جولة آستانة تدين «النزعات الانفصالية» وغارات إسرائيل على سوريا

تفاهم على قمة روسية ـ تركية ـ إيرانية... ولافروف يدعو الأكراد إلى التفاوض مع دمشق ويتهم الأميركيين بالسيطرة على حقول النفط

صورة وزعتها وكالة «سانا» لاستقبال الرئيس الأسد وفداً نيابياً روسياً في دمشق أول من أمس (إ.ب.أ)
صورة وزعتها وكالة «سانا» لاستقبال الرئيس الأسد وفداً نيابياً روسياً في دمشق أول من أمس (إ.ب.أ)
TT

جولة آستانة تدين «النزعات الانفصالية» وغارات إسرائيل على سوريا

صورة وزعتها وكالة «سانا» لاستقبال الرئيس الأسد وفداً نيابياً روسياً في دمشق أول من أمس (إ.ب.أ)
صورة وزعتها وكالة «سانا» لاستقبال الرئيس الأسد وفداً نيابياً روسياً في دمشق أول من أمس (إ.ب.أ)

انتهت جولة المفاوضات الـ17 في إطار ما يسمى «مسار آستانة»، أمس، في العاصمة الكازاخية نور سلطان، من دون بروز تطورات تعكس إحراز تقدم على صعيد الملفات المطروحة للنقاش. وحمل البيان الختامي الذي أصدرته البلدان الضامنة وقف النار في سوريا (روسيا وإيران وتركيا) تكراراً يكاد يكون حرفياً للبيانات المماثلة التي صدرت في الجولات السابقة. وبدا أن الأطراف الثلاثة فشلت في تعزيز تفاهمات حول المسائل الخلافية التي برزت قبل انعقاد الجولة، وبينها الوضع حول إدلب (شمال غربي سوريا) وأولويات التحرك السياسي في المرحلة المقبلة، فضلاً عن ملف «بناء الثقة» الذي تركز في محاولة تحقيق تقدم في موضوع المعتقلين بعد تعثر طويل في الجولات السابقة.
كما بدا من صياغة البيان الختامي أن موسكو وأنقرة وطهران سعت إلى المحافظة على المبادئ العامة التي وردت في البيانات السابقة. وتضمن البيان إشارات عكست الرغبة في إرضاء الأطراف المختلفة، مثل البند التي تحدث عن إدانة الغارات الإسرائيلية في سوريا، وفقاً لمطلب إيراني، أو البند الذي شدد على رفض النزعات الانفصالية (للأكراد) ومحاولات تشجيعها من جانب الولايات المتحدة، وهو أمر تصر عليه تقليدياً تركيا وروسيا.
وعكس اختصار النقاشات في الجلسة الافتتاحية العامة، ثم التداول في صياغة البيان الختامي في لقاءات ثنائية عقدت خلف أبواب مغلقة، إدراك الأطراف أن الجولة «حملت طابعاً بروتوكولياً لتأكيد استمرار مسار آستانة، أكثر من أن تكون محطة لنقاش مثمر حول الملفات المطروحة»، وفق تعليق مصدر تحدثت إليه «الشرق الأوسط». كما أن إلغاء الجلسة الختامية العامة بذريعة متطلبات مواجهة تفشي وباء «كورونا»، دلّ على مراوحة الملفات الخلافية، وبالدرجة الأولى بين روسيا وتركيا حول الوضع في إدلب، وبين موسكو وطهران حول أولويات التحرك اللاحق، خصوصاً في مواجهة الضغوط الإسرائيلية المتواصلة على المواقع التابعة لإيران وحلفائها، كما أفاد مصدر في الوفود المشاركة. وبدا أن النتيجة الوحيدة الملموسة لجولة المفاوضات، هو الإعلان الإيراني عن التحضير لعقد اجتماع على المستوى الوزاري للبلدان الثلاثة في طهران في يناير (كانون الثاني) أو فبراير (شباط) من العام المقبل. على أن يتم خلال هذا اللقاء ترتيب عقد قمة لرؤساء البلدان الثلاثة في وقت لاحق، «إذا ساعدت على ذلك ظروف تفشي الوباء»، كما قال مستشار وزير الخارجية الإيراني علي أصغر حاجي الذي ترأس وفد بلاده في جولة المفاوضات. وقال حاجي: «اتفقنا على هذا الموضوع. سيعقد اللقاء في العام المقبل. في يناير أو أوائل فبراير، سنعقد اجتماعاً لوزراء خارجية إيران وروسيا وتركيا، وبعد ذلك سنعقد قمة».
وكانت الأطراف الثلاثة اتفقت منذ أكثر من عام على عقد قمة في طهران لتنسيق المواقف حول سوريا، لكن تم إرجاء موعدها أكثر من مرة بسبب تفشي الوباء، ولأسباب تتعلق بتصاعد التباينات داخل المجموعة.
