إيلي السمعان لـ«الشرق الأوسط»: بكينا جميعنا في كواليس «شتي يا بيروت»

يصفه ممثلون بالمخرج الهادئ

TT

إيلي السمعان لـ«الشرق الأوسط»: بكينا جميعنا في كواليس «شتي يا بيروت»

يعد إيلي السمعان من المخرجين اللبنانيين الشباب الذين لمعوا بأعمال درامية تميزت بتغليفة وصورة وحركة لافتة. يصفه من تعاون معه من ممثلين ونجوم محليين وعرب بـ«المخرج الهادئ». فهو يمكنه أن يتحكم بموقع التصوير، بصوت منخفض ومن دون شوشرة.
المخرج «الرايق» كما يلقب هو صاحب النبض الشبابي الذي ترك أثره على «أصحاب تلاتة» و«العودة» و«زوجتي وأنا»، ويشهد له اليوم بإتقانه لمسلسل «شتي يا دني». المسلسل من بطولة نخبة من النجوم اللبنانيين والعرب، بينهم عابد فهد وديما بياعة وزينة مكي وعمر ميقاتي وعبدو شاهين والسا زغيب وجيري غزال وغيرهم. أما كتابة المسلسل فتعود لبلال شحادات الذي قدم حبكة درامية واقعية بأحداثها وتفاصيلها.
ويقول إيلي السمعان في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «يتميز نص بلال شحادات باستفزازه للمخرج الذي يدير العمل. فعندما قرأت قصة «شتي يا بيروت» شعرت وكأنه يتحداني في كيفية تنفيذه. فرحت أرسم في مخيلتي الخط والأسلوب اللذين علي اتباعهما، كي أترجم النص. فهو محبوك بأسلوب واقعي مميز، بحيث إن جميع مشاهده من نوع الـ«ماستر سين» كما نسميها في عالم الإخراج. فأحداثه مشوقة ومتلاحقة بشكل يتطلب من مخرجه أن يحك دماغه جيدا قبل الإقدام على أي خطوة».
حضر إيلي السمعان لهذا العمل لفترة عام كامل، وهو يعد أول تجربة درامية مختلطة يخوضها. «كنا نجتمع باستمرار، المنتجة لمى الصباح وبلال شحادات وأنا نقرأ النص ونشرحه. رسمنا الشخصيات ودخلنا أعماقها، فحفظت القصة عن ظهر قلب، حتى بت ملما بكل شاردة وواردة».
دقيق إيلي السمعان في تنفيذه أي عمل درامي، ولعل تميزه بتحريك كاميرته وإيقاعها الحيوي هو ما يدلل على الكمال الذي يرغب في أن يعنون شغله. «أخاف كثيرا على عملي ويصيبني نوع من الانزعاج إذا ما لاحظت شائبة، فيهرب النوم من عيني. هذا الإتقان يريحني ولذلك أحضر كثيراً قبل المباشرة بالعمل».
يفتخر إيلي السمعان في اختياره من قبل شركة الصباح للإنتاج لإدارة عمل بهذا المستوى. ويرى أن هذا النوع من العروض يشكل لصاحبه مكافأة تشعره بالسعادة. «يقول المثل تعبت ولاقيت» «وهكذا أعتبر هذا العرض الذي يترجم جهدي في مشواري».
ما يهم إيلي السمعان في إدارته لأي عمل، أن يثق بطله بكاميرته. «إنها مسؤولية كبيرة أتحملها، ولذلك من غير المقبول أن تأتي نتائجها أقل مما أتطلع إليه».
يرى المخرج اللبناني أن عملية المونتاج، هي إخراج من نوع آخر. «إنها مرحلة تتطلب الدقة كثيراً، لأنه لا يصح أن يأتي مشهد قبل آخر. أشرف على الأمر بنفسي، ففي هذه المرحلة يتعرف المخرج عن كثب إلى ما أنتجه، ويعيش القصة بكل تفاصيلها. أنا شخصيا بكيت عدة مرات أثناء الإنتاج، واكتشفت إبداع كل نجم من نجوم العمل».
من خلال تعاونه مع نجوم أمثال عابد فهد وديما بياعة وعمر ميقاتي والسا زغيب وعبدو شاهين وغيرهم يشعر السمعان بالفخر. «كانت تجربة درامية خاصة، ولذلك أعتبرها نقطة فاصلة في مشواري. وأعترف أنه بعد اليوم هناك إيلي السمعان ما قبل «شتي يا بيروت» وآخر بعده».
يقول المخرج اللبناني «في «شتي يا بيروت» لا نفتعل أحداثا درامية، إنما هو ينقل كل الأحزان والواقع الأليم الذي نعيشه. فالقصة ترتكز على شخصيات حقيقية يمكننا أن نصادفها في يومياتنا. إنها تشبهنا وتلامسنا عن قرب ولذلك نتأثر بها».
