyte) - كل بيتابايت يساوي 500 مليار ورقة مطبوعة تقليديّة. وهذه «الداتا»، تُجمّع أغلبها من المصادر المفتوحة، كما السريّة. فماذا لو سُمّمت هذه «الداتا»؟ وكيف ستكون عملية السيطرة على مسرح الحرب وإدارته بشكل منتظم بناء على معلومات مغلوطة؟

جندي روسي يحضّر مسيرة لإطلاقها في أوكرانيا الثلاثاء (أ.ب)

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع عملية اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية من ضمن المنظومة للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة؟

إن الاعتماد الكلّي في الحرب على الذكاء الاصطناعيّ، قد يحوّل الحرب إلى عمليّة حسابيّة - خوارزميّة، الأمر الذي يُسرّع الحرب، يُسرّع التصعيد. فماذا لو وصل وضع التصعيد إلى استعمال السلاح النووي بناء على «داتا» مسمومة؟

يقول المفكّر البروسي الشهير، كارل فون كلوزفيتز، إن الشك وعدم اليقين يسيطران عادة وباستدامة على مسرح المعركة (Fog of War). وهذا أمر يُعقّد قرارات القائد العسكريّ. نظّر البعض في هذا المجال بأن الذكاء الاصطناعي سيُقّلل أو يزيل هذه الضبابيّة، عبر توفير كثير من «الداتا» والاستعلام عن العدو. فماذا لو كانت «الداتا» مسمومة؟ إذن، سيبقى عدم اليقين والضبابيّة في ساحة المعركة، حتى مع الذكاء الاصطناعيّ.

لكن الوضع الأخطر هو فيما يُسمّى «فجوة الفهم» بين الذكاء الاصطناعي والقائد (Cognitive Gap)، فما المقصود بذلك؟ قد يقترح الذكاء الاصطناعي أمراً معيّناً على القائد. وقد لا يفهم أو يعي القائد هذا الاقتراح، بسبب الفجوة الهائلة في كميّة «الداتا» التي يملكها الطرفان. فماذا يفعل القائد؟ وكيف يتّخذ القرار بناء على اقتراح لا يفهمه؟ وماذا سيكون عليه الوضع لو كانت «داتا» الذكاء الاصطناعي مسمومة؟ ألا يدخل هنا مبدأ الخداع (Deception) للذكاء الاصطناعي عبر تزويده بـ«داتا» مسمومة؟ وألا يُعدّ هنا قول المفكّر الصيني، صان تسو، إن الحرب تقوم على الخداع، قولاً صالحاً للأزل؟

السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هوارد لوتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض مبادرته الموقعة بشأن الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض - 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وأخيراً، لا بد أن تكون للذكاء الاصطناعي بنى تحتيّة يرتكز عليها في الحرب. والمقصود بذلك هو ذلك الوسيط (Medium) الذي ينقل «الداتا» من مكان إلى آخر؛ من الذكاء الاصطناعي إلى القائد العسكريّ. وإذا كنّا نعيش اليوم في عالم رقميّ (Digital)، فإن هذا العالم لا يزال يرتكز على العالم الملموس، والماديّ (البرّ، والبحر، كما الفضاء). وفي هذا الإطار، ألا ينقل العالم أكثر من 90 في المائة من «الداتا» عبر الكوابل البحريّة، والباقي عبر الأقمار؟ فهل لدى القيادات العسكريّة بدائل عن هذه الكوابل؟ ولماذا يتم التخطيط لقطعها؟ ألا يمكن تسميم «الداتا» عبر خرق هذه الكوابل؟

 

 

مسارح الحرب الجديدة

تستدعي حروب القرن الحادي والعشرين مبدأ الدفاع الشامل والكامل، في ظل الهجوم الشامل والكامل. مبدأ الدفاع عن الداخل عبر حماية البنى التحتيّة كونها مرتبطة بعضها ببعض عبر العالم الرقميّ، وهي تخدم المجهود الحربي بعدّة أبعاد. أما مبدأ الهجوم الشامل، فهو يندرج في الحرب الهجوميّة، إن كان على القوى العسكريّة أو على البنى التحتية للعدو عبر الهجمات السيبرانيّة. وفي كل الحالات، ترتبط القوى العسكرية بعضها ببعض كونها تقاتل قتالاً مشتركاً (Combined) عبر العالم الرقميّ (Digital World).

