خالدة سعيد وأدونيس: الصداقة تاج الحب... والإبداع يمنعه من التحلل

ستة عقود ونصف من الزواج والتكامل الإنساني والانقطاع «التنسكي»

خالدة سعيد وأدونيس (صورة أرشيفية)
خالدة سعيد وأدونيس (صورة أرشيفية)
TT

خالدة سعيد وأدونيس: الصداقة تاج الحب... والإبداع يمنعه من التحلل

خالدة سعيد وأدونيس (صورة أرشيفية)
خالدة سعيد وأدونيس (صورة أرشيفية)

ترددت كثيراً في الكتابة عن العلاقة العاطفية الاستثنائية التي جمعت بين أدونيس وخالدة سعيد، والتي ظللتها خيمة الزواج منذ ستة عقود ونصف العقد، وليس ذلك لأنني لم أعثر في هذه العلاقة على ما يستحق الكتابة، وهي واحدة من أوثق العلاقات التي جمعت بين شاعر مبدع وناقدة متميزة في العالم العربي، بل لأن الكتابة عن الشؤون الشخصية للمبدعين الأحياء لا بد أن توقع الكاتب في الكثير من المزالق والمطبات. وفي طليعتها يأتي الاتهام بالتطفل أو المحاباة أو الافتئات على الحقيقة تبعاً لطبيعة العلاقة الشخصية التي تربط بين طرفي الكتابة. أدرك تماما أن مثل هذه المحاذير تظل قائمة حتى بالنسبة للمبدعين الراحلين، حيث يُنظر إلى الأمر في العالم العربي بوصفه مجافاة للأخلاق وقواعد السلوك وانتهاكاً سافراً لحرمة الموتى. ولعل هذه النظرة القاصرة هي التي ألحقت أفدح الضرر بأدب المذكرات والاعترافات وبفن السيرة العربي، حيث يتم حجب الحقائق وتمويه الحيوات أو تزويرها، فيما تأخذ الأمور في الغرب منحى مغايراً تماماً. فالشخصيات العامة والكتاب والفنانون لا يتوانون باعتبارهم بشراً غير منزهين عن الاعتراف بعيوبهم ونزواتهم.
مع ذلك أعترف وأنا أتصدى لهذه المقاربة الشائكة، بأن ما سهل مهمتي إلى حد بعيد، هو الطبيعة المركبة للعلاقة التي جمعت بين خالدة وأدونيس، حيث كان التكامل واضحاً بين الشأنين العاطفي والأدبي، وحيث بدا الافتتان بحضور الآخر، وجهاً من وجوه الافتتان بمنجزه التعبيري. فمنذ اللحظة الأولى للقاء المصادفة الذي جمع في منزل المذيعة المعروفة عبلة خوري بين الشاعر الفتي الذي شاء أن يتكنى باسم أدونيس تيمناً بالإله الفينيقي المترنح بين الموت والانبعاث، والقادم من الساحل السوري ليلتحق بجامعة دمشق، وبين خالدة صالح التي تصغره بعامين اثنين، والملتحقة بدار المعلمين مسلحة بقدر غير قليل من الذكاء والجمال. تكفلت الكيمياء المتبادلة بين الطرفين بدفع العلاقة بعيداً إلى الأمام، فيما تكفل الانسجام الأدبي والإبداعي والعقائدي أيضاً بما تبقى من المسافة.
كانت العاصمة السورية ترزح آنذاك تحت وطأة الأحداث السياسية الساخنة والانقلابات العسكرية المتلاحقة، فلم تستطع أن توفر للثنائي العاشق الطافح بالحيوية ما يلزمه عناصر الاستقرار والحرية ومستلزمات الطموح الإبداعي. الأمر الذي أجبرهما على الفرار إلى بيروت بحثاً عن فرصة ملائمة لتحويل أحلامهما المشتركة إلى حقيقة ملموسة. ولم يطل الأمر كثيراً حتى كان الشاعر اللبناني يوسف الخال العائد حديثاً من الولايات المتحدة الأميركية يدشن عبر مجلة «شعر» عصر الحداثة الثانية للشعر العربي، بعد سنوات قليلة من ظهور مجلة «الآداب»، مستعيناً بكوكبة من الشعراء والمثقفين المتطلعين بحكم انتماء معظمهم للحزب السوري القومي إلى ثقافة وفكر «قياميين» يحاكيان أسطورة تموز الناهض من موته بعد سبات شتوي طويل.
لم يكن من المستغرب أن يجد صاحب «البئر المهجورة» في أدونيس ظهيراً لمشروعه الثقافي ومنظراً له، وهو الذي كشف منذ يفاعته عن نزوع واضح إلى المغايرة والتمرد. شكلت الإسهامات النقدية التي ظهرت في الأعداد الأولى للمجلة موقعة باسم خزامى صبري، وتناولت أكثر من شاعر مجدد وفي طليعتهم أدونيس نفسه، مفاجأة حقيقية للكثير من المتابعين، بما حملته من عناصر التميز والحساسية العالية والعمق المعرفي. وسرعان ما تكشف لهؤلاء أن المرأة التي تناولت بالنقد مغامرة أدونيس المبكرة في «قصائد أولى» و«البعث والرماد». لم تكن سوى خالدة سعيد بالذات التي دفعها خجلها الفطري وتحرجها من الكتابة عن زوجها الشاعر إلى التنكر باسم مستعار، قبل أن تعاود التوقيع باسمها الصريح، بدءاً من مقالتها «الأسطورة في الشعر المعاصر» ثم «الشعر في معركة الوجود» و«بوادر الرفض في الشعر العربي الحديث». لم تقتصر على تجربة أدونيس وحده، بل تناولت تجارب مماثلة لفدوى طوقان ويوسف الخال ومحمد الماغوط وسلمى الجيوسي، وتضمنتها لاحقاً باكورتها النقدية «البحث عن الجذور». ولم يقتصر دور خالدة النقدي على المقالات المنشورة في المجلة، بل كان لها إسهامها الحيوي في الندوات الفكرية الحوارية التي أعطيت اسم «خميس شعر»، تبعاً لموعد انعقادها الدوري آنذاك.
والواقع أن أعمال خالدة النقدية تعدت الشعر نفسه، لتطال عبر كتبها «أفق المعنى» و«فيض المعنى» و«يوتوبيا المدينة المثقفة» و«في البدء كان المثنى»، المسرح والأغنية والموسيقى وفنون السرد والتشكيل، بما دفع الكثير من المشتغلين بالأدب والفن إلى اعتبارها إحدى أبرز أيقونات الحداثة والنقد العربيين. على أن اهتمامها بالكثير من التجارب الشعرية الطليعية لا يمكن أن يحجب عن الأنظار إعجابها المفرط بالتجربة الأدونيسية، ورؤيتها هذه التجربة بوصفها حجر الزاوية الأهم في مشروع التحديث العربي. وهو ما بدا جلياً في كتابها «حركية الإبداع» الذي تضمن مقاربتها المميزة لقصيدة أدونيس الشهيرة «هذا هو اسمي»، وكتابها «جرح المعنى» المتمحور حول قصيدة أدونيس النثرية «مفرد بصيغة الجمع».