واشتملت الوثيقة الختامية لهذه الجولة على 16 بنداً شكلت في معظمها تكراراً للصياغات السابقة للبيانات المشتركة، إذ جددت الأطراف تأكيد «الالتزام بسيادة الجمهورية العربية السورية واستقلالها ووحدتها وسلامتها الإقليمية، وكذلك بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة». وشددت على مواصلة العمل المشترك لمكافحة الإرهاب والوقوف ضد الأجندات الانفصالية الهادفة إلى تقويض سيادة سوريا وسلامتها الإقليمية وتهديد الأمن القومي لدول الجوار. ودانت تزايد الأنشطة الإرهابية في مختلف أنحاء سوريا، مع الإعراب عن «القلق البالغ من تعزيز نشاط (هيئة تحرير الشام) التي تشكل تهديداً للمدنيين داخل وخارج منطقة خفض التصعيد في إدلب». ورأت الوثيقة أن عمليات التوطين المحلي الجارية في درعا (جنوب) ودير الزور (شرق) قد تسهم في جهود إعادة الاستقرار.
كما دانت الوثيقة استمرار «الهجمات العسكرية الإسرائيلية في سوريا التي تنتهك القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي وسيادة سوريا والدول المجاورة وتعرض الاستقرار والأمن في المنطقة للخطر».
وأعربت الأطراف عن قناعة بأنه لا حل عسكرياً للصراع السوري، وأكدت التزامها بدفع عملية سياسية قابلة للحياة ودائمة بقيادة وملكية سورية وتيسيرها من الأمم المتحدة بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254. ودعت إلى عقد جولة جديدة من مفاوضات اللجنة الدستورية السورية «في أقرب وقت ممكن بنهج بناء من قبل الأطراف السورية». ورفضت جميع العقوبات أحادية الجانب المفروضة على سوريا التي تتعارض مع القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي وميثاق الأمم المتحدة».
ودعت الوثيقة إلى ضرورة إزالة المعوقات وزيادة المساعدات الإنسانية لجميع السوريين في أنحاء البلاد دون تمييز وتسييس وشروط مسبقة. كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية إلى تعزيز مساعدتها لسوريا من خلال التعافي المبكر. وشددت على الحاجة إلى تسهيل العودة الآمنة والكريمة والطوعية للاجئين والنازحين داخلياً إلى أماكن إقامتهم الأصلية في سوريا امتثالاً للقانون الإنساني الدولي. على صعيد آخر، وجّه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، انتقادات جديدة لواشنطن، ورأى، في مقابلة تلفزيونية بثت أمس، أن «الأهداف الحقيقية لوجود الولايات المتحدة في سوريا واضحة ولم يخفها الأميركيون، فهم أحكموا السيطرة على الهيدروكربونات والحقول النفطية والأراضي الزراعية في شرق الفرات، وشرعوا في التشجيع على الانفصالية الكردية فيها بكل الوسائل». وأشار لافروف إلى أن الوضع معقد جداً أيضاً فيما يخص مواقف تركيا التي تعد «وحدات حماية الشعب» الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة تنظيماً إرهابياً مرتبطاً بـ«حزب العمال الكردستاني». وزاد أنه «يتعين على الأكراد أنفسهم، لا سيما ذراعهم السياسية المتمثلة بحزب «الاتحاد الديمقراطي» و«مجلس سوريا الديمقراطية»، أن يقرروا نهجهم، داعياً إلى تعزيز مسار المفاوضات مع دمشق.
وذكّر لافروف بأنه «عندما أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أنه ينوي سحب القوات بالكامل من سوريا، توجه الأكراد فوراً بمطالب إلى روسيا لمساعدتهم في إطلاق حوار مع حكومة دمشق، لكن اهتمامهم بهذا الحوار تلاشى سريعاً، بعد تصريح (البنتاغون) بأن القوات الأميركية باقية في سوريا».
وحذر لافروف المكون الكردي من أنه «يجب إدراك أن الأميركيين في نهاية المطاف سينسحبون، وهم يواجهون هناك حالياً مشاكل أكثر من الفوائد، بما في ذلك مخيم الركبان ومنطقة قاعدة التنف، حيث يحاولون فرض قواعدهم، لكنهم عاجزون على أرض الواقع عن ضمان استمرارية عمل هذه الهياكل، واحتشد هناك العديد من المجرمين والإرهابيين في صفوف النازحين». ودعا مجدداً لأن «يتخذ الأكراد موقفاً مبدئياً»، معرباً عن استعداد روسيا لـ«المساعدة في هذا الأمر».



