العالم يتحول سريعاً إلى السيارات الكهربائية

«ليوتشو» مدينة صينية تحوز قصب السبق

شحن سيارة كهربائية (أ.ب)
شحن سيارة كهربائية (أ.ب)
TT

العالم يتحول سريعاً إلى السيارات الكهربائية

شحن سيارة كهربائية (أ.ب)
شحن سيارة كهربائية (أ.ب)

يُسهم النقل الطُرُقي بنحو 15 في المائة من مجمل انبعاثات الكربون العالمية الناتجة عن النشاط البشري. وباستثناء التراجع الطارئ الذي حصل السنة الماضية نتيجة انتشار جائحة «كورونا»، من المتوقع أن يستمر الطلب على النقل بالنمو في جميع أنحاء العالم مع زيادة عدد السكان وارتفاع معدلات الدخل.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية، في تقريرها «آفاق تكنولوجيا الطاقة 2020»، أن تزداد معدلات تملُّك السيارات بنسبة 60 في المائة ويتضاعف النقل العالمي للركاب بحلول 2070. وسيؤدي ذلك إلى زيادة كبيرة في انبعاثات الكربون، ما لم تتحسن كفاءة المحركات ويعمُّ استخدام وسائط النقل العاملة على الكهرباء أو الهيدروجين النظيفين.

خطط لخفض الانبعاثات من المركبات

يمكن لبعض قطاعات النقل أن تصبح محايدة كربونياً خلال عقود قليلة باستخدام محركات الكهرباء أو الهيدروجين. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يجري التخلص تدريجياً من الانبعاثات الصادرة عن الدراجات النارية في غضون العقدين المقبلين، ومن الشاحنات الصغيرة بحلول 2060. ورغم أن الانبعاثات الصادرة عن السيارات والحافلات لن يتم القضاء عليها تماماً حتى 2070. فإن مناطق كثيرة في العالم، بما فيها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين واليابان، ستكون قد أوقفت مبيعات المركبات التقليدية بحلول 2040.
وكانت قمة المناخ (كوب 26)، التي اختُتمت مؤخراً في غلاسكو، شهدت قيام مجموعة حكومات ومستثمرين وشركات صانعة للسيارات بالتوافق على ورقة سياسات غير ملزمة للانتقال بنسبة مائة في المائة إلى مبيعات سيارات وشاحنات صغيرة عديمة الانبعاثات بحلول 2040 عالمياً، وبحلول 2035 في «الأسواق الرائدة». كما وافقت 15 دولة، من بينها بريطانيا وكندا ونيوزيلندا وتركيا وهولندا ودول إسكندنافية، في تعهد منفصل، على العمل لتحقيق نسبة 30 في المائة في مبيعات الشاحنات والحافلات الجديدة عديمة الانبعاثات خلال العقد المقبل، وبنسبة 100 في المائة بحلول 2040. كما تعهد الائتلاف الحكومي الجديد في ألمانيا بأن يصل عدد السيارات الكهربائية في البلاد إلى 15 مليوناً بحلول سنة 2030.
ومن الملاحظ أن هاتين المبادرتين افتقدتا عند الإعلان عنهما في غلاسكو بعض أكبر أسواق السيارات في العالم، بما فيها الولايات المتحدة والصين وألمانيا وكوريا الجنوبية واليابان. لكن الحكومة الألمانية الجديدة ما لبثت أن التزمت بأكثر من هذا الهدف في برنامجها للحكم. كما أن «تويوتا» و«فولكس فاغن» لم تضعا توقيعهما على هاتين المبادرتين، بينما وقَّعت عليهما «فورد» و«جنرال موتورز» و«مرسيدس بنز» و«جاغوار» و«فولفو»، إلى جانب شركة «بي واي دي» الصينية.
وتملك أغلب الشركات الصانعة للسيارات خططاً مستقبلية لجعل مبيعاتها أقل اعتماداً على الوقود الأحفوري. فشركة «فولفو» ستتخلى عن المحركات التقليدية تماماً بحلول 2030، فيما ستعمل «هوندا» على تحقيق الهدف ذاته لكن بحلول 2040. وبدورها تخطط «تويوتا» لجعل جميع مبيعاتها من السيارات إلى أوروبا كهربائية أو هجينة بحلول 2030، وستكون مبيعاتها إلى الصين و70 في المائة من مبيعاتها إلى أميركا الشمالية من النوعية ذاتها بحلول 2035. كما تسعى شركة «نيسان» لتكون نصف مبيعاتها تعتمد على محركات كهربائية أو هجينة بحلول 2030.
ومن المتوقع أن تدفع هذه المبادرات على مستوى الحكومات والشركات مبيعات السيارات العديمة الانبعاثات إلى مستويات قياسية خلال السنوات القليلة المقبلة، مقارنة بنسبة مبيعات السيارات الكهربائية حالياً، التي تبلغ نحو 10 في المائة في أوروبا، و2 في المائة فقط في الولايات المتحدة. كما يُنتظر أن تدخل محركات الهيدروجين الأسواق بقوة خلال هذا العقد.

عاصمة السيارات الكهربائية الصينية

تعمل صناعة السيارات الكهربائية على تطوير حلول للمصاعب التي تجعل السيارات التقليدية متفوقة عليها حتى الآن، وأبرزها ما يُعرف بنطاق القيادة الذي توفّره دورة الشحن الواحدة الذي يصل في سيارة «نيسان ليف 2020» إلى 240 كيلومتراً، فيما يبلغ في سيارة «تسلا 3» نحو 600 كيلومتر. وعادة ما ترتبط النطاقات الطويلة بكلف أعلى لزيادة سعة تخزين الكهرباء، ولذلك يغلب استخدام السيارات الكهربائية داخل التجمعات السكنية مع تجنب الرحلات الطويلة والقيادة في الطقس البارد الذي يستهلك طاقة البطارية.
ولكن من المنتظر حصول تقدُّم كبير في تكنولوجيا السيارات الهجينة في المستقبل القريب، بحيث تصبح بطارياتها ذاتية الشحن بالكامل بالاعتماد على محرّك السيارة العامل على الوقود التقليدي، مما يمكّنها من قطع المسافات الطويلة باستخدام الكهرباء بنسبة 80 في المائة والوقود العادي بنسبة 20 في المائة، بلا حاجة للشحن من مصدر خارجي أثناء الرحلة.
ومن التحديات التي تواجه السيارات الكهربائية بالكامل وقت الشحن، الذي يعتمد على سعة البطارية وسرعة الشاحن، وهو يتراوح حالياً ما بين 8 ساعات باستخدام الشاحن القياسي في حالة سيارة «تسلا إس» وساعة واحدة باستخدام الشاحن الفائق. وتتطلب أغلب السيارات ساعتين على الأقل لشحن بطاريتها الفارغة، فيما تزداد المسألة تعقيداً بغياب البنية التحتية للشحن في مواقف السيارات ومراكز التسوق وغيرها.
ولا تزال أسعار السيارات الكهربائية مرتفعة نسبياً. فبعيداً عن سيارات تسلا الباهظة، يبدأ سعر سيارة «نيسان ليف» وسيارة «هيونداي أيونيك» بنحو 30 ألف دولار بنطاق قيادة يقل عن 320 كيلومتراً. ومن الملاحظ أن أسعار السيارات الكهربائية تشهد انخفاضاً بالمقارنة مع نظيراتها التي تعمل على الغاز المضغوط، مثلاً، وهي فوق كل ذلك تحظى بإعفاءات ضريبية وحوافز حكومية تسهم في خفض التكلفة على المستهلك.
وتمثل مدينة «ليوتشو» Liuzhou الصينية قصة نجاح في تجاوز هذه المصاعب وتشجيع سكانها على التحول إلى استخدام السيارات الكهربائية. وكانت مبيعات السيارات في المدينة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 3.8 مليون نسمة، سجلت رقماً قياسياً عالمياً حيث بلغت حصة السيارات الكهربائية المبيعة فيها خلال العام الماضي 30 في المائة.
وتمثل المدينة مقراً لتحالف شركات يجمع «جنرال موتورز» الأميركية وسايك وولينغ الصينية، التي تتولى تصنيع سيارات كهربائية صغيرة تبدأ أسعارها من 4500 دولار فقط، وتصل إلى 9 آلاف دولار بمواصفات رفاهية إضافية. وبهذه الأسعار التنافسية، يسيطر التحالف منذ شهر يوليو (تموز) الماضي على سوق السيارات الكهربائية في الصين، التي تعدّ الأضخم في العالم. ويهدف إلى تحقيق مبيعات سنوية تصل إلى 1.2 مليون سيارة كهربائية في العام المقبل، أي ما يعادل تقريباً عدد المركبات الكهربائية التي أنتجتها جميع الشركات الصينية في 2020.
ويعمل هذا التحالف بالشراكة مع سلطات المدينة لتحويلها إلى نموذج للمدن التي تدعم السيارات الكهربائية. وبفضل أكثر من 600 محطة عامة، نفذتها المدينة وتوفر نحو 7400 مقبس شحن، تحمل «ليوتشو» لقب «دائرة الشحن 10 دقائق»، حيث يستطيع سائقو السيارات الكهربائية إيجاد محطة شحن في نطاق 10 دقائق من موقعهم.
وتكاد تكلفة شحن السيارات أن تكون غير ملحوظة، حيث تعادل نحو دولار واحد لكل 60 كيلومتراً. وفوق كل ذلك يستطيع السائق ركن سيارته مجاناً من دون قيود في مواقف السيارات المخصصة للسيارات الكهربائية، أو مجاناً لساعتين فقط في مواقف السيارات العادية. كما تسمح سلطات المدينة لسائقي السيارات الكهربائية بقيادتها في الممرات المخصصة للحافلات، وهو امتياز يوفر الوقت خلال ساعة الذروة أو أثناء الاختناقات المرورية.
وتحظى المدينة بعدد من الفوائد البيئية نتيجة دعمها التحول إلى السيارات الكهربائية. ففي السنة الماضية، جرى تصنيف جودة مياه نهر ليوجيانغ الذي يخترق المدينة في المرتبة الأولى بين أنهار الصين الداخلية. كما تم تصنيف جودة الهواء اليومية في المدينة على أنها ممتازة في 97 في المائة من الوقت خلال 2020، مقارنة بنحو 76 في المائة فقط في العاصمة بكين.
وتخطط «ليوتشو» لتقديم المزيد من الدعم لقطاع السيارات من خلال التشجيع على توطين سلاسل التوريدات، وضمان الابتكار في التقنيات، وتعزيز الصادرات. فيما تسعى صناعة السيارات الكهربائية في المدينة إلى مضاعفة العوائد إلى ما يعادل 80 مليار دولار بحلول 2030.
يمثّل إقناع الناس بالتحول إلى السيارات الكهربائية رهاناً يصعب الفوز به من دون تخفيض الأسعار ووضع قوانين مُلزِمة. وفي المقابل، تُظهر تجربة مدينة «ليوتشو»، التي بدأت تنتقل عدواها سريعاً إلى المناطق المجاورة ومدن صينية أخرى، أن فرص النجاح في خفض الانبعاثات الناتجة عن النقل الطُرُقي تصبح كبيرة من خلال العمل المخطَّط الذي يضمن تقديم تسهيلات محدودة التكلفة في مقابل عوائد ملموسة عبر تقليل استهلاك الوقود وتحسين نوعية الحياة. كما تثبت أن تخفيض أسعار السيارات الكهربائية ممكن مع زيادة كميات الإنتاج وعدم المبالغة في الفخامة والكماليات.



البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
TT

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الدول بسببه. إذ تظهر الفاتورة الحقيقية لاحقاً، متمثلةً في الأعباء التي تقع على عاتق الميزانية العامة والمناطق الساحلية والمنظومة الصحية. فالبلاستيك يكلّف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ومع تزايد النهم العالمي لاستخدامه، ستتفاقم هذه التكلفة أيضاً.

ويكشف تقرير جديد صادر عن منظمة «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تحت عنوان «الثمن الخفي للبلاستيك»، أن التلوث البلاستيكي يكلّف مصر والمغرب وتونس مجتمعين ما بين 1.7 و5.5 مليار دولار أميركي سنوياً نتيجة الأضرار التي يلحقها بالنظم البيئية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، محذّراً من أن استمرار التقاعس عن مواجهة الأزمة قد يرفع من مقدار هذه الفاتورة لتصل إلى ما بين 30 و98 مليار دولار بحلول عام 2040.

وبيّن التقرير أن التلوث بالبلاستيك في كل من مصر والمغرب وتونس أصبح أحد أبرز الضغوط البيئية والاقتصادية في الوقت الحالي، إذ تتجاوز تداعياته الشواطئ المليئة بالنفايات لتطول ميزانيات الدول، وسبل العيش في المناطق الساحلية، والصحة العامة. وتشترك هذه الدول الثلاث في بحر يستقبل ما يقدر بـ229 ألف طن من البلاستيك سنوياً، ويحتوي بالفعل على أكثر من مليون طن في قاعه. كما أنها تقع في منطقة تولد أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً - ثلثاها لا تتم إدارته بشكل سليم - ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الحجم تقريباً بحلول عام 2050.

وبما أنّ خفض هذه التكلفة يتطلب تحركاً على المستويين الدولي والوطني، طرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى الوطني في كل من الدول الثلاث.