لكن كل ما تقدم ذكره حول التكامل الفكري والإبداعي بين خالدة وأدونيس لا يغلق الباب بالضرورة على الأسئلة المتصلة بطبيعة العلاقة الشخصية بين الطرفين، ومدى الانسجام القائم بين الوعي النظري وبين الممارسة الفعلية على أرض الواقع المعيش، خصوصاً أن هذه الإشكالية الشائكة هي المجال الحيوي الأهم لهذه السلسلة من المقالات. وإذا كانت موجبات الأمانة الأخلاقية تقتضي الإشارة إلى تكتم الثنائي الزوجي حول كل ما يتصل بخصوصية العلاقة التي تجمعهما، وإبقائها بعيدة عن ألسن الفضوليين والمصطادين في المياه العكرة، فإن المتابع لآراء الطرفين المعلنة لا بد أن يكتشف التباين الواضح في موقفهما من تبعات المؤسسة الزوجية والمفاهيم المتعلقة بالحرية والجسد وتعدد العلاقات. والواضح في هذا السياق أن أدونيس يذهب في اعتناقه لمبدأ الحرية أكثر بكثير مما هو الحال مع خالدة التي تظهر المسافة واضحة بين اعتناقها النظري للحرية وبين التزامها الطوعي بموجبات التحفظ الأخلاقي والرصانة السلوكية، معتبرة أن هذا الالتزام بحد ذاته هو وجه من وجوه الحرية الشخصية وليس نفياً لها.
والحقيقة أن من يتابع كتابات أدونيس وحواراته المتنوعة لا بد أن يلاحظ حرص الشاعر على ألا يحول تهذيبه الفطري وتردده في الإفصاح عن مكنونات قلبه، دون حقه في التعبير عن قناعاته وآرائه في شؤون الحب والزواج والجنس وما إلى ذلك. وهو إذ يعلن في حواره المطول مع صقر أبو فخر، بأنه لم يكن الطرف المبادر في كل علاقاته مع النساء، بما فيها علاقته بخالدة، بل هن من كن يأخذن زمام المبادرة، يضيف تجنباً لسوء الفهم، بأن مرد هذا الأمر ليس الشعور بالصلف أو التشاوف، بل يعزوه إلى تأثره اللاواعي بالتقاليد المتخلفة التي تحكم المجتمع العربي، وإلى نشأته الفقيرة وظروفه الحياتية القاسية. وإذ يشير في بعض حواراته إلى أن شغفه بالنساء كان يأتي في الدرجة الثانية من سلم اهتماماته، أي بعد القراءة والكتابة، فهو لا يتوانى في حوارات أخرى عن إعلاء الجسد الإنساني بوصفه «قبة الروح»، كما يعبر القديس بالاماس، وعن الرؤية إلى العلاقة الجسدية مع المرأة بوصفها شكلاً من أشكال الشعر، وبحثاً رمزياً عن الينبوع الأصلي للتكوين.
وفي حواره الأكثر جرأة مع ابنته نينار يعبر أدونيس عن اعتقاده بعدم قدرة الرجل على أن يمضي حياته مع امرأة واحدة، لأن الجسد الإنساني «بحاجة إلى أجساد كثيرة»، وفق تعبيره الحرفي الذي ينم بشكل موارب عن تعدد مغامراته العاطفية. وهو لا يتحرج في الحوار نفسه من التصريح بأن مؤسسة الزواج باتت مؤسسة نافلة وينبغي إلغاؤها. وإذ يعترف لنينار بأنه لم يكن راغباً في إنجاب الأطفال، يستدرك منعاً لأي لبس بأن الأمر كان عائداً للضائقة المعيشية التي وقعت العائلة تحت وطأتها في سنوات الزواج الأولى، لا لأي سبب آخر. كما يكشف صاحب «المسرح والمرايا» عن شعوره بالندم، لأنه لم يقم بالدور الذي توجب أن يؤديه في رعاية ابنتيه، مشيراً من جهة أخرى إلى أن ذلك التخلي، على سلبيته قد منحهما الكثير من الحرية، وأتاح لشخصيتيهما أن تنضجا بعيداً عن سلطة الأب وتعاليمه وتوجيهاته.
أما من الزاوية المتعلقة بخالدة، فالأمور تتخذ وجهة مغايرة وأكثر جنوحاً إلى التحفظ، حيث لا إشارة إلا لما هو ناصع ومضيء ووردي في حياة الزوجين. ومع أن خالدة تلمح في غير مناسبة إلى ما أحاط بها طفلة من متاعب الحياة وشظف العيش، وهو ما استمرت مفاعيله بعد ارتباطها بأدونيس، إلا أنها لا تكف عن التأكيد بأن ما دفعته على امتداد حياتها من أكلاف لا يقارن أبداً بحصاد عمرها الوفير، أو بإقامتها الطويلة في كنف الرجل الاستثنائي الذي ارتبطت به. وهي في حوارها المطول مع محمد ناصر الدين، تعتبر تلك التجربة «أعظم نِعم الله عليها. ليس فقط بسبب لطف أدونيس ونبله. فإلى جانب ذلك يشعر من يعيش قربه أنه مطالب دائماً بأن يكون بالغ الذكاء، سريع الفهم، واسع الاطلاع، يستبق الأشياء ويتنبأ بمصدر النور». وفي رد مباشر على الذين يزعمون بأن احتضانها المبكر لتجربة أدونيس قد أسهم إلى حد بعيد في تظهير صورته وإعلاء مكانته الأدبية، تقول خالدة في حوار آخر «لم أعط أدونيس ما لم يملكه. فهو ليس مجرد شاعر كبير، بل لطالما كان في مساره الشعري رائياً وملهِماً وشجاعاً. لذلك أرفض القول إنني دفعت به إلى دائرة الضوء، بل أنا التي استضأت به»، ثم تضيف دون تحرج «أحب أدونيس أكثر من روحي، وهذا يكفي».
لم تكن خالدة سعيد أخيراً بعيدة عن منابع الإلهام الشعري الأدونيسي. وإذا كان أدونيس قد أهدى لخالدة عمله المميز «أغاني مهيار الدمشقي»، كتعبير عما يكنه لها من مشاعر الحب، فأغلب الظن أن لها بصمات واضحة في الكثير من قصائده وأعماله، وفي كتابه السير - ذاتي «مفرد بصيغة الجمع» على وجه الخصوص. أما في «تحولات العاشق»، فثم غير قرينة وإشارة تومئان إلى حضور خالدة الطيفي. والواقع أن أدونيس لم يكن يريد عبر هذه القصيدة الفريدة، أن يحتفي بثنائية المرأة/ الرجل فحسب، بل أراد التنويه في الوقت ذاته إلى أن كل علاقة حقيقية بين عاشقين، هي إعادة تأسيس رمزي لأسطورة الخلق. ولأنها كذلك فعليها أن تظل، ولو في كنف الزواج، محمية بلهب الشغف ومغلفة بالأسرار. ولهذا لا أجد ما أختتم به هذه المقالة أفضل من قول أدونيس في أحد مقاطع القصيدة:
« - كيف تزوجتني؟
- كنتُ أسير وحشياً ليس عندي ما أسكن إليه وأرتاح
فنمت نومة واستيقظتُ
وإذا على وسادتي امرأة
وتذكرتُ حواء والضلع الآدمي وعرفتُ أنكِ زوجتي
- وكيف تزوجتِني؟
- كان جسدي هبوباً إليكَ
يتلون بالأرض هبوباً إليكَ
يا فلَك الزمهرير».



المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح في كامبريدج

وليد الخالدي
وليد الخالدي
TT

المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح في كامبريدج

وليد الخالدي
وليد الخالدي

في هذا الوقت العصيب تفقد القضية الفلسطينية، وليد الخالدي، كبير مؤرخيها الذي كرس أكثر من 70 عاماً من عمره ليوثق ويدقق ويحقق فيما أصاب فلسطين من تحولات بسبب الصهيونية وانعكاسات خططها على بلاده، سياسياً وجغرافياً وديموغرافياً. مفكر عربي، قومي، منفتح وملتزم في آن، وقيمة إنسانية وعلمية يصعب تعويضها.

أسلم وليد الخالدي الروح في مدينة كامبريدج، مكان إقامته في ولاية ماساتشوستس الأميركية في الثامن من مارس (آذار) الحالي، بعد أن عاش مائة سنة وسنة، ينتظر العودة إلى القدس. توفي تاركاً مجموعة كبيرة من المؤلفات تناهز الأربعين، وجيلاً من الطلاب والبحاثة الذين تتلمذوا على يديه، وأكثر ما اهتم به هو تاريخ فترة النكبة، وما حدث تدريجياً بعدها وعلى إثرها، مع إعادة كتابة حكاية مئات القرى التي اندثرت، وعملت إسرائيل على وأدها.

عائلة علم وتأريخ

ولد في القدس عام 1925 لعائلة مقدسية معروفة بالعلم، والده هو الكاتب وعميد الكلية العربية في القدس أحمد سامح الخالدي، أما والدته إحسان فهي شقيقة المؤرخ الفلسطيني أمين عقل. أما جده فهو راغب الخالدي الذي أنشأ أول مكتبة عربية في القدس عام 1900. والده وجده، هما العالمان اللذان كان لهما أكبر الأثر في تنشئته وتشكيل وعيه الأول.