«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشهد مصر جولة محادثات جديدة بين وفد «حماس» الذي وصل إلى القاهرة، السبت، والممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام» والوسطاء، من أجل بحث المضي قدماً في تنفيذ وقف إطلاق النار المتعثر من قبل حرب إيران، وفق مصدر فلسطيني مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط».

وبينما تطالب «حماس» بإنهاء المرحلة الأولى قبل البدء في نظيرتها الثانية، وضمانات لتنفيذ الاتفاق كاملاً، تتمسك إسرائيل بـ«نزع السلاح»، فليس أمام الوسطاء سوى التحرك نحو سد الفجوات، وفق المصدر ذاته.

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الجولة الحالية من المحادثات تأتي بعد تباينات عديدة بشأن إطار ميلادينوف، وتعول فيها «حماس» على ضمانات واضحة، «وإلا فسنكون أمام مرحلة خطيرة تسعى لها إسرائيل لشن هجمات جديدة على القطاع تحت ذريعة نزع السلاح، وهو ما يتطلب تدخل الوسطاء بمقاربة وحلول وسط سريعاً».

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ميلادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام أميركية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

وقبيل انطلاق المحادثات أثيرت روايات بشأن محددات ومخرجات محتملة للمحادثات، لا سيما من إسرائيل الغائبة عن الاجتماع والمحادثات التي تتكرر للمرة الثانية خلال أسبوع بالقاهرة.

وأفادت قناة «كان» الإسرائيلية، الجمعة، بأن «حماس» تشترط لأي حديث عن السلاح إنهاء الاحتلال بشكل كامل، وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة ورفع الحصار، رافضة الربط بين الملفات الإنسانية وإعادة الإعمار وبين المطالب الأمنية الإسرائيلية والدولية.

وبالتزامن، نقلت وكالات عن مصدر قيادي في «حماس» قوله إن «الحركة ستعرض على الوسطاء قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، والتي تريد فيها إسرائيل و(مجلس السلام) نزع سلاح المقاومة في غزة، تنفيذ كامل البنود التي وردت في اتفاق المرحلة الأولى، وفي مقدمتها وقف الهجمات والخروقات ودخول المساعدات».

