عبد المقصود عبد الكريم: أحلم بكتابة سيرة ذاتية... ودوري في الترجمة امتداد للشعر

الشاعر المصري يرى أن جيله حرك المياه الراكدة وكسر نمطية «التفعيلة»

عبد المقصود عبد الكريم: أحلم بكتابة سيرة ذاتية... ودوري في الترجمة امتداد للشعر
TT

عبد المقصود عبد الكريم: أحلم بكتابة سيرة ذاتية... ودوري في الترجمة امتداد للشعر

عبد المقصود عبد الكريم: أحلم بكتابة سيرة ذاتية... ودوري في الترجمة امتداد للشعر

بين الطب النفسي والشعر والترجمة، يحفر الشاعر المصري عبد المقصود عبد الكريم ملامح تجربته الإبداعية والإنسانية بقوة ودأب. يصف نفسه بأنه شخص «يدمن العمل»، فحين تعز عليه القصيدة يهرع إلى الترجمة ملاذه الآمن لإشباع رغبته في الإنجاز والعطاء. يعتز بانتمائه لشعراء جيل السبعينات، ويرى أنه استطاع تحريك كثير من المياه الراكدة. أصدر عدداً من الدواوين الشعرية، من أبرزها «أزدحم بالممالك» 1980، و«يهبط الحلم بصاحبه» 1993، و«يوميات العبد على حافة بئر الأميرة» 2012. ومن ترجماته: «فانتازيا الغريزة» د. ه. لورانس، و«جاك لاكان وإغواء التحليل النفسي»، و«رسائل همنغواي - جزءان»... هنا حوار معه حول الشعر والترجمة وهموم الكتابة.

> هل صدور ديوانك الأخير «كما لم تكن قط» بمثابة إعلان لعودتك إلى الشعر الذي غبت عنه طويلاً، حيث لم يصدر لك عبر نحو أربعين عاماً سوى ستة دواوين؟
- أكرر بداية ما سبق أن أعلنته في أكثر من مناسبة؛ إنني أرى نفسي دائماً شاعراً يترجم ويمارس الطب النفسي، وبالتالي من الصعب الحديث عن انقطاعي عن الشعر، وبالتالي ليس صحيحاً أن ديوان «كما لم تكن قط» إعلان عودة إلى الشعر. هو ثالث ديوان في أقل من عشر سنوات، بعد «يوميات العبد على حافة بئر الأميرة»، هيئة الكتاب (2012)، و«نسخة زائفة»، المجلس الأعلى للثقافة (2015). ورغم أنني مقل نسبيّاً، مقارنة ببعض أبناء جيلي، فإن السنوات العشر الأخيرة شهدت نشاطاً ملحوظاً في علاقتي بكتابة الشعر. إضافة إلى الدواوين الثلاثة المذكورة، توجد ثلاثة دواوين في الفترة نفسها؛ وإذا استبعدت ديوان «نسخة زائفة»لأنه كتب قبل 2010، يكون العقد الأخير شاهداً على كتابة خمسة دواوين.
> يهيمن إحساس بالأسى ونكهة الرثاء للذات والعالم على قصائد الديوان، كما في قصيدة «سباق»، حيث «لا أحد يريد سباقاً مع شاعر عجوز»، ما سبب ذلك؟ وكيف ترى التقدم في العمر بالنسبة للمبدع؟
- كتبت معظم قصائد الديوان في 2015، السنة التي رحلت فيها أمي، ورحل فيها أبي، وبالتالي كان من الطبيعي أن تغلب عليه نبرة الرثاء، للأم والأب والعالم والذات. ونمضي سريعاً إلى السباق مع شاعر عجوز؛ وحده الزمن يوافق على السباق مع شاعر عجوز، بنتيجة محسومة سلفاً؛ وكما قلت، حتى في قصائدي، علاقتي بالزمن معقدة وملتبسة؛ الزمن مقياسه الوحيد الحالة المزاجية؛ حين ترتفع يمر خفيفاً وسريعاً ولطيفاً، وحين تنخفض يحدث العكس تماماً؛ الزمن، باختصار، مشكلة بالغة التعقيد علمياً وفلسفياً وشعرياً.
> برأيك؛ هل أصبح الشعر يتيماً على مائدة الثقافة العربية؟ وكيف ترى مقولة د. جابر عصفور بأن الرواية هي «ديوان العرب» حالياً؟
- لا أظن أن الأمر بهذه البساطة؛ يبدو لي بالغ التعقيد. الرواية نوع أدبي حديث نسبيّاً، وحديث جدّاً مقارنة بالشعر، الشعر الذي عرفه الإنسان منذ عرف اللغة، ولن أبالغ إذا قلت إنه ربما عرفه قبل ذلك؛ ربما غنَى الإنسان قبل أن يتعلم اللغة. لكن الشعر، مثله مثل كل نوع فني عريق، له فترات ازدهار وفترات ركود. والمشهد الحالي، ينبئنا بأن هناك تراجعاً كبيراً في توزيع دواوين الشعر؛ دور النشر لا تفضل نشره، ودور التوزيع والمكتبات لا تفضل توزيعه. الدواوين سلعة راكدة بالتأكيد. لكن ينبئنا ظهور أجيال جديدة تتمتع بالموهبة وتكتب شعراً جيداً، بأن الشعر مزدهر؛ وهذا أمر بالغ التعقيد: حين يقل الطلب على سلعة يتراجع الإنتاج بالضرورة، لكن يبدو لى أن الشعر استثناء من هذه القاعدة. أما أن تكون الرواية ديوان العرب، أو ديوان الأمم، فهذا أمر يبدو صحيحاً إلى حد كبير؛ الرواية، ربما في العالم، في ذروة شبابها، والأسباب كثيرة ومعقدة، وليس هنا مجالها.
> بصراحة شديدة، كيف ترى ظاهرة تحول بعض الشعراء إلى كتابة الرواية بحثاً عن الانتشار والتحقق والجوائز المغرية؟ ألم تفكر في الانضمام إليهم؟
- أتفق معك على أن هذا التحول يمثل ظاهرة؛ لكنني لا أتصور أن يكون سبب الظاهرة الانتشار والتحقق والجوائز فقط. إنها ضمن الأسباب. لنسلم أولاً بأن معظم المبدعين في مجال الكتابة يبدأون العلاقة بالشعر أولاً؛ ربما يتحول بعضهم إلى حقل آخر حتى قبل أن ينشر قصيدة واحدة؛ ويتحول آخرون في مراحل مختلفة. ثانياً: هناك روائيون كبار في العالم كتبوا الشعر؛ همنغواي له بعض القصائد؛ وبول أوستر له أكثر من عشرة دواوين إن لم تخني الذاكرة. ثالثاً: هناك الإحباط من ندرة جمهور الشعر التي قد تشعر البعض بالفشل أو عدم التحقق. رابعاً: لا أظن أن شاعراً موهوباً مبدعاً يمكن أن يتخلى عن الشعر تحت أي إغراء. خامساً: ربما يوظف البعض موهبته في الشعر في كتابة الرواية لينتج رواية لها طابعها الشعري الخاص. سادساً: فيما يخصني، لم أفكر يوماً في كتابة رواية؛ لكنني أحلم بكتابة سيرة ذاتية.
> لك دراسة مهمة ترصد فيها من منظور جديد ملامح «الشعر والحلم والنسيان»، ترى ما أبرز ما يربط بين هذه المفردات الثلاث؟
- أظنك تتحدثين عن الدراسة التي نشرت في مجلة «ألف» في أوائل تسعينات القرن الماضي. بإيجاز شديد، يمكن القول: إن الشعر ابن الحلم وابن النسيان؛ من دون الحلم والنسيان يفقد الشعر الكثير. الحلم يعني السعي إلى تحقيق شيء بعيد المنال؛ والنسيان يعني الابتكار والإبداع. والنسيان هنا بالمعنى الذي ورد على لسان «ابن منظور» بشأن «أبي نواس»؛ أن يحفظ وينسى؛ الحفظ والنسيان، وهو ما أفهمه هنا بذوبان ما حفظ في ذاكرة الشاعر ووجدانه وتحوله إلى نسيج جديد، يخص الشاعر وحده، ومنه يبدع قصيدته، وإلا جاءت مسخاً وتكراراً؛ وهما يفقدان أي إنتاج صفة الإبداع.
> إسهاماتك في الترجمة لم تستثنِ الشعر، ألم تخيفك مقولة إن مترجم القصيدة خائن بالضرورة لأنه لا يمكن أن ينجح في توصيل المعنى الأصلي بنسبة مائة بالمائة؟
- الخيانة في ترجمة الشعر خيانة مزدوجة، أعترف. لكنني أعترف أيضاً بأن النص الشعري المترجم نتاج مشترك، من إبداع الشاعر والمترجم. المترجم الذي يفضل في هذه الحالة أن يكون شاعراً، أو يتمتع على الأقل بحس شعري رفيع. كما لا يمكن فصل القصيدة عن الشاعر، لا يمكن فصلها عن المترجم. ترجمة سعدي يوسف لديوان «أوراق العشب» لولت ويتمان على سبيل المثال، تحمل سمات سعدي بقدر ما تحمل سمات ويتمان، إن لم تكن الهيمنة لسمات سعدي؛ وينطبق الأمر نفسه على ترجمة أدونيس لسان جون بيرس، وصلاح على الصبور لكفافي؛ وينطبق بالقدر نفسه عليَّ فيما ترجمته من شعر.
> ما سر ولعك بالترجمة في الآونة الأخيرة حتى إنها باتت أحد أبرز ملامحك تجربتك الثقافية؟
- بدأت تجربتي مع الترجمة في ثمانينات القرن الماضي بأشكال متفرقة لأعمال قصيرة. وأول كتاب ترجمته يرجع إلى 1989، أي منذ أكثر من ثلاثة عقود وهو كتاب د. هـ. لورانس، «فانتازيا الغريزة»، وقد نشرت طبعته الأولى في دار الهلال في 1992، وطبعته الثانية منذ عامين تقريباً في دار آفاق. وبالتالي فهو ولع قديم، يمارس فيه الشاعر دوراً مهمّاً في الثقافة، ولا أظن أنني استثناء بين الشعراء؛ القصيدة عزيزة وتبالغ في الدلال والتمنع أحياناً، وأنا شخص يدمن العمل، ولا يمكن أن أنتظر حتى تحن عليَّ القصيدة. وأكرر هنا، دوري في الترجمة امتداد لدوري في الشعر خاصة، وفي الثقافة عموماً.

