عبد المقصود عبد الكريم: أحلم بكتابة سيرة ذاتية... ودوري في الترجمة امتداد للشعر

الشاعر المصري يرى أن جيله حرك المياه الراكدة وكسر نمطية «التفعيلة»

عبد المقصود عبد الكريم: أحلم بكتابة سيرة ذاتية... ودوري في الترجمة امتداد للشعر
TT

عبد المقصود عبد الكريم: أحلم بكتابة سيرة ذاتية... ودوري في الترجمة امتداد للشعر

عبد المقصود عبد الكريم: أحلم بكتابة سيرة ذاتية... ودوري في الترجمة امتداد للشعر

بين الطب النفسي والشعر والترجمة، يحفر الشاعر المصري عبد المقصود عبد الكريم ملامح تجربته الإبداعية والإنسانية بقوة ودأب. يصف نفسه بأنه شخص «يدمن العمل»، فحين تعز عليه القصيدة يهرع إلى الترجمة ملاذه الآمن لإشباع رغبته في الإنجاز والعطاء. يعتز بانتمائه لشعراء جيل السبعينات، ويرى أنه استطاع تحريك كثير من المياه الراكدة. أصدر عدداً من الدواوين الشعرية، من أبرزها «أزدحم بالممالك» 1980، و«يهبط الحلم بصاحبه» 1993، و«يوميات العبد على حافة بئر الأميرة» 2012. ومن ترجماته: «فانتازيا الغريزة» د. ه. لورانس، و«جاك لاكان وإغواء التحليل النفسي»، و«رسائل همنغواي - جزءان»... هنا حوار معه حول الشعر والترجمة وهموم الكتابة.