امرأة تجلس مع طفلين في حين يزحف رضيع بالقرب من خيمتهم بمخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور حسام الدجني، قال إن الفترة الماضية شهدت فجوة لا تزال كبيرة بين الرؤى الدولية ومطالب الفصائل الفلسطينية، والزيارة الحالية تأتي لردم الفجوة الكبيرة التي نتجت منذ تسليم ميلادينوف ورقته التي سُربت لوسائل الإعلام، مؤكداً أن «رؤيته تحقق رغبات تل أبيب بشكل كامل عبر ربط كافة الملفات بنزع السلاح، دون التطرق لأي مقاربة سياسية أو أفق للانسحاب الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «التحركات الفلسطينية الحالية تسعى لإيجاد حالة منطقية ومقبولة ضمن رؤية متكاملة تنسجم مع تطلعات السلام، دون جعل سلاح المقاومة شماعة لإفشال المبادرات، خاصة مع إصرار الجانب الإسرائيلي على اقتران تسليم السلاح بإنهاء الصراع دون مقابل سياسي حقيقي».

وشدد الدجني على ضرورة وضع رؤية متكاملة تربط حل معضلة السلاح بحل القضية الفلسطينية ككل، مع توفير ضمانات دولية لحماية الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة في ظل الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، مؤكداً أنه «لا يمكن القبول ببدء المرحلة الثانية دون تطبيق المرحلة الأولى، كما لا يمكن قبول صورة الانتصار التي ينشدها نتنياهو والمتمثلة في تسليم المقاومة سلاحها مقابل إعادة الإعمار فقط، فهذا طرح لا يمكن قبوله فلسطينياً».

وحول غياب إسرائيل عن هذه الاجتماعات، أكد الدجني أن إسرائيل «تغيب عن الصورة، لكنها موجودة في جوهر الأحداث، وواضح تأثيرها على إطار ميلادينوف الذي لا يحمل أي التزام جاد للانسحاب».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، أن ما يُثار في الإعلام الإسرائيلي حول اجتماع ميلادينوف مع الفصائل الفلسطينية، وحركة «حماس» تحديداً، والحديث عن رفض الحركة لما طُرح، هو طرح غير صحيح، وهو جزء من إعلام إسرائيلي يجب الانتباه له وعدم الانسياق معه.

ويرى أن حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية قدّمت رؤية واضحة لتنفيذ خطة السلام بشكل سليم، وأبدت استعداداً للالتزام بما تم الاتفاق عليه، لكن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بالمرحلة الأولى، وهو ما يعرقل الانتقال إلى المراحل التالية، لافتاً إلى أن ميلادينوف لم يُقدّم أي خطة جديدة، بل طرح محاولات للالتفاف على جوهر «خطة السلام»، في إطار حالة من التهييج والتضليل الإعلامي.

فلسطينيون بجوار جثث ذويهم الذين قُتلوا خلال غارة جوية إسرائيلية شرق مخيم المغازي للاجئين (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الاجتماع دون موقف معلن من «حماس» سوى حديث الناطق باسم «القسام»، أبو عبيدة، الذي أكد قبل أيام أن «طرح ملف السلاح بهذه الطريقة الفجة ما هو إلا سعي مفضوح من قبل الاحتلال لمواصلة القتل والإبادة بحق شعبنا، وهو ما لن نقبله بأي حال من الأحوال. وما لم يستطع العدو انتزاعه منا بالدبابات والإبادة، لن ينتزعه منا بالسياسة وعلى طاولة المفاوضات».

وحسب صحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، فإنه حال كان رد «حماس» سلبياً فسيكون القرار بيد إسرائيل، وسيتعيَّن عليها نزع سلاح «حماس» بالقوة.

وفيما يخص إمكانية موافقة «حماس» على إطار نزع السلاح، أوضح الدجني أن الحركة قد توافق فقط في حال وجود رؤية سياسية واضحة، أما تسليم السلاح كمدخل للاستسلام فهو أمر مستبعد. وأضاف أنه «في قضية السلاح، لا قرار لـ(حماس) ولا لـ(فتح) ولا لأي فصيل بعينه، هذا قرار وطني يتحمل مسؤوليته الجميع؛ لأنه يخص أجيالاً قادمة وليس مرحلة تاريخية، والمقاومة المسلحة مشروعة بالقانون الدولي»، داعياً إلى «معالجة جذر المشكل المتمثل في الاحتلال هي السبيل الوحيدة للوصول إلى سلام عادل وشامل».

