مقطع من رواية «مونداي مورنينغ» التي تؤرخ لمجلة لبنانية

تصدر مطلع العام وتحكي عن الفترة الانتقالية مع «اتفاق الطائف»

مقطع من رواية «مونداي مورنينغ» التي تؤرخ لمجلة لبنانية
TT

مقطع من رواية «مونداي مورنينغ» التي تؤرخ لمجلة لبنانية

مقطع من رواية «مونداي مورنينغ» التي تؤرخ لمجلة لبنانية

في روايته الجديدة التي تصدر عن «دار نلسن» مع بداية السنة المقبلة، بعنوان «مونداي مورنينغ»، يحاول زياد كاج سرد تجربته في مكاتب المجلة الناطقة باللغة الإنجليزية، التي تحمل الرواية اسمها، وكان يملكها نقيب المحررين آنذاك ملحم كرم، ثم توقفت عن الصدور. امتدت تجربة كاج في هذه المجلة من أواخر ثمانينات القرن الماضي حتى بداية التسعينات، أي في زمن الحرب، وتكوين السلطة بعد اتفاق الطائف. ومن خلال وجوده في أروقة المجلة رصد الكاتب بداية انهيار أساسيات المهنة، ومرارة الكثيرين من العاملين فيها، وهم يرون الأعمدة تتحطم، وبيروت منقسمة بين شرقية وغربية.
هي رواية يصفها ناشرها سليمان بختي بأنها «واقعية تؤرخ لمرحلة دقيقة من تاريخ البلد بأسلوب ساخر، جذاب، ولكنها ترثي لأحوال وآمال شخصيات قلقة، وحالمة بالجميل في مهنة جاحدة وبلد ممزق، وعلاقات مضطربة».
اللحظة الفاصلة في تجربة الكاتب مع «مونداي مورنينغ» كانت عندما قرر النقيب كرم بعد «اتفاق الطائف» وفتح المعابر، إغلاق مكتب الوردية القريب من المصرف المركزي والانتقال إلى الأشرفية، هناك يقول كاج: «اكتشفنا عالماً وناساً مختلفين. تلك النقلة جعلتني أقتنع أننا كشعوب وطوائف في هذا البلد الصغير لا نعرف بعضنا. وربما لا نريد».
مهنة الصحافة ليست المادة الوحيدة التي تتطرق إليها الرواية، فقد حاول كاج رسم شخصيات ومواقف وأحداث حصلت فعلاً، مستعيناً بذاكرة شخصيات عايشت تلك التجربة، ومستخدماً أسلوب الكوميديا السوداء، لإيمانه بالحاجة إلى الضحك الساخر. في الرواية الكثير من الواقعية والإيمان بالحياة والتنفيس عن الذات، وأسماء معروفة وقصص حدثت بالفعل، ما يجعلها أقرب إلى التوثيق منها إلى الخيال الروائي، وهو ما يستثير فضول القارئ، خاصة أن الكاتب أبقى على الأسماء الحقيقية، وهو يسرد أحداثه... هنا مقطع من هذه الرواية.
علّمتني الحقيقة أن أكرهها
بقي فريق «المونداي مورنينغ» يعمل في ذلك اليوم المشؤوم حتى منتصف الليل. نسوا خلافاتهم وتناقضاتهم تحت تأثير عامل الخوف على السلامة الشخصية هذه المرة. الشيخ ومعه نوال وربيع وعبد الكريم تحولوا إلى خلية نحل هدفها سحب الأعداد من الأسواق والاتصال بشركات الشحن للتأكد من عدم تحميل الأعداد وإرسالها إلى الخارج عبر المطار أو عبر البرّ لدولة مجاورة. استخدموا كل الوسائل المتاحة للتأكد من عدم توزيع العدد محلياً. لم يترك الشيخ، الأكثر خوفاً وقلقاً، سماعة الهاتف. بقيت في يده اليمنى وهو يعطي التوجيهات دون التأكد من وجود أحد في المكتب. من حسن حظه أن الخطوط الهاتفية كانت شغالة بسبب قلة الضغط عليها ليلاً. مالت أذنه للون الأحمر القاتم من كثر الشد عليها خلال اتصالاته المشحونة. كان صراخه مسموعاً في أرجاء المكتب وهو يتوسل معارفه. اتصل بضابط في مجلة «الأمن»، طالباً المساعدة العاجلة.