> هل صدور ديوانك الأخير «كما لم تكن قط» بمثابة إعلان لعودتك إلى الشعر الذي غبت عنه طويلاً، حيث لم يصدر لك عبر نحو أربعين عاماً سوى ستة دواوين؟
- أكرر بداية ما سبق أن أعلنته في أكثر من مناسبة؛ إنني أرى نفسي دائماً شاعراً يترجم ويمارس الطب النفسي، وبالتالي من الصعب الحديث عن انقطاعي عن الشعر، وبالتالي ليس صحيحاً أن ديوان «كما لم تكن قط» إعلان عودة إلى الشعر. هو ثالث ديوان في أقل من عشر سنوات، بعد «يوميات العبد على حافة بئر الأميرة»، هيئة الكتاب (2012)، و«نسخة زائفة»، المجلس الأعلى للثقافة (2015). ورغم أنني مقل نسبيّاً، مقارنة ببعض أبناء جيلي، فإن السنوات العشر الأخيرة شهدت نشاطاً ملحوظاً في علاقتي بكتابة الشعر. إضافة إلى الدواوين الثلاثة المذكورة، توجد ثلاثة دواوين في الفترة نفسها؛ وإذا استبعدت ديوان «نسخة زائفة»لأنه كتب قبل 2010، يكون العقد الأخير شاهداً على كتابة خمسة دواوين.
> يهيمن إحساس بالأسى ونكهة الرثاء للذات والعالم على قصائد الديوان، كما في قصيدة «سباق»، حيث «لا أحد يريد سباقاً مع شاعر عجوز»، ما سبب ذلك؟ وكيف ترى التقدم في العمر بالنسبة للمبدع؟
- كتبت معظم قصائد الديوان في 2015، السنة التي رحلت فيها أمي، ورحل فيها أبي، وبالتالي كان من الطبيعي أن تغلب عليه نبرة الرثاء، للأم والأب والعالم والذات. ونمضي سريعاً إلى السباق مع شاعر عجوز؛ وحده الزمن يوافق على السباق مع شاعر عجوز، بنتيجة محسومة سلفاً؛ وكما قلت، حتى في قصائدي، علاقتي بالزمن معقدة وملتبسة؛ الزمن مقياسه الوحيد الحالة المزاجية؛ حين ترتفع يمر خفيفاً وسريعاً ولطيفاً، وحين تنخفض يحدث العكس تماماً؛ الزمن، باختصار، مشكلة بالغة التعقيد علمياً وفلسفياً وشعرياً.
> برأيك؛ هل أصبح الشعر يتيماً على مائدة الثقافة العربية؟ وكيف ترى مقولة د. جابر عصفور بأن الرواية هي «ديوان العرب» حالياً؟
- لا أظن أن الأمر بهذه البساطة؛ يبدو لي بالغ التعقيد. الرواية نوع أدبي حديث نسبيّاً، وحديث جدّاً مقارنة بالشعر، الشعر الذي عرفه الإنسان منذ عرف اللغة، ولن أبالغ إذا قلت إنه ربما عرفه قبل ذلك؛ ربما غنَى الإنسان قبل أن يتعلم اللغة. لكن الشعر، مثله مثل كل نوع فني عريق، له فترات ازدهار وفترات ركود. والمشهد الحالي، ينبئنا بأن هناك تراجعاً كبيراً في توزيع دواوين الشعر؛ دور النشر لا تفضل نشره، ودور التوزيع والمكتبات لا تفضل توزيعه. الدواوين سلعة راكدة بالتأكيد. لكن ينبئنا ظهور أجيال جديدة تتمتع بالموهبة وتكتب شعراً جيداً، بأن الشعر مزدهر؛ وهذا أمر بالغ التعقيد: حين يقل الطلب على سلعة يتراجع الإنتاج بالضرورة، لكن يبدو لى أن الشعر استثناء من هذه القاعدة. أما أن تكون الرواية ديوان العرب، أو ديوان الأمم، فهذا أمر يبدو صحيحاً إلى حد كبير؛ الرواية، ربما في العالم، في ذروة شبابها، والأسباب كثيرة ومعقدة، وليس هنا مجالها.
> بصراحة شديدة، كيف ترى ظاهرة تحول بعض الشعراء إلى كتابة الرواية بحثاً عن الانتشار والتحقق والجوائز المغرية؟ ألم تفكر في الانضمام إليهم؟
- أتفق معك على أن هذا التحول يمثل ظاهرة؛ لكنني لا أتصور أن يكون سبب الظاهرة الانتشار والتحقق والجوائز فقط. إنها ضمن الأسباب. لنسلم أولاً بأن معظم المبدعين في مجال الكتابة يبدأون العلاقة بالشعر أولاً؛ ربما يتحول بعضهم إلى حقل آخر حتى قبل أن ينشر قصيدة واحدة؛ ويتحول آخرون في مراحل مختلفة. ثانياً: هناك روائيون كبار في العالم كتبوا الشعر؛ همنغواي له بعض القصائد؛ وبول أوستر له أكثر من عشرة دواوين إن لم تخني الذاكرة. ثالثاً: هناك الإحباط من ندرة جمهور الشعر التي قد تشعر البعض بالفشل أو عدم التحقق. رابعاً: لا أظن أن شاعراً موهوباً مبدعاً يمكن أن يتخلى عن الشعر تحت أي إغراء. خامساً: ربما يوظف البعض موهبته في الشعر في كتابة الرواية لينتج رواية لها طابعها الشعري الخاص. سادساً: فيما يخصني، لم أفكر يوماً في كتابة رواية؛ لكنني أحلم بكتابة سيرة ذاتية.
> لك دراسة مهمة ترصد فيها من منظور جديد ملامح «الشعر والحلم والنسيان»، ترى ما أبرز ما يربط بين هذه المفردات الثلاث؟
- أظنك تتحدثين عن الدراسة التي نشرت في مجلة «ألف» في أوائل تسعينات القرن الماضي. بإيجاز شديد، يمكن القول: إن الشعر ابن الحلم وابن النسيان؛ من دون الحلم والنسيان يفقد الشعر الكثير. الحلم يعني السعي إلى تحقيق شيء بعيد المنال؛ والنسيان يعني الابتكار والإبداع. والنسيان هنا بالمعنى الذي ورد على لسان «ابن منظور» بشأن «أبي نواس»؛ أن يحفظ وينسى؛ الحفظ والنسيان، وهو ما أفهمه هنا بذوبان ما حفظ في ذاكرة الشاعر ووجدانه وتحوله إلى نسيج جديد، يخص الشاعر وحده، ومنه يبدع قصيدته، وإلا جاءت مسخاً وتكراراً؛ وهما يفقدان أي إنتاج صفة الإبداع.
> إسهاماتك في الترجمة لم تستثنِ الشعر، ألم تخيفك مقولة إن مترجم القصيدة خائن بالضرورة لأنه لا يمكن أن ينجح في توصيل المعنى الأصلي بنسبة مائة بالمائة؟
- الخيانة في ترجمة الشعر خيانة مزدوجة، أعترف. لكنني أعترف أيضاً بأن النص الشعري المترجم نتاج مشترك، من إبداع الشاعر والمترجم. المترجم الذي يفضل في هذه الحالة أن يكون شاعراً، أو يتمتع على الأقل بحس شعري رفيع. كما لا يمكن فصل القصيدة عن الشاعر، لا يمكن فصلها عن المترجم. ترجمة سعدي يوسف لديوان «أوراق العشب» لولت ويتمان على سبيل المثال، تحمل سمات سعدي بقدر ما تحمل سمات ويتمان، إن لم تكن الهيمنة لسمات سعدي؛ وينطبق الأمر نفسه على ترجمة أدونيس لسان جون بيرس، وصلاح على الصبور لكفافي؛ وينطبق بالقدر نفسه عليَّ فيما ترجمته من شعر.
> ما سر ولعك بالترجمة في الآونة الأخيرة حتى إنها باتت أحد أبرز ملامحك تجربتك الثقافية؟
- بدأت تجربتي مع الترجمة في ثمانينات القرن الماضي بأشكال متفرقة لأعمال قصيرة. وأول كتاب ترجمته يرجع إلى 1989، أي منذ أكثر من ثلاثة عقود وهو كتاب د. هـ. لورانس، «فانتازيا الغريزة»، وقد نشرت طبعته الأولى في دار الهلال في 1992، وطبعته الثانية منذ عامين تقريباً في دار آفاق. وبالتالي فهو ولع قديم، يمارس فيه الشاعر دوراً مهمّاً في الثقافة، ولا أظن أنني استثناء بين الشعراء؛ القصيدة عزيزة وتبالغ في الدلال والتمنع أحياناً، وأنا شخص يدمن العمل، ولا يمكن أن أنتظر حتى تحن عليَّ القصيدة. وأكرر هنا، دوري في الترجمة امتداد لدوري في الشعر خاصة، وفي الثقافة عموماً.