قالت فرح الحطّاب، المسؤولة الأولى عن حملات البلاستيك في «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»: «إن التلوّث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بإدارة النفايات، بل أصبحت له تكلفة تمتد إلى الاقتصاد والصحة والبيئة. وتتحمل الحكومات والبلديات والمجتمعات الساحلية والمواطنون جزءاً من هذه التكلفة، فيما تزداد الأعباء كلما استمر إنتاج البلاستيك واستخدامه وتسربه إلى البيئة».

التلوث البيئي يحاصر كثيراً من الدول (رويترز)

وأضافت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تشمل الفاتورة تكلفة جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الشواطئ، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها قطاعات تعتمد على البيئة البحرية، مثل السياحة والصيد».

وتابعت: «لا تقتصر المخاطر على النفايات البلاستيكية نفسها. فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو التي قد تتسرب منه ترتبط، وفق دراسات علمية، باضطرابات هرمونية وتأثيرات على الجهاز التناسلي والمناعي والتنفسّي. كما يمكن أن يدخل الميكروبلاستيك إلى الجسم عبر الغذاء والماء والهواء، ولا تزال آثاره الصحية على المدى الطويل قيد الدراسة. وهذا يعني أن التكلفة قد تمتد أيضاً إلى تكاليف الرعاية الصحية».

واستطردت أن البحر والكائنات البحرية يدفع ثمناً كبيراً أيضاً. فقد يؤدي ابتلاع البلاستيك أو التشابك به إلى إصابة الكائنات البحرية أو نفوقها، بينما يمكن للميكروبلاستيك أن يؤثر في التغذية والنمو والتكاثر لدى بعض الكائنات، وأن ينتقل عبر السلاسل الغذائية.

ووفق التقرير، تتفاوت التكلفة بين البلدان: ففي مصر، تتراوح بين 740 مليون دولار و3.1 مليار دولار سنوياً، بينما تُقدّر في المغرب بنحو 1.2 مليار دولار، وفي تونس بنحو 400 مليون دولار. وهذه التقديرات تركز على الأضرار الاقتصادية التي تلحق بالنظم البيئية البحرية، ولا تشمل كامل التكاليف المرتبطة بالتلوّث البلاستيكي.

ويكشف التقرير أيضاً عن تفاوت مهم في واقع البلدان الثلاثة. ففي مصر، يأتي ارتفاع التكلفة في سياق مستويات مرتفعة من التلوّث البلاستيكي في البحر المتوسط، فيما تُظهر حالة المغرب أن السياسات العامة يمكن أن تحدّ من بعض أشكال استخدام البلاستيك، كما حدث مع الأكياس البلاستيكية. أما في تونس، فيشير التقرير إلى أن خفض استخدام البلاستيك يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية.

وتأتي أهمية التقرير في توقيت حاسم لمسار المعاهدة العالمية للبلاستيك. فقد صدر قبيل اجتماع رؤساء الوفود الذي عُقد في بانكوك بين 27 و30 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة ممثلين عن مصر والمغرب وتونس، وقبل الجولة الرسمية المقبلة من المفاوضات في مارس (آذار) 2027. وبالتالي، يقدّم التقرير دليلاً على أن تكلفة أزمة البلاستيك ليست بيئية وصحية فقط، بل اقتصادية أيضاً، وأن استمرار الاتجاه الحالي سيجعل تكلفة عدم التحرّك أعلى.

الشواطئ المصرية مليئة بالألعاب البلاستيكية (EPA)

قال الدكتور محمد عطية، أول باحث مصري ينضم للوكالة الأميركية لحماية البيئة، ويشغل حالياً منصب مستشار الخدمات البيئية والهندسية بشركة أيكوم: «إن البلاستيك رخيص الثمن عند الشراء، لكن تكلفته الحقيقية تظهر في المراحل التالية للشراء، في عمليات جمع وإدارة المخلفات، وعمليات التنظيف المطلوبة للتخلص منه، والتأثير على البيئة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام الواردة بالتقرير تمثل تقديراً اقتصادياً لجزء من الضرر، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بتسرب البلاستيك إلى البيئة البحرية، وهو بالطبع لا يمثل التكلفة كاملة».

ووفق تقرير «غرينبيس» لا تشمل هذه الأرقام التكاليف المباشرة التي تتكبدها قطاعات السياحة، ومصايد الأسماك، والشحن البحري، أو التكاليف المتعلقة بصحة الإنسان؛ إذ لا يتضمن الرقم حالات دخول المستشفيات، أو أيام الصيد الضائعة، أو فواتير البلديات غير المسددة، كما أن جميع الافتراضات المستخدمة في إعداده وُضعت بحيث تُبقي التقديرات عند حدّها الأدنى، لا الأعلى. والجدير بالذكر أن القطاعات المستبعدة ليست ضئيلة؛ وتُضاف أي خسائر تلحق بهذه القطاعات بسبب التلوث بالبلاستيك إلى الأرقام المذكورة في التقرير.

