عبد المقصود عبد الكريم: أحلم بكتابة سيرة ذاتية... ودوري في الترجمة امتداد للشعر

الشاعر المصري يرى أن جيله حرك المياه الراكدة وكسر نمطية «التفعيلة»

عبد المقصود عبد الكريم: أحلم بكتابة سيرة ذاتية... ودوري في الترجمة امتداد للشعر
TT

عبد المقصود عبد الكريم: أحلم بكتابة سيرة ذاتية... ودوري في الترجمة امتداد للشعر

عبد المقصود عبد الكريم: أحلم بكتابة سيرة ذاتية... ودوري في الترجمة امتداد للشعر

بين الطب النفسي والشعر والترجمة، يحفر الشاعر المصري عبد المقصود عبد الكريم ملامح تجربته الإبداعية والإنسانية بقوة ودأب. يصف نفسه بأنه شخص «يدمن العمل»، فحين تعز عليه القصيدة يهرع إلى الترجمة ملاذه الآمن لإشباع رغبته في الإنجاز والعطاء. يعتز بانتمائه لشعراء جيل السبعينات، ويرى أنه استطاع تحريك كثير من المياه الراكدة. أصدر عدداً من الدواوين الشعرية، من أبرزها «أزدحم بالممالك» 1980، و«يهبط الحلم بصاحبه» 1993، و«يوميات العبد على حافة بئر الأميرة» 2012. ومن ترجماته: «فانتازيا الغريزة» د. ه. لورانس، و«جاك لاكان وإغواء التحليل النفسي»، و«رسائل همنغواي - جزءان»... هنا حوار معه حول الشعر والترجمة وهموم الكتابة.