أخيراً، ظهر الترياق الحاسم على شكل بيان اعتذار وتوضيح بُث عبر محطة «تيلي ليبان». كانت الوحيدة التي سُمح لها بالبث في الفضاء اللبناني كوسيلة إعلامية رسمية تابعة للدولة بعد اتفاق الطائف. النقيب كان وراء ذلك الإنجاز الذي أتى مفعوله كسطل ماء بارد دُلق على رجل جلس طويلاً على شاطئ رملي حار.
تنفس الشيخ الصعداء.
«الحمد الله عالسلامة يا جماعة»، قال مودعاً. «كان يوم طويل».
«فعلاً، الحمد الله عالسلامة»، قالت نوال وهي تهمّ بالمغادرة بعد حضور سائقها الخاص ومناداته لها من الشارع تحت.
«تصبحوا على خير»، قال عبد الكريم الذي عرض على ربيع إيصاله إلى منزله في بربور على دراجته النارية لندرة سيارة الأجرة في وقت متأخر من ليل بيروت.
ذهب الجميع إلى منازلهم بعد ليلة طويلة مرهقة للأعصاب. قاد الشيخ سيارته بحذر وخوف على الطرقات غير المضاءة كالعادة. فالسائق في مدينة خارجة حديثاً من الحرب كان عليه الاتكال على أضواء سيارته. وكم من حوادث ليلية كانت تقع بين سيارتين تسلكان اتجاهاً معاكساً بسبب تعطّل الضوء الأمامي لإحداهما، فيعتقد السائق في السيارة المقابلة أنها دراجة نارية. دخّن كثيراً. كاد أن ينسى أضواء سيارته مضاءة عندما وصل إلى منزله.
فتح الباب بيد ترتجف بعد جهد لانتقاء المفتاح المطلوب من بين عشرات المفاتيح جمعتها حلقة دائرية صدئة. استحم وحاول النوم. تقلب مراراً على فراشه قبل أن يسقط في نوم مليء بالكوابيس.
«علمتني الحقيقية أن أكرهها فما استطعت»... كانت هذه الجملة - الشعار بقلم كرم ملحم كرم والد النقيب ومؤسس «دار ألف ليلة وليلة» تظهر مطبوعة في أعلى الصفحة الأولى من كل المطبوعات التي تصدرها الدار: «الحوادث»، «البيرق»، «Monday Morning» و«La Revue Du Liban”. كان هذا الشعار يستفزني. لم أفقه مغزاه! لماذا تعلم الحقيقة الإنسان أن يكررها ويفشل؟ وهل فعلاً يحب الإنسان الحقيقة ويتقبلها، خاصة في عالم الصحافة اللبنانية؟ وأين؟ وكيف؟ وهل يحتمل الإنسان عموماً معرفة الحقيقة الكاملة والمجردة؟
يُحكى أن النقيب المخضرم عانى من تجاوزات وتعديات الميليشيات في المنطقة الشرقية في بداية الحرب الأهلية مما اضطره إلى ترك المنطقة والإقامة مع عائلته في فندق «الكارلتون» في منطقة الروشة. في المرة الأولى تعرّض وموظفوه لمضايقات بعد أن نشر مقابلة له مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، مما وضعه في مواجهة مباشرة مع بشير الجميل، القائد العسكري لحزب الكتائب في أوائل السبعينات.
سمع الإهانات والسباب وجهاً لوجه، والسبب أن انفجاراً كان قد وقع في الأشرفية قبل فترة وتسبب بعدد من القتلى والجرحى (اتُهمت حركة فتح بأنها مسؤولة عن الانفجار). في المرة الثانية، هجمت مجموعة من «نمور الأحرار» واعتدت على صحافيي «البيرق» وموظفي المطبعة بسبب نشر أسماء قتلة السيدة ليندا جنبلاط، شقيقة الزعيم المعارض كمال جنبلاط، التي اغتيلت في شارع بدارو. أشهر قليلة وعاد النقيب كرم إلى مكتبه في الأشرفية، حيث زاره الرئيس كميل شمعون بعد اتصالات ومساعٍ جرت على أعلى المستويات السياسية والروحية المسيحية.