تخرج الخالدي في جامعة أكسفورد سنة 1951، ودرّس فيها الفلسفة الإسلامية حتى عام 1956؛ إلا أنه وبسبب مواقفه المبدئية، استقال عام 1956 احتجاجاً على دور بريطانيا في العدوان الثلاثي على مصر، وانتقل ليعمل أستاذاً في الجامعة الأميركية في بيروت التي بقي فيها حتى عام 1982، ثم التحق بعد ذلك ليعمل باحثاً في مركز هارفارد للشؤون الدولية، وبقي يحاضر في جامعات أميركية عدة، منها برنستون وأوكسفورد، متنقلاً في مهماته بين الولايات الأميركية وبيروت، ثم انتخب زميلاً في الأكاديمية الأميركية للآداب والعلوم.

المؤسسات البحثية أولاً

من أهم إنجازاته، تركيزه الدائم على بناء المؤسسات البحثية وتطويرها. فهو أحد مؤسسي «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» في بيروت عام 1963، وبقي أميناً عاماً لها وحريصاً على أن تحتفظ هذه المؤسسة بالرصانة والاستقلالية والكفاءة. وهو أيضاً أحد مؤسسي «النادي الثقافي العربي» في بيروت الذي نعاه، مذكراً بأنه رئيسه الأسبق من عام 1958 ولغاية 1959، وأحد مؤسسي الجمعية الملكية العلمية في عمّان، وجمعية التعاون الفلسطينية. وهو من أسس مجلس أمناء أصدقاء المكتبة الخالدية في القدس، التي أنشأها جده في حي باب السلسلة في البلدة القديمة، وتقدم لزوارها أكبر مجموعة خاصة من المخطوطات العربية في فلسطين.

ولحماية هذه المكتبة من المحاولات الإسرائيلية المستمرة للقضاء عليها، أسس عام 1988 في أميركا ما سماه «جمعية أصدقاء مكتبة الخالدي»، وتولى رئاستها؛ فيما كانت وظيفتها الأساسية جمع التمويلات بشكل منتظم للمكتبة في القدس، للوقوف في وجه التهديدات التي تتعرض لها من السلطات الإسرائيلية. وهو كذلك من مؤسسي «مركز دراسات الوحدة العربية» في بيروت (1975)، و«مركز الدراسات المسيحية - الإسلامية» في جامعة جورجتاون.

بذلك يكون وليد الخالدي قد ترك إرثاً كبيراً يتجاوز الكتب إلى التخطيط لما بعد مماته. ولكن حتى مؤلفاته ليس هدفها آنياً. أبرزها كتابه «كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دُمّرت عام 1948» وثّق فيه قصص مئات القرى الفلسطينية التي دُمّرت خلال النكبة، مدعماً عمله بالخرائط والوثائق التاريخية والصور. فهو ممن يؤمنون بأن الكلمة يجب أن تقترن بالمرئي الذي هو عنده جزء من العمل لإيصال المعلومة وتثبيتها. لذلك أصبح هذا الكتاب مرجعاً أساسياً للباحثين والمهتمين بتاريخ فلسطين.

«النكبة وما تبعها» محور أبحاثه

فهو كتاب موسوعي، لا مثيل له، عن القرى الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل وأخليت من سكانها عام 1948. فقد وثق 418 قرية فلسطينية دمرت وعرضها مع الخرائط والصور والتفاصيل الديموغرافية. نوع من إعادة بناء نظرية للمكان، على أمل أن ينتفض حياً حين تسنح الفرصة.

المكتبة الخالدية في القدس أخذت الكثير من جهده

مؤلفات الخالدي تدور في أغلبها حول تلك المرحلة المفصلية عند النكبة «قبل الشتات: التاريخ المصوَّر للشعب الفلسطيني 1876 - 1948»، مدللاً على وجود مجتمع حضري متطور في فلسطين وليس مجرد بشر متناثرين لا هوية تربطهم، كما يدّعي الصهاينة. كذلك «الصراع العربي الإسرائيلي والانتداب الجديد: موازين القوى والأطراف الرئيسية»، وكتابه الذي خصصه لمجزرة «دير ياسين»، و«الصهيونية في مائة عام: من البكاء على الأطلال إلى الهيمنة على المشرق العربي 1897 - 1997»، و«خمسون عاماً على حرب 1948: أولى الحروب الصهيونية العربية»، و«فلسطين وصراعنا مع الصهيونية وإسرائيل» مجموعة مقالات ومحاضرات له، صدرت بالشراكة بين «مؤسسة الدراسات الفلسطينية، والنادي الثقافي العربي».

ووليد الخالدي الذي له صوت مسموع في الأكاديمية الأميركية لأنه كتب بالإنجليزية بالبلاغة والسلاسة نفسها التي كتب بها بالعربية متنقلاً بين الجامعات العربية والأميركية، لُقّب بـ«حافظ الذاكرة الفلسطينية». فقد كان يعرف عن ظهر قلب تاريخ وجغرافية القدس، وتقسيماتها، وتطور أحيائها السكنية، ومساحة كل حي، وقصته، وكيف انتزعت الصهيونية كل جزء منه، بل هو كان حريصاً على أن يوثق هذه المعلومات التي يتوصل إليها، شاملاً كل فلسطين.

دبلوماسي حين يلزم

لم يكن الخالدي بعيداً عن السياسة، فهو مؤرخ واعٍ لدوره، وكثيراً ما يشبه بدور إدوار سعيد، بل البعض اعتبر دوريهما مكملين في الجامعات الأميركية والدوائر البحثية هناك.

كان من أوائل من دعوا إلى حل الدولتين، في مقالته التي نشرت عام 1978 في مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، بعنوان «التفكير فيما لا يمكن التفكير فيه: دولة فلسطينية ذات سيادة». مقالة أطلقت شرارة أولى لمناقشات حول فكرة تشكيل دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي كتب عديدة، بينها «القدس مفتاح السلام» اعتبر أن هذه المدينة الإشكالية هي المكان الذي منه تبدأ الحلول، ودون تسوية تاريخية للمشكلة الفلسطينية ستبقى المنطقة مشتعلة.