وعلّق عطية بأن الحل هو مزيج من تقليل الاستخدامات غير الضرورية، مع زيادة معدلات إعادة الاستخدام، وتصميم منتجات أسهل في التدوير، وتحسين منظومة الجمع والاسترداد. محذراً من أن أي بديل مقترح لا بد أن يجري تقييمه على دورة حياته كاملة، فليس كل بديل «أخضر» يكون بالضرورة أفضل في كل الاستخدامات.

وأوصى عطية بتحليل لدورة حياة البلاستيك بشكل كامل، بما يضمن الاطلاع على كافة التفاصيل، وليس التركيز على المنتج النهائي فقط، مثل أنواع الكيماويات الداخلة في التصنيع ومعرفة حجم التأثير البيئي للمنتج.

ويعلق عطية على النتائج التقرير بقوله إن حجم التسرب هو أكبر نقطة ضغط في مصر، حيث يصل جزء كبير من المنتجات البلاستيكية إلى البحر المتوسط عبر نهر النيل، موصياً بتحسين عمليات جمع المخلفات البلاستيكية.

وأضاف أنه على الرغم من أن لدى المغرب بنية تحتية جيدة وخطط قائمة بالفعل، لكن التقرير يوضح وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي على الأرض، مع وجود ضغوط مالية كبيرة على البلديات. وفي تونس هناك قطاع للجمع والتدوير، ولكن جزءاً كبيراً من قدرة التدوير غير مستغل، مع وجود مشكلة واضحة في نموذج التمويل، وليس مجرد نقص التكنولوجيا.

وأوضح أن التقرير يبرز بشكل واضح أن مشكلة مخلفات البلاستيك في هذه الدول الثلاث ليست في الاستخدام فقط، لكنها أيضاً في نظم الإدارة والتمويل.

من جانبها، شدّدت الحطّاب على أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الصعيد الدولي، هو معاهدة عالمية قوية تغيّر هذه المعادلة، من خلال الحد من البلاستيك غير الضروري من المصدر، وإلزام المنتجين بتحمّل مسؤولية ما يطرحونه في الأسواق، وتوفير آليات مالية قوية، بما يضمن ألّا تُترك دول منطقتنا وحدها في مواجهة تدفق متزايد من النفايات.


دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.


ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال باحثون في مختبر تأثيرات المناخ، التابع لجامعة شيكاغو، اليوم الأربعاء، إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة»، هذا العام، قد تؤدي إلى ما يصل إلى 451 ألف حالة وفاة إضافية حول العالم، خلال ستة أشهر حتى فبراير (شباط) 2027.

وذكر المختبر، في تقرير، أنه من المرجح ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة بنسبة 44 في المائة، مقارنة بالسنوات العادية، وقال إن الدول التي مِن المرجح أن تعاني أكبر عدد من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة، في الفترة من سبتمبر (أيلول) 2026 إلى فبراير 2027 هي نيجيريا بواقع 31400 وفاة، تليها إندونيسيا بنحو 19300وفاة، ثم السودان بواقع 17600 وفاة.

تؤدي «النينيو» إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

ومن المرجح أن تتسبب موجة الحر في منطقة الساحل الأفريقي، التي تضم النيجر وتشاد بالإضافة إلى نيجيريا والسودان، في 66800 وفاة إضافية، خلال فترة الأشهر الستة.

ويتوقع الباحثون أن تشهد الفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا مجتمعةً 19400 وفاة إضافية.

وقد يرتفع عدد الوفيات الزائدة أكثر من ذلك إذا امتدت ظاهرة «النينيو» إلى عام 2027، حيث ستكون المناطق الرئيسية في نصف الكرة الشمالي، ومِن بينها الهند وباكستان، معرَّضة جداً للخطر خلال شهور الصيف.

ووصف المختبر ظاهرة النينيو، هذا العام، بأنها «رسالة من المستقبل» تُبلّغنا بدرجات الحرارة التي ستصبح طبيعية في غضون بضعة عقود فقط.

وأشار المختبر إلى أن جهود الاستجابة للطوارئ يجب أن تُوجَّه إلى المناطق ذات الأولوية القصوى؛ للحد من الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الشهور المقبلة.

وقال مايكل جرينستون، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمؤسس المشارك للمختبر: «يتيح هذا التقرير لصانعي القرار تحديد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات طارئة، الآن، فيها لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في الشهور المقبلة».