> تعد «رسائل» الكاتب الأميركي الأشهر إرنست همنغواى أبرز ما ترجمته مؤخراً، ماذا عن كواليس هذا العمل الذي يعد إضافة مهمة للمكتبة العربية؟
- بدأ المشروع باقتراح من الصديقة العزيزة سوسن بشير، مستشارة دار آفاق للنشر بالقاهرة؛ ورحبت، برغم الصعوبات التي كنت أتوقعها مع عمل بهذا الحجم، وبهذه الخصوصية؛ إنها رسائل من طرف واحد، لا يوجد رد الطرف الآخر؛ وحين تكون ردّاً، لا توجد أيضاً رسالة الطرف الآخر؛ والأمر في مثل هذه الحالات يكون بالغ الصعوبة غالباً، وعلى المترجم أن يبحث عن سياق الرسالة وظروفها. عموماً في النهاية، عشت مع الكتاب أربعة عشر شهراً شقيت فيها بالترجمة وسعدت فيها بصحبة همنغواي؛ وهو بالمناسبة، بالإضافة إلى أعماله الأدبية، شخصية إنسانية بالغة الثراء. ولعل المقدمة التي كتبتها للترجمة تضيف بعض التفاصيل على هذه الكواليس.
> ما الصعوبات التي تعوق مشروعك في الترجمة وكيف تحاول التغلب عليها؟
- لا توجد برامج أو مشاريع واضحة للترجمة؛ في دور النشر الحكومية يصطدم المرء بالبيروقراطية، وفي دور النشر الخاصة يصطدم المرء بنقص الإمكانات المادية، ومحاولة اختصار التكلفة إلى أقصى حد، ما يدفع بعض دور النشر الخاصة إلى البحث عن أعمال ليست لها حقوق ملكية فكرية.
> بدأت تجربة جيل شعراء السبعينات الذي تنتمي إليه بالأحلام الكبرى والتمرد على ثوابت المشهد الثقافي العربي، ترى ما الذي حققتموه؟ وما الذي أخفقتم فيه؟
- حركنا المياه في بركة راكدة، بعد أن تحولت تجربة رواد شعر التفعيلة في بضع سنوات، بسرعة لا مثيل لها في أي حركة تجديد في الإبداع، إلى تجربة كلاسيكية، وظهر عشـرات من الشعراء يقلدون ما يعرف بالشعراء الرواد. بنظرة سريعة على مجلة «الشعر» المصرية في ستينات القرن الماضي وما كان ينتجه شعراء الأجيال التي تلتنا، يمكن معرفة ما حققناه. وفي هذا السياق لا يمكن الحديث عن إخفاق، وبدلاً من ذلك يمكن الحديث عن أحلام لم تتحقق، وأحلام أجهضت، وأحلام تبين أنها كانت أوهاماً! لكن المشهد كله يدل على أننا عبرنا من هنا وحطمنا بعض الأصنام وغرسنا بعض البذور.
> أخيراً؛ ما الذي يثير شغفك الآن؟ وهل تنظر إلى الماضي بغضب؟
- بلغنا من العمر ما بلغنا، ويبقى هناك ما يثير شغفنا. يثيره حلم وبذرة تنبت وطفلة تكبر. ويثيره الهدوء، ملاذنا الأخير.لا أعرف حقيقة إن كنت أنظر إلى ماضيَّ بغضب أم لا؛ لم أفعل الكثير مما حلمت به، وفعلت الكثير مما لم أفكر في فعله أو أخطط له.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.