لذا وجدناه مشاركاً في الوفد الأردني - الفلسطيني المشترك إلى مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، رغم أنه لم يكن عضواً منخرطاً، في منظمة التحرير الفلسطينية.

حرص على استقلاله الأكاديمي والفكري، لكنه لم يتردد في لعب أي دور دبلوماسي يخدم المصالح العربية والفلسطينية، رافضاً أن ينخرط الفلسطينيون في الصراعات الداخلية للدول العربية، خاصة حين أصبحوا طرفاً في الحرب الأهلية اللبنانية.

كتب للأجيال المقبلة

وإضافة إلى إيمانه بدور المؤسسات في البحث والتقصي، وتوثيق المعلومة للأجيال المقبلة، التي لا بد من حفظها لتوظيفها لاحقاً، في استعادة الحق في الأرض والوطن والهوية، آمن وليد الخالدي بدور القادة في صناعة التاريخ، وقيمة الإنسان في توجيه دفة الأحداث. فخصص بعضاً من كتاباته لشخصيات اعتبرها مفاتيح مثل كتابه عن «محمد عزة دروزة» وهي سيرة ذاتية مقتطفة من مذكراته، حررها وقدم لها الخالدي وصدرت في جزأين. كذلك كتاباته عن العالم والشاعر السوري عبد الغني النابلسي الذي عُرف بدعوته للتسامح مع اليهود والمسيحيين. وقام وليد الخالدي بتحقيق ونشر مخطوطة جده روحي الخالدي عن الصهيونية عام 2021، بعد أن احتفظ بها طويلاً. وهي تُعد أول دراسة عربية وضعت عن الموضوع. كما قام الخالدي بتحقيق ونشر مذكرات رشيد الحاج «الدفاع عن حيفا وقضية فلسطين: مذكرات رشيد الحاج»، لما له من دور مقاوم خلال النكبة.

وبوصفه جزءاً من مشروع «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» أشرف الخالدي على ترجمة مذكرات بن غوريون وموشيه شاريت من العبرية إلى العربية.


لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف

لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
TT

لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف

لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها

هذا يوم حزين لبغداد، المدينة التي تعذَّبت كثيراً، وعذَّبت أهلها ونساءها بطموحها وفرادتها، لكنها اليوم أشدُّ حزناً من سواه؛ فقد فقدت مؤرختها المتفردة الكاتبة لطفية الدليمي «1939 - 2026»، ومما يزيد من فجيعة المدينة المنكوبة أن رحيل الكاتبة قد حصل في يوم «المؤنث العالمي» للمرأة، والمدن، والبلدان كلها، فكل ما هو «مؤنث» هو أم، وأصل ثابت للحياة والحكايات كلها. وهذه مصادفة تليق بالكاتبة الراحلة؛ فلطفية الدليمي ترحل «خالدة» في يوم يحتفل فيه العالم كله بالمرأة وكفاحها وحكاياتها المختلفة حقاً.

للكاتبة ميسلون هادي صديقتها، ورفيقة عمرها، كل الحق في أن تصف هذا اليوم بالحزين في الثقافة العراقية؛ فقد أسهمت الكاتبة الراحلة في رسم مسارات هذه الثقافة؛ إذ «أسست كل طيَّة من فضاءاتها بمادة معرفية عميقة، وخبرات حياتية متراكمة». وقد كان لها هذا المجال بما عاشت من حياة طويلة منحتها «معلومات تاريخية موثوقة»، ولغة «ثرية حسية متحركة أقل ما يقال عنها إنها ساحرة نابضة بالحياة والعاطفة، فوَّاحة بالعطور، منغَّمة بموسيقى مشهدية رفيعة المستوى». ولا عجب أن نجد شاعراً أو كاتباً من جيل آخر، ممن ولد بعد عقود من ترسُّخ اسم لطفية الدليمي بصفتها الكاتبة المؤسِّسة، يكرر معنى كلام الكاتبة ميسلون هادي، فصاحبة «عشاق وفونوغراف وأزمنة» تمثِّل لدى الشاعر عمر السراي اللسان الناطق «باسم هموم المجتمع من ستينيات القرن العشرين بأدبها الرصين وتجربتها العميقة التي حاكت ما مر به أبناء شعبها».

غلاف "عشاق وفوتوغراف وأزمنة"

«المرأة الكاتبة» في سياق ثقافة ذكورية

وبرغم أن الكاتبة الراحلة كانت ترفض باستمرار، كما تقول الناقدة إشراق سامي، وصف أعمالها الأساسية بصفة النسوية فإنها تظل المرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكورية للمنتجين في حقول الإبداع والأدب». وهذه مفارقة تستحق التأمل كما يرى الشاعر عارف الساعدي، مدير دار الشؤون الثقافية العامة، حيث عملت هناك صحافية ومحررة، ثم مديرة تحرير لمجلة «الثقافة الأجنبية»؛ فالثقافة التي كانت تطردها للهامش كانت هي ذاتها من أعلت من شأنها، بعد أن أثبتت حضورها المتفرد على مستويات إبداعية مختلفة؛ فهي كاتبة قصة، ورواية، وهي مترجمة، وناقدة أدبية، وكاتبة مقالة صحافية من طراز متفرد. كانت حقاً، والكلام للساعدي «رقماً صعباً في مضمار الأدب، وأحسب أنها استطاعت أن تخط لها مساراً عجز عن خطه مبدعون كبار».

ومما له صلة عميقة بأصول رفضها لإدراج نصوصها في خانة «الأدب النسوي»، تعلُّق نصوصها الأساسية بما يسميه الناقد عقيل عبد الحسين في شهادته بـ«الإليغوريا الوطنية في الرواية العربية» المعبرة عن «تطلع الكتّاب إلى دولة وطنية تحكمها قيم الحرية والعدل»، فلما انتهت تلك الإليغوريا الوطنية إلى سياقات «متعالية وإقصائية ومدمرة للإنسان والبيئة»، نجد أن الكاتبة لطفية الدليمي، تحديداً في روايتها الأخيرة «مشروع أوما»، تسعى، كما يضيف عبد الحسين، إلى «استبدال بالإليغوريا العالمية الإليغوريا الوطنية، تلك التي توحِّد العالم ومشكلاته السياسية والثقافية في نمط كتابي لا ينشغل بالتمايزات في الهوية وفي الانتماءات الآيديولوجية والدينية وغيرها، ويخلص للإنسان، ولما ترى فيه مبدأه ومنتهاه، وهو الأرض، الأم، أو البيئة الحاضنة لوجوده ولإمكاناته في العيش والإحساس، ويحرره من نير التصنيفات التقليدية: مذكر/ مؤنث، أنا/ آخر، عراقي/ عربي، عربي/ أجنبي». ولا بد أن التحوُّلات الكبرى لبلادها، العراق، كانت وراء هذا النزوع الإنساني الشامل في منطقها وأدبها.

ذاكرة أخرى للأدب والحياة

وللكاتبة الراحلة فضل كبير على الأدب في العراق؛ فقد تمكَّن سردها، كما يرى الناقد علي سعدون، رئيس تحرير مجلة الأقلام، من التحوُّل إلى «ذاكرة» حكائية شاملة، أو تكاد؛ فقصصها القصيرة ورواياتها صارت بمثابة «ذاكرة حية للحياة العراقية والعربية حيث سجَّلت من خلال قصصها القصيرة ورواياتها ومخيلتها الخصبة أهم العتبات التاريخية والسياسية والثقافية وتحولاتها الحادة عراقياً وعربياً. إنها نموذج للمبدعة العصامية التي واكبت الأحداث فكتبت عنها بحراجة الراهن وأهميته». وقد يكون علينا، في سياق الكتابة عن الذاكرة الإبداعية كما تقدِّمها روايات وقصص، وحتى مقالات وترجمات الكاتبة الراحلة، أن نلاحقها على المستوى الشخصي للكاتبة، لا سيّما أن ذلك التاريخ الشخصي، كما يجادل الناقد علي حسين الفواز، شاهد «على تحولات زمن عراقي عاصف، اختلطت فيه الرومانسية بالآيديولوجيا، الرواية بالذاكرة، والسياسة بالحلم، إذ كانت فيه لطفية الدليمي الساردة والمترجمة وصاحبة المشروع النقدي، وصانعة الشخصيات الاستثنائية، في تمردها وفي وعيها، وفي بحثها عن الحرية والمعنى».

غلاف «إذا كنت تحب»

وقد لا يبتعد كثيراً الحديث عن الذاكرة الخصبة للكاتبة الراحلة على صعيدي النصوص الأدبية أو الحياة الشخصية، ما يمكن أن نلمسه من تأثير كبير مارسته الكاتبة على أجيال أدبية مختلفة. مثل هذا التأثير المختلف، المؤسِّس غالباً، لمنطق الفرادة في سياق تيار الستينيات العراقي ذي العوالم العجائبية نجده، ابتداءً، في نصوص الكاتبة الأولى؛ فهي الكاتبة الستينية التي «تغامر» و«تصدر» مجموعتها القصصية الثانية «إذا كنت تحب»، وهو عنوان «رومانسي»، كما يقول الكاتب عبد الستار البيضاني، وقد حملت القصص غلافاً مفارقاً لما كان سائداً في كتب تلك الحقبة، فقد اختارت الكاتبة «لمجموعتها صورة فوتوغرافية لحقل تداعب الريح زرعه بغنج. وكان هذا خير معبر عن مضامين مجموعتها، حيث دفء اللغة وعذوبة القص». سوى أن الإحساس بالألفة لم يكن حصة البيضاني نفسه، إنما هو ما شاركه فيه زملاؤه من الجيل الثمانيني؛ فقد تحوَّل مكتبها في مجلة «الطليعة الأدبية» إلى ملتقى لأبناء ذلك الجيل، فـ«وجدتهم يتحلقون حول مكتبها في المجلة، وصارت غرفتها هي مكان موعد لقاءاتنا». فهي الأم الرؤوم كما تظهر لدى الكاتب الروائي لؤي حمزة عباس، وهو من جيل أدبي لاحق، أو هي الأم الكونية مثلما يحلو لها أن تسمِّي نفسها. فهي المبدعة و«راعية أحلامنا، السيدة التي رسمت روحها بين سطور كتاباتها، افتح أيَّ كتاب من كتبها: في الرواية، والقصة القصيرة، والمسرح، والرحلة، والبحث، وأعمالها العديدة في الترجمة، ومؤلفها الجميل عن النبات، تجدها حاضرة، حيَّة بابتسامة الأم الرؤوم ونظرتها الحانية».

وفيما كتبته الناقدة والأكاديمية الأردنية الدكتورة مريم جبر فرحات تعليقاً على رحيل الكاتبة المحزن مصداق للتأثير الكبير الذي مارسته الكاتبة الراحلة ليس على أبناء وطنها، ولا على مدينتها بغداد فحسب، إنما تلمسه الناقدة الأردنية على مدينة عمان التي اتخذتها الكاتبة وطناً بديلاً بعد أن ضاقت بها السبل؛ فصارت بلادها ومدينتها بعيدة عنها؛ فـ«عمان حزينة بفقد قامة إبداعية عظيمة ومؤثرة».