> تعد «رسائل» الكاتب الأميركي الأشهر إرنست همنغواى أبرز ما ترجمته مؤخراً، ماذا عن كواليس هذا العمل الذي يعد إضافة مهمة للمكتبة العربية؟
- بدأ المشروع باقتراح من الصديقة العزيزة سوسن بشير، مستشارة دار آفاق للنشر بالقاهرة؛ ورحبت، برغم الصعوبات التي كنت أتوقعها مع عمل بهذا الحجم، وبهذه الخصوصية؛ إنها رسائل من طرف واحد، لا يوجد رد الطرف الآخر؛ وحين تكون ردّاً، لا توجد أيضاً رسالة الطرف الآخر؛ والأمر في مثل هذه الحالات يكون بالغ الصعوبة غالباً، وعلى المترجم أن يبحث عن سياق الرسالة وظروفها. عموماً في النهاية، عشت مع الكتاب أربعة عشر شهراً شقيت فيها بالترجمة وسعدت فيها بصحبة همنغواي؛ وهو بالمناسبة، بالإضافة إلى أعماله الأدبية، شخصية إنسانية بالغة الثراء. ولعل المقدمة التي كتبتها للترجمة تضيف بعض التفاصيل على هذه الكواليس.
> ما الصعوبات التي تعوق مشروعك في الترجمة وكيف تحاول التغلب عليها؟
- لا توجد برامج أو مشاريع واضحة للترجمة؛ في دور النشر الحكومية يصطدم المرء بالبيروقراطية، وفي دور النشر الخاصة يصطدم المرء بنقص الإمكانات المادية، ومحاولة اختصار التكلفة إلى أقصى حد، ما يدفع بعض دور النشر الخاصة إلى البحث عن أعمال ليست لها حقوق ملكية فكرية.
> بدأت تجربة جيل شعراء السبعينات الذي تنتمي إليه بالأحلام الكبرى والتمرد على ثوابت المشهد الثقافي العربي، ترى ما الذي حققتموه؟ وما الذي أخفقتم فيه؟
- حركنا المياه في بركة راكدة، بعد أن تحولت تجربة رواد شعر التفعيلة في بضع سنوات، بسرعة لا مثيل لها في أي حركة تجديد في الإبداع، إلى تجربة كلاسيكية، وظهر عشـرات من الشعراء يقلدون ما يعرف بالشعراء الرواد. بنظرة سريعة على مجلة «الشعر» المصرية في ستينات القرن الماضي وما كان ينتجه شعراء الأجيال التي تلتنا، يمكن معرفة ما حققناه. وفي هذا السياق لا يمكن الحديث عن إخفاق، وبدلاً من ذلك يمكن الحديث عن أحلام لم تتحقق، وأحلام أجهضت، وأحلام تبين أنها كانت أوهاماً! لكن المشهد كله يدل على أننا عبرنا من هنا وحطمنا بعض الأصنام وغرسنا بعض البذور.
> أخيراً؛ ما الذي يثير شغفك الآن؟ وهل تنظر إلى الماضي بغضب؟
- بلغنا من العمر ما بلغنا، ويبقى هناك ما يثير شغفنا. يثيره حلم وبذرة تنبت وطفلة تكبر. ويثيره الهدوء، ملاذنا الأخير.لا أعرف حقيقة إن كنت أنظر إلى ماضيَّ بغضب أم لا؛ لم أفعل الكثير مما حلمت به، وفعلت الكثير مما لم أفكر في فعله أو أخطط له.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.