في الحرب العالميّة الثانية، كانت استراتيجية القصف الاستراتيجي لألمانيا تُركّز على قصف القدرات الاصطناعية التي تخدم الحرب. حالياً ومع العصر الرقميّ، حلت الحرب السيبرانية مكان القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل، خصوصاً أن أغلب الأسلحة الحديثة أصبحت تعمل بواسطة خوارزميات، وأن القطاع الخاص هو الذي ينتجها. وعليه، أصبح من الحيويّ والمُلحّ أن تكون هناك جهود جبّارة لإدارة الأزمات الداخليّة التي تسببها الهجمات السيبرانيّة.

في الحرب العالمية الثانية، بدأت الحرب على الجبهات، ومن بعدها انتقلت إلى الداخل. حالياً، ومع العصر الرقميّ والحرب السيبرانيّة؛ قد تبدأ الحرب في الداخل بهدف شلّه، وبعدها الحرب على القوى العسكريّة. لذلك قد يمكن القول إنه لا جبهات (Fronts) مُحدّدة في حروب المستقبل.


السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
TT

السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)

أُدين بحار سابق في البحرية الأميركية ببيع كتيّبات تقنية وتشغيلية للسفن وأنظمة التشغيل، إلى ضابط استخبارات يعمل لصالح الصين، وحُكم عليه أمس (الاثنين) بالسجن لأكثر من 16 عاماً، بحسب الادعاء.

وحكم قاضٍ فيدرالي في سان دييغو على جينتشاو وي، البالغ من العمر 25 عاماً، بالسجن لمدة 200 شهر. وكانت هيئة محلفين فيدرالية قد أدانته في أغسطس (آب)، بارتكاب 6 جرائم، بينها التجسس. وقالت وزارة العدل الأميركية في بيان، إن وي تلقّى أكثر من 12 ألف دولار مقابل المعلومات التي باعها.

وكان وي، وهو مهندس على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس إيسيكس» (USS Essex)، أحد بحارين اثنين مقيمين في كاليفورنيا وُجّهت إليهما الاتهامات في 3 أغسطس 2023، بتزويد الصين بمعلومات عسكرية حساسة. أما الآخر، وينهينغ تشاو، فقد حُكم عليه في عام 2024 بالسجن لأكثر من عامين بعد أن أقرّ بذنبه في تهمة التآمر وتهمة تلقي رشوة واحدة في انتهاك لواجباته الرسمية.

وعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات، عن قلقهم من خطر التجسس الذي يقولون إن الحكومة الصينية تمثّله، ورفعوا في السنوات الأخيرة قضايا جنائية ضد عناصر استخبارات تابعين لبكين سرقوا معلومات حكومية وتجارية حساسة، بما في ذلك عبر عمليات قرصنة غير قانونية.

وقال الادعاء إن وي جرى استقطابه عبر وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2022، من قبل ضابط استخبارات قدّم نفسه على أنه هاوٍ للشؤون البحرية، ويعمل لدى شركة صناعة السفن الصينية المملوكة للدولة.

وأظهرت الأدلة المقدَّمة أمام المحكمة أن وي قال لصديق له، إن الشخص «مريب للغاية»، وإن الأمر «واضح تماماً أنه تجسس». غير أن وي تجاهل نصيحة صديقه بحذف جهة الاتصال، ونقل محادثاته مع ضابط الاستخبارات إلى تطبيق مراسلة مشفّر آخر كان يعتقد أنه أكثر أماناً، بحسب الادعاء.

وخلال 18 شهراً، أرسل وي إلى الضابط صوراً ومقاطع فيديو لسفينة «إيسيكس»، وأبلغه بمواقع عدد من سفن البحرية الأميركية، كما قدّم له معلومات عن الأسلحة الدفاعية للسفينة، وفقاً للادعاء.

وباع وي لضابط الاستخبارات 60 كتيّباً تقنياً وتشغيلياً، بينها كتيّبات خاصة بأنظمة التحكم بالأسلحة والطائرات ومصاعد سطح السفينة. وكانت هذه الكتيّبات تتضمن تحذيرات تتعلق بضوابط التصدير، وتشرح بالتفصيل كيفية تشغيل عدة أنظمة على متن «إيسيكس» وسفن مماثلة.

وكان وي يحمل رتبة ضابط صف من الدرجة الثانية، وهي رتبة ضمن فئة الأفراد المجنّدين.

ويذكر موقع البحرية الأميركية أن «إيسيكس» مجهّزة لنقل ودعم قوة إنزال من مشاة البحرية (المارينز) قوامها أكثر من 2000 جندي خلال عمليات إنزال جوي وبرمائي.

وفي رسالة إلى القاضي قبل النطق بالحكم، اعتذر وي وقال إنه لم يكن ينبغي له أن يشارك أي شيء مع الشخص الذي كان يعدّه صديقاً. وأضاف أن «الانطواء والشعور بالوحدة» أثّرا على حكمه وتقديره للأمور.