وعندي، أنا المولود بعد عقود من القصة الأولى، والكتاب الأول للكاتبة لطفية الدليمي، فإن الأثر الباقي للكاتبة يظل ذا سياق متَّصل وآخذ بالاتساع والدوام، وهو شأن النصوص الأصيلة المعبِّرة عن عصرها وثقافتها وبلادها وحياتها. وإذ أكتب اليوم عن الكاتبة لطفية الدليمي فإني أستعيد عشرات، وربما مئات المحادثات مما جمعني مع الكاتبة الراحلة على «الماسنجر» وغيره. وكان لي أن أكتب مقالة أولى، كما أفترض، عن روايتها الأخيرة «مشروع أومَّا»، وقد نشرته «الشرق الأوسط» الغراء. لكني أستعيد، هنا، رغبتي الجامحة في ثمانينيات القرن الماضي بنشر نصوصي في المجلة الأدبية التي كانت تحرِّر فيها لطفية الدليمي القصص وما يتصل بها. نعم، أستعيد تلك الرغبة، ذلك الشغف الجارف بأن تظهر نصوصي من تحت يدي الكاتبة الكريمتين، ولكن... هيهات؛ فقد ظل حلماً جميلاً.

 برغم أن الكاتبة الراحلة كانت ترفض باستمرار وصف أعمالها الأساسية بصفة النسوية فإنها تظل المرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكورية»


أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه
TT

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات، التي شرّحت تصدعات المجتمع البرتغالي، عملاقاً أدبياً في مسقط رأسه وخارجه.

على مدار أكثر من 30 رواية ومجموعة من الكتابات الأخرى، رصد أنتونيس ببراعة خروج البرتغال المتعثر من حقبة الديكتاتورية الخانقة للدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، التي امتدت من عام 1932 إلى 1968، وما تلاها من حروب استعمارية فاشلة في أفريقيا.

غلاف «ذاكرة الفيل»

وسمح له نهجه التجريبي الجريء في صياغة الشكل الروائي بتجاوز هويته ككاتب «صعب المراس» قادم من دولة أوروبية ثانوية غالباً ما يتم التغافل عنها. وكان اسمه حاضراً بقوة في القوائم القصيرة للعديد من النقاد المرشحين لنيل جائزة «نوبل للآداب»، بل رأى البعض أنه كان يستحقها أكثر من مواطنه البرتغالي خوسيه ساراماغو، الذي فاز بها عام 1998، فيما ذكر أصدقاؤه أنه كان يشعر بشيء من المرارة لعدم نيله الجائزة.

وقد حققت روايته «ذاكرة الفيل» الصادرة عام 1979 شهرة واسعة بين عشية وضحاها، وهي رواية تمحورت حول تجاربه كطبيب عسكري في حرب بلاده في أنغولا. أما روايته الصادرة عام 1983 بعنوان «فادو ألكساندرينو»، فقد سردت الاعترافات المؤلمة لأربعة من المحاربين القدامى في حروب البرتغال الاستعمارية، وهي ذات نسيج سردي متماسك بفضل الحيوية المتوقدة لصورها البلاغية الآسرة.

غلاف «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء»

واستخدم أنتونيس تقنيات مماثلة في روايات كبرى أخرى، مثل «دليل المحققين» الصادرة عام 1996، التي ركزت على سيرة وزير وحشي سابق في عهد ديكتاتورية سالازار؛ أما روايته الصادرة عام 2001 بعنوان «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟»، فقد صورت الرحلات الذهنية المضطربة لابن إحدى الشخصيات الاستعراضية في لشبونة.

بيد أن بعض النقاد لم يقتنعوا تماماً بأساليب أنتونيس، فقد كتب دوايت غارنر في صحيفة «نيويورك تايمز» أنه على الرغم من أن أسلوب «تيار الوعي» لدى المؤلف قد يكون «رائعاً» في بعض الأحيان، فإن رواية «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟» كانت تجربة مضنية للغاية، وأضاف: «أفضل خلع أظفر إصبع قدمي بكماشة صدئة على أن أسير عبر صفحاتها الـ585 المرهقة مرة أخرى». كما كتب ناقد آخر في الصحيفة، وهو ريتشارد إيدر، أن لجنة «نوبل» اتخذت القرار الصحيح باختيار السيد ساراماغو وتفضيله على أنتونيس.

غلاف «دليل المحققين»

ومن وجهة نظر أنتونيس، فإن غياب الحبكة الواضحة هو الأقرب للطريقة التي «يعيش» بها الناس حياتهم فعلياً في الواقع. إذ قال لماريا لويزا بلانكو، التي نشرت كتاباً من الحوارات معه عام 2001: «لا أريد من الناس أن (يقرأوا) رواياتي قراءة عابرة فحسب، وإنما أريدهم أن يعايشوها ويتفاعلوا معها، وأن (يُصابوا بها) كما يُصاب المرء بالمرض».

ينتمي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي ولد في لشبونة في الأول من سبتمبر (أيلول) لعام 1942، إلى الفئة البرجوازية العليا في لشبونة، لكن يصف طفولته بأنها كانت «محمية للغاية، وشبه قبلية». والده هو جواو ألفريدو دي فيغيريدو لوبو أنتونيس، طبيب أعصاب وأستاذ جامعي، ووالدته هي ماريا مارغاريدا ماتشادو دي ألميدا ليما. كان أنطونيو الأكبر بين ستة أشقاء، برز عدد منهم كأطباء مرموقين، بينما شغل شقيقه الأصغر «مانويل» منصب سفير البرتغال لدى المملكة المتحدة.