ويعتقد المدهون أن «حماس» ما زالت معنية بالحفاظ على وقف إطلاق النار، وهو ما يتطلب تدخلاً جاداً من الوسطاء، ودوراً عربياً أكثر لمنع أي تصعيد بهذه المرحلة الخطيرة، محذراً من أن أي عدوان على غزة في هذه المرحلة يُعد جريمة وتصعيداً خطيراً بحق شعب أعزل التزم بالتهدئة، وخاصة أن «حماس» فعلت ما عليها لتجنب استئناف الحرب.


حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
TT

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)

شهد اليمن خلال الربع الأول من عام 2026 حراكاً تنموياً لافتاً يعكس تحوّلاً تدريجياً نحو مقاربة أكثر شمولية في إدارة ملف التعافي وإعادة البناء، مدعوماً بجهود السعودية، حيث لم يقتصر على تنفيذ مشروعات خدمية آنية، بل اتخذ طابعاً استراتيجياً يوازن بين تلبية الاحتياجات العاجلة وبناء أسس تنمية مستدامة، من خلال التركيز على البنية التحتية، ودعم المؤسسات، وتمكين الإنسان، وتعزيز الشراكات الدولية.

وقد جاءت الحزمة التنموية التي أُعلنت في يناير (كانون الثاني) 2026 بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (أكثر من 500 مليون دولار) لتؤكد هذا التوجه، حيث شملت 28 مشروعاً ومبادرة نوعية موزعة على قطاعات حيوية تمسّ الحياة اليومية للمواطنين، من الكهرباء والنقل إلى الصحة والتعليم والمياه، في امتداد لجهود أوسع نفّذ من خلالها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن 268 مشروعاً منذ عام 2018. ووفق ما أوردته تقارير الإنجاز الخاصة بالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، كان قطاع الطاقة إحدى أبرز ركائز هذا الحراك التنموي، حيث أسهمت منحة المشتقات النفطية في تشغيل أكثر من 70 محطة توليد كهرباء في مختلف المحافظات. ولم يقتصر أثر هذه المنحة على تحسين توفر الكهرباء فحسب، بل امتد ليشمل تعزيز استقرار منظومة الخدمات العامة بوجه عام.

الدعم السعودي لليمن شمل المجالات كافّة (إكس)

فاستقرار التيار الكهربائي أسهم في تحسين أداء القطاعات الحيوية مثل الصحة والمياه والتعليم. كما ساعد في تقليل فترات الانقطاع، ورفع كفاءة المحطات التوليدية، وتحسين موثوقية الشبكة. هذا التحسن انعكس بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية، خصوصاً في ظل الطلب المتزايد على الطاقة. كما أن انتظام إمدادات الوقود لمحطات التوليد مكّن المؤسسات الخدمية من العمل بوتيرة أكثر استقراراً، وهو ما يُعدّ عاملاً أساسياً في دعم صمود المجتمعات المحلية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية.

تعزيز الاستقرار المالي

على الصعيد الاقتصادي، شكّل دعم الموازنة اليمنية بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي (أكثر من 345 مليون دولار) خطوة محورية في تعزيز الاستقرار المالي، حيث أسهم في تغطية النفقات التشغيلية ورواتب الموظفين، وهو ما ساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ويأتي هذا الدعم ضمن منظومة أوسع من المساعدات الاقتصادية التي تجاوزت قيمتها 12.6 مليار دولار منذ عام 2012 وحتى 2026، شملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني، بهدف تحقيق التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي. هذا النوع من التدخلات يعزّز ثقة المؤسسات المحلية، ويدعم قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات، كما يُسهم في خلق بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والنمو الاقتصادي. وفي ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد اليمني، يمثّل هذا الدعم ركيزة أساسية في مسار التعافي التدريجي.

عشرات المشروعات في اليمن أُنشئت بتمويل سعودي (إكس)

كما شهد قطاع البنية التحتية تطورات مهمة من خلال مشروعات استراتيجية مثل استكمال مراحل جديدة من طريق العبر، ورفع كفاءة مطار عدن الدولي. وتبرز أهمية هذه المشروعات في تعزيز الربط الجغرافي لليمن مع محيطَيه الإقليمي والدولي، وهو ما يُسهم في تنشيط الحركة التجارية وتسهيل التنقل. فالطرق والمطارات لا تُعدّ مجرد مشروعات خدمية، بل تمثّل شرايين اقتصادية تُسهم في تحريك عجلة التجارة، وتدعم التكامل مع الأسواق الإقليمية والدولية. كما أن تحسين البنية التحتية يُسهم في جذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل، وتعزيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

الاستثمار في الإنسان

إلى جانب البنية التحتية، يحظى الاستثمار في الإنسان بأولوية واضحة، حيث شهد قطاع الصحة دعماً نوعياً شمل بناء المستشفيات وتشغيلها، وتوفير الأجهزة الحديثة، وتأهيل الكوادر الطبية. ومن أبرز هذه التدخلات التشغيل الكامل لمستشفيات سقطرى وشبوة والمخا، ما أسهم في تحسين جودة الخدمات الطبية وتوسيع نطاق الوصول إليها. كما عزّزت هذه الجهود جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع الحالات الطارئة والحرجة، وهو ما يُعد عنصراً حيوياً في ظل الظروف الإنسانية المعقدة التي تشهدها البلاد.

وفي قطاع التعليم، برزت مبادرات تهدف إلى دعم استقرار العملية التعليمية والتوسع في التعليم الفني والتدريب المهني، بما يتماشى مع احتياجات سوق العمل. وشملت هذه الجهود توقيع اتفاقيات لبناء مدارس نموذجية في عدد من المحافظات، بالإضافة إلى مشروعات تستهدف تعزيز تعليم الفتيات في المناطق الريفية. وقد أسهمت هذه المبادرات في تقليص فجوة المهارات، وتمكين الشباب، ورفع معدلات الالتحاق بالتعليم، خصوصاً بين الفتيات، مما يعزّز من فرص التنمية البشرية على المدى الطويل. إلى ذلك، لم تغفل الجهود التنموية الجانب المجتمعي، حيث شملت دعم قطاع الرياضة والشباب من خلال تنظيم بطولات رياضية في عدد من المحافظات، ما أسهم في تنشيط الحركة الرياضية واكتشاف المواهب.

كما تضمّنت المبادرات حملات لتحسين المشهد الحضري، ودعم الأنشطة الثقافية، مثل الاحتفاء بيوم اللغة السقطرية، وهو ما يعزّز الهوية الثقافية ويقوي الروابط الاجتماعية.

ويُظهر هذا البعد اهتماماً ببناء مجتمع متماسك وقادر على المشاركة في عملية التنمية، حيث يُعدّ الشباب محوراً أساسياً في أي مشروع تنموي مستدام.

الشراكات الدولية

يُلاحظ بوضوح تصاعد دور الشراكات الدولية في دعم الجهود التنموية، من خلال التعاون مع منظمات دولية، مثل «اليونيسكو» والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. وتعكس هذه الشراكات تكاملاً في الأدوار، حيث تُسهم في تعزيز قدرات المؤسسات اليمنية وتوسيع نطاق التدخلات التنموية.

