خالدة سعيد وأدونيس: الصداقة تاج الحب... والإبداع يمنعه من التحلل

ستة عقود ونصف من الزواج والتكامل الإنساني والانقطاع «التنسكي»

خالدة سعيد وأدونيس (صورة أرشيفية)
خالدة سعيد وأدونيس (صورة أرشيفية)
TT

خالدة سعيد وأدونيس: الصداقة تاج الحب... والإبداع يمنعه من التحلل

خالدة سعيد وأدونيس (صورة أرشيفية)
خالدة سعيد وأدونيس (صورة أرشيفية)

ترددت كثيراً في الكتابة عن العلاقة العاطفية الاستثنائية التي جمعت بين أدونيس وخالدة سعيد، والتي ظللتها خيمة الزواج منذ ستة عقود ونصف العقد، وليس ذلك لأنني لم أعثر في هذه العلاقة على ما يستحق الكتابة، وهي واحدة من أوثق العلاقات التي جمعت بين شاعر مبدع وناقدة متميزة في العالم العربي، بل لأن الكتابة عن الشؤون الشخصية للمبدعين الأحياء لا بد أن توقع الكاتب في الكثير من المزالق والمطبات. وفي طليعتها يأتي الاتهام بالتطفل أو المحاباة أو الافتئات على الحقيقة تبعاً لطبيعة العلاقة الشخصية التي تربط بين طرفي الكتابة. أدرك تماما أن مثل هذه المحاذير تظل قائمة حتى بالنسبة للمبدعين الراحلين، حيث يُنظر إلى الأمر في العالم العربي بوصفه مجافاة للأخلاق وقواعد السلوك وانتهاكاً سافراً لحرمة الموتى. ولعل هذه النظرة القاصرة هي التي ألحقت أفدح الضرر بأدب المذكرات والاعترافات وبفن السيرة العربي، حيث يتم حجب الحقائق وتمويه الحيوات أو تزويرها، فيما تأخذ الأمور في الغرب منحى مغايراً تماماً. فالشخصيات العامة والكتاب والفنانون لا يتوانون باعتبارهم بشراً غير منزهين عن الاعتراف بعيوبهم ونزواتهم.
مع ذلك أعترف وأنا أتصدى لهذه المقاربة الشائكة، بأن ما سهل مهمتي إلى حد بعيد، هو الطبيعة المركبة للعلاقة التي جمعت بين خالدة وأدونيس، حيث كان التكامل واضحاً بين الشأنين العاطفي والأدبي، وحيث بدا الافتتان بحضور الآخر، وجهاً من وجوه الافتتان بمنجزه التعبيري. فمنذ اللحظة الأولى للقاء المصادفة الذي جمع في منزل المذيعة المعروفة عبلة خوري بين الشاعر الفتي الذي شاء أن يتكنى باسم أدونيس تيمناً بالإله الفينيقي المترنح بين الموت والانبعاث، والقادم من الساحل السوري ليلتحق بجامعة دمشق، وبين خالدة صالح التي تصغره بعامين اثنين، والملتحقة بدار المعلمين مسلحة بقدر غير قليل من الذكاء والجمال. تكفلت الكيمياء المتبادلة بين الطرفين بدفع العلاقة بعيداً إلى الأمام، فيما تكفل الانسجام الأدبي والإبداعي والعقائدي أيضاً بما تبقى من المسافة.
كانت العاصمة السورية ترزح آنذاك تحت وطأة الأحداث السياسية الساخنة والانقلابات العسكرية المتلاحقة، فلم تستطع أن توفر للثنائي العاشق الطافح بالحيوية ما يلزمه عناصر الاستقرار والحرية ومستلزمات الطموح الإبداعي. الأمر الذي أجبرهما على الفرار إلى بيروت بحثاً عن فرصة ملائمة لتحويل أحلامهما المشتركة إلى حقيقة ملموسة. ولم يطل الأمر كثيراً حتى كان الشاعر اللبناني يوسف الخال العائد حديثاً من الولايات المتحدة الأميركية يدشن عبر مجلة «شعر» عصر الحداثة الثانية للشعر العربي، بعد سنوات قليلة من ظهور مجلة «الآداب»، مستعيناً بكوكبة من الشعراء والمثقفين المتطلعين بحكم انتماء معظمهم للحزب السوري القومي إلى ثقافة وفكر «قياميين» يحاكيان أسطورة تموز الناهض من موته بعد سبات شتوي طويل.