كانت تنشئة أنتونيس تتسم بشيء من المحافظة والتكلف في أوساط النخبة البرجوازية العليا، وكانت مدينته لشبونة، المتلاشية والكئيبة المطلة على البحر، التي قضى فيها حياته كلها، تظهر غالباً كخلفية مهيمنة في أعماله. فقد كتب في رواية «فادو ألكساندرينو»: «في الخارج، في الشارع، كانت أمطار مارس (آذار) المنسابة من الليلة السابقة تترنح منسالة على الواجهات المتهالكة مثل مكياج امرأة عجوز باكية».

وعلى الرغم من ثقافة والديه الواسعة، فإنهما حافظا على مسافة عاطفية من أبنائهما الستة، فقد وصف علاقته بوالدته في مقابلة مع صحيفة «لوموند» عام 2005 بأنها كانت «علاقة رسمية للغاية». كما كان أنطونيو الشاب يخضع لاختبارات أسبوعية حول القراءات المفضلة لوالده. وفي تلك الأثناء، كانت الديكتاتورية السلطوية تخنق المجتمع البرتغالي، علماً بأن والد أنتونيس كان أحد أطباء سالازار الشخصيين، وتقمع أي معارضة تجاه الحروب الاستعمارية البرتغالية.

يقول أنتونيس لمجلة «باريس ريفيو» في عام 2011 (كانون الثاني): «في نشأتي، كان من الطبيعي ألا تملك جواز سفر، وألا تتحدث في السياسة، وألا تستخدم حتى كلمة ديمقراطية. وأتذكر أنني سألت والدي ذات مرة وأنا صبي: ما هي الديمقراطية؟ فأجابني: اصمت وكُل».

ومع تقدمه في العمر، توترت علاقته بوالده، فعندما نشر أنتونيس روايته الأولى، قال له والده: «يمكن للمرء أن يدرك أن هذا عمل مبتدئ». وذكر المؤلف لصحيفة «لوموند»: «بعد ذلك، لم نتحدث عن أعمالي الأدبية مرة أخرى، رغم أنه أخبر أحد إخوتي بعد سنوات طويلة بأنه معجب بي».

وصف أنتونيس الحرب في أنغولا بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يصفّون بلامبالاة المتمردين الأسرى ويغتصبون الأفارقة

بدأ أنتونيس دراسته للطب في جامعة لشبونة عام 1959، وتخرج طبيباً قبل أن يبدأ خدمته العسكرية عام 1970. وفي العام نفسه، تزوج من ماريا خوسيه زافيير دا فونسيكا إي كوستا، وأنجب منها ابنتين: «ماريا» و«جوانا». ثم تزوج لاحقاً من ماريا جواو إسبيريتو سانتو بوستورف سيلفا، وأنجب منها ابنته الثالثة «ماريا إيزابيل». وبعد طلاقه الثاني، تزوج للمرة الثالثة في عام 2010 من كريستينا فيريرا دي ألميدا.

وفي عام 1973، عاد من أنغولا ليمارس الطب النفسي في مستشفى «ميغيل بومباردا» في لشبونة، وكان يكتب رواياته ليلاً. ومنذ البداية، كانت تجربة الحرب في أنغولا، والندوب التي خلفتها في نفسه، هي الدافع المحوري لأغلب أعماله.

كان يصف الحرب في رواياته بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يشهرون مسدساتهم بلا مبالاة لتصفية المتمردين الأسرى، ويغتصبون الأفارقة تحت تهديد السلاح، في مأساة لم تترك وراءها سوى اليأس. أما أطفال الحرب في قصصه، فقد كانوا مشوهين بالقصور العقلي، وعاجزين عن التأقلم مع ما يُفترض أنه حياة عادية بعد عودتهم إلى البرتغال.

يستذكر في حواره مع مجلة «باريس ريفيو» تجربته في أنغولا قائلاً: «كل ما أردته هو العودة حياً. أتذكر أننا كنا نحتفظ بتقاويم ونشطب على كل يوم نبقى فيه على قيد الحياة! لقد تحدثتُ مع أشخاص شاركوا في حرب فيتنام وحرب الجزائر، وفهمتهم تماماً».

وتناولت كتبه الثلاثة الأولى معاناة قدامى المحاربين الذين تطاردهم الأشباح، وظلت الحرب وسمة بادية للغاية ولازمة في كل رواياته اللاحقة. وكان من بين آخر أعماله المنشورة رواية «حتى تصبح الحجارة أخف من الماء» (2016)، التي استكشفت بأسلوب نثري تجريبي الهزات الارتدادية الناجمة عن حرب أنغولا.

وبوصفه كاتباً مارس الطب النفسي، أراد أن تعكس كتاباته تقلبات العقل البشري، إذ أوضح للناقدة رافائيل ريرول في صحيفة «لوموند» عام 2005، أن ما كان يحاول فعله هو «وضع نفسي في حالة قريبة من الحلم، حتى تخُفف من قسوة الرقابة الداخلية المعتملة في ذهني».

وأوضح أن تلك «الرقابة» هي التي «تحول بيننا وبين التفكير بطريقة غير ديكارتية»، مُبيّنا إيمانه بعدم خطية الإدراك البشري. وكتب الكاتب الفرنسي هادي قدور في صحيفة «لوموند» أن التخلص من هذه القيود سمح لأنتونيس بـ«إدراك العالم على حاله، قبل أن ننسقه وفق فئاتنا الاجتماعية كي ندركه»، مقارناً إياه بمارسيل بروست وفيرجينيا وولف.

وفي معرض تلخيصه لمفهومه عن الرواية، قال أنتونيس بأنها: «هذيان مُنظم».

* خدمة «نيويورك تايمز»