ومن أبرز هذه الشراكات مشروع تعزيز الأمن المائي في محافظة مأرب، الذي يأتي بوصفه أول ثمرة للتعاون بين البرنامج السعودي والاتحاد الأوروبي، ويستهدف تحسين الوصول إلى المياه في عدد من المناطق، بما يُسهم في تعزيز الأمن المائي وتحسين سبل العيش. كما امتدت التدخلات لتشمل القطاع الزراعي، من خلال مشروعات تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وتحسين دخل الأسر، إلى جانب دعم مشروعات المياه والإصحاح البيئي، وهو ما يعكس نهجاً متكاملاً في معالجة التحديات التنموية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


سيول في اليمن تحصد الأرواح وتدمر المنازل والبنية التحتية

السيول في اليمن غمرت مساكن النازحين ودمرت المخزون الغذائي (الأمم المتحدة)
السيول في اليمن غمرت مساكن النازحين ودمرت المخزون الغذائي (الأمم المتحدة)
TT

سيول في اليمن تحصد الأرواح وتدمر المنازل والبنية التحتية

السيول في اليمن غمرت مساكن النازحين ودمرت المخزون الغذائي (الأمم المتحدة)
السيول في اليمن غمرت مساكن النازحين ودمرت المخزون الغذائي (الأمم المتحدة)

تسببت الفيضانات الشديدة التي ضربت اليمن أواخر الشهر الماضي في خسائر بشرية، ومادية، كما طالت البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك شبكات الكهرباء، وأنظمة إمدادات المياه، والاتصالات، وقطاع النقل، إلى جانب تدمير آلاف المنازل، وملاجئ النازحين، في مشهد يعكس تفاقم الأزمة الإنسانية مع بداية موسم الأمطار.

وأكد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر أن هذه الفيضانات ألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية الحيوية، مشيراً إلى تضرر شبكات الكهرباء، وأنظمة المياه، والاتصالات، فضلاً عن تدمير الملاجئ المؤقتة للنازحين، وخسائر في المحاصيل، والماشية.

وفي بيان له، أعلن الاتحاد إطلاق عملية طارئة لتلبية الاحتياجات العاجلة لأكثر من 24 ألف شخص تضرروا من الفيضانات التي شهدتها البلاد مع بدء موسم الأمطار.

وقال إن العملية، التي سيستمر تنفيذها على مدى ستة أشهر، ستركز على تلبية الاحتياجات الإنسانية الأكثر إلحاحاً، مع إعطاء الأولوية لتوفير المساعدات المنقذة للحياة، وتوزيع المستلزمات المنزلية الأساسية (المواد غير الغذائية)، ودعم خدمات المياه، والصرف الصحي، والنظافة في المناطق المتضررة.

37 قتيلاً وعشرات المصابين جراء السيول في اليمن (الأمم المتحدة)

ووفق ما أورده الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر، فإن هذه المبادرة ستدعم توزيع المواد المنزلية الأساسية للأسر المستهدفة، بما في ذلك 14 ألف مرتبة، و14 ألف بطانية، و3500 طقم أدوات مطبخ، إلى جانب دعم خدمات المياه، والصرف الصحي، وتنفيذ جلسات توعية بممارسات النظافة الآمنة، والاستخدام الأمثل للمواد الموزعة، وسلوكيات الحد من المخاطر، إضافة إلى إجراء تقييمات سريعة في المناطق التي لم تصلها المساعدات بعد.

بدورها، أكدت جمعية الهلال الأحمر اليمني أن عدة مناطق في البلاد شهدت خلال الأيام الماضية موجة أمطار غزيرة أعقبتها سيول جارفة، تسببت في خسائر بشرية ومادية كبيرة، وفاقمت معاناة السكان في بلد يرزح تحت أزمة إنسانية مستمرة منذ سنوات. ووفقاً لمصادر إنسانية، أسفرت السيول عن وفاة 37 شخصاً، وإصابة 47 آخرين، في حين تضرر نحو 3990 منزلاً بشكل كلي، أو جزئي، إضافة إلى تدمير قرابة 8700 مأوى للنازحين داخلياً، ما أدى إلى تشريد آلاف الأسر، وحرمانها من أبسط مقومات الحياة.