لم يكن من المستغرب أن يجد صاحب «البئر المهجورة» في أدونيس ظهيراً لمشروعه الثقافي ومنظراً له، وهو الذي كشف منذ يفاعته عن نزوع واضح إلى المغايرة والتمرد. شكلت الإسهامات النقدية التي ظهرت في الأعداد الأولى للمجلة موقعة باسم خزامى صبري، وتناولت أكثر من شاعر مجدد وفي طليعتهم أدونيس نفسه، مفاجأة حقيقية للكثير من المتابعين، بما حملته من عناصر التميز والحساسية العالية والعمق المعرفي. وسرعان ما تكشف لهؤلاء أن المرأة التي تناولت بالنقد مغامرة أدونيس المبكرة في «قصائد أولى» و«البعث والرماد». لم تكن سوى خالدة سعيد بالذات التي دفعها خجلها الفطري وتحرجها من الكتابة عن زوجها الشاعر إلى التنكر باسم مستعار، قبل أن تعاود التوقيع باسمها الصريح، بدءاً من مقالتها «الأسطورة في الشعر المعاصر» ثم «الشعر في معركة الوجود» و«بوادر الرفض في الشعر العربي الحديث». لم تقتصر على تجربة أدونيس وحده، بل تناولت تجارب مماثلة لفدوى طوقان ويوسف الخال ومحمد الماغوط وسلمى الجيوسي، وتضمنتها لاحقاً باكورتها النقدية «البحث عن الجذور». ولم يقتصر دور خالدة النقدي على المقالات المنشورة في المجلة، بل كان لها إسهامها الحيوي في الندوات الفكرية الحوارية التي أعطيت اسم «خميس شعر»، تبعاً لموعد انعقادها الدوري آنذاك.
والواقع أن أعمال خالدة النقدية تعدت الشعر نفسه، لتطال عبر كتبها «أفق المعنى» و«فيض المعنى» و«يوتوبيا المدينة المثقفة» و«في البدء كان المثنى»، المسرح والأغنية والموسيقى وفنون السرد والتشكيل، بما دفع الكثير من المشتغلين بالأدب والفن إلى اعتبارها إحدى أبرز أيقونات الحداثة والنقد العربيين. على أن اهتمامها بالكثير من التجارب الشعرية الطليعية لا يمكن أن يحجب عن الأنظار إعجابها المفرط بالتجربة الأدونيسية، ورؤيتها هذه التجربة بوصفها حجر الزاوية الأهم في مشروع التحديث العربي. وهو ما بدا جلياً في كتابها «حركية الإبداع» الذي تضمن مقاربتها المميزة لقصيدة أدونيس الشهيرة «هذا هو اسمي»، وكتابها «جرح المعنى» المتمحور حول قصيدة أدونيس النثرية «مفرد بصيغة الجمع».
لكن كل ما تقدم ذكره حول التكامل الفكري والإبداعي بين خالدة وأدونيس لا يغلق الباب بالضرورة على الأسئلة المتصلة بطبيعة العلاقة الشخصية بين الطرفين، ومدى الانسجام القائم بين الوعي النظري وبين الممارسة الفعلية على أرض الواقع المعيش، خصوصاً أن هذه الإشكالية الشائكة هي المجال الحيوي الأهم لهذه السلسلة من المقالات. وإذا كانت موجبات الأمانة الأخلاقية تقتضي الإشارة إلى تكتم الثنائي الزوجي حول كل ما يتصل بخصوصية العلاقة التي تجمعهما، وإبقائها بعيدة عن ألسن الفضوليين والمصطادين في المياه العكرة، فإن المتابع لآراء الطرفين المعلنة لا بد أن يكتشف التباين الواضح في موقفهما من تبعات المؤسسة الزوجية والمفاهيم المتعلقة بالحرية والجسد وتعدد العلاقات. والواضح في هذا السياق أن أدونيس يذهب في اعتناقه لمبدأ الحرية أكثر بكثير مما هو الحال مع خالدة التي تظهر المسافة واضحة بين اعتناقها النظري للحرية وبين التزامها الطوعي بموجبات التحفظ الأخلاقي والرصانة السلوكية، معتبرة أن هذا الالتزام بحد ذاته هو وجه من وجوه الحرية الشخصية وليس نفياً لها.
والحقيقة أن من يتابع كتابات أدونيس وحواراته المتنوعة لا بد أن يلاحظ حرص الشاعر على ألا يحول تهذيبه الفطري وتردده في الإفصاح عن مكنونات قلبه، دون حقه في التعبير عن قناعاته وآرائه في شؤون الحب والزواج والجنس وما إلى ذلك. وهو إذ يعلن في حواره المطول مع صقر أبو فخر، بأنه لم يكن الطرف المبادر في كل علاقاته مع النساء، بما فيها علاقته بخالدة، بل هن من كن يأخذن زمام المبادرة، يضيف تجنباً لسوء الفهم، بأن مرد هذا الأمر ليس الشعور بالصلف أو التشاوف، بل يعزوه إلى تأثره اللاواعي بالتقاليد المتخلفة التي تحكم المجتمع العربي، وإلى نشأته الفقيرة وظروفه الحياتية القاسية. وإذ يشير في بعض حواراته إلى أن شغفه بالنساء كان يأتي في الدرجة الثانية من سلم اهتماماته، أي بعد القراءة والكتابة، فهو لا يتوانى في حوارات أخرى عن إعلاء الجسد الإنساني بوصفه «قبة الروح»، كما يعبر القديس بالاماس، وعن الرؤية إلى العلاقة الجسدية مع المرأة بوصفها شكلاً من أشكال الشعر، وبحثاً رمزياً عن الينبوع الأصلي للتكوين.