رغم عملي لفترة طويلة في مجلة تابعة له لم تكن قد تسنت لي فرصة اللقاء به بعد. كنت أسمع اسمه يتكرر في المكتب بنبرات عالية على لسان نوال والشيخ ومها. اسم «النقيب» كان له سحره الخاص وهيبة ممزوجة بمسحة من السخرية وعدم الرغبة بمقابلته. كان اسمه يتردد كوسيلة ضغط أو تهديد مبطن في أرجاء المكتب من وقت لآخر. أهل فوق عادة هم غير محبوبين من أهل تحت. وأنا كنت من أهل تحت.
أشاهده على التلفزيون خلال نشرات الأخبار المملة. بين مناسبة وأخرى، وبعد عودته من جولة خليجية، أراه واقفاً خلف الميكروفون في باحة القاعة الداخلية للقصر الجمهوري وخلفه وفد كبير من نقابة المحررين. يصرّح وهم يتبسمون أو يهزون رؤوسهم موافقين على كلامه الفصيح.
كلامه كان في العموميات؛ لا موقف حاد، لا أسماء محددة ولا شعارات ولا وضوح في التعبير. يتكلم بصوت «رمادي فاتح» فتشعر بأن البلد بألف خير. دائماً كان يقف قربه إلياس عون ونديم الهاشم. يقف النقيب مرتدياً بذلته الرسمية وربطة عنقه اللافتة وخصل شعره القليلة الممشطة والمتماسكة بفضل «جل» من جهة اليمين فوق أذنه إلى اليسار في محاولة بائسة لتغطية صلعته. كان يذكرني بمطرب القدود الحلبية صباح فخري. يصرح كالتالي: «قال الرئيس... قلت... سألت الرئيس... أجاب... تمنى الرئيس... تمنيت عليه...».
كان يلعب دور الوسيط ورجل علاقات سياسية عامة بين ما تبقى من الدولة المترهلة والمنهكة ودول الخليج، وصلة تواصل بين الأطراف الداخلية؛ حمّال رسائل من الخارج إلى الداخل وصاحب دور بين الأطراف الداخلية المتصارعة.
يُنقل عن رئيس الجمهورية الشهابي الهوى والانتماء، شارل حلو (1913 - 2001)، أنه خلال ترحيبه بوفد من كبار صحافيي البلد في القصر الجمهوري في بعبدا، خاطبهم بقوله: «أهلاً بكم في بلدكم الثاني لبنان!».
عاد مكتب الوردية إلى نشاطه السابق... وزّع الشيخ البقلاوة على الموظفين (قيل إن نوال دفعت ثمنها) وبدأ يحسّن معاملته مع فريقه بعد تخطي أزمة «غلاف الأسد - الهراوي». شعر أن من واجبه حفظ المعروف ورد الجميل، وهذا ما لاحظه الجميع وأثنوا عليه. هو الأكبر سناً في المكتب. نعرفه أكثر من النقيب. «يلي بتعرفو أحسن من يلي بتتعرف عليه».
صار يتدخل مصلحاً عندما تقع المشاكل بين الزملاء والزميلات تشبه مناوشات البلد لكن بطريقة كاريكاتيرية. إنها قطعة الجبنة اللعينة. يدخل الخصمان إلى مكتبه؛ يتحدث بلغة الأب الحنون والرجل المجرّب بلهجة تجعلك تصدق نواياه. أحياناً يستعين بنوال إذا كان الإشكال بين الجنس اللطيف. يحب أن يحافظ على مكانتها الخاصة في المكتب رغم التناقض الكبير في شخصيتهما: هي من عائلة بورغوازية متدينة متمسكة بقيم ومثاليات. وهو من عائلة متواضعة، كدح وتعب وسهر الليالي ولا يزال كي يؤمن عيشة معقولة لعائلته. يعرف المدينة الخطرة جيداً. «علكته الحياة وبصقته» كما يُقال. حافظ على بعض القيم والطيبة التي لازمته من قريته وتعلم الكثير في بيروت لكن بذور الوصولية واقتناص الفرص بقيت متخفية في ثنايا شخصيته.
أجواء مكتب الوردية والخبريات المتنقلة بين «الغربية» و«الشرقية» كانت توحي بأن أمراً ما يُحضر سيغير إدارة «المونداي مورنينغ» بالكامل. وبقي السؤال: هل سيكون إلى الأحسن؟ أم إلى الأسوأ؟.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي