عبد المقصود عبد الكريم: أحلم بكتابة سيرة ذاتية... ودوري في الترجمة امتداد للشعر

الشاعر المصري يرى أن جيله حرك المياه الراكدة وكسر نمطية «التفعيلة»

عبد المقصود عبد الكريم: أحلم بكتابة سيرة ذاتية... ودوري في الترجمة امتداد للشعر
TT

عبد المقصود عبد الكريم: أحلم بكتابة سيرة ذاتية... ودوري في الترجمة امتداد للشعر

عبد المقصود عبد الكريم: أحلم بكتابة سيرة ذاتية... ودوري في الترجمة امتداد للشعر

بين الطب النفسي والشعر والترجمة، يحفر الشاعر المصري عبد المقصود عبد الكريم ملامح تجربته الإبداعية والإنسانية بقوة ودأب. يصف نفسه بأنه شخص «يدمن العمل»، فحين تعز عليه القصيدة يهرع إلى الترجمة ملاذه الآمن لإشباع رغبته في الإنجاز والعطاء. يعتز بانتمائه لشعراء جيل السبعينات، ويرى أنه استطاع تحريك كثير من المياه الراكدة. أصدر عدداً من الدواوين الشعرية، من أبرزها «أزدحم بالممالك» 1980، و«يهبط الحلم بصاحبه» 1993، و«يوميات العبد على حافة بئر الأميرة» 2012. ومن ترجماته: «فانتازيا الغريزة» د. ه. لورانس، و«جاك لاكان وإغواء التحليل النفسي»، و«رسائل همنغواي - جزءان»... هنا حوار معه حول الشعر والترجمة وهموم الكتابة.

> هل صدور ديوانك الأخير «كما لم تكن قط» بمثابة إعلان لعودتك إلى الشعر الذي غبت عنه طويلاً، حيث لم يصدر لك عبر نحو أربعين عاماً سوى ستة دواوين؟
- أكرر بداية ما سبق أن أعلنته في أكثر من مناسبة؛ إنني أرى نفسي دائماً شاعراً يترجم ويمارس الطب النفسي، وبالتالي من الصعب الحديث عن انقطاعي عن الشعر، وبالتالي ليس صحيحاً أن ديوان «كما لم تكن قط» إعلان عودة إلى الشعر. هو ثالث ديوان في أقل من عشر سنوات، بعد «يوميات العبد على حافة بئر الأميرة»، هيئة الكتاب (2012)، و«نسخة زائفة»، المجلس الأعلى للثقافة (2015). ورغم أنني مقل نسبيّاً، مقارنة ببعض أبناء جيلي، فإن السنوات العشر الأخيرة شهدت نشاطاً ملحوظاً في علاقتي بكتابة الشعر. إضافة إلى الدواوين الثلاثة المذكورة، توجد ثلاثة دواوين في الفترة نفسها؛ وإذا استبعدت ديوان «نسخة زائفة»لأنه كتب قبل 2010، يكون العقد الأخير شاهداً على كتابة خمسة دواوين.
> يهيمن إحساس بالأسى ونكهة الرثاء للذات والعالم على قصائد الديوان، كما في قصيدة «سباق»، حيث «لا أحد يريد سباقاً مع شاعر عجوز»، ما سبب ذلك؟ وكيف ترى التقدم في العمر بالنسبة للمبدع؟
- كتبت معظم قصائد الديوان في 2015، السنة التي رحلت فيها أمي، ورحل فيها أبي، وبالتالي كان من الطبيعي أن تغلب عليه نبرة الرثاء، للأم والأب والعالم والذات. ونمضي سريعاً إلى السباق مع شاعر عجوز؛ وحده الزمن يوافق على السباق مع شاعر عجوز، بنتيجة محسومة سلفاً؛ وكما قلت، حتى في قصائدي، علاقتي بالزمن معقدة وملتبسة؛ الزمن مقياسه الوحيد الحالة المزاجية؛ حين ترتفع يمر خفيفاً وسريعاً ولطيفاً، وحين تنخفض يحدث العكس تماماً؛ الزمن، باختصار، مشكلة بالغة التعقيد علمياً وفلسفياً وشعرياً.
> برأيك؛ هل أصبح الشعر يتيماً على مائدة الثقافة العربية؟ وكيف ترى مقولة د. جابر عصفور بأن الرواية هي «ديوان العرب» حالياً؟
- لا أظن أن الأمر بهذه البساطة؛ يبدو لي بالغ التعقيد. الرواية نوع أدبي حديث نسبيّاً، وحديث جدّاً مقارنة بالشعر، الشعر الذي عرفه الإنسان منذ عرف اللغة، ولن أبالغ إذا قلت إنه ربما عرفه قبل ذلك؛ ربما غنَى الإنسان قبل أن يتعلم اللغة. لكن الشعر، مثله مثل كل نوع فني عريق، له فترات ازدهار وفترات ركود. والمشهد الحالي، ينبئنا بأن هناك تراجعاً كبيراً في توزيع دواوين الشعر؛ دور النشر لا تفضل نشره، ودور التوزيع والمكتبات لا تفضل توزيعه. الدواوين سلعة راكدة بالتأكيد. لكن ينبئنا ظهور أجيال جديدة تتمتع بالموهبة وتكتب شعراً جيداً، بأن الشعر مزدهر؛ وهذا أمر بالغ التعقيد: حين يقل الطلب على سلعة يتراجع الإنتاج بالضرورة، لكن يبدو لى أن الشعر استثناء من هذه القاعدة. أما أن تكون الرواية ديوان العرب، أو ديوان الأمم، فهذا أمر يبدو صحيحاً إلى حد كبير؛ الرواية، ربما في العالم، في ذروة شبابها، والأسباب كثيرة ومعقدة، وليس هنا مجالها.
> بصراحة شديدة، كيف ترى ظاهرة تحول بعض الشعراء إلى كتابة الرواية بحثاً عن الانتشار والتحقق والجوائز المغرية؟ ألم تفكر في الانضمام إليهم؟
- أتفق معك على أن هذا التحول يمثل ظاهرة؛ لكنني لا أتصور أن يكون سبب الظاهرة الانتشار والتحقق والجوائز فقط. إنها ضمن الأسباب. لنسلم أولاً بأن معظم المبدعين في مجال الكتابة يبدأون العلاقة بالشعر أولاً؛ ربما يتحول بعضهم إلى حقل آخر حتى قبل أن ينشر قصيدة واحدة؛ ويتحول آخرون في مراحل مختلفة. ثانياً: هناك روائيون كبار في العالم كتبوا الشعر؛ همنغواي له بعض القصائد؛ وبول أوستر له أكثر من عشرة دواوين إن لم تخني الذاكرة. ثالثاً: هناك الإحباط من ندرة جمهور الشعر التي قد تشعر البعض بالفشل أو عدم التحقق. رابعاً: لا أظن أن شاعراً موهوباً مبدعاً يمكن أن يتخلى عن الشعر تحت أي إغراء. خامساً: ربما يوظف البعض موهبته في الشعر في كتابة الرواية لينتج رواية لها طابعها الشعري الخاص. سادساً: فيما يخصني، لم أفكر يوماً في كتابة رواية؛ لكنني أحلم بكتابة سيرة ذاتية.
> لك دراسة مهمة ترصد فيها من منظور جديد ملامح «الشعر والحلم والنسيان»، ترى ما أبرز ما يربط بين هذه المفردات الثلاث؟
- أظنك تتحدثين عن الدراسة التي نشرت في مجلة «ألف» في أوائل تسعينات القرن الماضي. بإيجاز شديد، يمكن القول: إن الشعر ابن الحلم وابن النسيان؛ من دون الحلم والنسيان يفقد الشعر الكثير. الحلم يعني السعي إلى تحقيق شيء بعيد المنال؛ والنسيان يعني الابتكار والإبداع. والنسيان هنا بالمعنى الذي ورد على لسان «ابن منظور» بشأن «أبي نواس»؛ أن يحفظ وينسى؛ الحفظ والنسيان، وهو ما أفهمه هنا بذوبان ما حفظ في ذاكرة الشاعر ووجدانه وتحوله إلى نسيج جديد، يخص الشاعر وحده، ومنه يبدع قصيدته، وإلا جاءت مسخاً وتكراراً؛ وهما يفقدان أي إنتاج صفة الإبداع.
> إسهاماتك في الترجمة لم تستثنِ الشعر، ألم تخيفك مقولة إن مترجم القصيدة خائن بالضرورة لأنه لا يمكن أن ينجح في توصيل المعنى الأصلي بنسبة مائة بالمائة؟
- الخيانة في ترجمة الشعر خيانة مزدوجة، أعترف. لكنني أعترف أيضاً بأن النص الشعري المترجم نتاج مشترك، من إبداع الشاعر والمترجم. المترجم الذي يفضل في هذه الحالة أن يكون شاعراً، أو يتمتع على الأقل بحس شعري رفيع. كما لا يمكن فصل القصيدة عن الشاعر، لا يمكن فصلها عن المترجم. ترجمة سعدي يوسف لديوان «أوراق العشب» لولت ويتمان على سبيل المثال، تحمل سمات سعدي بقدر ما تحمل سمات ويتمان، إن لم تكن الهيمنة لسمات سعدي؛ وينطبق الأمر نفسه على ترجمة أدونيس لسان جون بيرس، وصلاح على الصبور لكفافي؛ وينطبق بالقدر نفسه عليَّ فيما ترجمته من شعر.
> ما سر ولعك بالترجمة في الآونة الأخيرة حتى إنها باتت أحد أبرز ملامحك تجربتك الثقافية؟
- بدأت تجربتي مع الترجمة في ثمانينات القرن الماضي بأشكال متفرقة لأعمال قصيرة. وأول كتاب ترجمته يرجع إلى 1989، أي منذ أكثر من ثلاثة عقود وهو كتاب د. هـ. لورانس، «فانتازيا الغريزة»، وقد نشرت طبعته الأولى في دار الهلال في 1992، وطبعته الثانية منذ عامين تقريباً في دار آفاق. وبالتالي فهو ولع قديم، يمارس فيه الشاعر دوراً مهمّاً في الثقافة، ولا أظن أنني استثناء بين الشعراء؛ القصيدة عزيزة وتبالغ في الدلال والتمنع أحياناً، وأنا شخص يدمن العمل، ولا يمكن أن أنتظر حتى تحن عليَّ القصيدة. وأكرر هنا، دوري في الترجمة امتداد لدوري في الشعر خاصة، وفي الثقافة عموماً.

> تعد «رسائل» الكاتب الأميركي الأشهر إرنست همنغواى أبرز ما ترجمته مؤخراً، ماذا عن كواليس هذا العمل الذي يعد إضافة مهمة للمكتبة العربية؟
- بدأ المشروع باقتراح من الصديقة العزيزة سوسن بشير، مستشارة دار آفاق للنشر بالقاهرة؛ ورحبت، برغم الصعوبات التي كنت أتوقعها مع عمل بهذا الحجم، وبهذه الخصوصية؛ إنها رسائل من طرف واحد، لا يوجد رد الطرف الآخر؛ وحين تكون ردّاً، لا توجد أيضاً رسالة الطرف الآخر؛ والأمر في مثل هذه الحالات يكون بالغ الصعوبة غالباً، وعلى المترجم أن يبحث عن سياق الرسالة وظروفها. عموماً في النهاية، عشت مع الكتاب أربعة عشر شهراً شقيت فيها بالترجمة وسعدت فيها بصحبة همنغواي؛ وهو بالمناسبة، بالإضافة إلى أعماله الأدبية، شخصية إنسانية بالغة الثراء. ولعل المقدمة التي كتبتها للترجمة تضيف بعض التفاصيل على هذه الكواليس.
> ما الصعوبات التي تعوق مشروعك في الترجمة وكيف تحاول التغلب عليها؟
- لا توجد برامج أو مشاريع واضحة للترجمة؛ في دور النشر الحكومية يصطدم المرء بالبيروقراطية، وفي دور النشر الخاصة يصطدم المرء بنقص الإمكانات المادية، ومحاولة اختصار التكلفة إلى أقصى حد، ما يدفع بعض دور النشر الخاصة إلى البحث عن أعمال ليست لها حقوق ملكية فكرية.
> بدأت تجربة جيل شعراء السبعينات الذي تنتمي إليه بالأحلام الكبرى والتمرد على ثوابت المشهد الثقافي العربي، ترى ما الذي حققتموه؟ وما الذي أخفقتم فيه؟
- حركنا المياه في بركة راكدة، بعد أن تحولت تجربة رواد شعر التفعيلة في بضع سنوات، بسرعة لا مثيل لها في أي حركة تجديد في الإبداع، إلى تجربة كلاسيكية، وظهر عشـرات من الشعراء يقلدون ما يعرف بالشعراء الرواد. بنظرة سريعة على مجلة «الشعر» المصرية في ستينات القرن الماضي وما كان ينتجه شعراء الأجيال التي تلتنا، يمكن معرفة ما حققناه. وفي هذا السياق لا يمكن الحديث عن إخفاق، وبدلاً من ذلك يمكن الحديث عن أحلام لم تتحقق، وأحلام أجهضت، وأحلام تبين أنها كانت أوهاماً! لكن المشهد كله يدل على أننا عبرنا من هنا وحطمنا بعض الأصنام وغرسنا بعض البذور.
> أخيراً؛ ما الذي يثير شغفك الآن؟ وهل تنظر إلى الماضي بغضب؟
- بلغنا من العمر ما بلغنا، ويبقى هناك ما يثير شغفنا. يثيره حلم وبذرة تنبت وطفلة تكبر. ويثيره الهدوء، ملاذنا الأخير.لا أعرف حقيقة إن كنت أنظر إلى ماضيَّ بغضب أم لا؛ لم أفعل الكثير مما حلمت به، وفعلت الكثير مما لم أفكر في فعله أو أخطط له.



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