> هل صدور ديوانك الأخير «كما لم تكن قط» بمثابة إعلان لعودتك إلى الشعر الذي غبت عنه طويلاً، حيث لم يصدر لك عبر نحو أربعين عاماً سوى ستة دواوين؟
- أكرر بداية ما سبق أن أعلنته في أكثر من مناسبة؛ إنني أرى نفسي دائماً شاعراً يترجم ويمارس الطب النفسي، وبالتالي من الصعب الحديث عن انقطاعي عن الشعر، وبالتالي ليس صحيحاً أن ديوان «كما لم تكن قط» إعلان عودة إلى الشعر. هو ثالث ديوان في أقل من عشر سنوات، بعد «يوميات العبد على حافة بئر الأميرة»، هيئة الكتاب (2012)، و«نسخة زائفة»، المجلس الأعلى للثقافة (2015). ورغم أنني مقل نسبيّاً، مقارنة ببعض أبناء جيلي، فإن السنوات العشر الأخيرة شهدت نشاطاً ملحوظاً في علاقتي بكتابة الشعر. إضافة إلى الدواوين الثلاثة المذكورة، توجد ثلاثة دواوين في الفترة نفسها؛ وإذا استبعدت ديوان «نسخة زائفة»لأنه كتب قبل 2010، يكون العقد الأخير شاهداً على كتابة خمسة دواوين.
> يهيمن إحساس بالأسى ونكهة الرثاء للذات والعالم على قصائد الديوان، كما في قصيدة «سباق»، حيث «لا أحد يريد سباقاً مع شاعر عجوز»، ما سبب ذلك؟ وكيف ترى التقدم في العمر بالنسبة للمبدع؟
- كتبت معظم قصائد الديوان في 2015، السنة التي رحلت فيها أمي، ورحل فيها أبي، وبالتالي كان من الطبيعي أن تغلب عليه نبرة الرثاء، للأم والأب والعالم والذات. ونمضي سريعاً إلى السباق مع شاعر عجوز؛ وحده الزمن يوافق على السباق مع شاعر عجوز، بنتيجة محسومة سلفاً؛ وكما قلت، حتى في قصائدي، علاقتي بالزمن معقدة وملتبسة؛ الزمن مقياسه الوحيد الحالة المزاجية؛ حين ترتفع يمر خفيفاً وسريعاً ولطيفاً، وحين تنخفض يحدث العكس تماماً؛ الزمن، باختصار، مشكلة بالغة التعقيد علمياً وفلسفياً وشعرياً.
> برأيك؛ هل أصبح الشعر يتيماً على مائدة الثقافة العربية؟ وكيف ترى مقولة د. جابر عصفور بأن الرواية هي «ديوان العرب» حالياً؟
- لا أظن أن الأمر بهذه البساطة؛ يبدو لي بالغ التعقيد. الرواية نوع أدبي حديث نسبيّاً، وحديث جدّاً مقارنة بالشعر، الشعر الذي عرفه الإنسان منذ عرف اللغة، ولن أبالغ إذا قلت إنه ربما عرفه قبل ذلك؛ ربما غنَى الإنسان قبل أن يتعلم اللغة. لكن الشعر، مثله مثل كل نوع فني عريق، له فترات ازدهار وفترات ركود. والمشهد الحالي، ينبئنا بأن هناك تراجعاً كبيراً في توزيع دواوين الشعر؛ دور النشر لا تفضل نشره، ودور التوزيع والمكتبات لا تفضل توزيعه. الدواوين سلعة راكدة بالتأكيد. لكن ينبئنا ظهور أجيال جديدة تتمتع بالموهبة وتكتب شعراً جيداً، بأن الشعر مزدهر؛ وهذا أمر بالغ التعقيد: حين يقل الطلب على سلعة يتراجع الإنتاج بالضرورة، لكن يبدو لى أن الشعر استثناء من هذه القاعدة. أما أن تكون الرواية ديوان العرب، أو ديوان الأمم، فهذا أمر يبدو صحيحاً إلى حد كبير؛ الرواية، ربما في العالم، في ذروة شبابها، والأسباب كثيرة ومعقدة، وليس هنا مجالها.
> بصراحة شديدة، كيف ترى ظاهرة تحول بعض الشعراء إلى كتابة الرواية بحثاً عن الانتشار والتحقق والجوائز المغرية؟ ألم تفكر في الانضمام إليهم؟
- أتفق معك على أن هذا التحول يمثل ظاهرة؛ لكنني لا أتصور أن يكون سبب الظاهرة الانتشار والتحقق والجوائز فقط. إنها ضمن الأسباب. لنسلم أولاً بأن معظم المبدعين في مجال الكتابة يبدأون العلاقة بالشعر أولاً؛ ربما يتحول بعضهم إلى حقل آخر حتى قبل أن ينشر قصيدة واحدة؛ ويتحول آخرون في مراحل مختلفة. ثانياً: هناك روائيون كبار في العالم كتبوا الشعر؛ همنغواي له بعض القصائد؛ وبول أوستر له أكثر من عشرة دواوين إن لم تخني الذاكرة. ثالثاً: هناك الإحباط من ندرة جمهور الشعر التي قد تشعر البعض بالفشل أو عدم التحقق. رابعاً: لا أظن أن شاعراً موهوباً مبدعاً يمكن أن يتخلى عن الشعر تحت أي إغراء. خامساً: ربما يوظف البعض موهبته في الشعر في كتابة الرواية لينتج رواية لها طابعها الشعري الخاص. سادساً: فيما يخصني، لم أفكر يوماً في كتابة رواية؛ لكنني أحلم بكتابة سيرة ذاتية.
> لك دراسة مهمة ترصد فيها من منظور جديد ملامح «الشعر والحلم والنسيان»، ترى ما أبرز ما يربط بين هذه المفردات الثلاث؟
- أظنك تتحدثين عن الدراسة التي نشرت في مجلة «ألف» في أوائل تسعينات القرن الماضي. بإيجاز شديد، يمكن القول: إن الشعر ابن الحلم وابن النسيان؛ من دون الحلم والنسيان يفقد الشعر الكثير. الحلم يعني السعي إلى تحقيق شيء بعيد المنال؛ والنسيان يعني الابتكار والإبداع. والنسيان هنا بالمعنى الذي ورد على لسان «ابن منظور» بشأن «أبي نواس»؛ أن يحفظ وينسى؛ الحفظ والنسيان، وهو ما أفهمه هنا بذوبان ما حفظ في ذاكرة الشاعر ووجدانه وتحوله إلى نسيج جديد، يخص الشاعر وحده، ومنه يبدع قصيدته، وإلا جاءت مسخاً وتكراراً؛ وهما يفقدان أي إنتاج صفة الإبداع.
> إسهاماتك في الترجمة لم تستثنِ الشعر، ألم تخيفك مقولة إن مترجم القصيدة خائن بالضرورة لأنه لا يمكن أن ينجح في توصيل المعنى الأصلي بنسبة مائة بالمائة؟
- الخيانة في ترجمة الشعر خيانة مزدوجة، أعترف. لكنني أعترف أيضاً بأن النص الشعري المترجم نتاج مشترك، من إبداع الشاعر والمترجم. المترجم الذي يفضل في هذه الحالة أن يكون شاعراً، أو يتمتع على الأقل بحس شعري رفيع. كما لا يمكن فصل القصيدة عن الشاعر، لا يمكن فصلها عن المترجم. ترجمة سعدي يوسف لديوان «أوراق العشب» لولت ويتمان على سبيل المثال، تحمل سمات سعدي بقدر ما تحمل سمات ويتمان، إن لم تكن الهيمنة لسمات سعدي؛ وينطبق الأمر نفسه على ترجمة أدونيس لسان جون بيرس، وصلاح على الصبور لكفافي؛ وينطبق بالقدر نفسه عليَّ فيما ترجمته من شعر.
> ما سر ولعك بالترجمة في الآونة الأخيرة حتى إنها باتت أحد أبرز ملامحك تجربتك الثقافية؟
- بدأت تجربتي مع الترجمة في ثمانينات القرن الماضي بأشكال متفرقة لأعمال قصيرة. وأول كتاب ترجمته يرجع إلى 1989، أي منذ أكثر من ثلاثة عقود وهو كتاب د. هـ. لورانس، «فانتازيا الغريزة»، وقد نشرت طبعته الأولى في دار الهلال في 1992، وطبعته الثانية منذ عامين تقريباً في دار آفاق. وبالتالي فهو ولع قديم، يمارس فيه الشاعر دوراً مهمّاً في الثقافة، ولا أظن أنني استثناء بين الشعراء؛ القصيدة عزيزة وتبالغ في الدلال والتمنع أحياناً، وأنا شخص يدمن العمل، ولا يمكن أن أنتظر حتى تحن عليَّ القصيدة. وأكرر هنا، دوري في الترجمة امتداد لدوري في الشعر خاصة، وفي الثقافة عموماً.