تفاقم معاناة السكان

وقال المدير التنفيذي لجمعية الهلال الأحمر اليمني، عبد الله العزب، إن البلاد تواجه بشكل متكرر تحديات مرتبطة بتغير المناخ، والكوارث الطبيعية، إلى جانب تفشي الأمراض المنقولة عبر المياه، والبعوض، مشيراً إلى أن «أكثر من عقد من الأزمات الإنسانية أضعف قدرة المجتمعات المحلية على الاستعداد لمثل هذه الكوارث، والتخفيف من آثارها». وأضاف العزب أن حجم الاحتياجات الإنسانية لا يزال كبيراً، في ظل تقديرات تشير إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي ما يقارب نصف سكان اليمن، بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدة، غالبيتهم من النساء، والأطفال. كما تسببت السيول في تدمير منازل بشكل كامل، حيث انهارت الأسقف، وغمرت المياه الممتلكات، ما ترك العديد من الأسر دون مأوى، أو مصادر رزق، في وقت تواصل فيه هذه الأسر إظهار قدر من الصمود رغم الظروف القاسية.

المياه غمرت الممتلكات وتركت آلاف الأسر دون مأوى (الأمم المتحدة)

وفي إطار الاستجابة الطارئة، أوضح العزب أن فرق الهلال الأحمر، وبدعم من المانحين، تمكنت من تقديم مساعدات فورية شملت توزيع 559 سلة غذائية، و309 حزم من المواد غير الغذائية، إلى جانب توفير دعم في مجالات المأوى والمياه للفئات الأكثر تضرراً.

تحذيرات أممية

ووفق ما أوردته الجمعية، فإنه رغم تراجع معدلات هطول الأمطار في بعض مناطق المرتفعات الشمالية، فإن توقعات الطقس تشير إلى احتمال تجدد الأمطار في المرتفعات الجنوبية الغربية، والمناطق الساحلية، ما يرفع من مخاطر حدوث سيول جديدة قد تزيد من تعقيد الوضع الإنساني. وأشارت إلى أنه في ظل هذه التطورات تعيش العديد من العائلات حالة من الحزن على ما فقدته، فيما يخيّم القلق على آخرين يترقبون ما قد تحمله الأيام المقبلة من موجات مطر جديدة، في بلد لا يزال يكافح للتعافي من أزمات متلاحقة.

من جهتها قالت المنظمة الدولية للهجرة إن الفيضانات والنزوح والصعوبات الاقتصادية لا تزال تُفاقم الاحتياجات الإنسانية في جميع أنحاء اليمن، مما يؤثر على المجتمعات الضعيفة، وأكدت أن سنوات من الصراع خلفت احتياجات إنسانية ملحة، ونزوحاً واسع النطاق. وأنها واستجابةً لهذه الاحتياجات المتزايدة، تُقدّم المأوى الطارئ، والمياه النظيفة، والرعاية الصحية، وخدمات الحماية، إلى جانب دعم جهود التعافي المبكر في مجالات المياه، والصرف الصحي، والتعليم، وسبل العيش.

الفيضانات والصعوبات الاقتصادية تُفاقمان الاحتياجات في اليمن (الأمم المتحدة)

وقال عثمان بلبيسي، المدير الإقليمي للمنظمة، إن المجتمعات قادرة على الصمود، لكن الاحتياجات هائلة، إذ فقدت آلاف العائلات منازلها، وانقطعت عنها الخدمات الأساسية، مؤكداً أنه في مختلف أنحاء البلاد، فقدت آلاف العائلات مأواها، وانقطعت عنها المياه، والخدمات الأساسية، فيما تُبذل جهود حثيثة لتجاوز الإغاثة الفورية، والاستثمار في حلول طويلة الأجل إلى جانب الاستجابة الطارئة، لأن هذه الجهود بالغة الأهمية للحد من الاعتماد على المساعدات، ودعم المجتمعات لإعادة بناء حياتها بطريقة أكثر استدامة. ونبهت المنظمة الأممية إلى أن الاحتياجات الإنسانية في هذا البلد لا تزال حادة، ومتزايدة، حيث تواجه المجتمعات المستضعفة أزمات متفاقمة، مؤكدة أن الدعم الدولي المستدام ضروري للحفاظ على المساعدات المنقذة للحياة، وضمان عدم إهمال الفئات الأكثر عرضة للخطر.