وفي حواره الأكثر جرأة مع ابنته نينار يعبر أدونيس عن اعتقاده بعدم قدرة الرجل على أن يمضي حياته مع امرأة واحدة، لأن الجسد الإنساني «بحاجة إلى أجساد كثيرة»، وفق تعبيره الحرفي الذي ينم بشكل موارب عن تعدد مغامراته العاطفية. وهو لا يتحرج في الحوار نفسه من التصريح بأن مؤسسة الزواج باتت مؤسسة نافلة وينبغي إلغاؤها. وإذ يعترف لنينار بأنه لم يكن راغباً في إنجاب الأطفال، يستدرك منعاً لأي لبس بأن الأمر كان عائداً للضائقة المعيشية التي وقعت العائلة تحت وطأتها في سنوات الزواج الأولى، لا لأي سبب آخر. كما يكشف صاحب «المسرح والمرايا» عن شعوره بالندم، لأنه لم يقم بالدور الذي توجب أن يؤديه في رعاية ابنتيه، مشيراً من جهة أخرى إلى أن ذلك التخلي، على سلبيته قد منحهما الكثير من الحرية، وأتاح لشخصيتيهما أن تنضجا بعيداً عن سلطة الأب وتعاليمه وتوجيهاته.
أما من الزاوية المتعلقة بخالدة، فالأمور تتخذ وجهة مغايرة وأكثر جنوحاً إلى التحفظ، حيث لا إشارة إلا لما هو ناصع ومضيء ووردي في حياة الزوجين. ومع أن خالدة تلمح في غير مناسبة إلى ما أحاط بها طفلة من متاعب الحياة وشظف العيش، وهو ما استمرت مفاعيله بعد ارتباطها بأدونيس، إلا أنها لا تكف عن التأكيد بأن ما دفعته على امتداد حياتها من أكلاف لا يقارن أبداً بحصاد عمرها الوفير، أو بإقامتها الطويلة في كنف الرجل الاستثنائي الذي ارتبطت به. وهي في حوارها المطول مع محمد ناصر الدين، تعتبر تلك التجربة «أعظم نِعم الله عليها. ليس فقط بسبب لطف أدونيس ونبله. فإلى جانب ذلك يشعر من يعيش قربه أنه مطالب دائماً بأن يكون بالغ الذكاء، سريع الفهم، واسع الاطلاع، يستبق الأشياء ويتنبأ بمصدر النور». وفي رد مباشر على الذين يزعمون بأن احتضانها المبكر لتجربة أدونيس قد أسهم إلى حد بعيد في تظهير صورته وإعلاء مكانته الأدبية، تقول خالدة في حوار آخر «لم أعط أدونيس ما لم يملكه. فهو ليس مجرد شاعر كبير، بل لطالما كان في مساره الشعري رائياً وملهِماً وشجاعاً. لذلك أرفض القول إنني دفعت به إلى دائرة الضوء، بل أنا التي استضأت به»، ثم تضيف دون تحرج «أحب أدونيس أكثر من روحي، وهذا يكفي».
لم تكن خالدة سعيد أخيراً بعيدة عن منابع الإلهام الشعري الأدونيسي. وإذا كان أدونيس قد أهدى لخالدة عمله المميز «أغاني مهيار الدمشقي»، كتعبير عما يكنه لها من مشاعر الحب، فأغلب الظن أن لها بصمات واضحة في الكثير من قصائده وأعماله، وفي كتابه السير - ذاتي «مفرد بصيغة الجمع» على وجه الخصوص. أما في «تحولات العاشق»، فثم غير قرينة وإشارة تومئان إلى حضور خالدة الطيفي. والواقع أن أدونيس لم يكن يريد عبر هذه القصيدة الفريدة، أن يحتفي بثنائية المرأة/ الرجل فحسب، بل أراد التنويه في الوقت ذاته إلى أن كل علاقة حقيقية بين عاشقين، هي إعادة تأسيس رمزي لأسطورة الخلق. ولأنها كذلك فعليها أن تظل، ولو في كنف الزواج، محمية بلهب الشغف ومغلفة بالأسرار. ولهذا لا أجد ما أختتم به هذه المقالة أفضل من قول أدونيس في أحد مقاطع القصيدة:
« - كيف تزوجتني؟
- كنتُ أسير وحشياً ليس عندي ما أسكن إليه وأرتاح
فنمت نومة واستيقظتُ
وإذا على وسادتي امرأة
وتذكرتُ حواء والضلع الآدمي وعرفتُ أنكِ زوجتي
- وكيف تزوجتِني؟
- كان جسدي هبوباً إليكَ
يتلون بالأرض هبوباً إليكَ
يا فلَك الزمهرير».



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».