> تعد «رسائل» الكاتب الأميركي الأشهر إرنست همنغواى أبرز ما ترجمته مؤخراً، ماذا عن كواليس هذا العمل الذي يعد إضافة مهمة للمكتبة العربية؟
- بدأ المشروع باقتراح من الصديقة العزيزة سوسن بشير، مستشارة دار آفاق للنشر بالقاهرة؛ ورحبت، برغم الصعوبات التي كنت أتوقعها مع عمل بهذا الحجم، وبهذه الخصوصية؛ إنها رسائل من طرف واحد، لا يوجد رد الطرف الآخر؛ وحين تكون ردّاً، لا توجد أيضاً رسالة الطرف الآخر؛ والأمر في مثل هذه الحالات يكون بالغ الصعوبة غالباً، وعلى المترجم أن يبحث عن سياق الرسالة وظروفها. عموماً في النهاية، عشت مع الكتاب أربعة عشر شهراً شقيت فيها بالترجمة وسعدت فيها بصحبة همنغواي؛ وهو بالمناسبة، بالإضافة إلى أعماله الأدبية، شخصية إنسانية بالغة الثراء. ولعل المقدمة التي كتبتها للترجمة تضيف بعض التفاصيل على هذه الكواليس.
> ما الصعوبات التي تعوق مشروعك في الترجمة وكيف تحاول التغلب عليها؟
- لا توجد برامج أو مشاريع واضحة للترجمة؛ في دور النشر الحكومية يصطدم المرء بالبيروقراطية، وفي دور النشر الخاصة يصطدم المرء بنقص الإمكانات المادية، ومحاولة اختصار التكلفة إلى أقصى حد، ما يدفع بعض دور النشر الخاصة إلى البحث عن أعمال ليست لها حقوق ملكية فكرية.
> بدأت تجربة جيل شعراء السبعينات الذي تنتمي إليه بالأحلام الكبرى والتمرد على ثوابت المشهد الثقافي العربي، ترى ما الذي حققتموه؟ وما الذي أخفقتم فيه؟
- حركنا المياه في بركة راكدة، بعد أن تحولت تجربة رواد شعر التفعيلة في بضع سنوات، بسرعة لا مثيل لها في أي حركة تجديد في الإبداع، إلى تجربة كلاسيكية، وظهر عشـرات من الشعراء يقلدون ما يعرف بالشعراء الرواد. بنظرة سريعة على مجلة «الشعر» المصرية في ستينات القرن الماضي وما كان ينتجه شعراء الأجيال التي تلتنا، يمكن معرفة ما حققناه. وفي هذا السياق لا يمكن الحديث عن إخفاق، وبدلاً من ذلك يمكن الحديث عن أحلام لم تتحقق، وأحلام أجهضت، وأحلام تبين أنها كانت أوهاماً! لكن المشهد كله يدل على أننا عبرنا من هنا وحطمنا بعض الأصنام وغرسنا بعض البذور.
> أخيراً؛ ما الذي يثير شغفك الآن؟ وهل تنظر إلى الماضي بغضب؟
- بلغنا من العمر ما بلغنا، ويبقى هناك ما يثير شغفنا. يثيره حلم وبذرة تنبت وطفلة تكبر. ويثيره الهدوء، ملاذنا الأخير.لا أعرف حقيقة إن كنت أنظر إلى ماضيَّ بغضب أم لا؛ لم أفعل الكثير مما حلمت به، وفعلت الكثير مما لم أفكر في فعله أو أخطط له.



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.