يعد إيلي السمعان بأجواء حماسية ومشوقة في القسمين الأخيرين من «شتي يا بيروت». «إنكم لم تشاهدوا الأجمل بعد، فالحلقات المقبلة تحمل مفاجآت كثيرة، وفيها كمية كبيرة من الإثارة». كل ممثل في هذا العمل يعتبره إيلي السمعان نجماً بحد ذاته. «بدءا من عابد فهد مروراً بعبدو شاهين وعمر ميقاتي وزينة مكي والسا زغيب وجيري غزال وغيرهم، جميعهم أبدعوا. لم يبالغوا في أدائهم وساروا بين النقاط حتى جاء العمل متكاملا. لقد كنا في الكواليس نبكي، وأحياناً بعد مشهد ما يسود موقع التصوير الصمت لاندماجنا بأداء جميع هؤلاء. وعندما كنت ألتفت يمينا أو يساراً وأرى غالبية فريق العمل متأثراً، كنت على يقين بأن هذا العمل سيحبه المشاهد ويعجب به».
يخرج إيلي السمعان الكليبات الغنائية وكان أحدثها «تيرارا» لبشار جواد. فهل بعد نجاحه في الدراما سيبقي على تنفيذ الكليبات المصورة؟ يرد: «طبعا سأكمل في هذا المجال. فالمخرج بالنسبة لي هو محيط من الإبداع والكليبات هي واحدة منه. ومع بشار جواد نحن أكثر من مخرج ومغن لأني مدير أعماله ونؤلف معا ثنائيا فنيا بحيث ندرس سويا كل خطوة نرغب في القيام بها. لن أتوقف عن تصوير الكليبات لأنه عمل أحبه أيضاً. وأتمنى في المستقبل القريب أن أتحول أيضاً إلى المسرح الغنائي الشبيه بعروض «برودواي» المشهورة. فهو واحد من أحلامي الكثيرة التي أرغب في تحقيقها».
عمل السمعان في مسرح الأطفال وكذلك شارك كممثل في أعمال عدة كـ«بيوت راس بيروت» و«فاميليا» و«نضال». «ولكني انتهيت من هذه المرحلة وأركز اليوم على الإخراج». وهل على المخرج أن يكون ممثلا كي يبرع أكثر في عمله؟ يرد: «لا ليس من الضروري أبدا ولكن التمثيل يزوده بخبرة يستطيع أن يضيفها إلى عمله».
من يتابع «شتي يا بيروت» يشعر وكأن كل حلقة منه هي بمثابة فيلم بحد ذاتها. «كان هذا هدفنا الرئيسي والمنتجة لمى صادق الصباح كانت مصرة على ذلك». وعن تجربته مع نجوم دراما معروفين يقول: «إنهم يملكون تاريخا طويلا ورائدا في عالم الدراما. لم يكن الأمر سهلا علي في البداية، وتملكني الشعور بالرهبة متسائلا كيف سأتعامل مع هذا النجم أو ذاك وأطلب منه إعادة مشهد أخطأ في تقديره. ولكن جميعهم أعطوني ثقتهم وكانوا محترفين ومتعاونين إلى أقصى حد».
ويتحدث المخرج اللبناني بإسهاب عن الطفل حسن مرعي مجسد شخصية أيوب في العمل ويقول: «لقد شكل بهجة الفريق وغير في نظرتي إلى هذا النوع من الأشخاص المصابين بـ«دون سيندروم». يملك حسن كمية حنان رهيبة يغمرك فيها تلقائيا فيصبح حاجة بالنسبة لمن يتعرف إليه ويعيش معه. وأعتبر هذه التجربة مع حسن حفرت في ذهني ولن أنساها طيلة عمري. كانت صادقة وغنية إنسانيا ومهنيا، حتى في عملية التعاطي معه ليؤدي مشاهده، كنا نعطيه مساحة من الحرية كي يتلقف الدور على سجيته فيأتي طبيعيا».


مقالات ذات صلة

مصر: عرض «جلال الدين السيوطي» في رمضان المقبل

يوميات الشرق ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)

مصر: عرض «جلال الدين السيوطي» في رمضان المقبل

«ماسبيرو» يستعد لتقديم مسلسل تلفزيوني تاريخي عن سيرة حياة وفكر الإمام المصري جلال الدين السيوطي، على أن يُعرض خلال موسم رمضان المقبل.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق الممثلة المصرية إنجي كيوان تراهن على الأدوار الجديدة (حسابها على فيسبوك)

إنجي كيوان: «وننسى اللي كان» نقطة تحول في مسيرتي

قالت الممثلة المصرية إنجي كيوان إن دورها في مسلسل «وننسى اللي كان» كان محطة فارقة في مسيرتها الفنية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)

ميشال حوراني يرفض تنميط أدواره ويُقدّم «الشرير الأنيق» في «المحافظة 15»

لم يعد الشرّ مرتبطاً باسم ممثل بعينه، بل بات جزءاً من أدوار يؤدّيها ممثلون من خلفيات متنوّعة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته.

انتصار دردير (القاهرة )
خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

خاص كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.